منتدي جمال عزوز

أهلا بكم في المنتدى
منتدي جمال عزوز

منتدي الادب والفنون والكتابات النثرية والقصة القصيرة

المواضيع الأخيرة

» من كتاب الشخصية6
الإثنين ديسمبر 09, 2013 5:48 pm من طرف Admin

» من كتاب الشخصية5
الإثنين ديسمبر 09, 2013 5:46 pm من طرف Admin

» من كتاب الشخصية4
الإثنين ديسمبر 09, 2013 5:45 pm من طرف Admin

» من كتاب الشخصية3
الإثنين ديسمبر 09, 2013 5:44 pm من طرف Admin

» من كتاب الشخصية2
الإثنين ديسمبر 09, 2013 5:42 pm من طرف Admin

» من كتاب الشخصية
الإثنين ديسمبر 09, 2013 5:41 pm من طرف Admin

» نموذج من بناء الشخصية
الإثنين ديسمبر 09, 2013 5:39 pm من طرف Admin

» كيف تنشأ الرواية أو المسرحية؟
الإثنين ديسمبر 09, 2013 5:38 pm من طرف Admin

» رواية جديدة
الإثنين ديسمبر 09, 2013 5:26 pm من طرف Admin

التبادل الاعلاني

احداث منتدى مجاني

سبتمبر 2017

الإثنينالثلاثاءالأربعاءالخميسالجمعةالسبتالأحد
    123
45678910
11121314151617
18192021222324
252627282930 

اليومية اليومية

تصويت

تدفق ال RSS


Yahoo! 
MSN 
AOL 
Netvibes 
Bloglines 

احصائيات

أعضاؤنا قدموا 254 مساهمة في هذا المنتدى في 142 موضوع

هذا المنتدى يتوفر على 35 عُضو.

آخر عُضو مُسجل هو sansharw فمرحباً به.

سحابة الكلمات الدلالية


    الثَّقافةُ العلميّةُ والفعلُ الاجتماعيُّ في الفضاءِ المعرفيِّ المدرسيّ

    شاطر

    Admin
    Admin

    عدد المساهمات : 150
    نقاط : 444
    السٌّمعَة : 0
    تاريخ التسجيل : 30/10/2009
    العمر : 43

