منتدي جمال عزوز

أهلا بكم في المنتدى
منتدي جمال عزوز

منتدي الادب والفنون والكتابات النثرية والقصة القصيرة

المواضيع الأخيرة

» من كتاب الشخصية6
الإثنين ديسمبر 09, 2013 5:48 pm من طرف Admin

» من كتاب الشخصية5
الإثنين ديسمبر 09, 2013 5:46 pm من طرف Admin

» من كتاب الشخصية4
الإثنين ديسمبر 09, 2013 5:45 pm من طرف Admin

» من كتاب الشخصية3
الإثنين ديسمبر 09, 2013 5:44 pm من طرف Admin

» من كتاب الشخصية2
الإثنين ديسمبر 09, 2013 5:42 pm من طرف Admin

» من كتاب الشخصية
الإثنين ديسمبر 09, 2013 5:41 pm من طرف Admin

» نموذج من بناء الشخصية
الإثنين ديسمبر 09, 2013 5:39 pm من طرف Admin

» كيف تنشأ الرواية أو المسرحية؟
الإثنين ديسمبر 09, 2013 5:38 pm من طرف Admin

» رواية جديدة
الإثنين ديسمبر 09, 2013 5:26 pm من طرف Admin

التبادل الاعلاني

احداث منتدى مجاني

مارس 2017

الإثنينالثلاثاءالأربعاءالخميسالجمعةالسبتالأحد
  12345
6789101112
13141516171819
20212223242526
2728293031  

اليومية اليومية

تصويت

تدفق ال RSS


Yahoo! 
MSN 
AOL 
Netvibes 
Bloglines 

احصائيات

أعضاؤنا قدموا 254 مساهمة في هذا المنتدى في 142 موضوع

هذا المنتدى يتوفر على 35 عُضو.

آخر عُضو مُسجل هو sansharw فمرحباً به.


    السهروردي المقتول جدلية الروحي والسياسي في تاريخ المسلمين

    شاطر

    Admin
    Admin

    عدد المساهمات : 150
    نقاط : 444
    السٌّمعَة : 0
    تاريخ التسجيل : 30/10/2009
    العمر : 43

