منتدي جمال عزوز

أهلا بكم في المنتدى
منتدي جمال عزوز

منتدي الادب والفنون والكتابات النثرية والقصة القصيرة

المواضيع الأخيرة

» من كتاب الشخصية6
الإثنين ديسمبر 09, 2013 5:48 pm من طرف Admin

» من كتاب الشخصية5
الإثنين ديسمبر 09, 2013 5:46 pm من طرف Admin

» من كتاب الشخصية4
الإثنين ديسمبر 09, 2013 5:45 pm من طرف Admin

» من كتاب الشخصية3
الإثنين ديسمبر 09, 2013 5:44 pm من طرف Admin

» من كتاب الشخصية2
الإثنين ديسمبر 09, 2013 5:42 pm من طرف Admin

» من كتاب الشخصية
الإثنين ديسمبر 09, 2013 5:41 pm من طرف Admin

» نموذج من بناء الشخصية
الإثنين ديسمبر 09, 2013 5:39 pm من طرف Admin

» كيف تنشأ الرواية أو المسرحية؟
الإثنين ديسمبر 09, 2013 5:38 pm من طرف Admin

» رواية جديدة
الإثنين ديسمبر 09, 2013 5:26 pm من طرف Admin

التبادل الاعلاني

احداث منتدى مجاني

مارس 2017

الإثنينالثلاثاءالأربعاءالخميسالجمعةالسبتالأحد
  12345
6789101112
13141516171819
20212223242526
2728293031  

اليومية اليومية

تصويت

تدفق ال RSS


Yahoo! 
MSN 
AOL 
Netvibes 
Bloglines 

احصائيات

أعضاؤنا قدموا 254 مساهمة في هذا المنتدى في 142 موضوع

هذا المنتدى يتوفر على 35 عُضو.

آخر عُضو مُسجل هو sansharw فمرحباً به.


    الضفة المظلمة 9

    شاطر

    Admin
    Admin

    عدد المساهمات : 150
    نقاط : 444
    السٌّمعَة : 0
    تاريخ التسجيل : 30/10/2009
    العمر : 43