    الثَّقافةُ العلميّةُ والفعلُ الاجتماعيُّ في الفضاءِ المعرفيِّ المدرسيّ

    مُساهمة  Admin في الأربعاء أغسطس 25, 2010 12:41 am

    "العُلومُ بين نَظريةِ المعرفةِ والإطارِ السياسيِّ الثقافيّ"
    مالك الريماوي
    "أينما نكون، هناك فكر". فوكو
    منذ أن انتشل الإنسان ذاته من غياهب اللامعرفة، انشغل بمسألة المعرفة، وهيمنت على انشغالاته أسئلة خاصة بماهية المعرفة، وبطرق اكتشافها أو بنائها، هل هي معرفة موضوعية؟ أم ذاتية؟ تجريبية أم ذهنية؟ والفكر المعرفي في إجابته عن تلك الأسئلة، نفي ذاته مرات ومرات، عبر سلسلة من القطائع والجدل، فالفكر المعرفي يتحرك وينسج حركته ومسارها، ويتشكل تاريخياً ويولد زمن تاريخه، لكنه في حركته هذه منغمس في الواقع الذي يقرأه، محكوم بشروطه التي تبدأ في الاقتصاد وتنتهي في اللاوعي واللغة، فبنية المعرفة، هي في محتواها، بنية نفسية واجتماعية، بنية تاريخية ولها تاريخ، تاريخ قرين لأحكام السياسة وتفاوضاتها، ولذلك، فتاريخ الفكر حركة من التراكم المتفاعل والنفي المتكرر، نفي لذاته ولمنتجاته المعرفية، متواطئ مع شرطه الموضوعي أحياناً ومتمرد عليه أحياناً أخرى. ومع عصر الـ "ما بعديات" عامة، وما بعد الاستعمار خاصة، توالدت اتجاهات نقدية راديكالية لم تقتصر في فعلها على محاورة الفكر المعرفي العالمي فحسب، بل مثلت مراجعة نقدية لأسسه ومرتكزاته، ما أدى إلى تجاوز المقولة التي تدعي أن المعرفة تظهر في المجالات التي نهتم بها، على شكل ومضات خاطفة والتماعات متولدة من تماسات سريعة ولحظية،1 توهجات تتوالد من تلاقيات وتصادمات بين أدوت الفكر ورنين الأشياء ولغة الوقائع، لحظات كشف وتكشّف، لقد تم تجاوز هذه الرؤية النبوية إلى رؤية تتبنى مقولة "سسيولوجيا المعرفة"؛ أي أن المعرفة مثلها مثل الإنسان والمجتمع لا يمكن النظر إلى عمليات إنتاجها واستهلاكها دون التموضع في وجهة نظر اجتماعية، هذا أولاً. وأن المعرفة كتشكيلات وبنى هي في النهاية تشكيلات خطابية، فحتى لو بدت على شكل لحظات وامضة، فإنها لن تدوم، ولا يمكن بناؤها إلا على شكل "لفافات" خطابات لغوية، شبكات من العلامات والرموز، رموز وعلامات تعيد بناء تلك اللحظات الوامضة، الناتجة عن معايشة الفكر للوقائع، فتحيلها على وقائع لغوية ونصوص، هي نفسها تتحول في أبنية التاريخ المعرفية إلى موادّ اجتماعية ووقائع مؤسساتية وقوى مادية، تحتاج لفكر يقرأها أو يجابهها، والفكر أيضاً ليس حراً في حركته، فهو محكوم بحقل حدوثه، وبالخطاب الذي يوجهه، والأدوات التي يستعملها، والخطاب هنا ليس حيزاً لغوياً محضاً ولا حقلاً علمياً مغلقاً، بل هو موقع من مواقع السلطة، وأداة ما من أدوات القوة، "فالخطاب ليس مجرد كلام، إنه مغروس في سياق تاريخي وثقافي ويعبر عنه غالباً في إطار سيناريو أو إنجاز ثقافي. إن الخطاب يتعلق بالممارسة: ممارسة العلوم، وممارسة أكل لحوم البشر. وبمقدار ما يتطور الخطاب يبدأ بتوليد الممارسة"،2 فالخطاب كما يؤكد هايدن وايت هو "الأرضية التي عليها يتقرر ما هي الحقائق في المسائل المدروسة، ويتقرر عليها أسلوب الفهم الأمثل لفهم هذه الحقائق"،3 ما يعني أن الخطاب منبع كل الأشياء ومآلها، فالخطاب هو حقل التأويل والممارسة، وهو أيضاً حقل الرغبة واللاوعي. وكما يرى بول ريكور في تأويله لفرويد فإن نقطة تقاطع المعنى والقوة هي مكان دخول التأويل موقع الحدث، بوصفه انتقالة من الظاهر إلى الكامن، وإزاحة من موقع إلى آخر، وحركة تحوير الرغبات إلى صور، وبالتالي فالمعنى ليس نتاجاً صافياً لحركة الذهن في هجرته خلف الحقيقة، بل يمكنه أن يكون حقل الرغبة وكاهن الاعتراف بها، "حيث يتم إشباع الرغبة من خلال تاريخ آخر فقط، هو تاريخ الاعتراف".4 أما الجانب الثالث من المقولة ما بعد الاستعمارية "الكولونيالية"، فهو سقوط براءة المعرفة وحياديتها، فالمعرفة كتركيب منظومي ونظام عالمي تحمل معالم القوى والمؤسسات التي أنتجتها، ليس هذا فحسب، بل إن المعرفة ليست متورطة في علاقات القوى الاجتماعية والسياسية والمؤسسات، وإنما هي نفسها قوة من هذه القوى، ومؤسسة من مؤسساتها، فالمعرفة "كأيديولوجيا" هي ليست نتاجاً للواقع فحسب، بل هي إحدى القوى الفاعلة فيه، فالمعرفة لا ترتب ولا يمكنها أن تنتظم إلا "خلال وسط مادي"، توجد وتنتقل عبر المؤسسات والأجهزة وفي ممارساتها، مشكِّلة خارطة قوة، وفي الأفراد وعبرهم، بانية "موافقتهم" على شكل "نظام قيم ومعانٍ معاش"، ما يمكّننا بجمع غرامشي والتوسير من القول إن الأيديولوجيا هي المعرفة المرتبة على شكل أجهزة ومؤسسات، ومنتشرة في ممارساتها، والمبنية في اللغة، والمحمولة في خطاباتها التي تشكل الأفراد كذوات ذات إدراك تاريخي يبدو لها على أنه الفهم الأوحد، أو طبقاً لغرامشي "الفطرة السليمة"، التي هي مزيج من "الأفكار يتشكل عليه فعلاً الإدراك العلمي لجماهير الشعب"، ما يفضي إلى أن المعرفة كامنة في مركز فكرة الهيمنة عبر وجودها في أجهزة القوة وخطاباتها، وعبر وجودها في فطرة المهيمن عليهم وفي إدراكهم أيضاً، ما يعني أن الهيمنة تتم بواسطة جمع القوة والإقناع، الإكراه والموافقة، موافقة نصفها طوعي وآخر ملفق".5 إن هذه المقولات مثلت مقدمات وموضوعات جديدة لمسائل وأسئلة جديدة، تسأل عن علاقة المعرفة بالفكر والواقع، وعن علاقة المعرفة باللغة، وعن علاقة المعرفة بالسلطة.
    التاريخ هو دائماً "تاريخ من أجل"6