    السهروردي المقتول جدلية الروحي والسياسي في تاريخ المسلمين

    مُساهمة  Admin في الأربعاء أغسطس 25, 2010 12:38 am




    ولد السهروردي في سنة (545هـ) أو (550هـ) وتوفي سنة (587هـ) وللتمييز بينه وبين من يشابهونه في الأسم أطلق المؤرخون عليه لقب "الشيخ المقتول" ويرمون من ورائه ألا يدعوه باسم "الشهيد"، ومع هذا فإن تلاميذه لم يفهموا لقب المقتول إلا بمعنى شهيد، إنه "أبو الفتوح" يحيى بن حبش بن أميرك، ويلقب بـ (شهاب الدين) ويوصف "بالحكيم"، وقيل إنه ملقب بـ "المؤيد بالملكوت" والمشهور بالشيخ المقتول تمييزاً له عن صوفيين أخرين هما: شهاب الدين أبي حفص عمر السهروردي البغدادي توفي (632هـ)،ومؤلف كتاب "عوارف المعارف"في التصوف،وصاحب الطريقة الصوفية المنسوبة إليه وهي الطريقة السهروردية، أما الآخر فهو "أبو النجيب السهروردي"(ت:563هـ).
    والسهروردي نسبة إلى سهرود وهي بلدة عند زنجان من عراق العجم ويعود لقبه (المؤيد بالملكوت) لما عرفه من علوم إلهية وأسرار ربانية مما رمز الحكماء عليها وأشار الأنبياء إليها. ولما أيد به من قوة التعبير عن هذه الأسرار وتلك العلوم في كتابه العظيم (حكمة الإشراق)(1).
    أما حياة السهروردي على قصرها فيمكن أن تتميز فيها ثلاثة أطوار: طور النشأة الأولى والإقامة في سهرورد، وطور الأسفار والتحصيل، وطور الاستقرار والنهاية.
    الطور الأول: ولعل كل ما يُعرف عن حياته في الطور الأول منها هو أنه ولد في سهرورد وأنه قضى حياته الأولى في تلك البلدة القريبة من "زنجان" من أعمال "أذربيجان" وهنالك تلقى ثقافات دينية سواء إسلامية أم غير ذلك، وعقلـية بحثـية
    وتصوفية ذوقية.
    الطور الثاني: فهو لم يستقر به مقام كونه محب للأسفار، فتنقل من بلد إلى بلد، يلقى أجناساً شتى من العلماء والحكماء فيأخذ عن أولئك علمهم وعن هؤلاء حكمتهم، ويصحب الصوفية ويجالسهم ويأخذ نفسه بالتجريد وسلوك طريقهم في الرياضة والمجاهدة وفيما وصل إلى الكشف والمشاهدة، وقد تحدث "الشهرزوري" (وهو تلميذ السهروردي المخلص وخير من كتب ترجمته وجمع مصنفاته) عن السهروردي من ناحية، وعلى لسانه هو من ناحية أخرى حديثاً نتبين منه على أي وجه قضى شيخ الإشراق الطور الثاني من أطوار حياته، حيث قال الشهرزوري: كان قدس الله روحه كثير الجولان والطوفان في البلدان شديد الشوق إلى تحصيل مشارك له في علومه، ولم يحصل له، فقال في آخر (المطارحات): وهو ذا قد بلغ الشهرزوري: كان قدس الله روحه كثير الجولان والطوفان في البلدان شديد الشوق إلى تحصيل مشارك له في علومه، ولم يحصل له.
    فقال في آخر (المطارحات): وهو ذا قد بلغ سني إلى قرب ثلاثين سنة،وأكثر عمري في الأسفار والاستخبار والتفحص عن مشارك مطلع على العلوم، ولم أجد من عنده خبراً عن العلوم الشريفة ولا من يؤمن بها – وكان رحمه الله غاية في التجريد ونهاية في رفض الدنيا يحب المقام بديار بكر، وفي بعض الأوقات يقيم بالشام وفي بعضها بالروم"(2).
    وقد اظهرنا الشهرزوري على بعض العناصر التي تتألف منها ثقافة السهروردي الفلسفية والتصوفية، فذكر أنه سافر في صغره في طلب العلم والحكمة إلى "مراغى " وأنه اشتغل بالحكمة على (مجد الدين الجيلي) وأنه سافر إلى نواحٍ متعددة، وصحب الصوفية، واستفاد منهم، وحصل لنفسه ملكة الاستقلال بالفكر والانفراد ثم اشتغل بنفسه حتى وصل إلى غايات مقامات الحكماء ونهايات مكاشفات الأولياء(3) .
    ومن هنا يتبين لنا أن الثقافة التي تهيأت للسهروردي كانت ذات طابعين: أحدهما طابع علمي، والآخر طابع عملي. فقوام العلمي: الفقه والأصول والكلام والحكمة النظرية، وقوام العملي: التصوف ومافيه من أعمال الرياضة، وأحوال الإرادة،وهي عند الصوفية الخلص سبيل السالك إلى تصفية نفسه وتنقية قلبه وجلو بصيرته، بحيث يصبح أهلاً لتلقي الأنوار وتجلي الحقائق والأسرار، فقد كان يبدي احتقاراً لكل مرغبات السلطان أو الأبهة الدنيوية، وكان في بعض الأحيان يلبس ثوباً واسعاً طويلاً وعمامة زاهية الألوان، وأحياناً كان يبدو على العكس من هذا، في ثياب مهلهلة، ومراراً ثالثة، كان يقنع بارتداء خرقة الصوفية.
    قد روى (ابن رقيقة) حادثة طريفة فقال: كنت أنا وإياه نتمشى في جامع "ميافاقين" وهو لابس جبة مضربة زرقاء،وعلى رأسه فوطة مفتولة،وفي رجليه زربول، ورآنا صديق لي فأتى إلى جانبي، وقال: ماجئت تماشي إلا هذا "الخربندة" فقلت: اسكت، هذا سيد الوقت شهاب الدين السهروردي، فتعاظم قولي وتعجب ومضى، وهذا النوع من عدم الاكتراث للاعتبارات الاجتماعية كان يقوم عنده على استقلال ذاتي مطلق.
    الطور الثالث: على أن حياة التجوال في الطورالثاني التي كان يحياها السهروردي حيث انتهى الطور الثاني وبدأ الطور الثالث في حل وترحال حتى انتهى إلى الشام،وأقام في مدينة حلب (579هـ) ونزل في المدرسة "الحلوية"، فباحث الفقهاء وناظر أولئك وهؤلاء، وأفحمهم جميعاً بحجته وبراعته، وكان من ذلك ما كان من ضيق الفقهاء واتهامهم له، مما دعا الملك الظاهر بن صلاح الدين (صاحب حلب في ذلك الحين) إلى استدعائه، وعقد له مجلساً من الفقهاء والمتكلمين يباحثونه ويناظرونه، فإذا هو يَظهرُ عليهم ويُظهرُ فضله وعلمه وقوة حججه للملك الظاهر، فلم يكن من الملك إلا أن زاد إقباله عليه وإكباره له وإعجابه به فاشتد ضيق الضيقيين، وامتد حنق الحانقين، وإرجاف المرجفين حتى بلغ صلاح الدين، الذي صور له الفقهاء السهروردي بصورة المفسد لعقيدة الملك الظاهر ولعقائد الناس، وما فتئ الفقهاء يلحون على صلاح الدين لتشنيعهم على السهروردي، وبأنه إذا أبقى عليه أفسد اعتقاد الملك، وإذا أطلقه أفسد أية ناحية سلك، فلم يجد صلاح الدين بداً من الكتابـة إلى إبنه كتاباً يأمره بقـتل السهروردي، ويشدد عليه في ذلك ويؤكـده،