    الضفة المظلمة 9

    مُساهمة  Admin في الإثنين ديسمبر 14, 2009 3:51 pm

    VIII. الإله الضب
    فـي توالي الحلم الضبابي نفسه، كان مرة أخرى المكتشف الضائع والمنهوك فـي قصة الخالة مارثيلنا القديمة، وكان فـي الوقت نفسه الطفل الرشيق والخفـيف الذي خرج من البيت ذات مساء. كان المكتشف قد جاب فراسخ طويلة من الصحارى والمستنقعات والغابات. كان متعبا جداً، يمشي ذاهلاً على ضفة نهر مياهه بطيئة وضاربة إلى الخضرة. وكان الطفل ينزل عبر الدرب راكضاً، مقترباً من ضفة أخرى مظلمة.
    كان كلاهما معاً، وكان يميز بوضوح أحاسيس جسديه المختلفـين، فـي سياق أعمال كل منهما، لكنه بعد ثوان قليلة فقط سيتحول إلى كائن وحيد. ففكرة الركض، وجهده لكبح السرعة التي يضطره إليها انحدار السفح، كأنه يطير تقريباً فوق خطوات الجسد الطفولي الواسعة العاصفة، ليتبدد أخيراً فـي جوهر الجسد الآخر الثقيل والبطيء.
    كان قد توغل مرة أخرى فـي أراضي الحلم. وجد نفسه تحت الشمس الساطعة، وفـي الوقت نفسه فـي عتمة قبو. أمامه ينزلق درب طويل يتلاشى بريقه أخيرا بين ظلال ضفة، وكان فـي الوقت نفسه فـي مكان مظلم، رطب، على مقربة من كتلة مطموسة الملامح. لكن الصورة الثانية كانت طاغية، وعندما اقترب أكثر، بدا كما لو أن الاقتراب قد أذاب النور المشع والظلمة الكثيفة على السواء، ورأى أن تلك الكتلة هي منحوتة ضخمة من حجر رمادي.
    ظن فـي البدء أنه استنساخ لهيئة بشرية، حتته وبترت أطرافه صروف الزمان غير المحددة. ربما كان طوله عشرة أشبار. ولم يكن كاملاً، إذ كان ينقصه نصف ساقيه، بدءاً من نقطة تعلو قليلاً المكان الذي يجب أن تكون فيه الركبتان. ومع ذلك، كان وضعه عمودياً بصرامة، يُذكر بوضع طقوسي. إحدى الذراعين تمتد على طول الجانب الأيمن، ملتصقة بالجسد. والذراع الأخرى مطوية على الصدر، واليد فوق الجانب الأيمن من الجذع. وكان الذراعان نحتاً غائراً تقريباً، وكتلة اليدين تذوب فـي سطح المنحوتة، كما لو أن النحات، باكتفائه بتحديدها فقط، أراد إعطاء انطباع بجسمانية مبهمة. ذلك الغياب للتحديد، للتضاد، يظهر أيضاً فـي ملامح الوجه، حيث تكاد لا تبرز الأقواس السطحية، وفتحة الفم، وتحدب الأذنين والوجنتين، والأثر الوحيدة الظاهر هو البروز الحاد للأنف الطويل والضيق. كان الرأس يستدق وينمو فـي جزئه العلوي. وبين الفخذين، بدلاً من العضو الجنسي، يبرز نتوء آخر مدبب، أشد قتامة من بقية الحجر، يُذَكِّر بالشكل الحاد لشفرة بلطة.
    ركز انتباهه، كمن يتابع بنود تعليمات محددة، حتى أدرك أن المظهر البشري قد شُوّه فـي عدة تفاصيل مهمة: فتلك الاستطالة العليا فـي الرأس لها شكل قرن، وتظهر وراءها عدة نتوءات أخرى، يأخذ حجمها بالتضاؤل حتى تختفـي تماماً فـي موقع القذال، وعلى جانبي ذلك الشكل الشبيه بالزعنفة، وفـي اتجاه متعامد معها، تقدم الجمجمة مجموعة شقوق طويلة تتكرر، وإن يكن فـي اتجاه معاكس، عند مستوى القذال. ويبدو النحت بلا عنق تقريباً. وهناك فرضات ناعمة على الظهر والردفـين توحي بشرط خاص بطبيعة النموذج المنحوت نفسه، وليس زينة أو وشم. وعلى الخد الأيمن، قرب الأنف، وفي الجهة نفسها من الجذع، يوجد شقان عريضان، دائريان تماماً، بعمق سنتيمتر واحد تقريباً.
    من تلك الهيئة العمياء، مطموسة الملامح، ينبعث إحساس قوي ومألوف، يلتقى فـيه الإنساني والحيواني دون انسجام، ولكن بمعقولية خفـية، ليكونا شيئاً يتضمن النوعين كليهما ويتجاوزهما. فالذراعان كانا فـي الوقت نفسه قائمتي حيوان زاحف نحيلتين. أما الصدر فكان بشرياً مع ذلك. وفـي الوجه تتداخل ملامح النوعين كليهما. وبينما هو مستغرق فـي التفسير المتناقض لتلك الهيئة، ظل هو نفسه جامداً بلا حراك أيضاً، يتأمل مرة بعد أخرى سمات شكل المنحوتة وخدوشها وشقوقها، واجداً فـي ذلك الشيء جاذبية خفـية، وتوافقاً مبهماً مع حميمية نائية جداً.
    لم يشعر بالمفاجأة. كان مستغرقاً فـي الحلم بوعي كامل له وبإحساس ممتع بالراحة. وكما لو أن تلك الراحة قادرة بدورها على استثارة حلم آخر، كانت تشتعل فـي ذهنه الصورة الأخرى على نحو متزامن: لقد كان طفلاً ينزل راكضاً. هناك فوق، كان البيت، والنهر تحت. كان قد نزل كثيراً عندما لفت انتباهه بريق. أوقف اندفاع ركضه فوراً. هناك شيء عند قدميه، إلى جانب أجمة، يتلألأ تحت شمس الصباح.
    كان يعلم ــ ليس لأنه حلم بذلك من قبل، بل عن معرفة سابقة مؤكدة ــ أن تلك هي اللقية التي بحث عنها طوال حياته. كان يعلم أن الرحلات انتهت نهايات سعيدة. لقد صعد خلال النهار الدرب الضيق الذي يساير نهراً ذا مياه بطيئة وضاربة إلى الخضرة. وكانت القردة تصرخ فـي أعلى الأشجار، وسط لغط الطيور غير المرئية المتواصل. وعند بدء الغروب، تحت شجرة هائلة الجذع، فـي مكان لا يُلمح فـيه أي أثر بشري، وجد أول كرة حجرية مدركاً أن ذلك الشيء ينتمي إلى عالم بحثه، وهو عالم غير محدد ومؤكد فـي الوقت نفسه.
    انحرف عن مسار تيار النهر واتبع درباً جانبياً، بينما راحت تظهر تباعاً كرات مختلفة الحجوم. كان الوادي يضيق وسط مجموعة تلال صغيرة تغطيها أشجار يتلوى الدرب بينها. وعلى سفح التل الأخير، الخالي من التراب والأشجار، تظهر مجموعة معمارية. إنه المعبد. كان هناك إفريز طويل ينهي الجزء البارز من سقف صغير فوق فتحة مدخل مستطيل مظلم. وتؤدي الفتحة إلى الداخل الظليل. دخل منها، ووجد الهيئة مطموسة الملامح، اقترب أكثر، هناك حيث تهيمن الظلال على المكان إلى حدّ الإظلام، وفجأة رأى التمثال تماماً، رأى الزعنفة ذات القرون المتتالية التي تصغر تدريجياً إلى أن تختفـي فـي عقدة صغيرة عند القذال، وملامح الوجه المطموسة التي تبرز بحدة فـي نمنمة الأنف الهندسية مستقيمة الخطوط، ورأى الشكل الممحو للشفتين اللتين تبرزان كأنهما تغطيان بداية فكين حادّين، ورأى الذراع الملتصقة بجانب الجسد، والدقيقة فـي أجزائها كأنها قائمة حيوان زاحف، والعضو الجنسي الشبيه بنتوء مثلث ومدبّب.