    إنها إيغالات جديدة وعميقة في طيات المعرفة، للكشف لا عن ماهيتها، بل للكشف عن عتماتها الأيديولوجية، فلا ماهية نهائية خلف المعرفة، بل إن كل معرفة خلفها معرفة أخرى، تشكلت عليها بعد أن قوضتها إلى آثار ثم انفصلت عنها وتنكرت لها أولاً، ثم أنكرتها، فتاريخ العلوم ليس مسيرة تصويب للخطأ، فهي ليست عملية إحلال للصحيح مكان الخاطئ، بل هي عملية إحلال لمعارف تنتصر مكان أخرى، يتم ترسيبها أو تبديدها، فهو -أي التاريخ المعرفي- عمليات إحلال لمعارف تنتصر في حضورها وتبني نظامها وأخرى تغيب بعد أن تحتوى في نظام المعرفة المنتصرة، فتاريخ العلوم ضمن هذه الرؤية ليس تاريخ اكتشافات ونمو نظريات، بل هو تاريخ صراع الخطابات، تاريخ لمجازر وإبادات معرفية، فللمعارف أيضاً تاريخ طويل من الحرب والصراع والاحتواء. ولذلك، كان لا بد من بناء تاريخ معرفي ما بعد كولونيالي، وهذا احتاج إلى ابتكار نوع جديد من التاريخ، تاريخ يضحي بفكرة المتصل الزمني لصالح تاريخ يجتهد في كشف القطائع والانفصالات، ويتعمق فيما وراء الطاغي، ويلتقط الهارب والخاطف والمنبثق فجأة، تاريخ يتجاوز النخبة ويهبط إلى الناس الفاعلين الحقيقيين، تاريخ يستبدل الحدث كنواة التاريخ ووحدته بالعلامة والعلاقة، تاريخ يسقط فكرة نقاء المعرفة ويلتقط تورطاتها وحروبها، ولذلك، لا بد من التضحية بالتاريخ كمسار زمني من أجل الظفر بالتاريخ بوصفه حركة تصادمات وتبدل علاقات في حقل اجتماعي.
    "إن ثمن التاريخ كمعرفة هو التاريخ كزمن"7
    ولذلك كان لا بد من نظرية معرفية تقرأ العلم وتكون ضده، فهي ليست خطاباً عن العلوم أو محايثاً لها، وإنما هي خطاب في العلوم وضدها، خطاب يقرأ حروب المعرفة، يبحث في ظاهر المعرفة وفي عمقها، في اللامعرفة فيها، فالجانب المقموع من المعرفة "المعرفة الغائبة" أو المغيبة، لا بد من تنشيطه طبقاً لفوكو، فالتاريخ الملغى "كما يرى ميشيل سير" يمثل راسباً تاريخياً يمكن إعادة إحيائه وتنشيطه، وبالتالي فالنظرية المعرفية، في تناولها للعلوم في سياق ترابط المعرفي بالمعيش، والعلمي بالثقافي، والفكر بالمجتمع، فإنها لا تشيد للعلوم تاريخها، بل تمكنها من تاريخيتها؛ أي من إعادة موضعتها اجتماعياً، بشكل يجعل من العلوم عمقاً جديداً للثقافة، الشيء الذي يعيد للعلوم تاريخيتها ودورها الثقافي، فيحرر العلوم من "التلفيق الإمبريالي لها"، وينصف الشعوب المهمشة ومعارفها، ما يوفر الفرصة للثقافة الإنسانية لإعادة رسم موقعها وإعادة تحديد بنيتها ودورها، لتصبح الحاضن لعلاقة إيجابية، ليس بين الأفراد أو بين الجماعات الإنسانية فحسب، بل بينهم وبين محيطهم أيضاً، فالثقافة العلمية تعني الإصغاء للأفراد وللأشياء، الإحساس بالمجتمع والطبيعة معاً، ثقافة تعيد صياغة صلة المعرفة بالعدالة، عدالة إنصاف الشعوب والأمم المغلوبة وإعادة الاعتبار لإنجازاتها المعرفية ودورها في الثقافة الكونية من جهة، وحقها في المشاركة أيضاً في إنتاج هذه الثقافة من جهة أخرى، تلك المشاركة المشروطة بتحرر تلك الشعوب من شروط القهر السياسي والهيمنة الاجتماعية.
    النظرية المعرفية والسؤال الثقافي
    ثمة توجهات معرفية جديدة في تعريف المعرفة، تتجاوز معالجة المعرفة باعتبارها معرفة موضوعية بحقيقة الأشياء وماهيات الوقائع، أو تركيبات ذهنية مسبقة، حيت في كلتا الحالتين تقدم كشيء موجود في الواقع أو في الذهن، وما على البحث سوى الكشف عنه، هذا فهم يستند إلى مجموعة من المغالطات وأول هذه المغالطات:
    > التسليم بوجود أشياء ثابتة ودائمة فيما وراء قانون التغيير والصيرورة، في حين أن هذه الأشياء غير موجودة، فالأشياء تفر من أمامنا منجرفة في تيار الصيرورة؛ تيار التغيير الذي هو نفسه لا يتأخر عن التغير، ما حطم القول بموضوعية المعرفة وثباتها، لكون الأشياء غارقة في سيرورة من التحولات. > أما الثاني فهو مقاربة الأشياء والأحداث بوصفها أشياء نظيفة من تاريخها محافظة على عذريتها الدلالية أيضاً، مع أن الأشياء ليست بريئة من المعنى، بل هي محملة بالمعاني وبالقراءات الراسبة، والتأويلات المتجمدة، تأويلات متتالية في بنى دلالية جيولوجية لا تعكس النمو الدلالي للشيء فحسب، بل تصور تاريخه العلائقي وتؤرخ للقوى التي استحوذت عليه وأولته. > وثالث المغالطات ذو صلة لا بالأشياء والوقائع، بل بمبدأ مقاربة المعرفة باعتبارها حقائق بماهية العالم وأشيائه، في حين أنها ليست سوى تمثيلات، فهي طبقاً لنيتشه مجرد أخطاء أكثر من كونها حقائق، فالعالم الذي تبتنيه المعرفة ليس عالماً موضوعياً، ولكنه عالم مشكل تبعاً لحاجات "إنسان محدد بعصر ما، وبشروط مادية وثقافية خاصة"، والعلم أيضاً بفضل مقولاته التي كما يرى نيتشه هي مقولات ذاتية، لا يقدم معرفة بحقيقة الأشياء، ولكنه يمنحنا سلطة عليها. > ورابع المغالطات خاص لا بالأشياء ولا بالمعرفة، بل بالعلاقة بينهما، علاقة قدمت وكأن المعرفة فهم نقي وبريء للعالم، وهذا القول المغالط هو أخطر المغالطات السابقة وأساسها، حيث علاقة المعرفة بالقوة لم تعد خافية، وهذا ما أكده " فوكو" في قوله إن غاية المعرفة ليس الفهم، بل التكسير" فالمعرفة مثل السلطة لا يسأل عن صوابيتها أو عدالتها، وإنما يسأل عن موقعها، معرفة من؟ وسلطة لمن؟ فالسلطة غير عادلة دوماً، ليس لتخليها عن مبادئ العدل بل لأنها ليست لنا.8 وكذلك المعرفة، فما يسمى عند ماكس فيبر المعرفة العقلية، والعقل التقني، هو عند ماركوز وهابرماس شكل من أشكال السيطرة الأيديولوجية، ما دفعه للسؤال (عن المضمون السياسي للعقل التقني) ليرى فيه ليس توظيفاً للتقنية بشكل أيديولوجي، بل هو أيديولوجيا رأسمالية في شكل تقني تغني حرية طرف اجتماعي، وتعاظم من قوته وقدرته، وهي نفسها قوة تهميش واستبعاد للأطراف الأخرى.