    فاستفتى فقهاء حلب في الأمر فأفتوا بقتله(4) ، ويقال: أن السبب الظاهري لقتله هو قوله بإمكانية بعث رسول أو نبي آخر بعد محمد  وهذا ما يخالف النصوص الدينية، لكنه في نفس الوقت يؤكد الفكرة التي تدور حول قدرة الله ومهما يكن من إعجاب المارديني بالسهروردي وإكبار غيره له فإن هذا الإكبار وذلك الإعجاب لم يعف أحدهما أو كلاهما السهروردي من القتل، حتى حاكم حلب لم يستطع إيقاف هذا الأمر بالرغم من تعلقه وإعجابه بالسهروردي، فكيف نفذ به الحكم وعلى أي وجهٍ قتل ؟
    لقد تضاربت في هذا الأمرالأقوال، واختلفت حوله الروايات، فقد قيل:أن السهروردي لما بلغه نبأ إفتاء قتله وتحقق منه، اختار أن يحبس في مكان ويمنع من الأكل والشرب إلى أن يموت ففُعِلَ به ذلك. وقيل: أنه قتل بسيف، أو أنه حط من القلعة، وأحرق، وقيل: إنه قتل وصلب أياماً، وأصحاب هذه الروايات المختلفة: الشهزروردي في " نزهة الأرواح "، وياقوت الحموي في " معجم الأدباء "، وابن خلكان في " وفيات الأعيان "... ومهما يكن من اختلاف هذه الأقوال فقد روى ابن شداد أحد المؤرخين المعاصرين للسهروردي أنه لما كان يوم الجمعة بعد الصلاة من ذي الحجة سنة (587هـ) أخرج الشهاب السهروردي ميتاً من الحبس بحلب فتفرق عنه أصحابه(5).
    لقد كانت مصنفات السهروردي كثيرة العدد كثيرة الموضوعات: فلسفية وتصوفية وإشراقية. وقد كتب بعضها بالعربية، وبعضها الآخر بالفارسية، وطائفة ثالثة منها كتبها بالعربية ثم ترجمها إلى الفارسية، وكلها يؤلف تراثاً عقلياً وذوقياً له قيمته الكبرى في تاريخ الحياة الروحية الإسلامية، فقد أشار أكثر الذين ترجموا للسهروردي إلى بعض هذه المصنفات، إلا أن الشهرزوري يمتاز من بينهم بأنه هو الذي انفرد بذكر ثبتٍ لعله أن يكون أعم وأشمل لآثار السهروردي المنثورة والمنظومة فقد بلغت عنده (ثلاثة وأربعين كتاباً ورسالة)، فضلاً عما أثبته من مختارات منثورة ومنظومة تصور أسلوب شيخ الإشراق في النثر والنظم من ناحية وتعبر عن بعض مذهبه في حكمة الإشراق من ناحية أخرى...
    ونستعرض منها مايلي:
    (حكمة الإشراق - هياكل النور - الغربة الغريبة - التلويحات - المقاومات - المطارحات - الألواح العمادية - تسبيحات العقول والنفوس والعناصر - كشف الغطاء لأخوان الصفا - بعض الأدعية)(6).
    أما مذهب السهروردي في حكمة الإشراق، فما من شك في أن آثار السهروردي الكثيرة إن دلت على شيء فهي تدل على ما كان عليه ذلك الحكيم الإشراقي من ثقافة فلسفية واسعة وحكمة إشراقية رائعة، وعلى ما كان يمتاز به من نظر عقلي دقيق وذوق صوفي رقيق وليس من شك في أن كتابه الموسوم (حكمة الإشراق) هو المرآة الصادقة التي تتجلى على صفحاتها عناصر مذهبه وخصائص عقله وذوقه، ذلك لأن هذا الكتاب هو أجمع مصنفاته وأشملها لمذهبه وللعناصر الإشراقية التي يتألف منها هذا المذهب وأدلها على المعاني الحقيقية التي ينزع إليها، ويتبين هذا كله إذا عرفنا أن كتاب حكمة الإشراق ينقسم إلى قسمين: قسم تناول فيه السهروردي (المنطق) عنوانه: (ضوابط الفكر) وجعله في ثلاث مقالات: الأولى: في المعارف والتعريف، الثانية: في الحجج ومبادئـها، الثالثة: في المغالطات، و بعض الحكومات (آلية التحكيم) بـيـن أحرف إشراقية و بين بعض أحرف مشائية، و جعل القسم الأول من القسم الثاني مثابة التمهيد إذ عرض فيه لأمور هي عنده مقدمات لمطالب في القسم الثاني والذي عنوانه (الأنوار الإلهية ونور الأنوار ومبادئ الوجود وترتيبها) وهو قسم خصصه للأنوار الإلهية وقد جعله في مقالات خمس:
    1- في النور وحقيقته، ونور الأنوار وما يصدر عنه أولاً.
    2- في ترتيب الوجود.
    3- في كيفية فعل نور الأنوار القاهرة وتتميم القول في الحركات العلوية.
    4- في تقسيم البرازخ وهيئاتها وتركيباتها وبعض قواها.
    5- في المعاد والنبوات والمنامات.
    فطالب الحكمة عنده لابد أن يكون على علم تام بالمنطق والفلسفة والتصوف، ولابد أن يتعاون فيه العقل والذوق، إذ العقل الذي يفكر وحده دون أن يكون له مؤيد من الذوق، ليس من الثقة فيه والاطمئنان إليه بحيث ينتفي فيه كل شك وتزول عنه كل شبهة، وآية هذا كله في مذهب السهروردي في حكمة الإشراق، هي أن هذا المذهب في جملته وتفاصيله جمع أو ازدواج وتزاوج بين الفلسفة والتصوف، أو بين الحكمة البحثية والحكمة الذوقية، ولعل أول ما يدل على أن مذهب السهروردي في حكمة الإشراق أقيم على دعائم من العقل والذوق معاً هو ما يحدثنا به السهروردي نفسه في مقدمة كتابه المذكور من أن ما حصل له لم يحصل بالفكر بل كان حصوله من أمر آخر، ثم طلب الحجة عليه حتى، لو قطع النظر عن الحجة مثلاً، ما كان يشككه فيه مشكك لأن ما يذكره من علم الأنوار، وجميع ما يبنى عليه يساعده عليه كل من سلك سبيل الله عز وجل (7) .
    ومما يحدثنا به أيضاً أن منهجه في حكمة الإشراق هو ذوق إمام الحكمة "أفلاطن" [أفلاطون] الذي يلقبه بصاحب الأيد والنور، وما يعدده بعد هذا من المصادر التي استقى منها حكمته.