    ظل دون حراك، يتأمل التمثال. كانت تحيط به رائحة قوية، خليط من رائحة طين وعشب رطب وطحالب مختفـية، أصابته بإعياء شديد. وشيئاً فشيئاً راح ينسى المكان والساعة إلى أن لم يعد يعي جسده نفسه، وظل ساكناً هناك قبالة الهيئة الحجرية.
    كان إعياؤه خاتمة توتر طويل يضيع فـي أول ذكرياته وفـي استعادة هذا السلام الذي استشعره فـي بعض المرات، وصار ماثلاً هنا بصورة مؤكدة وفسيحة. ظل قبالة هدف بحثه، بعد نجاته فـي رحلات لا حصر لها، واقفاً فـي ذلك المكان المظلم الذي ينبض، كما لو أن الجدران تنقل خفقات قلب كائن حي ضخم، إلى أن أدرك من جديد أنها نبضات قلبه بالذات، وأنه هو ذلك الكائن الحي الضخم الذي يجعل أحشاء المعبد والجدران المدفونة والسقوف غير المرئية تخفق مع صدى نبضه. توقف أخيراً عن إدراك الأحاسيس الطبيعية التي تنقلها إليه عيناه وأنفه وسمعه. أحس أنه على وشك أن يصاب بتضاؤل وتضخم فـي الوقت نفسه. وأدرك أن مجرد إشارة من إرادته ستكفـي لإدخاله إلى الأبد فـي عالم لا ذاكرة له. أسلم نفسه لذلك الدوار. وتشبع متلذذاً بكل ذلك الملجأ. وتغلبت رائحة التراب أخيراً على انبعاث الروائح الأخرى، فكان يستنشقها كما لو أنها غذاء.
    وبالطريقة نفسها، بلغ ركضه القصير وهو طفل نهايته: كان قد خرج من البيت وراح يركض كأنه سيتأخر فـي الوصول إلى مكان ما. كان المنحدر وعراً جداً، وكانت خطواته الواسعة تكتسب، بحكم قانون العطالة، سرعة كبيرة. وفجأة رأى شيئاً لامعاً تحت شجيرة، فجمع قواه كلها ليكبح ساقيه ويوقف جريه.
    كان ما رآه عظاءة إيغوانا بديعة جداً. كانت ساكنة، تنظر بثبات إلى شيء فوقها، فـي أطراف أغصان الأجمة القطنية. وكانت تظهر بدقة تامة فتحتا تجويفها الأنفـي، وصفائح رأسها، والحافتان الطويلتان لشق فمها الناعم، وبقع ظهرها، وأشواك زعنفتها المائلة، والعينان اللامعتان الثابتتان. كانت شمس الصباح تحيط بهما من كل الجهات ببريق دون ظلال، بريق يتغلغل فـي كل الأركان. انحنى على الإيغوانا ماداً يده. لا شك فـي أن موسيقى ما قد توقفت قبل ثوان وما زالت تتردد آخر أصدائها. وستأخذ الأصداء بالاختلاط في همس الريف، وطقطقة النباتات الصغيرة، وطنين الحشرات، وخفق الأجنحة، وأصداء أصوات البهائم والبشر البعيدة، وسينهض هو أخيراً من انحنائه، وسيبتعد عن الإيغوانا ويواصل ركضه نزولاً، حتى يصل الضفة ويسلك الدرب الظليل.
    ومع ذلك،ساوره الشك مرة أخرى، بسعادة لا يخالطها خوف، فـي أنه لن يحدث شيء من ذلك، وأنه لن ينهض، ولن يواصل ركضه. شكٌّ تحول إلى يقين: لن يواصل ركضه لأنه ليس ذاهباً إلى أي مكان، ولأنه ليس آتياً من أي مكان. فهو لم يخرج من البيت قط، ولم يبدأ الركض نزولاً على المنحدر. عرف ذلك، وعرف فـي الوقت نفسه أشياء أخرى كثيرة. عرف أنه لن يصير رجلاً أبداً، وأنه لم يكن طفلاً قطّ. وأنه لم يعش قط فـي تلك القرية، ولم يجتز الصحارى والغابات بحثاً عن الذهب والمجد فـي ترحال طويل ومرهق. والشيء المؤكد الوحيد هو الإيغوانا الثابتة، وهو ثابت أيضاً، يتأملها تحت ضوء الصباح المبهر. التمثال الحجري الكبير داخل المعبد، و«هو» يتأمله مذهولاً. تلك هي الحقيقة الوحيدة فـي العالم. وبالفعل، لم يكن ثمة وجود لشيء سواه وسوى الهيئات التي يتأملها. ولم يكن هو طفلاً ولا رجلاً، مثلما لم تكن الإيغوانا حيواناً ولا نحتاً. ولم يكن المكان المحيط فضاء الصباح المضيء، أو أحضان بناء معتم.
    توالي تلك الرؤى والتحقق منها مرة أخرى، أبقته فـي ترقب بهيج. فهو يعلم الآن أنه يشارك أيضاً فـي مادة الحيوان الحي والحيوان الحجري. وشيئاً فشيئاً راح يمتلك فهماً أشد دقة: لقد كان فـي أول الأمر طفلاً يراقب إيغوانا، ورجلاً يتأمل تمثالاً مطموس الملامح، تمثال حيوان زاحف وإنسان. وبعد ذلك كان إيغوانا حية، ساكنة تحت شجيرة، تراقب فوقها طفلاً ينظر إليها، صورة حجرية لإله قديم يشعر أمامها بحضور رجل مندهش.
    وأخيراً، صار يشعر أن أعضاء جديدة تندفع من داخله إلى الخارج، تريد النمو، وإلى الداخل بنهم جذور. وتبرز من رأسه، مسببة ألماً خفـيفاً، زوائدَ عريضة ومدببة النهايات. وتحول جلده فجأة إلى متوالية من الحراشف الباردة الملونة، كان يشعر بقساوته كأنها حماية. تولدت غشاوة فـي عينيه جعلت رؤيته، فجأة، ضعيفة وغائمة. لكنّ أي حركة صارت مستحيلة عليه أيضاً: كانت مفاصله تثبته بسلسلة معدنية الصلابة. ولم يكن هناك أي نَفَس يملأ صدره المتين. ولم يكن الدم، وإنما ذبذبات الكوكب منقولة من البراكين عبر سلاسل الجبال، هي ما يصل إلى أعضاء ذلك الجسد.
    كان لبعض الوقت الطفل والرجل فـي وقت واحد، وبعد هنيهة كان الحيوان الحي والحيوان الحجري؛ ولكنه سرعان ما صار يشكل واقعاً وحيداً، دقيقاً، ينخرط فـيه الحيوانان الزاحفان والشخصان. وكان المحيط المكشوف والمشمس، هو بالطريقة نفسها المحيط المغلق والمظلم، يلتحم بمتانة مع جوهره. صارت المعرفة مطلقة: وراءه لم تكن ثمة سابقة، وليس أمامه ثمة مستقبل. إنه الموجود الوحيد فـي الواقع وسيبقى هكذا، أبدياً، بلا بداية ولا نهاية. أدرك ذلك مرة أخرى، وتنهد. سيظل عالِماً، مطلقاً، جامداً إلى أبد الآبدين.
    * * *
    فجأة، وعلى الرغم من ذلك الإحساس باللانهائية، أيقن أنه قد استيقظ. كان قد تعشى لحماً نحيلاً، كثير الألياف، له مذاق أرنب بري. لكنه لم يكن أرنباً: فشريحة اللحم الكبيرة تحتفظ بجلد سميك ملتصق بطبقة الدهن. لا شك أن هضم ذلك الطعام الصلب هو سبب هذا الكابوس. عندئذ تذكر بكل دقة مقطعاً دونه إخباري من مكتشفـي بلاد الهند، عن حيوان مختلف جداً فـي الشكل والعادات عن أرنب إسبانيا، وله مع ذلك المذاق نفسه. خمن مفاجأة الرجال الذين كانوا يصطادون، فـي غابات لم يتخيلوا وجودها من قبل، حيواناً لم يروه من قبل قط، وعندما التهموه، واجههم المذاق المألوف، مع استحضار فوري للزعتر فـي الجبال الضاربة إلى الحمرة، وربما رنين أجراس عذب. بعد ذلك، أحاله تذكر مدون الأخبار إلى كتب أخرى وإلى ملاحظات يحتفظ بها بين بطاقات وملاحظات عن التقليد الأدبي الواقعي، تقبع فـي تلك اللحظات بالذات داخل المحفظة السوداء، فوق سطح الخزانة ذات الأدراج.