    مما سبق يتضح أن مقولات المعرفة ومفاهيمها ليست حقائق نقية من شوائب الضلال والقصور والتحيز، بل هي ليست أوهاماً أيضاً ولا مجرد أدوات ووسائل كل يستخدمها وفق حاجته واحتياجاته، فهي ليست خلاصات معرفية حقيقية، ولا هي نتاجات سياسية محضة، بل هي تلقيحات توالدت من تمازج شهوة الاكتشاف مع شهوة الاستحواذ، فانبثقت المعرفة عبر تلك العملية الصراعية لتنظيم وجود الإنسان مع محيطه الطبيعي والاجتماعي، فتقاطعت رغبة المعرفة بشهوة السيطرة، تلك الرغبة المزدوجة ولَّدت ثنائيات عديدة من الاستعباد والتهميش، علم يسيطر على الطبيعة، واستعمار يضطهد شعوب الأغلبية أو الثالثية، تكنولوجيا تحطم الثقافة، سوق تهزم القيم وتهز بنية الأسرة، الرجل العقل يهمش المرأة العاطفة، وبالتالي فإنه يوجد فيما يسمى العلوم من السلطة والأيديولوجيا أكثر مما يوجد فيها من الحقيقة بمئات الأضعاف، ما يتطلب وبعنف تحرير العلوم من مركزية العقل الذكر الأبيض الأوروبي. إذن، فالمعرفة ليست أصل الشيء أو الكائن، ولا هي معناه أيضاً، فالمعنى ليس ترجمة ذهنية للشيء ولا هو تعبير عن حقيقة، فلا معنى أول ولا وجود لشيء في (صفر المعنى) فكل معرفة بشيء ما، هي تأويل لمعرفة سابقة، وكل كلام على موضوع هو كلام على كلام سابق،9 فالمعرفة وخطابها هي قراءة تقوم بها جهة ما من منظور ما لقراءات العالم السابقة عليها "فكل قول هو إعادة تركيب، وكل تأويل هو تأويل لتأويل"،10هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى فإن المعنى هو قرين دوماً ومتبدل دوماً أيضاً، فالمعنى قرين شروطه المادية والاجتماعية وسياقه الخطابي والمؤسساتي، وهذا مطلب آخر، مطلب في تأكيد الحق في المساءلة الدائمة للمعرفة، مساءلة للمعرفة وللشروط المؤسسية التي أنتجتها وسوَّقتها واستثمرتها. فثمة تيارات نقدية حديثة أعمق من البنيوية وأجرأ من الوجودية، تيارات ما بعد البنيوية وما بعد الكولونيالية، ومن ضمنها التوجهات الجديدة في التحليل النفسي والفكر النسوي، تلك التوجهات التي استلهمت ماركس وفرويد ونيتشه، في نسختهم المُحدَّثة كما أنتجها غرامشي وفانون وفوكو وسعيد، حيث ركزت جهودها النقدية على المعرفة وتورطاتها في المشروع الإمبريالي، وفي دراسة الأعراق والدراسات الاستشراقية، تيارات كانت الضربة النهائية "لفلسفة الهوية" فأسقطت الهوية كحقيقة، وبددت هوية الحقيقة كمعنى للعالم، يطابقه ويترجم جوهره ومعناه، فالحقيقة ليست سوى "حشد من الاستعارات، حشد متحرك من مجازات وكنايات وتجسيمات، فالحقائق صور "أوهام" مضللة نسي المرء أنها صور".11 فالحقيقة إذن، تركيب مبتكر، نتاج وتشكيل، تدشين وخلق، وليست معطى أصلياً أو معنى جاهزاً، فالحقيقة شيء ينتج لا موجود ينتظر من يكشف عنه، بل هي طبقاً لديلوز "عبارة عن تشكيلات خطابية هي الجسد للمعنى، وأرض للمفهوم"،12 وبالتالي فمعنى الأشياء هو من فعل التأويلات ونظرياتها والمنظورات والقوى التي تستولي عليها، وهذا ما جعل الفكر الحديث يربط بين إرادة الحقيقة وإرادة القوة، فالحقيقة ليست نتاج منهجيات المعرفة بقدر ما هي نتاج لسياسات السلطة، فالدافع إلى المعرفة يرتد إلى دافع إلى السيطرة والإخضاع،13 وبالتالي فثورة المعرفة ونقلاتها عبارة عن إفساح المجال لمادة جديدة وإرادة جديدة في مخططات قديمة. ولكي تكتمل محنة المعرفة وإشكاليتها، فإننا نعيد التأكيد على أن الأشياء لا تظهر لنا بشكل نقي، فهي فينا بقدر ما نحن فيها "فنصف الأشياء نحن"، كما يفترض علم الأنثروبولوجيا، ما يمكننا من القول أيضاً إن نصفنا هو الأشياء، الأشياء التي نعتاش عليها ومعها وبها، أشياء نصنعها بمقدار ما تصنعنا، نشكل معناها بقدر ما تشكل المعنى لنا، فنحن تاريخ محاط بالتاريخ، والأشياء أيضاً هي تاريخها الخاص المندرج في التاريخ العام والمحاط به، فلا أشياء نراها "خارج معناها" أو خارج دلالاتها التاريخية، فنحن لا نشم رائحة الأشياء بقدر ما نشتم عرق السابقين ودمهم، فالأرض مزروعة بجثث السابقين، والحياة ضاجة بالأموات والأحياء"، ففي المعرفة نصيب للأموات يفوق نصيب الأحياء دوماً"، وهذه إشكاليتها الثانية، حيث عمر البشر أقصر دوماً من تاريخهم، وبالتالي فكل ثورات المعرفة وانفصالاتها وكشوفاتها العظيمة سيتم طيُّها في تاريخ يستوعبها قبل أن تستوعبه وتطويه. وبالتالي، وبما أن الأشياء محجوبة بتاريخها، تاريخ تحجب خلفه، ولا يمكن أن تعرف إلا به ويستحيل علينا إعادتها إلى درجة صفر المعنى أو صفر التأويل، فإن معرفتنا ستبقى معرفة على معرفة، وقراءة على قراءة، وقولاً في أقوال أخرى فقط، فالكلام ينشط فينا أكثر مما ننشط فيه، ولذلك فالمعرفة سياسة، التفاوض فيها أسبق من الكينونة. وبإضافة محنة المعرفة إلى عدم حياديتها، وتورطاتها مع السلطة، وتموقعها في خطوط التنظيم الاجتماعي، والسيطرة على المحيط الطبيعي، عدم ثباتها أيضاً، فالأشياء لا توجد خارج حركتها، أو خارج تبدلات علاقاتها التي تحدد كونها وكينونتها، وبالتالي لا معرفة نهائية للعالم، فليس من الممكن إيقاف تيار الصيرورة للحظة لنكتشف الحقيقة، فخارج الصيرورة لا عالم ولا حقيقة، وفي الصيرورة يبقى العالم ويبقى معه السعي الدائم لمعرفته، لكونه لا يتوقف عن التغيير وعن تغيير التغيير. ولذلك فالعلوم ومعارفها ليست الحقيقة وإنما تاريخ البحث عنها، أو مسيرة تغييبها ومسيرة الشوق لها، ومسيرة توظيفها.
    الثقافة العلمية وفكفكة العلم الإمبريالي