    وأنها تعود لهرمس وأنبا ذوقليس وفيثاغورث، وأن هذا هو الأساس الذي تقام عليه قاعدة الإشراق في النور والظلمات التي كانت طريقة حكماء الفرس الذين يختلفون عن إلحاد "ماني"، وكفرة المجوس، وما يفضي إلى الشرك بالله تعالى، وهنا يصطنع السـهروردي في التعبير عن مذهبه في حكمة الإشراق رموزاً خاصة يدل بها على المعاني بينها مما يعكس التعبير عن مذهبه في حكمة الإشراق رموزاً خاصة يدل بها على المعاني بينها مما يعكس (علم الأنوار) فهو يأخذ بالتقابل بين النور والظلمة،ويرمز إلى الروحاني بالنوراني وإلى المادي بالظلماني، وإلى العقول بالأنوار وإلى عقول الأفلاك بالأنوار القاهرة، وإلى النفوس بالأنوار المدبرة وإلى الأجسام بالبرازخ وإلى الله بنور الأنوار، إلى غير ذلك من الرموز الكثيرة التي حفل بها كثير من مصنفاته ومنظوماته، و يظهرلنا في وضوح وجلاء على أن تسميته لحـكمة الإشراق بهذاالاسم أو باسم (علم الأنوار) إنما ترجع الى
    ترجع إلى ذلك التقابل بين النور والظلمة على الوجه الذي لا يخفى وراءه تأليه النور والظلمة على مذهب زرادشت أو ماني، وإنما كل أولئك عنده رموز يعبر عن حقائق وجودية بها، وعن صلة هذه الحقائق ببعضها البعض، وتأثير بعضها ببعض،وترتيب بعضها درجات فوق بعض(Cool.
    ولكي نعرف منزلة حكمة الإشراق السهروردية بين الحكمتين البحثية والذوقية، فيحسن أن نقف مع شيخها عند تصنيفه لمراتب الحكماء من ناحية ومراتب طلاب الحكمة من ناحية أخرى، فالحكماء مراتب عنده:
    1- حكيم إلهي متوغل في التأله عديم البحث، وهو كأكثر الأنبياء والأولياء من الصوفية أمثال أبي يزيد البسطامي والتستري والحلاج..
    2- حكيم بحاث عديم التأله وهو كالمشائين من أتباع أرسطو في المتقدمين، وكالفارابي وابن سينا المتأخرين.
    3- حكيم إلهي متوغل في التأله والبحث، وهذا هو الحكيم الإشراقي الذي يجمع بين الحكمتين
    البحثية والذوقية (على نحو السهروردي).
    4- حكيم إلهي متوغل في التأله متوسط البحث.
    5- حكيم إلهي متوغل في التأله ضعيف البحث.
    6- حكيم متوغل في البحث متوسط التأله.
    7- حكيم متوغل في البحث ضعيف في التأله.
    وليس من شك في أن أرقى هذه المراتب وأسماها هي مرتبة الحكيم الإشراقي المتوغل في البحث والتأله [ يضع الحكيم الإشراقي فوق مرتبة الأنبياء] ولعل هذا ما أثار عليه ثائرة أهل عصره، أو لنشره علم السيمياء بين العامة.
    أما طلاب الحكمة فهم على مراتب أيضاً:
    1- طالباً للتأله والبحث
    2- طالب للتأله فحسب
    3- طالب للبحث فقط
    وأجود الطلاب هو من غير شك طالب التأله والبحث، ومن هنا قال السهروردي إنه كتب كتابه حكمة الإشراق، لطالبي التأله والبحث. أما الباحث الذي لم يتأله أو الذي لا يطلب البحث والتأله معاً فليس له في هذا الكتاب نصيب.
    ولقد كانت حياته الروحية طلباً للعلم أو حكيماً للإشراق صورة صادقة لطالب البحث والتأله معاً من ناحية، وللحكيم الإلهي المتوغل في التأله والبحث معاً من ناحية أخرى، فإذا أوغلنا مع السهروردي في أعماق مذهبه الإشراقي ألفينا هذا المذهب يدور عنده على محور واحد هو (النور)، وألفينا لهذا النور مراتب في حقيقة أمرها هي مراتب الوجود من أعلاها إلى أدناها (فيضية)، فالمبدأ الأول لكل وجود هو النور القاهر أو النور الأول المطلق، وحقيقة النور أو ماهيته إنما هي في ظهوره وهذا يعني أن الظهور ليس صفة من الصفات التي تحمل على النور، إذ لو كان كذلك لترتب عليه ألا يكون للنور في ذاته ظهوراً ما، وأن يكون ظاهراً بشيء آخر ظاهر في ذاته وهذا محال.
    ومن هنا لم يكن للنور الأول المطلق علة أخرى غير ذاته، وكان كل ما سوى هذا النور الأول المطلق حادثاً وممكناً ومفتقراً إليه، بقدر ما هو قديم وواجب وغني،وقد عبر السهروردي عن حقيقة النور بقوله: (إن كان في الوجود ما لايحتاج إلى تعريفه وشرحه فهو الظاهر، ولا شيء أظهر من النور فلاشيء أغنى منه عن التعريف)، وإذا كان ذلك هو النور، فإن الظلمة عند حكيمنا ليست إلا عبارة عن عدم النور فحسب، ولذا رأى أن الشيء ينقسم إلى نور وضوء في حقيقة نفسه، وإلى ما هو ليس بنور وضوء في حقيقة نفسه …
    ولقد أظهرنا السهروردي على حقيقة نور الأنوار من خلال الصفات التي وصفه بها في التالي:" فنور الأنوار نور محيط لأنه يحيط بجميع الأنوار لشدة ظهوره وكمال إشراقه ونفوذه فيها بلطفه، وهو قيوم لقيام الجميع به، وهو مقدس لأنه منزه عن جميع صفات النقص، وهو الأعظم الأعلى إذ لا أعظم ولا أعلى منه بين الأنوار جميعاً، وهو قهار لأنه يقهر ما دونه من الأنوار ؛ وذلك لشدة إشراقه وقوة لمعانه، وهو غني مطلق إذ ليس وراءه شيء يفتقر إليه ولا دونه شيء يستغني عنه، وهو
    قبل هذا كله وبعد هذا كله واحد "، هكذا ينتهي السهروردي إلى أن نور الأنوار يحكم طبيعته وحقيقته وأحديته إنما هو واجب الوجود بنفسه، وما عداه واجب به ومفتقر إليه ومستمد وجوده منه(9).
    وهكذا يكون الوجود بأسره عند السهروردي هو نور تتفاوت درجاته شدة ؛ وذلك لأن تجليات نور الأنوار تظهر في كل مكان فتشهد بالتالي جميع الأشياء بحضوره ويستشهد بقول الحلاج بتوحيده:
    لأنوارِ نورِ النور في الخلق أنوار وللسر في سر المسرين أسرار
    ويتحدث السهروردي - كابن عربي - في آلية تأليف الفتوحات وغيره من كتبه ، وعن الكشف الصوفي من خلال المنام فيؤمر بكتابة (حكمة الإشراق) الذي يقول فيه: … وقد ألقاه النافث القدسي في روعي في يوم عجيب دفعة، وإن كانت كتابته ما اتفقت إلا في أشهر لموانع السفر(10) .
    ويرسم لنا السهروردي في أبيات شعرية.. رُتَبَ المعرفة وكيفية ترقّيها فيقول:
    من كان في ظُلَم الليالي سارياً
    حتى إذا ما البدرُ أرشدَ ضوءَهُ
    حتى إذا انجابَ الظلامُ بأسرِه
    تركَ المسارحَ والكواكبَ كلُّها
    رَصَدَ النجومَ وأوقدَ المصباحَا
    تركَ النجومَ وراقبَ الإصباحَا
    ورأى الصباحَ بأفقِهِ قد لاحَا
    والبدرَ وارتقبَ السّنا الوضاحَا