    صعوبة هضم ذلك اللحم وصلصته الكثيفة القاتمة، حمل خياله إلى دروب وعرة وغريبة، وكانت أساساً للقدرة على التعقيد التي تتعاظم فـي الأحلام متجاوزة قدرات الحالم نفسه. هذه الأفكار التي تفكر من تلقاء ذاتها، تعود عند حد الفجر. ومع ذلك، بين كل تلك التقلبات والوجوه، يمكن العثور على بعض الإشارات المحددة: فللفرنسية ابتسامة سوس الغامضة، مثلما يظهر دون أغابيتو فجأة بمظهر خادم فـيلياس فوغ كما تمثله رسوم فـي الكتاب الذي ناله جائزة فـي فوز مدرسي ذات يوم، ويمكن للربان أن يكون أحد بستانيي حرم جامعته الأمريكية. كانت الوجوه تلمع لحظة وتنطفئ، كشرر نار اصطناعية. ونونيا تلك، ألا تختصر فـي ملامح وجهها الشاحب وجوه فتيات أزمنة صباه جميعهن وهن يتمشين من جانب إلى آخر فـي شارع أوردونيو سيغوندو؟
    ما عاد قادراً على تذكر ملامح سوس. حاول تخيلها مرة أخرى مثلما كانت حين عرفها، عندما بدا له أن الغراميات أيضاً ما هي إلا وهم شبابي، مثل غيرها من حماسات الشباب، وأن الكتب وحدها تظل العالم الوحيد الذي يمكن لكل العواطف والثورات واليوتوبيات أن تكون ممكنة فـيه. ومع ذلك، كان قد نشأ بين سوس وبينه انجذاب آني يُذكّر بغراميات المراهقة. لم تكن لديها آنذاك التزامات أو قيود، وقد رافقها عند عودته من إجازته القصيرة فـي إسبانية. عثر بسهولة على عمل فـي الجامعة وتشاطرا الحياة عدة سنوات، لكن العذوبة الأولى راحت تحضن منافسة متبادلة مذ حاول كل منهما التفوق على الآخر فـي الصلابة والنضج، كما لو أن الآخر قاصر يحتاج إلى وصاية ورعاية مستمرتين.
    الأزمة الأخيرة بينهما كان سببها مضحكاً. فقد أُهدي إليها هرّ بورمي، له عينان كبيرتان ضاربتان إلى البرتقالي. وبدا له أن تعلقها بالحيوان يصبح مَرَضيّاً أكثر فأكثر، ولا يتفق مع العقل الراشد. وفـي أثناء غيابها ذات يوم، وضع الهرّ فـي كيس، وجاب المدينة حتى أبعد نقطة عن مسكنها، وتركه هناك. لم يعترف بأنه المتسبب فـي اختفاء القط إلا بعد أسبوع من ذلك، عندما أوصله استمرارها بالأسى على افتقاد الهر إلى ذروة الغضب. أجبرته عندئذ على العودة إلى المكان الذي ترك فـيه القط. وقد تمكن من الوصول إليه بصعوبة، أما القط فلم يكن موجوداً. فـي الجانب الآخر من البحيرة، كان الضوء المعدني يزيد فـي حمرة الغروب. لم تغفر له ما فعله. وفـي أحد الأيام، أقفلت باب البيت فـي وجهه. وفـي يوم آخر بدأت استجواباً له بصفعة. وتحولا من العذوبة الأولية إلى شراسة متوترة وثابتة مثل عاطفة الحب نفسها. المشادة الأخيرة بينهما جرت فـي مساء يوم ماطر. عندئذ جهز حقيبته، ووضع كتبه فـي عدة علب كرتونية وهجر صحبتها إلى الأبد. وفـي النهاية، عاد إلى حياته الناضجة، بعد أن تبين له أن الانسجام مستحيل، وأن دوامة تيارات المصادفة وحدها هي التي تحدد وجهة الأفراد وتاريخ الجميع.
    كان وجه سوس الغامض: تكشيرة ميديوزا أخرى. ومع ذلك، لم يكن يعاني حموضة، ولا أي إزعاج آخر سوى جفاف الفم. فقرر النهوض ليشرب ماء. فكر أيضاً فـي أن الوقت لا بد أن يكون غير متأخر جداً، وأنه مازال هناك نصف الليلة حتى الصباح. وتذكر باستمتاع أن تلك هي الأيام الأخيرة فـي مهمته، وأنه على أبواب الإجازة المشتهاة.
    كان قد صار متعقلاً بما يكفـي لأن يكون عصياً على التأثر بكل أشكال القلق. فقد فكر فـي أحد الأوقات فـي أن العالم قابل للقولبة، وكانت كل جراحه تأتي من ممارسته ذلك التفكير. أما الآن فـيفكر فـي أن الأمر هو العكس تماماً، وأن الضغوط المتتالية، بعد أن تسحق أدق مفاصل الإرادة وأصغر غضاريفها، تنتهي بأولئك الذين لا يأملون شيئاً سوى القراءة والحلم إلى فقدان الإرادة الميمون والبهيج.
    وهل كانت قصة الحاجين سوى نقل خالص لواحدة من هذه القراءات الهادئة؟ لكنه عجز فجأة عن تذكرها، أو تذكّر أن الأمر غير مرتبط بمعجزة، وإنما هو تلخيص خرافة قديمة لا وجود فـيها للعذراء، وإنما لأم كبيرة، وليس فـيها حاجّان كذلك، وإنما النهار والليل، أو الشمس والقمر اللذان يضمن تعاقبُهما المستقبلَ واستمراره، وسيكون اختلاطهما علامة الكارثة النهائية العظمى. ومع ذلك، كانت ترد إلى ذهنه، بالدقة نفسها التي تُروى بها الخرافة، أسطورة من العصور الوسطى. ربما هي مدونة فـي ملاحظاته. فتلك المعجزات لا تغادر حدود العرف الواقعي: فـيها تشكل الآخرة والقوى السماوية جزءاً من الواقع بصورة عضوية، وينطلق أداؤها حتى مجال أسمى، عجيب لكنه من طبيعة الواقع نفسه.
    لكنه تخيل بطاقات ودفاتر ملاحظاته صفحة صفحة، وعرف أن القصة غير موجودة فـيها، لأنها ليست قصة واقعية، وإنما هي قصة لا ينحصر الزمن فـيها بالتقاويم والساعات. لأن استخدام الزمن، بالرغم من كل التحولات، هو الذي يفصل حقاً بين الطرحين. وبالدقة نفسها التي تذكر بها فقرة الكتاب الإخباري حول الأرنب الغريب، وردت إلى ذهنه المعجزة القديمة كما لو أنه يقرأ الإعلانات فـي واحدة من الرسوم الزخرفـية الساذجة: كيف عاش في الخطيئة حاجان ورعان يوقران سيدتنا العذراء، وكيف عرفت هي أنهما سيموتان ذات ليلة محكومين باللعنة الأبدية، وكيف توسلت إلى ابنها ألا يُنزل بهما ذلك العقاب، وكيف عاقبهما هو عندئذ بالتشرد منفصلين، وبأن يهيما على وجهيهما عبر العالم إلى الأبد، وحكم بأن أي لقاء جديد بينهما سيؤدي إلى نهاية الأزمنة والبشرية الخاطئة. كيف طلبت هي من الحواري سنتياغو، من أجل تجنب الكارثة، أن يخصص ملاكاً يسهر لقرون القرون كيلا يحدث ذلك اللقاء المشؤوم.