    الثقافة العلمية لن تكون علمية إلا بوصفها خطاباً يعمل ضد خطاب الاستعمار ومقولاته في العرق والطبقة والمرأة بوصفها الجنس الأدنى، وعليها -أي الثقافة- أن تتبنى معرفة ومقولات ضد معارفه ومقولاته كي تحرر العلم من أسر خطاب يحتوي العلم، ليدعي لذاته علمية ينزعها عن العلم نفسه في الوقت ذاته. قبل أن يفكر القارئ ويسألنا وهل ثمة علاقة بين العلوم والإمبريالية؟ نشغله بسؤال هل يمكن للعلوم أن تصبح ثقافة تساهم في صنع التاريخ بوصفه تاريخاً إنسانياً إذا لم تكشف التورطات الاستعمارية للمعرفة، وتتم إعادة بناء المعرفة وتاريخها خارج الشرط الاستعماري الإمبريالي، فثمة حقائق ودراسات رصينة تثبت أن الحداثة الغربية وعلومها قد قامت على أنقاض علوم الشعوب المستعمرة بعد أن تم السطو المعرفي على إنجازاتها المعرفية، وتم سلبها أولاً، وتشويهها ثانياً، وتنحيتها ثالثاً، وهذا يحتاج إلى إعادة بناء تاريخ العلوم لإنصاف الأصوات المهمشة فيه، فقد "أعاد الاستعمار تشكيل البنى القائمة للمعرفة الإنسانية، فلم يبقَ فرع من فروع المعرفة لم تمسه التجربة الاستعمارية، فقد تعرضت العلوم والمعارف المغلوبة" لـ "إساءة تمثيل وإعادة ترتيب"، وهذه العملية كانت نتاج لتفوقات مادية للقوى المستعمرة الغالبة، وأصبحت بدورها قوى مادية تؤكد انتصار الغالب، وتعيد إنتاج هوية المغلوب، بوصفه ما قبل حداثي قاصراً وبدائياً، متوحشاً ومتخلفاً "لدرجة أصبح التاريخ هو تاريخ أوروبا و"بقية العالم" الشيء الذي تطلب بناء الخطاب العلمي الأوروبي بالتزامن والتواشج مع بناء الآخرين، كأكلة للحوم البشر، بدائيين وشهوانيين. إن خطاب العلم الأوروبي خطاب قرين للخطاب العرقي والجنسوي والطبقي والاستشراقي الذي همش غالبية سكان العالم بمفردات العرق/الطبقة/النوع الاجتماعي/الأدنى، تلك المقولات الأيديولوجية المحجبة بحجاب المعرفة وموضوعيتها، ما يتطلب وبعنف إعادة النظر في حكاية التاريخ الاستعمارية التي تدعي "أن تاريخ العالم يمكن سرده فقط بوصفه قصة ريادة الغرب، وانتصاره منذ البداية".14 تلك القصة التي بناها الغرب بماكينات القوة الاستعمارية والتمثيلات الخطابية التي عملت على إزاحة العالم بأسره وتحويله خطابياً "استشراقيا" إلى مجرد فضاء حيوي للغرب ولعربدة رغباته، فلم يكتفِ الغرب بدمج تاريخ العالم في قصته ونهضته وانتصاره فقط، بل تنكر للعالم وأنكره، كتب الصورة واقتنع بها، صورة لثقافته وانتصاره ونجاحه، صورة مقابلة للشرق الأنثى، الشرق المتفرج سلبياً على الحضارة، الطارئ على قصة تطور تاريخ العالم، وكذلك أفريقيا فقد أخرجت من التاريخ، فهي القارة العذراء طبقاً للوصف الغربي، وهو الاسم الاشتهائي المقابل لأفريقيا السوداء كتعبير عرقي عنصري، تلك النظرة التي اعتبرتها "روث بينيدكت" نظرة مغرقة في البدائية والمحلية، وكأن أوروبا قبيلة منغلقة، أبناؤها يسردون تاريخهم فقط، لأنهم يعتقدون أن كل ما هو مهم في العالم يبدأ وينتهي بهم.15 وهذا الفهم مثَّل فهماً تاريخياً في المجتمعات القديمة، الشيء الذي ولد دعوات إلى إعادة كتابة تاريخ العالم بشكل أوسع، ما دفع فيليب فرناندز آرمستو إلى القول: "لدى كتابة تاريخ العالم تطلب الحواف منا أحياناً اهتماما أكثر من العواصم".16 وكذلك اهتمام "دبليو-أي-بي دوبو"، "لذلك أسعى إلى تذكير القراء بأهمية الدور الذي لعبته أفريقيا في تاريخ البشرية، في الماضي والحاضر".17 فالغرب في اختلاقه لهويته المتفوقة وقصته التاريخية كصانع للحضارة، يرد جذوره إلى فلسفة أثينا وعمارة روما وعظمتها وريادة البرتغاليين والأسبانيين الأوائل، ما دفع مارتن بيرنال في كتابه أثينا السوداء، إلى تفكيك المقولة الأولى، ألا وهي ريادة أثينا، مبيناً "أن الحضارة اليونانية القديمة كانت بالفعل مأخوذة بشكل دال من مصر القديمة"،18 وكذلك ما فعله إدوارد سعيد وهوبسون في كشفه عن الجذور الشرقية للحضارة الغربية، حيث يقوض ريادة الغرب وعذرية حضارته، مؤكداً أن الغرب قد قام في تطوره على الرياضيات العربية وعلوم الجغرافيا العربية، فالرياضيات الغربية نهضت على البناءات الرياضية العربية؛ رياضيات الخوارزمي، وإسهامات البتاني في إبدال وتر بطليموس بالجيب، وكذلك نظرية التماس لأي الوفا البوزاجاني، ونظرية جيوب الزوايا لأبي نصر، ونظرية "ظل التماس" لابن الهيثم. وكذلك الكشوفات الجغرافية والنظريات الفلكية، حيث جادل كثير من الباحثين على أن كوبرنيكس اقتبس نماذج ابن الشاطر، وكذلك تأثير فلسفة الرازي والمعتزلة، وبخاصة فكري فاعلية الفرد وقدرة العقل على المحاججة والمحاكمة. يضاف إلى ذلك الأبحاث الجديدة التي تبين أن الأصل الاختراعي للبارود هو الصين، وللطباعة هو كوريا، ما يقوض فكرة أوروبا البطل الأوحد في قصة الحضارة.19 فالعلوم التي صنعت الغرب بشكله الحداثي هي ليست علوماً أوروبية محضة، فهي كما تحاجج ماري لويس برايت علوم أنتجت على الحد الإمبريالي، ونتيجة للاحتكاكات مع علوم الشعوب المستعمرة، فالعلوم الغربية تطورت كدافع للسيطرة على الكون عن طريق دمج أنظمة معرفية أخرى والتعلم منها، بالإضافة إلى تنحيتها بعنف، فما حدث كان نتاجاً لذلك الفضاء المعرفي المتولد عن ذلك التماس مع تلك الحضارات غير الأوروبية، ما أدى إلى "إدراك عالمي جديد"، سمي قسراً إدراكاً أوروبياً نتيجة للسيطرة الأوروبية الاستعمارية، ما جعل الفكر النقدي تجاوزاً ليس للاستعمار وفكره في البلدان المستعمرة، أو التي كانت مستعمرة، بل ذهب في التوجه لإعادة كتابة التاريخ العالمي"، مقوضاً الرواية الغربية التي جعلت من حكاية التاريخ حكاية الغرب، وقدمت اللاغرب بوصفه الخارج فقط أو اللاتاريخ"، ما جعل هذه الدراسات تنحو ليس لاستعادة تاريخ البلدان المستعمرة من قبضة التاريخ الإمبريالي فحسب، بل أفضت إلى إعادة النظر في التاريخ الإمبريالي بمجمله، وإعادة مساءلة مسلماته الأولى". فالباحثة آن ستولر ترى "أن الهوية قد انبثقت من احتكاك المهاجرين الأوروبيين بالشرقيين وأنهم استحدثوا صورة جديدة لأنفسهم كأوروبيين في تمييز لأنفسهم عن البيض الفقراء، وأن هذه الهوية قد سبقت انبثاق إحساس بورجوازي أوروبي بالذات في أوروبا نفسها، وهي هويات صيغت في الخارج ولم تستورد إلى أوروبا إلا فيما بعد، شأنها شأن النزعة القومية نفسها، ما يعني أن الغرب