    وما دامت المعرفة الصوفية ذوقية وتشترط مباشرة التجربة الروحية وليست هي من العلوم(11) التي تحصّل بالتعليم والدراسة، لذا فإن المريد ليس أمامه غير سلوك الطريق الصوفي سبيلاً لهذه المعرفة(12)، فهم أصحاب أحوال لا أرباب أقوال، والصمت لديهم له ما يبرّره لأن الصوفي لا يجد في الكون ما يستحق الكلام عنه لأنه ليس حقيقياً في ذاته، إنما هو قائم بالحق.. والحق سبحانه تقصر عنه الأقوال وهذا ما عناه الصوفي لما سئل عن سبب صمته، فأجاب: يا هذا، الكونُ توهّمٌ في الحقيقة ولا تصح العبارة عما لا حقيقة له، والحق تقصر الأقوال عنه دونه، فما وجه الكلام ؟ (13).

    والصمت عندهم من علامات صدق وعمق التجربة الصوفية، فمن أقوالهم: المعرفة إلى السكوت أقرب منها إلى الكلام(14)، والكلام يشغل القلب والصمت يلقح العقل(15).
    لكن صمت الصوفي يختلف عن صمت الزاهد، فصمت الزاهد تعبير عن حالة العزوف عن الدنيا وفرار من الذنوب التي يجلبها اللسان، بينما صمت الصوفي ينطوي على حالة معرفية عصية على التعبير ولا تستوعبها اللغة الوضعية، ولذا نلاحظ الغرابة والغموض فيما يصدر عن الصوفية من أفكار، لكن هل يعاني الصوفي في معرفته مـن هوسٍ أو هستيريا ؟.
    إن الخط الرفيع بين الصوفي والهيستيري هو في مدى عقلانية أو لا عقلانية تلك الرؤى، هذا إن أمكن الادعاء بعقلانية أي رؤى ممكنة خارج الحواس..
    فالصوفي ينطلق بالحدوس الوامضة التي عَبَرَت خبرته ويزداد تعلقه اندهاشاً بها، وبالتالي تزداد رغبته باستعادتها حداً معقولاً فيصاب بالمرض، وينحل جسده.. وربما أثر هذا النحول على قواه النفسية والعقلية، كل ذلك من أجل ومضة إشراق أخرى.
    وهذا التعلق هو أساس ألم المتصوفة الناتج عن إلحاح حواسهم بضرورة عودتهم إليها وبذلك يمكننا تفسير عباراتهم القائلة: كلما عظم الحب عظم الألم !! نتيجة إلحاح الحواس، هذا تماماً كإلحاح العاشقين لبعضهم برغبة ضرورة اللقاء، وبذلك يختل توازنهم البيولوجي فتتبدى إشارات الشحوب والوله على الأجساد(16).
    ووراء كل هذا النوع من الاتصال نوع من الوجود خلف الحواس، من خلال تلك القوى الحيوية التي لدى المتصوفة والدافعة لهم نحو هذا اللامحسوس، مما يجعل من حواسهم مجرد أداة لمثل هذا الدافع، فتظهر بذلك قدرات خارقة وأقلّها تبدياً: مواهب الشعر والإلهام التي يدعي الكثير من المتصوفة أنها نتيجة قوة دفعتها في أنفسهم، إنها لا يمكن أن تكون من عندهم، فيعزونها إلى وسيط هو أداته في الكتابة والإبداع، ولأن هذه القدرات تحت سيطرة محدودية الحواس بحال ثبات الإنسان العادي ينظر الناس إليها على أنها ضرب من الخلل النفسي، ولكن علم النفس أظهر أن النصيب الأوفى لكل فعل إبداعي يرجع إلى مدى خصب اللاشعور الإنساني(17).
    هكذا تتوطد علاقة هذه الذات المنتزعة من العالم المادي مع المطلق، ليس فقط بالتلقي منه، بل تنزع نحو الذهاب إليه والانضواء فيه، إذا لم نشأ أن نقول مع الشُطَّاح: المشاركة له ؟! وطبيعي أن يتم توطيد هذه العلاقة بين المتصوف والمطلق بالحب، كجرح مملوء بالسعادة، وهو جرح لأنه يعطل الحواس ويحرك آلامها ودوافعها، وهو سعادة لقلة مثل هذا الشعور بالتعطيل، لذلك يتمنون على مثل هذا الجرح أن لا يُشفى، ولنار الحب هذه أن تستمر بالإيقاد فتصبح نفوسهم وكأنها لم تعد مُلْكَ أجسادهم التي تخرج عن قوانين الطبيعة والوجود، في الفعل ورد الفعل لِتَعْبُرَ إلى علاقة شخصية ذوقية مع الحق(17).
    هناك بعض المتصوفة استطاعوا مواصلة سيرهم إلى الله تعالى مارين بمقامات وأحوال اختلفوا في عددها وفي ترتيبها، وفي مسمياتها، فأحياناً يكون الصبر ـ مثلاً ـ مقاماً وأحياناً حالاً وذلك يعود للصوفي صاحب التجربة التي يصفها، وما دام الصوفي في حاجة إلى وصف تجربته ؛ لأنه قدوة سلوكية، أو لعدم قدرته على كتمان ما أصابه برحلته الشاقة الشيقة من أتراح وأفراح، وهنا لا بد له من استعمال لغة القوم بشكليها: الشفاهي والكتابي، إلا أن لغة الصوفية جاءت غامضة تعاني من اضطراب في التعبير، وربما رجع سبب هذا العجز إلى أنهم حاولوا التعبير عن تجربة خاصة، ذات طبيعة فردية بلغة عامة لم تخلقها تجربتهم، والأهم من ذلك أن محاولة التعبير هذه، كانت من داخل التجربة نفسها، يدل على ذلك عبارات قيلت تحت وطأة الشطح، والسكر، والغناء، والبهللة إلى آخر أنواع الغيبيات السلوكية(19)، فقد عجزت اللغة العادية التي يتداولها الناس، عن التعبير، عن التجربة الصوفية خير تعبير، لأن التجربة في حد ذاتها هي عصية عن الوصف والتعبير ولا شك أن التجربة الصوفية من أقوى التجارب التي عاشها أصحابها، وأعنفها، فلا عجب أن تهز تلك التجارب نفوس أصحابها هزاً عميقاً، وأن يظهر هذا التأثير المشتبك المركب الخصب في ضروب الأحوال والمقامات من جهة، وفي ألوان التعبير الفكري الأدبي الراقي من جهة ثانية وإذا عمد الصوفي إلى التعبير فلا بد له في تجربة ذوقية عميقة مفردة شديد الاستحواذ على النفس، من أن يحاول فيستنفد طاقات الحرف كلها ويستعذب أنواع دلالات الكلمة، وتفاوت إيماءات اللفظ، وتشعب طرق البيان معولاً في ذلك على ثقافته، وعلى التراث الفكري والأدبي الذي انتهى إليه(20).
    فالتجربة الصوفية، حيث تقف (ذات) المتصوف في مواجهة موضوع حبها، أو معرفتها. هي تجربة جوانية تتحرك في إطار ذاتية معيشة، بعيداً عن الحروف، والكلمات.. بعيداً عن الآخرين، وهي تجربة قرب وعرفان... أما التعبير عن هذه التجربة، فهو الخروج من الذاتية والجوانية إلى الآخرين،هي عودة الصوفي من رحلته في(الأعماق) إلى (الآفاق) (21)، وكأن الصوفي يعيش رحلة دائمة خارج نفسه، لأن هناك قوة لا يستطيع إلا الانجذاب إليها بقوة وبعشق وبكلية، وربما عاد من رحلته هذه بإشراقات يعجز اللسان عن وصفها، ويبدو أن تضاؤل القدرة على التعبير من علامـات التجربة الصوفية، فلو أراد الصادق أن يصف ما في قلبه ما نطق به لسانه.
    لكن لماذا يحاول الإنسان أن يقول ما يعرف أنه لا يقال ؟ ربما لأن الإنسان يظل في توق إلى ما يجهله، وربما لكي يخلق تطابقاً، أو تماهياً بينه وبين السر، بينه وبين المطلق ؛ ولكي يشعر أنه يعيش في كون لا ينتهي، وأنه كمثل الكون لا ينتهي، ربما لكي يقول: ليس هناك اثنان بل واحد. ومن هنا، وفي هذا بالضبط، تختلف اللغة الصوفية عن اللغة الدينية الشرعية، في أن الأولى تصدر عن تجربة يعيشها المتصوف بوصفها محاولة لتحقيق ذلك التماهي مع المطلق، بينما تصدر الثانية عن تجربة الوصف والتشريع تؤكد الانفصال والبعد الكاملين مع المطلق(22).