    وفكر بعد ذلك فـي أن هناك روايات أخرى عن أنه فـي كل لقاء جديد، حين لا يكون تدخّل الملاك فعالاً، يُحكم على الملاك نفسه بالعقاب ثم يُصفح عنه أخيراً، فـي تكرار لا حصر له من العقاب والغفران. ولكن كل محاولاته لتحديد المصدر لم تكن مجدية، وبالطريقة نفسها كانت معالم الحلم تأخذ بالتلاشي. بدءاً من ذلك البيت الذي فـيه خادمة زنجية، ومن مزرعة البنّ حيث يوجد خادم عجوز وكلب ضامر (ألم تكن للخادم عينا هرّ سوس؟)، وبدءاً من تلك الرحلة عبر غابة نحو أحشاء معبد، ربما كانت أيضاً رحلة عبر قناة مع امرأة تختلط ملامحها الآن تماماً بملامح موظفة الاستقبال اللطيفة فـي الفندق التي تأخذ كل صباح مفتاحه بتحية باسمة، حتى قصص الربان المشوشة. وكل ذلك يتلاشى بسرعة عند الاستيقاظ.
    أسماء، وجوه، أحداث، تتبعثر كلها فجأة كما لو أن قوة انفجار ترمي بها. وتحطم المنطق الذي كان يبقيها متحدة فـي ديكور الأحلام الرملي والعابر، ويعود ذلك كله إلى سكينة كثيب بالغ الطول دون شكل. وفكر: هكذا هي الأحلام. وفـي موضوع النائم اليقظان القديم، فإن الظن بحد ذاته بأن المعيش هو ما حُلم به، يخلّف ذاك دون أي ضرر ودون قوام. وهذا موضوع واقعي مع ذلك، استُخدم بكثرة لأهداف أخلاقية وللدفاع عن العقيدة المسيحية. ألم يكن هو نفسه نائماً يقظان على امتداد حلمه؟ إذ يمكن لكثرة الأدب أن تُحدث آثاراً مشابهة جداً لآثار هضم ثقيل لصيد مداري. وحيث أن الأدب هو تدوين آخر للأخبار، أخبار الرغبة، والضفاف المظلمة، فليس بالإمكان الاستغراب من أن كابوسه كان قد نُسج من أمور كثيرة غير معقولة، وأن قصصاً منسية فـي أبعد رفوف ذاكرته قد وجدت مكانها هناك أيضاً.
    نائم مستيقظ. تلك الفنتازيا الغائمة عن مؤلف مختَلَق لها صلة ببعض ملاحظاته الموجزة ــ فالاختلاق هو، بطريقة ما، تمرد فنتازي غامض ومقتضب فـي مواجهة الإرادة الواقعية ــ ولها كذلك علاقة ملتبسة بهذا الطبع، أو ربما بموضوع الحالم الحلم. ومرت سريعاً فـي سراديب ذاكرته مجموعة من الإحالات المتوالية: تخيل أبا الحسن وهو يفتح عينيه فـي ذلك الفراش الفاخر، بغطائه الذي من الذهب، ويتأمل زينات الحجرة الغنية، وذلك الحشد من الجاريات باهرات الجمال والعبيد الوسيمين المحيطين به، وخلفهم الوزراء والأمراء، الحجّاب والموسيقيون المتأهبون للبدء بمداعبة الأوتار بانسجام. تخيله يتأمل الثياب التي سيرتديها: عباءة وعمامة أمير المؤمنين. تخيله مثلما وصفه الراوي: يغمض عينيه ليعود إلى النوم، مقتنعاً أنه تحت تأثير حلم، بينما الوزير الأكبر يحييه على أنه الخليفة، بثلاث انحناءات احترام، ويُخبره بأعظم تبجيل أن موعد صلاة الفجر قد أزف.
    انتظمت ذكرى ذلك النص بتلك المقدمة التي يستيقظ فـيها صانع مراجل، بعد أن سَكِر من شرب البيرة، ليجد نفسه فـي فراش لورد، مرتدياً ثوب نومه الفاخر، وتتملقه جوقة خدومة ومتوددة مثلما يُعامل به لورد. وانتظمت كذلك مع ذكرى تلك الحكاية المقتضبة ــ السابقة مباشرة على دراما سيخيسموندو ــ حيث سكّير آخر، يعمل حداداً، يُنقل وهو غائب عن الوعي، بإيعاز من الدوق فـيليبو، إلى قصر هذا الأخير، ويُعامل حين يستيقظ كدوق، يرى من بعض النوافذ بيته البائس، ودون أن يدري ما الذي حدث، يتساءل كيف أمكن له الوصول إلى تلك العظمة، وأليس ذلك الصبي الذي يلعب بالخدروف هو ابنه بارتولييّو، وتلك المرأة التي تغزل عند الباب أليست زوجته توريبيا.
    التذكّر الدقيق لتلك القراءات، بعد تعظيم شأن واقع مكتبته الحميمة، يثبت التأكيد أن آخر ملامح حلمه الأخيرة قد تبددت. وفكر أخيراً فـي أن المتحف السعيد نفسه ربما لم يكن سوى إحالة أخرى من الحلم، توصل ــ بقدرته على تمويه متعددة الأشكال ــ أن يموه تحت أشكال أخرى حدود البيت الأبوي، حتى الصور التي تكاد لا تُلمح فـي الواقع وتبدو أقرب إلى إيقونات متعددة الألوان، أو غابة مترعة بكل أنواع النباتات.
    ولكنه حين مد يده ليشعل النور، تبين له أن ذلك الليل لم يكن ليل الفندق الذي تكاد لا تعكر هدوءه سوى أصوات ميكانيكية أو حركة السيارات فـي الشارع. إنه ليل يعج بطقطقة سرية، وخفق أجنحة، وركض سريع بين الأعشاب، وأزيز طويل وناعم. وإلى جانبه كان سواد العتمة يهتز أيضاً برفـيف أجنحة صغيرة، وأدرك بحزن أنه فـي وسط الغابة، تائه فـي رحلة بلا نهاية. وفكر أيضاً أنه فـي حلم، حلم متاهة المرايا الضبابية، لكنه يتدثر بالملاءة بقوة، كما لو أن القماش والعرق درع مضاد للسواد الحالك الذي تذرعه الصراصير الكبيرة المرقطة، والعناكب ذات الجذوع المتطاولة وقمل النبات البطيء.
    كان يسمع ذلك التنفس المنتظم، وكان يخرج فـي الوقت نفسه من ذهوله. والآن، على الرغم من المكان الذي يبدو أنه فـيه، وبعد أن انتُزعت ذاكرته من الشراك التي تثبتها، صار يعرف أن المرأة والرحلة والقصص التي رواها الربان لم تكن إلا تهيؤات غامضة تسبب بها هضمُ حيوانٍ وبري، سُرّته فـي منتصف عموده الفقري، وفـي قائمتيه الخلفـيتين لا يوجد ظلفان، وإنما ظلف واحد فـي كل قائمة. لأن هويته ليست هوية ذلك الرجل الذي فـي إجازة، يجوب مع امرأته القنوات فـي مركب يدفعه ببطء محركُ ديزل قديم، ويقوده ربان مخمور. وعلى الرغم من وعيه الليل، وعلى الرغم من صخب البحر الذي يضطرب بعيداً بوضوح ما هو حقيقي، ووضوح هسيس أصوات الاحتكاك الخفـيفة الدقيقة حول سريره، وعلى الرغم من التنفس الآخر، فقد اعتقد اعتقاداً راسخاً أنه سيستيقظ أخيراً فـي سرير آخر، مستعداً للإسراع إلى عمله فـي قاعات الدروس، إلى أن تنتهي مدة عقده ويعود إلى بلد مولده أول مرة بعد شهور طويلة.
    * * *
    لكنه لم يستيقظ. كانت المرأة قد بدأت تتنفس باضطراب، وكانت تهتز فـي فراشها كما لو أن توعكاً قاهراً يهزها. وأخيراً أطلقت زفرة كبيرة وكلمته.
    ــ هل أنت مستيقظ؟
    لم يجبها. كانت هي تتكلم بصوت منخفض، لكنه جزع.
    ــ ألست مستيقظاً؟
    ــ بلى ـ قال.
    ــ أشعل النور.
    ــ لا يوجد نور ــ قال ــ ماذا أصابك.
    ــ رأيتُ كابوساً. حلم البارحة نفسه.
    بريق خفـيف جداً راح يتخثر فـي شبك النوافذ. وبدا أن نسيماً خفـيفاً جداً، وساخناً، ينبئ بحلول الفجر. وفـي البعيد سُمع زعيق القردة المدوي.