لم ينتج الحداثة، وإنما الحداثة هي التي أنتجت الغرب".20 فالحداثة السياسية ليست معرفة أنتجها الغرب بقدر ما هي معرفة أنتجت الغرب، فكتاب لينايوس نظام الطبيعة الذي بدا نظاماً عالمياً في تصنيف النباتات، والذي قدم باعتباره خارطة ضخمة للعالم كان حسب ريتشارد غروف مديناً بعمق إلى نظام إزهافا في جنوب الهند لتصنيف النباتات21 هذا من جهة. ومن جهة أخرى، ترى ماري لويس برات أن العلم الأوروبي أعاد بناء العلم كنظام أوروبي، قافزاً عن المسافات، متجاهلاً "مسقطاً" إسهامات غير الأوروبيين، "كان على أشكال الحياة أن تسحب خارج بيئات حياتها، ليعاد نسجها في داخل أنماط أوروبية ذات وحدة ونظام عالمي، ... إن العين "عين الأوروبي الذكر الرأسمالي المتعلم" استطاعت أن تجمع مشاهد متفرقة ومواقع جديدة لتجعل منها مشاهد مألوفة وطبيعية، فور التماس معها تم دمجها في الطبيعة من خلال دمجها في لغة النظام، إن فروقات المسافة أخرجت من الصورة، ففيما يتعلق بنبات السنط، فاليونان يمكن أن تكون مثل فنزويلا أو جنوب أفريقيا أو اليابان، ونعت القمم الجرانيتية يمكن أن ينطبق على أوروبا الشرقية وجزر الأنديز أو الغرب الأمريكي على نحو متماثل"22 وثمة عشرات الأمثلة؛ "ففي مسرحية "ترجمات" للكاتب برايان فرايل يستعين الخرائطي البريطاني في رسمه خرائط لأيرلندة بأيرلنديين يذكرون له أسماء المناطق، فيعيد كتابتها حسب نطقه ويشكرهم، ذاكراً أسماءهم بطريقة خطأ.23 وكذلك المهندسون البريطانيون، لا يمكنهم بناء سدود في أماكن متحركة الرمال إلا بعد الاستفادة من خبرات الهنود في تأسيس الأساسات، وكذلك الفتوحات التي أسهمت فيها الكتابات العربية؛ "كتاب الليالي وأثره على الكتابة الأدبية وعلى فتح شهوة الأوروبيين على الرحلة والمغامرة"، وكذلك فلسفة ابن رشد ورياضيات الخوارزمي والخيام. فالعلوم الأوروبية لم تقم على امتصاص علوم الشعوب وتنحيتها فقط، بل شوهت حياتهم وأساءت تمثيلها، وأكثر من ذلك أساءت تمثيل أجسادهم، "ربما تكون العلاقات الإمبريالية قد نشأت في البداية عن طريق البنادق والمكر والمرض، بيد أن هذه العلاقات قد تم الحفاظ عليها بواسطة التناص، فالاستعمار مثل النظرية العنصرية هو عبارة عن تشكل خطاب, وكعملية خطاب فإنه يستجوب الضحايا الاستعماريين عن طريق دمجهم في منظومة من التمثيل، "فثمة علاقة تكافلية عميقة وجدلية بين ما هو خطابي والممارسات المادية الإمبريالية".24 إن ما أحدث في العقود الماضية الأخيرة من نقلات في الفكر، قد أفضي إلى ما سمي بسياسات المعرفة، تلك التصورات الجديدة التي وضعت المعرفة في موقعها الاجتماعي، وهذا ليس مجرد اعتراف باجتماعية المعرفة فحسب، بل هو تأكيد على أن المعرفة دوماً هي فعل قرين، قرين لخطاب العرق والطبقة، ونتاج لموقع أيديولوجي وحصيلة فعل سياسي مؤسساتي، بالإضافة إلى كونها حالة دائمة التبدل والتقنع. فسياسة المعرفة تعني أن المعرفة في نتاجها وسيرورتها هي عملية إنسانية واجتماعية، بالتالي فهي في إنتاجها وفي نشرها وفي استهلاكها لا تنأى عن التموضع في الحقل الاجتماعي، ولا تنعزل عن صراع القوى فيه، ولا يمكنها في تحولها النصي إلا أن تكتسي بخصائص اللغة التي تبنيها كنص وتشكلها كخطاب، وهذا ما جعل المدارس الفكرية الحديثة تمحور جزءاً من جهدها حول المعرفة وسياسات إنتاجها واستهلاكها، حيث أكدت على اجتماعية المعرفة، من منطلق أن إنتاج المعرفة ونقلها وتشغيلها واستهلاكها هي ممارسات اجتماعية لا يمكن فهمها بمعزل عن سياقاتها الاجتماعية والثقافية، فالفهم الأعمق للمعرفة هو فهم سياسي لا فهم علمي محض. وهي -أي المعرفة- في المدارس ما بعد البنيوية بنية نصية وممارسة خطابية، تعكس تمثيلات ذهنية وسياقات مؤسساتية أكثر مما تعكس من الوقائع، وبالتالي فهي مادة للتأويل والتفكيك والتحليل النصي والخطابي، وهي في المدارس ما بعد الكولونيالية، معرفة متورطة في العملية الاستعمارية، متساوقة مع القوة الغربية الإمبريالية ونتاج لها، فهي قد تأسست على دمج كل المعارف الإنسانية في النظام المعرفي الغربي بعد تدمير النظم المعرفية الإنسانية غير الأوروبية وتنحية معارفه وتشويهها، كجزء من بناء هوية استعمارية متفوقة لا تستند إلى حقائق الذات التي تحملها بقدر ما تقوم على الاختلاف مع آخرين تم بناؤهم تخييلياً لهذا الغرض، فقد اختزل الإنسان بكليته في الخطاب العرقي الأبيض إلى لون بشرته فقط، وقد تم القفز على كل الحدود، فتم الجمع بين المرأة كنوع أدنى، والأسود كعرق بدائي، والفقراء كطبقات منحطة، فالأدب الأوروبي الاستعماري يصف فقراء أوروبا بلغة عرقية، فهم أقرب إلى العرق الأسود أو الأحمر، وتم أيضاً وصف الشعوب غير الأوروبية بلغة الخطاب الذكوري، فهم ضعفاء كالنساء لم يخلقوا إلا للاغتصاب، لا يستعملون سوى المكر والمكيدة كسلاح أو كوسيلة. هكذا عبر خطابياً عن صراع أوروبا مع فقرائها ومع شعوب الأرض ونسائها، أو هكذا تم الاضطهاد في حيز الخطاب، وتم بناؤهم كحالة من النقص والتشوه والبلادة تحقق للأوروبي الأبيض الذكر لا سيادته عليهم أو حقه في استغلالهم فحسب، بل تمنحه الكمال والتفوق بوصفه مختلفاً عنهم، فهو كأوروبي سيد لا يحتاج في إنجاز هويته لأكثر من التميز عن الآخرين الذين بناهم على شكل صور شبحية، أسقط فيها كل عقده ومركباته النقصية، ما يعني أن على أي توجه نقدي يرغب في أعادة قراءة نظرية المعرفة وتاريخها أن ينظر إليها -أي المعرفة- في إطار التحليل النفسي وسياسات المعرفة ومنهجيات التقويض الماركسية والتفكيكية، للكشف عن تعالقاتها النصية وتشابكاتها المؤسساتية مع خطاب العرق والطبقة والنوع الاجتماعي كخطاب استشراقي استعماري.
    الثقافة العلمية بين الميكروفيزياء واجتماعية التاريخ