    لقد عجزت اللغة العادية التي يتداولها الناس، عن التعبير عن التجربة الصوفية خير تعبير ؛ لأن التجربة في حد ذاتها هي عصية عن الوصف والتعبير. ولما كانت الأمور الإلهية،والتجارب الصوفية الروحية لا يحيط بها الوصف،ولا يأتي عليها البيان في الغالب ؛ كان من الطبيعي أن يعتمد الصوفية على أساليب غير مباشرة، ولا سيما على التعبير الأدبي الشائع، وكما يخص العشق والعواطف للإعراب عما يعتلج في ضمائرهم، وإبراز ما يجول في عقولهم وقلوبهم.لكن هل استطاعوا حقاً، أن يصلوا بأساليبهم التعبيرية الآنفة الذكر، إلى من يسمعهم أو يقرؤهم، دون غموض أو غرابة ؟
    ويعتبر العجز عن التعبير علامة على صدق وعمق التجربة الصوفية من وجهة نظرهم ؛ لذلك قالوا: علامة تجلي الحق للأسرار هو أن لا يشهد السر ما يتسلط عليه التعبير ويحويه الفهم، فمن عبر أو فهم، فهو صاحب استدلال لا ناظر إجلال(23). إلا أنه لا بد من التساؤل عن الدوافع التي تلجأ المتصوفة إلى استخدام لغة الوصف والإشارة ؟
    لعل ذلك يعود إلى طبيعة التجربة الصوفية الفردية، غير العقلية، التي لا تستطيع الحواس إدراكها، فالتعبير عما يتذوقه القلب، يحتاج إلى لغة تعتمد الخيال وتقطر وجداناً وشوقاً للقاء الحبيب، وفي هذا تشترك التجربة الصوفية مع التجربة الفنية، إذ يستخدمان معاً الرمز لا اللفظ المباشر في معناه في التعبير عن مجالات تظهر فيها مشاعر وحالات وجدانية، يتعذر تعريفها بالحد الرياضي العلمي الحاسم(24)، ويعود استخدام الصوفي للغة الحب، إلى أنها أقوى أساليب التعبير اللغوي عن الصلات الفردية والشخصية العميقة، إضافة إلى إمكانياتها على إثارة الوجدان والخيال، ولا يجوز للغير أن يقوم بتأويل عبارات الحب الصوفي على أساس المدلول المادي الظاهر للألفاظ(25)؛ ولهذا قال بعض الصوفية: علمنا هذا إشارة فإذا صار عبارة خفي، والرمز معنى باطن مخزون تحت كلام ظاهر لا يظفر به إلا أهله(26). إلا إن اضطر الصوفي إلى استخدام الأمثلة الحسية في التعبير عن معان غير حسية وغير معهودة.
    إن الطبيعة المزدوجة المتناقضة في التعبير عما هو غير محسوس بمثال محسوس، تضفي على الرمز الصوفي قابليته للتأويل بأكثر من وجه، ولهذا يصادفك أكثر من تأويل واحد للرمز الواحد، مما يجعل الرمز الصوفي بقدر ما يعطي من معناه، فهو في الوقت نفسه يخفي من معناه شيئاً آخر، وهكذا يكون الرمز: خفاءُ وظهوراً معا وفي آن واحد، فهو على نقيض الرمز المنطقي الرياضي الذي أريد له أن يضبط الدلالة، ويقصي بعيداً أية إمكانية، للتأويل، أو التفسير الذي تحتمله العبارات اللغوية الاعتيادية(27)، وباللغة الرمزية وحدها يستطيع الصوفي تجنب اتهامات خصومه الفقهاء، الذين يتربصون بالصوفية كي يقولوا ما يخالف ظاهر النص، فيقيموا عليهم الحجة ؛ لتعارض أقوالهم مع العقائد الشرعية، فتكون نهايتهم إما قتلاً بتقطيع الأوصال وهم أحياء، وإما سلخاً، وإما سجناً، وأهون الأحكام، اتهامهم بالكفر والزندقة والمروق من الدين، ويفسر المتصوفة سبب وصول بعضهم إلى هذه النتيجة هو بوحهم بالسر الإلهي من خلال الشطحات، فالمحب إذا سكت هلك، والعارف إذا نطق هلك.
    وإنها لمفارقة أن تلجأ الصوفية بوصفها تجربة في البحث عن المطلق، لكي تعبر عن أعمق ما فيها إلى الشعر ـ وهو المقصي تقليدياً ـ عن مقاربة المطلق، ومعرفته، أليس في ذلك ما يدل على رفضها طرائق التعبير الديني والشرعي التي ترفض الشعر، وتضع حداً فاصلاً نقيضاً بينه وبين الدين، خصوصاً على الصعيد المعرفي ؟
    لقد رأت الصوفية في الكتابة الشعرية الوسيلة الأولى للإفصاح عن أسرارها، ورأت في اللغة الشعرية وسيلة أولى للمعرفة، لقد استخدم الصوفيون اللغة الشعرية في كلامهم عن الله، والوجود، والإنسان، والفن من حيث: الشكل، والأسلوب، والرمز، والمجاز، والصورة، والوزن، والقافية.... والقارئ يتذوق تجاربهم إذا لم يدخل إليها معتمداً على ظاهرها اللفظي ؛ فالإشارة، لا العبارة هي المدخل الرئيسي للتذوق والفهم.
    فاللغة الصوفية هي تحديداً لغة شعرية، وأن شعرية هذه اللغة تتمثل في أن كل شيء فيها يبدو رمزاً: كل شيء فيها هو ذاته وشيء آخر. الحبيبة مثلاً هي نفسها، وهي وردة، أو الخمر، أو الماء، أو الله، إنها صور الكون وتجلياته، فالأشياء هي الرؤية الصوفية، متماهية متباينة، مؤتلفة مختلفة. وهي في ذلك تتناقض مع اللغة الدينية الشعرية، حيث الشيء هو ذاته لا غير.
    وبهذه اللغة تخلق التجربة الصوفية عالماً داخل العالم، تتكون فيه مخلوقاتها، تولد وتنمو، تذهب وتجيء، تخمد وتلتهب، وفي هذا العالم تتعانق الأزمنة في حاضر حي(28)، وإلى هذا قَصَدَ جلُ الشعراءِ الصوفيين: كجلال الدين الرومي، وحافظ الشيرازي، والجامي، وابن الفارض، وابن عربي، والسهروردي، والششتري، وغيرهم، فاللغة عندهم ليست وسيلة تواصل، بل وسيلة تعبير عن حب جارف ودعوة إلى العمل بهذا الحب بلا حدود.
    فالكتابة الصوفية، تبدو غالباً مليئة بالغرابة، والتناقضات، والغموض، وتفكك الصور، مما يجعلها عصية على الفهم، وهكذا يذهب بعضهم إلى اتهامها بالاعتباطية، والتخليط، لكن هؤلاء لا ينسون أن الغريب، الفوضوي، المدهش، المحير، الغامض، أساس أول في الكتابة الصوفية، ولا وجود لهذه الكتابة إلا به، لأنّ هذه الكتابة تفصح عن عالم هو نفسه غريب، غامض، محير، إنها كتابة تيهية، لعالم هو نفسه عالم تيه، وحين يدخل الصوفي عالم التحولات، لا يقدر أن يخرج منه إلا بكتابة تحولية: أمواج من الصور الإشراقية التي لا تخضع لمعايير المنطق والعقل، التي تحول فيها الواقع نفسه إلى حلم(29).
    ولهذا كله نجد أن هناك تحذيرات ـ قديماً وحاضراً ـ من قراءة كتب صوفية بعينها، مثل الفتوحات لابن عربي، وكذلك كتاب فصوص الحكم. وتبقى الشكوى على كل حال قديمة من صعوبة التعبير عن أحوال ومواجيد الصوفية باللغة العادية المتواضعة، فكلما اتسعت الرؤية ضاقت العبارة(30)، وإذا ورد كشف خرست العبارات عند ذلك، فلا بيان ولا نطق، وطمست الشواهد هناك فلا علم ولا حس(31).
    لكن هل كل من شطح بقوله من المتصوفة، كانت عقوبته القتل بأحد أنواعه؟ وإن كان الجواب بنعم على هذا السؤال، فلماذا لم يُعاقب أبو يزيد البسطامي وقد شطح بعباراته كما شطح الحلاج أو أكثر ؟ ولماذا لم يتدخل الصوفية والفقهاء في تأويل عبارات الحلاج والسهروردي والنسيمي؟ وقالوا: بأنهم أصحاب أحوال لا يؤخذ بكلامهم كما أولوا كلام البسطامي !!.
    إن اللغة الصوفية تختلف عن اللغة الدينية الشرعية في أن الأولى تصدر عن تجربة يعيشها المتصوف بوصفها محاولة لتحقيق ذلك التماهي مع المطلق، بينما تصدر الثانية عن تجربةٍ في الوصف والتشريع تؤكد الانفصال والبعد الكاملين عن المطلق.