    ــ كنا فـي البيت نائمين. واستيقظتُ لأنه بدا لي أني أسمع بكاء طفل ــ قالت ــ. لكنه كان هرّاً فـي الشارع. كنتَ تنام إلى جانبي. وكنتُ أرى كتلة جسدك فقط، لكنك لم تكن تتحرك. حاولت سماعك تتنفس، ولم أسمع ذلك إلا بعد هنيهة، لكن ليس بالطريقة المألوفة: كانت تتوالى فـي تنفسك، بتسارع، أصوات صفـير غريب. وعندئذ انتبهت إلى أن فـي جسمي إحساساً يختلف عن إحساسي فـي الليالي كلها. وتبين لي أنه لم تكن تصلني أية حرارة من الجانب الذي فـيه جسدك على السرير. كانت كتلة جسدك هناك، راقدة، وكنتَ تتنفس، وإن يكن بطريقة غريبة جداً. ومع ذلك، بدا كما لو كان ذلك الجانب من السرير فارغاً. عندئذ بدأت أفكر أنكَ لست أنت، وأن أحداً أو شيئاً قد حل محلك. وداهمني خوف رهيب. كان قلبي يخفق بقوة. وقد منعني الخوف من الحركة: لم أستطع النهوض، ولا إشعال الضوء. وأخيراً، مددت ذراعي بحذر لأتلمسك. لمست قماشاً وشيئاً بارداً تحته. أبعدت يدي بذعر. ظننت أن هناك شيئاً غريباً يقبع بيننا. مددت يدي أكثر حتى لمست أزرار بيجامتك. وتحتها كان جسمك بارداً أيضاً وخشناً، كأنه مكسو بحراشف. كان هناك تحت البيجامة جسم لا حرارة فـيه، وله حراشف كحراشف ضب.
    نهض بحذر، وجمع عن المنضدة ساعته ومنديله ومحفظته، متلمساً بقرف أجساماً صغيرة متهربة. وبحث بالتلمس عن الثياب والحذاء. لبسها وخرج بتكتم بينما هي تواصل رواية حلمها. وفـي الخارج، كانت رطوبة حارة تضمخ كل شيء. وكان الضوء الخفـيف يسمح بلمح جذوع أشجار جوز هند ممشوقة على بعد خطوات إلى الأمام، ومنضدة خشبية ومقعدين على مسطح عشب كثيف ومبلل.
    وقبالة المنضدة كانت تقبع هيئة بشرية. كتلة جالسة على أحد المقعدين، والرأس يستند إلى الذراعين المعقودتين، وكان يتنفس بشخير خفـيف. جلس هو قبالته. وأخيراً أضاء النور المتزايد زجاجةً فارغة، وبقايا أعقاب سجائر كثيرة مبعثرة على ألواح المنضدة، ورأس الربان المشعث.
    إنه يعرف الآن بوضوح من يكون ذلك الشخص، واستغرق فـي مراقبة ما يحيط به بذهول. كانت دهشته هي دهشة الشخصيات الذين تنقلهم، فـي الحكايات الشرقية، قوى الجنّ فـي أحلامهم من مكان إلى آخر. لكن الموقف بدا غير معقول إلى حدّ أنه، بعد تجاوز حدود أي خوف، وجد نفسه مطمئناً، كما لو أنه بالفعل السائح الذي يخرج باكراً، على امتداد رحلة ترفـيه، ليكتشف استيقاظ الغابة.
    دوى صياح القرود قريباً جداً، كأنه صدر من ذرى الأشجار القريبة. وبينما صدى تلك الصرخة الحادة يتلاشى بين النباتات الكثيفة، استيقظ الربان وهو يهز رأسه. كان الضوء قد صار كافـياً لتمييز ملامح الوجه، وشعر اللحية النامي، والعينين اللتين تبدوان داميتين وزائغتين. صوبت العينان نظرهما إليه، وبعد تردد قصير، انفتحتا بحركة مفاجأة هائلة. كان الرجل قد رفع جذعه، وانزلقت ذراعاه على سطح المنضدة فسحبتا معهما أعقاب السجائر ودفعتا الزجاجة التي تدحرجت على المنضدة حتى سقطت دون ضجة.
    ــ أنت ــ صاح.
    نهض ببطء، كما لو أنه يحترس من مكيدة. وكان فـي نظرته تعرّف مشؤوم.
    ــ غير ممكن ــ قال.
    انحنى، ومال برأسه على المنضدة وغطاه بيديه المتشنجتين فـي حركة تمنعه من الرؤية والسمع، هي فـي الوقت نفسه إشارة إلى صمم وعمى رمزيّين، كأنها حركة يتطلبها طقس ما.
    نهض «هو» وبدأ المشي. خلّف وراءه حجرات الفندق واجتاز البلدة الهاجعة، إلى جانب الأكواخ الخشبية المرفوعة على أعمدة، وهي تشبه بعضها بعضاً فـي كل شيء، ولها رواق طويل أمام المدخل تغطيه ألواح توتياء مسودّة تشكل السقف. وفـي الجانب الآخر من النهر، حيث تنتهي القناة المقابلة، لتصب بصورة عمودية كذلك فـي تيار النهر العظيم، يظل الذراع الأخير من الماء مفصولاً عن البحر بحاجز ضيق تشمخ فـيه أشجار جوز الهند. وفـي الجهة المعاكسة للبحر، ينتصب جدار كبير من الخضرة المتشابكة، يغلق مسطحات المياه العذبة الطويلة.
    واصل المشي على ضفة النهر، متوجهاً نحو البحر. كانت كرة الشمس الضاربة إلى الحمرة تطل من الأفق الأملس البعيد. وصل أخيراً إلى الشاطئ، وتأمل تلك الأمواج العنيفة المتسخة التي تتحطم بقوة على الرمال السوداء. كانت هناك أشجار جوز هند كثيرة مقطوعة الرؤوس، وتتبعثر على الأرض بعض الجذوع النخرة، وأكوام من ثمار جوز الهند اليابسة، تقبع شاحبة كأنها جماجم. وكانت جذور أقرب الأشجار من البحر مكشوفة بفعل حتّ الموج، وتبدو أشبه بأحشاء متلوية. ومن جهة القناة، كان الرمل ضارباً إلى السواد، طينياً ومغطى بأوراق يابسة ومجعدة كأيدي المومياءات. وفـي الداخل، قريباً من المياه العذبة، كان هناك هيكل عظمي لتمساح مازالت مخالبه الحمراء المكسوة ببقية من جلد، تحتفظ بمظهرٍ حي فريد.
    ذلك المنظر يشكل ديكوراً دقيقاً لحلم. وفكر فـي المناظر المتتالية، بدءاً من بيت الأعمدة البيضاء الصغيرة حتى قنوات المياه الموحلة الطويلة والمحاطة بكثافة نباتية، وقدّر أن لها خاصية أشياء الأحلام تحديداً، وأنها واضحة بقدر ما هي غائمة. أغمض عينيه فـي مواجهة الشمس: قريباً جداً سيتحول هذا النور القوي المباشر إلى نور غير مباشر وضعيف. وسيفتح عينيه ويراه مستقراً بعذوبة فـي الفجوات وفـي الأركان. وفـي الجانب الآخر من النافذة، كانت أشجار الفلامبويان القاتمة تبرز على خلفـية سماء رمادية كشراع سفـينة ضخمة تطفو هناك فـي الأعالي، فوق العالم. وسيرتاب للحظة فـي أنه كان رجلاً صغيراً جداً، كواحد من دمى الجنود المصنوعة من رصاص، والمحفوظة فـي خزانة طفولته بين أشكال هندسية وألبومات صور قديمة، وأنه قد تورط فـي مصادفات مغامرة كبيرة مثل أحد جنود غزو أميركا فـي القرن السادس عشر. ولكنه سيتمكن فـي النهاية من الاستيقاظ.