    "إن تحقيق علمية التاريخ مرهون بإنجاز تاريخية العلوم"
    ثمة صلة سرية أو تحتية بين الفيزياء والتاريخ، هي للفيزياء تاريخيتها وللتاريخ ماديته وميكرويته، إنها تلك الرؤية النسبية التي اخترقتهما معاً، فالتاريخ مع ماركس أسس عمارته المادية، والفيزياء مع ما قبل آينشتاين أسست تاريخها النظامي المطلق، فجأة تنبثق الحدوس النسبية ورعونة عالم الدقائق الصغيرة وتحولاتها الخاطفة والفجائية، ما يحطم قدسيات النظام، فتضيف لمادية التاريخ عمق تفاصيله الصغيرة وأهميتها، وتعطى للفيزياء عمقها الصيروروي، لتتوالد تغييرات صغيرة في كل من التاريخ والفيزياء، تتجاوزهما على شكل قفزة كبيرة في الأدب والفكر والفلسفة، ينبثق عنها نظرية جديدة في المعرفة وعلم جديد في النقد، هو النقد الثقافي والتاريخية الجديدة. رؤية جديدة تقوم -كما يرى أكتافيو باث- على المقاربة بين الأشياء المختلفة، رؤية تستجلي الكون ليس باعتباره تتابعاً من الأشياء، ولكن باعتباره منظومة من عوالم في حالة من الدوران.25 إنها الرؤية التي وصفها تريستان تزار "لحظة واحدة طازجة من خلالها يمكنكم أن تأتوا بأفعال يحكمها التضاد"،26 فما حقيقة لنا غير تدفقنا الدائم. رؤية بدأت مع الإرهاصات الجديدة في علم التاريخ، تاريخ الحوليات، التي وصفها روادها "فالحوليات لا هي مدرسة ولا هي صندوق بريد، إنما هي مكان للتجريب، تجريب يسقط "الجدران العالية التي تحجب الرؤيا" لإنتاج الجديد، الجديد الذي هو ليس ميراثاً، وإنما إعادة تعريف مستمرة في مجال قوة دائم التحول. الشيء الذي أخرج التاريخ من يقينه، ليبني إستراتيجيات اجتماعية ترى أن المجتمع ليس شيئاً، فالموضوعات الاجتماعية لم يعد ينظر إليها بوصفها أشياء حاملة لخصائص ثابتة، لكنها تكوينات من العلاقات المتغيرة ضمن تشكيلات في حالة تكيف دائم، إنها نظرية الكوانتم "الكم" التاريخية، صيغة ترى اللانظام في النظام، والتعدد واللاتحدد في الثابت والواحد، ما جعل النظر إلى الهويات الاجتماعية كوقائع ديناميكية تتكون وتتمحور في مواجهة المشكلات التي يواجهها الفاعلون الاجتماعيون، وكتكوينات لا يتسنى فهمها إلا برصد تناميها عبر فترة زمنية ممتدة. إن الرؤية نفسها قد اخترقت علوم الفيزياء عبر ذلك التناغم بين النظرية النسبية ونظرية الكوانتم، ما أفضى إلى رؤيا تنظر للعالم باعتباره فيضاً من التحولات للمادة والطاقة والظهور المفاجئ لحالة من النظام في أحشاء كون من اللانظام، ما جعلها ترى أن العالم شبكة من الأحداث تتكون من بني صغيرة تتسم بعدم الثبات والاحتمالية، تخلق بنى كبيرة، تتسم بثبات أكبر واحتمالية أقل تخلق، بدورها بنى أكبر حجماً وتنظيماً وثباتاً، وهكذا فالعالم سلسلة من بنى متحولة وأنظمة في داخل أنظمة، ونظام في اللانظام، ما ولد منحىً جديداً يركز بشكل خاص وإبداعي على العلاقة الدينامية القائمة بين النظام واللانظام، بين الثبات واللاتعين فيما يسمى ديناميكا الأنظمة اللاخطية أو نظرية اللاتحدد أو الكيوتيكا، التي تبحث في فهم "الكيفية التي تؤثر بها التقلبات والتحولات التي تتم في البنى الميكروسكوبية على البنى العيانية الكبيرة، حيث تتناول تأثير تحولات البنى الميكروسكوبية على البنى الطبيعية والاجتماعية العظمى؛ من قبيل الأنظمة المناخية، والتوالي الحيوانية والنباتية، وأسواق المال".27 فإذا كانت نظرية الكم تهتم بمبدأ اللاتعين وتجلياته في عالم الدقائق، فإن الكيوتيكا تنشغل بالتأثيرات التي تحدث في الأنظمة العيانية الكبيرة، وذلك نتيجة التحولات غير المتوقعة في البنى الصغيرة التي تغير من مسار هذه الأنظمة. إن ما أطلق عليه مفهوم اللاتحدد أو "الشواش"، لم يعد يدلل على حالة من الغياب أو الخواء، بل هو حالة من الوجود على شكل احتمال، أو حالة من الطاقة الكامنة في الأنظمة الثابتة، الفاعلة فيها لا لنقلها إلى حالة من الفوضى، وإنما إلى حالة من التطور المنظومي الأعلى تنظيماً والأكثر تعقيداً. فالكون معمل كبير لإنتاج الطاقة، طاقة تسيل في ثناياه وتشرشر فيه هائمة دون إطار أو تحديد، وهي في حركتها هذه مكمن استمراره وآلة تجدده، حالة ترى كأنها اللانظام الأبدي فيه، فاللانظام هو الطاقة أو الرغبة في حالة فيضها، طاقة في حركتها تقع في مصيدة ما تحددها وتفصلها عن الفيض الكوني، فتدعى نظاماً. وفي سياق "خض التجربة" العلمية والفكرية، وضمن منعطفات القرن الماضي، تفاعلت النظريات الفيزيائية "الكوانتم والكيوتيكا" مع نظريات التاريخ والفلسفة ما بعد البنيوية وأخواتها باتجاه بلورة رؤية للحياة تتسم بالتعددية والاحتمالية والتعقيد واللاتعين، ففي الوقت الذي تجنح فيه الآداب والفنون إلى نتاجات وعروض غير مكتملة تقوم على البنى اللاتراكمية للأحداث والسيموطيقا الإيمائية، واللغة الاحتمالية" يعلن ميشيل سير "أن اللانظام له الأسبقية على النظام ... اللانظام وحده هو الحقيقي".28 التغير الذي لم يمس صورة العالم وحسب، بل توغل وتمادى ليفحص أسس المعرفة ويسائل ماهيتها، ليعيد الفلاسفة والمفكرين لسؤال فينباوم: "ماذا يحدث للنظرية عندما تخرج من حيز الخطاب الأكاديمي لتندمج بخبرتنا اليومية بالعالم وفي العالم؟".29 إنها محاولة جديدة من المفكرين للخلاص من الخطيئة الكبرى للمثقف التي هي -كما يرى "تريلينج"- أنه لا يختبر أفكاره، ولا يدرك ما تعنيه لو جاز له تطبيقها عملياً في الخبرة ذاتها التي يطرحها".30
    الثقافة العلمية بين تدريس العلوم والثقافة المدرسية