    أما الكتابة الصوفية فتتم في حالة تنعدم فيها الرقابة العقلانية، فربما تلقاها في رؤية منامية أو انتجها حيث يعمل الفكر داخل فضائه الغامض دون أي مراقبة، وهذا ما يسمى بحالة الطمس أو المحو. فالكلمات التي تكتب والصوفي في حالة الطمس أو المحو هي بمثابة هزة كيانية أو زلزال في المرئي يزلزل بدوره المرئي، إنها كتابة بالأعصاب والإرتعاشات والتوترات الجسمية والروحية، كتابة بالشهيق والزفير، كتابة انبهار، كتابة يأسٍ على حدود الأمل، وأملٌ على حدود اليأس، إنها كتابة لا تخضع لأي طريقة ثابتةٍ أو مسبقة، وهي نقيض كامل لكل ما هو مؤسسي(32).
    وقبل الإشراق، تكون الأشياء وقفاً للرؤية العادية منفصلة، بعضاً عن بعض، بعلامات فارقةٍ تميزها وتعينها، فالماءُ ماءٌ، والمارُ نارٌ، والحجرَ شيءٌ آخرٌ غير الشجرِ لمن في الإشراق، تزول التعيناتُ، وتمحى تلك العلاماتُ الفارقة. تزول الأشياء بوصفها كثرةً أو أفراداً، وهذا عائدٌ إلى أن الذات الفردية، تزول هي نفسها في لحظة الإشراق(33).
    فإذا فني العارف المنخطف بوصفه أنا فرديةً، تفنى الأشياء هي كذلك بوصفها كثرة أو أفراداً وفيه هذه اللحظة من الإشراق ما يفتح مجال الرؤية واسعاً أمام الصوفي، وتعجز العبارة عن الوصف فمن يدخل عالم التحولات، لا يقدر أن يخرج منه إلا بكتابة تحوليةٍ: أمواجٌ من الصور الإشراقية التي لا تخضع لمعايير المنطق والعقل، والتي يتحول فيها الواقع نفسه إلى حلم.
    من هنا نجد أن الاتهامات التي وجهت إلى الحـلاج والسهروردي، والنسيـمي
    جاءت نتيجة لغةٍ تجاوزت المحظور في خطابها، هذا في ظاهر الأمر، أما السبب الرئيسي في قتل هؤلاء ليس الشطح في القول بل هو صراعٌ بين السياسي والديني على قيادة الجموع الشعبية، كما أظن إن السلطان السياسي الذي هو سلطان العصبية والقوة يمكن أن يضفي على نفسه صفات المعرفة وسلطة الدين والروح، فيزداد قوة واستقرار لكن المعرفة والعقل أو الدين لا يمكن أن يتأسس عليهما، بدون العصبية والقوة، أدنى سلطان سياسي.
    لكن من هم العلماء الذين لهم دور في الصراع مع السلطة السياسية ؟ فليس الأديبُ، بما هو مسامرٌ وراويةُ النوادر والأخبار، منهم، لأنه قلما ارتفعت همتُه إلى الصراع بين السلطان السياسي والسلطان الروحي، بل هو يكاد يكون من توابع مجالس المجون وليس الشاعر منهم كذلك، إذ هو ممثل الإشهار والدعاية لحائز السلطة – وأحياناً للساعي إليها – ومشبع النرجسية عنده، ويختلف هذا الدور عن شاعر القبيلة، كون هذا الأخير لم يكن أجيراً، بل منتم إلى عصبية السلطان(34)، بل العلماء المقصودين ينتسبون إلى صنفي الفقهاء، أي فقهاء التعبد الظاهر، وفقهاء التعبد الباطن، وهم أهل الفتيا والمتصوفة، فهم أصحاب رأي في شرعية الحيازة على السلطة السياسية، لما لرأيهم من صدى في الجماهير(35).
    وما الصراعات بين أصحاب هذه الأدوار إلا للتنافس على التوسط بين أصحاب السلطان والجمهور، أو للانحياز إلى العصبيات المتصارعة التي تستتبع البعض منهم للدفاع العقدي عن أهليتها، وتقدمُها على غيرها، وليس معنى ذلك إن السلطان الروحي ليس شيئاً بذاته، وإنه لا يمكن أن يوجد إلا بما هو تابع: بلا معناه أن السلطان الروحي، بما هو عنف رمزي أو جزئي ينفي غيره، لا يستطيع أن يصير عنفاً مادياً إلا عندما يصبخ تابعاً للعنف المادي الذي هو قوة السياسي، فينتقل من السلطان على النفوس إلى على السلطان الأبدان، ويفقد طابعه الروحي مما يولد دائماً سلطاناً روحياً جديداً غير السلطان الروحي الذي استتبعه السلطة السياسية القائمة، وهو ما يجعل السلطان الروحي على ضربين: سلطاناً روحياً تمهيدي أو معارضاً، ويكون دائماً في خدمة الفئة الساعية إلى السلطة، وسلطان روحياً تبريرياً
    أو مسانداً، ويكون دائماً في الفئة التي بيدها السلطة(36).
    إن مسألة الشيخ العارف، بوصفه فقيه الباطن المقابل لفقيه الظاهر، أدى بانتقال الصراع من أجل السلطان السياسي إلى الصراع من أجل السلطان الروحي: فقه الباطن أم فقه الظاهر، وبصورة أدق صراع حول زعامة الجماهير الروحية، هل هي لأهل الفتيا والشرع أم المتصوفة ؟ هل هي اجتهادية عقلية أم كشفية ذوقية إشراقية ؟ (37)
    ثم يطرح السؤال الهام والكبير: من يمثل الجماعة أمام الدولة: الفقهاء أم المتصوفة ؟ وفعلاً تمت المناظرة بين من يتكلمون باسم شيوخ الصوفية وبين من يتكلمون باسم الفقهاء. فالصوفي يؤكد على السلطة الروحية للشيخ، بينما الفقهاء يستغنون عنها ويكفرونه بدليل شطحاته التي تخرجه من دائرة الإيمان بل ومن دائرة الإسلام، وتدخله في دائرة الكفر والزندقة ، وفي هذه الحالة يجب التخلص منه حماية لدين الله، ودعوة لاستقرار الجماعة المؤمنة، وهنا يتدخل السلطان السياسي لإنهاء حالة مقلقة للجماعة ولعقيدتها.
    إن الصراع بين سلطة الرمز والمعرفة، أو سلطان العقل، وسلطة السيف ليس إلا خطة تمويهية إسدال الحجاب على مبارزتين بين خصوم يبحثون عن الحسم بغير السلاح الذي يقع فيه المبارزة: فالمبارزة في مجال السلطان الروحي بين أصحاب الرمز، لكنها تحسم باللجوء إلى أصحاب الفعل، والمبارزة في مجال السلطان السياسي بين أصحاب الفعل، لكنها تحسم باللجوء إلى أصحاب الرمز، والعلة في ذلك هي أن المبارزة الرمزية لا تحسم رمزياً بل يمكن أن يظل الخصمان إلى مالا نهاية له على رأيهما، ما لم تحكما إلى غير الرمز. لذلك تولدت فلسفة في التاريخ تجعل الحق مع المنتصر، وفلسفة في الحقيقة تجعل المعرفة الصادقة مع النجاح التطبيقي.
    فلو انحسمت المبارزة الفعلية لزالت نهائياً: فإذا مات أحد الخصمين لم تبق خصومة، ولا سلطان لأحدٍ على أحد. لذلك يسعى الخصمان إلى تأخير الحسم للإبقاء على اللعبة أطول وقت ممكن فينقلان المعركة إلى المجال الرمزي الذي يستمر إلى ما لا نهاية، ويظل الحسم الفعلي محدوداً وبيد الأقوى الظرفي، إذ القوة دائلة، فتحتاج إلى الاقتصاد لإطالة الأمد، فحاجة المبارزة الفعلية إلى الانقلاب إلى مبارزة رمزية حتى لا تتوقف، وحاجة المبارزة الرمزية إلى الانقلاب إلى مبارزة فعليةٍ حتى لا تستمر إلى ما لا نهاية ومن هنا استفاد كلا الطرفان.
    وبعد فإن علاقة السلطان الروحي تمثل شكلا منن أشكال جدلية علاقة السياسي بالديني في تاريخ المسلمين، وكلاهما يتعلقان بالسلطة ويجعلانها قاعدة مادية وجهازاً يحقق به كل منهما ماهيته وغاياته.
    وفي كل مرة يصل الديني إلى أن يصبح قوة غير مباشرة أو موازية ذات إمكان فعال في الجماعة، فإنه سيتحول إلى سلطة تنازع السياسي غاياته وسلطته، وهنا لن يتواني السياسي عن امتحان هذه القوة الموازية أو المقابلة له بجميع الأدوات والأساليب المتوفرة بين يديه، وأهونها قتل من يعارضه ويسعى لمشاركته في السلطة والأمر في الجماعة.