    مع ذلك، بعينين مغمضتين حيال وهج الشمس الأبيض الحي الذي يتحول إلى أحمر وراء جفونه، وهو عالق فـي ذلك الحلم الذي طال كثيراً، وسط هذه المظاهر الحارة والرطبة، العابقة برائحة طين ونباتات كثيفة، وردت إلى ذاكرته لحظات أخرى لم يعرف إذا ما كانت حقيقية أم حلم بها، أم أن حلمه يختلقها فـي تلك اللحظة بالذات كما لو أنها ماضٍ حقيقي. وكتدفق مفاجئ فـي عمق إحساسه، كزوابع غير متوقعة تلوى فـيها الوعي وتبعثر، حضرت صور بعض لحظات الماضي: وهكذا استعاد مواقف كانت قصيرة جداً حين عاشها، وصارت الآن طويلة، هائلة، ساكنة. كانت انعكاسات على ماء راكد، وكان هو منحنياً بين القصب يراقب طيران يعسوب أخرق، بينما الظهيرة تُبقي أشجار الحور دون حراك، وتجعل صوت الماء أكثر خفوتاً. كان «هو» يستلقي إلى جانب حظيرة، على العشب البارد فـي مرج، ينظر إلى السماء الزرقاء تمتلئ شيئاً فشيئاً بالنجوم، فوق أوراق الشجر. وكان يقف بين الصخور الضخمة متأملاً الوادي الصامت إلى أن فقدت الأبعاد والمسافات نسبها المألوفة واتخذت أبعاداً ضئيلة جداً جعلته يتعملق كما لو أنه هو نفسه فـي مركز السماء، يغطي التخوم كلها. وكانت ذكرى هذه اللحظات تتقلب واحدة فواحدة، سريعة مثل زمرة جراء.
    حدثت المفارقة من أنه، من بين شِباك ذلك الحلم المتاهيّ وغير النهائي بالضبط، انبثق إدراك شديد الوضوح باليقظة. فتلك اللحظات المقتضبة، تلك المجردات الخفـيفة، وهذا الدوار العارض فـي تفكيره، تعني كلها جوهر الإحساس المتيقظ، وجوهر المعرفة المتنبهة، رافعة يقينه فوق السراب. كان ذلك، فـي لحظات الذهول والإنهاك تلك، كما لو أن حدود الوعي الفسيحة الممتدة والبعيدة، قد تركّزت. وأنه يدرك أن علاقة الذهول تلك بمياه النهر، بالعشب، بالأغصان، بالتجاعيد، وبالصخور البارزة المبعثرة حتى الوادي، لم تكن علاقة حبل سريّ مشوشة، وإنما هي دليل على أن تفكيره والعالم المعدني والنباتي يشكل هوية واحدة؛ وأن إدراك تلك العلاقة كان محجوباً، متوارياً، بعبوديات مظهره البشري، لكنه متأجج فـيه دوماً؛ وتوصل فـي النهاية إلى لحظة إشراق تدله أن ماء النهر، فـي نهاية المطاف، هو ما يفكر فـي داخله، مثلما هي كذلك النباتات والحشرات والطيور، وحتى الجبال الجامدة نفسها.
    لهذا بدا من المستحيل أن يكون فـي حلم.. فذكرى حالات الوعي المؤقتة تلك تلفه بزخم ما هو حقيقي. وتلك الغابة وذلك المحيط لم يكونا سوى انبعاث باهت لسبات بعيد.
    فتح عندئذ عينيه، لكنه لم يستيقظ: وكانت فراشات كبيرة تحوم عند حدود الظل، وكان هو ضائعاً أمام انعكاس كابوس مداري، شاعراً فـي داخله بتزامن تلك الذكريات الحقيقية.
    لم يستيقظ: فتح عينيه وظل البحر أمامه يصفع بقوة وسط زبد ضارب إلى السواد.
    * * *
    عاد إلى القرية، لكنه لم يسلك طريق الفندق. كان الدخان والروائح يشيران إلى هيجان الحياة اليومية. أطل أول الأطفال. بدأت الكلاب تتشمّم. وكان الدجاج ينقر قرب أعمدة الأبنية الخشبية. وعلى تفرعات الأشجار القريبة، نسجت العناكب شِباكاً لا نهائية تخفـي بصورة غائمة جدران الأكواخ.
    وفـي أثناء مروره، كانت تظهر للحظات بعض النساء الفضوليات من فوق السطوح، وينظرن إليه بينما هو يذرع الشارع الطيني الطويل المرصوف فـي بعض النقاط بجزر اسمنتيه فـي أشد المستويات انحداراً. وفـي نهاية الشارع، فـي ما وراء آخر الأبنية، كان هناك مطار ترابي صغير.. فسحة كبيرة شبه مغطاة بنباتات يابسة ومتفرقة.
    توقف بهدوء. على أحد جوانب تلك الفسحة، رأى كُمَّاً قماشياً أحمر يتدلى من أعلى سارية طويلة زال لونها. وكما لو أن اهتمامه قد أثار فـي ذلك الكُمّ جهداً احتضارياً ليقدم دليلاً على طبيعة وظيفته، فانتفخ قليلاً قبل أن يتدلى مسترخياً من جديد. كان لذلك المشهد مظهر سكون لا يمكن سبر غوره، حالم كالنشوة. وكان هناك فـي الجانب المقابل للكُمّ عنبر من قش، فتوجه نحو الباب.
    كان العنبر الصغير يؤدي مهام بار، ومكتب قطع تذاكر، ومخزن بضائع، ومستودع وقود، وقاعة انتظار. ووراء منضدة كونتوار مؤلفة من لوح خشبي كبير، كان هناك فتى يملأ باجتهاد استمارة ما. دخوله لم يصرف انتباه الفتى عن عمله. وبعد هنيهة، ضرب براحته منضدة الكونتوار برفق.
    ــ تحت أمرك ــ قال الفتى فـي الحال، ودون أن يرفع بصره تقريباً.
    ــ أتوجد رحلة إلى العاصمة هذا الصباح؟
    فتح الفتى فمه بتكشيرة كبيرة كأنها ابتسامة. كانت أسنانه صغيرة ومنخورة.
    ــ بعد نصف ساعة ستصل الطائرة الشراعية. تُفرغ وتُحمل بالبضائع وتعود. أتريد تذكرة؟
    ــ ألن تتأخر؟
    ــ لا تقلق. لقد تأخرت ساعتين. ولا يمكنها أن تتأخر أكثر من ذلك. ستصل بعد حوالي نصف ساعة.
    ــ حسن ــ قال ــ أعطني تذكرة.
    بحث الفتى عن دفتر تذاكر ألوانه باهتة، ربما بسبب الشمس، وبدأ يملؤه.
    ــ ستتوقف الطائرة اليوم فـي سانتا مرغريتا.
    ــ فـي سانتا مرغريتا؟
    ــ لدينا راكب آخر. إنها سيدة ستنزل هناك.
    أشار الفتى بخفة إلى الباب الكبير الذي يطل على حقل الهبوط، حيث يرتفع مستوى الأرض فـي شرفة طويلة مظللة. وكان بالإمكان رؤية جسد بشري على أحد جانبي الباب، يستند دون شك إلى الدرابزين. وعند قدميه تلمع حقيبة ظهر بألوانها الزاهية.
    وبينما الفتى يواصل بجد تسجيل ملاحظات على استمارة جدول، نظر هو إلى الحمولة المعدّة للشحن. كان بينها سمكتا روبالو ضخمتان. إحداهما مازالت تزفر، وفـي عينيها تعبير احتضار جلي ويائس. وقد بدت تلك الزفرات الأخيرة أقرب إلى حشرجات كائن بشري. أكمل كل إجراءات السفر وخرج خارجاً. لم تلتفت المسافرة، غير أن هيئتها فاجأته. وبالفعل، كانت تقاطع ذراعيها فوق الجذع المستخدم كحاجز للشرفة وتُحني جسدها إلى الأمام. وكانت ترتدي بلوزة فاتحة اللون، قصيرة الكمين، وبنطالاً ضارباً إلى الخضرة له مظهر عسكري، وتنتعل جزمة من جلد أصفر.
    كانت امرأة ذات شعر أشقر ومشعث. ومع أنه لا يستطيع رؤية وجهها، ظن أنه عرف على الفور من هي. وكان على وشك أن ينطق باسمها عندما أدارت هي وجهها، وبعد لحظة تردد، فتحت شفتيها أيضاً، وحرّكت جسدها فـي اندفاعة قصيرة كبحتها فـي الحال.
    ــ سوس ــ هتف هو.
    أحس بخوف كبير. ليس لأنه عاد لرؤيتها بعد زمن طويل، وهو ما يمكن أن يكون، مبدئياً، خديعة أخرى من كابوسه، وإنما لأن لها حضوراً حقيقياً مؤكداً، مثل فسحة الهبوط المغمورة بالشمس، والعنبر المزعزع العابق برائحة فواكه متخمرة، بينما هو يعلم أنه أسير الجانب الآخر من عتبة لا يستطيع اجتيازها.
    ــ لكن، ما الذي تفعله أنتَ هنا؟
    ــ إنني أُشرف على حلقة دراسية فـي الجامعة ــ أجاب بعد بذل جهدٍ ليبدو هادئاً ــ وأنا هنا الآن، فـي القنوات، لكني عائد.
    تمكن من إنهاء كلامه. كانت لا تزال تحتفظ بالمظهر الشبابي، وبعينين تشعان حيوية. قبلته على خديه بعاطفة صداقة.
    ــ أرى وجهك شاحباً ـ قالت ـ وكثيراً من الازرقاق حول عينيك.
    ــ لم أنم جيداً فـي الآونة الأخيرة.
    أحس بقدر أكبر من الاسترخاء حيال طمأنينتها. كان يدرك أن تلك المكالمات الهاتفـية التي استثارت غضب الأرجنتيني كانت موجهة إلى شبح اختفى إلى الأبد. كانت سوس تقف أمامه وقد حمصّت الشمس وجنتيها، وبدا شعرها مهملاً جداً كالعادة، وأدرك أن أي عاطفة بينهما قد ماتت بالفعل منذ سنوات، وإن كانت لا تزال قائمة هذه المودّة التي تربط بين الرفاق القدامى الذين ينتهي بهم الأمر إلى تحميل الظروف أسباب التعاسة التي تسببوا بها هم أنفسهم، وعانوها معاً.
    ــ أتعلمين؟ لقد اتصلت بك هذه الأيام.
    ــ اتصلت بي؟
    ــ كنتُ عصبياً بعض الشيء، وظهر ذلك الرقم الهاتفـي السعيد فـي ذاكرتي بدقّة وإلحاح لا يُطاقان حقاً. اتصلت عدة مرات، لكنك لم تكوني موجودة.
    كانت تتأمله بهدوء.
    ــ أمازلتِ متزوجة من الأرجنتيني؟
    ــ أجل ــ قالت.
    ودعمت تأكيدها بحركة قوية من رأسها.
    ــ آخر مرة اتصلت بك فـيها بدا غاضباً.
    ضحكت سوس.
    ــ وماذا كنت تريد؟
    ــ لا شيء ــ أجاب ــ أظن أنني كنت أشعر ببعض التوعك. شيء من الهلوسة. وقد اتصلت بك للارتباط بالواقع.
    ــ وهل أنا الواقع؟ ــ سألت.
    ــ حين اتصلتُ أول مرة، ذكّرني بأن علاقتنا انتهت من ثلاث سنوات. وقال إنك على أحسن حال.
    لم تجبه بشيء.
    ــ والحقيقة أني أجدك على أحسن حال ــ قال مؤكداً.
    فتنهدت.
    ــ أجل، إنني على أحسن حال. هو يظن أنكَ كنت سيئاً معي. لذلك غضب.
    هزّت هبة نسيم خفـيفة وساخنة ذلك الكُمّ المعلق الذي تحرك بخراقة دون أن يتمكن من الارتفاع. وصار يجد صعوبة فـي صياغة الكلام مثل صعوبة ارتقاء تلك الأداة باهتة اللون. ومع ذلك، بدا له أن الحوار هو الشيء الوحيد القادر على ربطه بما هو خارج الكابوس.
    ــ هل أسأتُ معاملتك حقاً؟
    هزت سوس كتفـيها.
    ــ لقد مضى كل شيء. أنا لم أعد أتذكّر. الحقيقة أننا جعلنا حياتنا صعبة، أنا وأنت.
    كان قد اسند مرفقيه إلى الدرابزين، بوضع يشبه وضعها، وظل يصوب عينيه، دون أن يرمش تقريباً، إلى الأشجار المثقلة تحت الشمس الساطعة. كانت جماعة من نسور الرخمة تحلق فوق الأشجار التي عند حدّ فسحة المطار من جهة القرية. وكانت تلي خط الأشجار كتل خضراء أقل ارتفاعاً، ومجموعات قصب فسيحة تواصل تحديد ميدان الهبوط، ويظهر أخيراً سطح النهر الضارب إلى الخضرة وبقعة الجرف الرمادي.
    ــ وماذا لديك فـي سانتا مرغريتا؟ ـ سألها.
    ــ إنني على أحسن حال ــ كررت، كأنها لم تسمعه ــ جئت وحدي لأن لدي إجازة لبضعة أيام، وكنت راغبة فـي هذه الرحلة. ولكن ليس لدينا أية مشكلة.
    كانت سوس تتكلم ببطء، كما لو أنها تبحث فـي ذاكرتها مسبقاً عن كل كلمة تستعملها. وعندما انتهت، بدا أنها أدركت عدم سماعها سؤاله.
    ــ المعذرة ــ قال بتعجل ــ ما الذي قلته؟
    ــ سألتك عن سانتا مرغريتا.
    ــ سيُحتفل بذكرى تأسيس الإرسالية ــ أجابت ــ إنها إرسالية مهمة جداً. أول إرسالية مسيحية إلى منطقة تمارس فـيها عبادة الزواحف.
    أطلقت ضحكة قصيرة.
    ــ وأقوم ببعض السياحة الرخيصة.
    صار النسيم الآن مثل سائل يلفحهما بموجات دهنية بطيئة. وكان هو يمسح العرق عن جبينه وعنقه.
    ــ ممارسة السياحة هنا مهمة شاقة ــ أجاب.
    عندئذ سُمع دوي الطائرة الصغيرة. وبعد لحظات قليلة ظهرت محلقة فـي الفضاء القريب، وراحت تقترب إلى أن حطت على الأرض. وسرعان مازال القناع عن مظهرها الذي بدا لامعاً فـي السماء؛ لكن الحواف الناعمة الصدئة التي ذهبت ببريقها، ساوت مظهرها بمظهر كل الأشياء الأخرى، معيدة إياه إلى تماسك الواقع اليومي. بدأ قائد الطائرة وفتى المكتب بإفراغ البضاعة، ثم حمَّلا السمكتين، وبعض الحزم والرزم. وأخيراً، استقر هو نفسه وسوس فـي مقصورة الطيّار الضيقة، على مقعدين قاسيين ومهترئين جداً. كانت السمكة المحتضرة تواصل احتضارها، وفكر هو أن ذلك أمر غير عادي آخر لا يمكن استمراره إلا بتأثير الحلم. حمل عن الأرض ورقة جريدة وغطى بها رأس السمكة.
    لم يتبادلا أي كلام آخر. ولما حطت الطائرة الصغيرة فـي سانتا مرغريتا ــ فسحة وسط الغابة على شكل دائرتين متجاورتين ــ جمعت هي أمتعتها بسرعة وقبلته من خديه مرة أخرى. كانت الجريدة قد انزلقت وظهر رأس السمكة. وكانت قد ماتت: فقدت عيناها بريقهما، وظل فمها مفتوحاً فـي آخر زفرة، ربما كرمز لصرخة غامضة. نزلت سوس دون أن تتكلم، رآها تبتعد وأحس بالقلق، لأن ذلك الغياب أعاده إلى كابوسه بالكامل، دون أي حماية ممكنة.
    حلقت الطائرة من جديد. كان يشعر بالنعاس، لكنه لم يشأ النوم، وحاول التحدث إلى الطيار، وهو رجل نحيل فـي عينه اليمنى سحابة قرنية لحمية تغطي ربع القزحية. غير أن صخب المحرك جعل الحوار صعباً، يكاد لا يتعدى مقاطع صوتية متقطعة تختتم جملاً لا تُسمع جيداً ولا تُفهم تقريباً. لكنهم كانوا يحلقون على ارتفاع منخفض، وكانت رؤية مجاري الماء، والبيوت الصغيرة المتناثرة، والوهاد الآخذة بالتصاعد حتى الوادي المركزي، وبدا المشهد المصغّر الذي ينزلق تحت الطائرة في النهاية أشبه بمحاكاة تعويضية عن حلم بالطيران يأتي لتهدئة قلقه.

    زيزو

    عدد المساهمات : 8
    نقاط : 8
    السٌّمعَة : 5
    تاريخ التسجيل : 03/01/2010

    رد: الضفة المظلمة 9

    مُساهمة  زيزو في الأحد يناير 03, 2010 3:20 pm

    الدنيا ضلمة

      الوقت/التاريخ الآن هو الثلاثاء مارس 28, 2017 12:21 am