    _______________________
    المصادر والمراجع المستخدمة:
    1- دائرة المعارف الإسلامية، م.س، مج12، ص: 300
    2- الشهرزوريك نزهة الأراوج، ص:234.
    3- م.س.ن، ص: 233.
    4- ابن أبي أصيبعة: عيون الأنباء، ج2، ص:168.
    5- دائرة المعارف الإسلامية، م.س، ج12، ص:203.
    6- م.س.ن، ص: 2045 – دائرة المعارف الإسلامية، م.س، ج12، ص: 203.
    7- م.س.ن، ص: 204.
    8- السهروردي: حكمة الإشراق، ( طبعة لوربان، 1952 )، ص- ص: 10-11.
    9- دائرة المعارف، م.س، ص: 311.
    10 - كوربان، د. هنري: تاريخ الفلسفة الإسلامية، تر. نصير مروة، ( بيروت: 1966 )، ص- ص: 311-312.
    11- السهروردي: عوارف المعارف، ص:195.
    12- الغزالي: أيها الولد، ص:27.
    13-الكلاباذي: التعرف، ص: 167.
    14-الغزالي: الإحياء، ج1، ص:71.
    15-م.س ،ج3، ص:76.
    16-نصري، د. هاني يحي: فلسفة التصوف ( قدرات، طاقات ) ( دار مجلة الثقافة، دمشق 1990 ) ص:38.
    17-م.س، ص:41.
    18-أدونيس: الصوفية والسوريالية، ط1 ( دار الساقي، بيروت:1992 ) ص:22-24، بتصرف.
    19- اليافي ، د.عبد الكريم: التعبير الصوفي ومشكلته، د.ط، ( مطبعة طربين، دمشق: 1982 م.س، ص:60.
    20-السهروردي، م.س، ص:526.
    21- نيكلسون: في التصوف الإسلامي وتاريخه، ص:90.
    22-م.س.ص.ن.
    23-الحكيم، د. سعاد: المعجم الصوفي – الحكمة في حدود الكلمة ( دار دندرة، بيروت: 1981 )، ص:15.
    24) اليافي، د. عبد الكريم:م.س ، ص- ص: 58-59.
    25-الحكيم، د. سعاد، م.س، ص:14.
    26-أدونيس:م.س
    27-اليافي، د. عبد الكريم، م.س، ص:60.
    28-السهروردي، م.س، ص:526.
    29-نيكلسون، في التصوف الإسلامي وتاريخه، ص:90.
    30-م.س.ص.ن.
    31-م.س، ص:414.
    32-م.س، ص:72.
    33-ناجي، حسين جودة، م.س، ص-ص: 186-187.
    34-أدونيس، م.س، ص-ص: 22-23.
    35-النفري، محمد عبد الجبار بن الحسن : المواقف، ويليه كتاب المخاطبات، تحقيق: أثر أربري، ( مطبعة الكتب المصرية: 1934 )، ص: 51.
    36-القشيري، م.س، ص:58.
    37-أدونيس: م.س، ص: 22-23، بتصرف.
    38-م.س، ص:64.
    39-ابن خلدون: شفاء السائل في تهذيب المسائل، تحقيق: د. أبو يعرب المرزوقي، (تونس، الدار العربية للكتاب: 1991 )، ص: 110.
    40-م.س، ص: 108.
    41-م.س، ص:116.
    42-م.س، ص: 108.

      الوقت/التاريخ الآن هو الثلاثاء مارس 28, 2017 12:24 am