    إن الثقافة العلمية، هي ثقافة تتقاطع فيها قصة العلوم بقصة العالم، لتكتب تاريخ الإنسان وكفاحه. لم أحاول البحث وراء تعريف مفهوم الثقافة العلمية، لأن المفاهيم ليست معطيات ثابتة، وإنما هي تركيبات دينامية متغيرة، والتعريفات ليست تعريفات علمية محضة، بل هي جزء من ترسيمات سياسية، ترسيمات تنهض على ترتيبات خطابية تستبعد بدورها ترتيبات أخرى وتركز على جوانب وتغيب أخرى،31 وهي أيضاً كتعريفات تمثل جزءاً من التعريف العام لأنها تاريخه، فتاريخ العلم جزء منه، فالمسموح أصل المكتوب، وصورته الأولى "إن هذا الممسوح، هو ما كان مكتوباً على اللوحة الممسوحة والمعاد كتابتها"،32 فكل تعريف جديد لا يمكن فهمه إلا بقراءة الممسوح تحته، لأنه ليس أكثر من تعليق عليه: فالفكر يعيد كتابة النص الذي محاه قبل أن يحفظه جيداً، فيعيد وضع الكلمات في الموقع الخطأ بالنسبة للنسق السابق، فيعيد تأتأة التعريف، فيتولد المعنى الجديد، فالجديد في جانب منه نتاج لتلك الصيغة التفاعلية بين المعرفة التي تم محوها والمعرفة المختزنة في الخبرة الجديدة لمن يعيد الكتابة، فطبقاً لميشيل سير "إن المفكر يسير وينسج سيره، ... يعي ويعيش عالم التفاعلات"، فهو "متحرك بجميع الطرق المتخيلة أو المستوعبة، إنه موضع عديد من التبادلات أو التوقيفات والتقاطعات". وضمن المسيرة الترحالية لتعريف أي مفهوم، فإن مفهوم الثقافة العلمية، لا بد من ترحيله على الحدود بين العلم والثقافة، بين الفلسفة والتاريخ، بين النقد والإبستمولوجيا، فالعلوم كحركة لمكتشفات ومعارف وتقنيات، هي في خلاصتها جزء من الثقافة المحيطة بها، والتاريخ هو مجال الفلسفة التي هي أحد منتجات السؤال فيه، والنقد والإبستمولوجيا هي تلك الخطابات الضدية، النقد ضد الثقافة والإبستمولوجيا بمثابة خطاب يحايث العلم ويقف ضده، فموضوع الإبستمولوجيا هو مجهول العلم لا العلم نفسه، هذا أولاً. وثانياً، فإن التعريف هو نتاج عصر البساطة، عصر كان فيه بإمكان الشيء أن يخفي تعقده وتناقضه، عبر إظهار الوحدة فيه، ولكننا في عصر "التراكيب المعقدة" عصر يصفه "إدغار موران" بأنه "يحتوي كل كائن منتج لذاته على عنصر نفيه الخاص"، ما يجعل النجاح في التفكير طبقاً لـ"جون بيير دوبوي" مرهوناً بالدخول إلى الفكر المعقد، لأن الاعتراف بالصراع في صلب الوحدة، هو -بلا شك- الطعنة الأخيرة لنموذج البساطة".33 ولذلك، فإننا سنقارب مفهوم الثقافة العلمية في إطار من الشك والتعقيد، فإذا كان العلم يعالج الأشياء ويتخلى عن الإقامة فيها "فإن الثقافة تسكن في الأشياء المقيمة فيها، فالثقافة مسكونة بالأشياء الساكنة فيها، فالعلم يعد المعرفة نشاطه الأساسي، بينما الثقافة هي عالم الأشياء والمعرفة وتاريخهما معاً؛ أي أنها تتسع لمعرفة الأشياء وأشياء المعرفة وتاريخ تشكلها وتحولها ومآلها في الوقت نفسه. إن نظرية المعرفة وفلسفتها هي "منطقة التماس" بين الثقافة والعلوم، فالعلوم مشغولة بإنتاج المعرفة واختبارها وإعادة إنتاجها تقنياً "تكنولوجياً"، في حين أن الثقافة مشغولة دوماً بتوطين المعرفة ونقلها؛ أي ترجمتها بعد حركة من التكييف والنقل المزدوجة لذاتها وللمعرفة، فكل ثقافة هي في استيعابها للجديد المعرفي والعلمي، تبدي مقاومة، وهذا من الثقافة قانونها، الذي ينتج خصوصيتها ويضمن تميزها، فلو تتخلى الثقافات عن مناعتها، لتحولت إلى ثقافة واحدة، ولذلك فالممانعة الثقافية، هي ضمان استمرارية تنوعها، كثقافات، ولذلك فلكل ثقافة إستراتيجيها في مواجهة الجديد، فالاختلاف بين ثقافة وأخرى ليس في مبدأ الممانعة، وإنما في شكله، فبعضها يرفض مطلقاً، وآخر يمانع نسبياً، وثالث حي ينفتح على الجديد الذي يخترقه ويعيد إنتاجه في الوقت نفسه الذي يعيد إنتاج ذاته عبر تفاعل يحولهما معاً، ويمعرفهما أكثر ويوطنه فيهما أعمق، فالفارق بين ثقافة وأخرى ليس في قانوني الممانعة والتحويل أو الترجمة، وإنما في حد كل منهما ودرجته، ما يجعلنا نقترح الثقافة العلمية كنوع من المعالجة المعرفية للعلوم ومعارفها، وتأطيرها نظرياً وفلسفياً بوصفها نشاطاً إنسانياً يجمع البحث والتجربة والرغبة، فلا يجب التفاعل معها بوصفها "أشياء مجهولة قام العقل بكشف الحجاب فظهرت، بل هي ما يتم إنتاجه وصنعه من خلال ديالكتيك "جدل" الفكر والتجربة, الواقع والرغبة, الجسد ومحمولاته, الفكرة واللغة, فلا وجود لشيء خارج هذا الجدل, جدل سيرورته محكومة بشروط القوة التي يدور في حقلها. فالمعرفة لا يمكن فهمها بمعزل عن التاريخ وفلسفته كعلم لحركة المجتمع في الزمان, فالمعرفة لا يمكنها أن تتصير ثقافة إلا عبر سفرها ومرورها في الحياة, ذلك المرور المرتبط بتحولها إلى "مادة اجتماعية" من خلال اندماجها في التاريخ وحركته, وفي الفلسفة وعنفها". فالتاريخ للمعرفة هو إطارها الاجتماعي، المعرفة التي هي طية فيه تنتج من تَوتر الفلسفة وتُوتّر تاريخها, فإذا كان التاريخ بمثابة الإطار الإنساني للمعرفة، فإن الفلسفة هي جرعة العنف فيهما, عنف للمعرفة وحركة اجتماعية عنيفة. إن التأطير المعرفي لطبيعة المعرفة لا يكفي وحده لفهم طبيعتها ونقد دورها، فهي ليست شيئاً معرفياً خالصاً، فهي تحتوي على الخيال والرغبة ومتورطة في التحالف مع القوة المنتشرة في المجتمع على شكل تاريخ سائل في الأجساد, وتاريخ منتشر في الفكر، ولذلك، فإن إعادة بناء المعرفة على شكل ثقافة علمية, هي إعادة وضع العلوم في موضعي الفاعل والمفعول, فاعل في التاريخ والمجتمع, وهذا مشروط بتحويل العلوم إلى منظومة حياة، ما يخرجها من المجرد إلى المحسوس, ومن المتعالي إلى المعاش, ومن التقني إلى الاجتماعي، ومفعول بها من قبل النقد الفلسفي لتحريرها من تورطاتها الاستعمارية والسلطوية، وذلك يحتاج إلى:
    > إعادة بناء العلوم من معلومات ومعارف مجزأة إلى معارف متداخلة ومتفاعلة، وإعادة بنائها تاريخياً، وإنصاف المعارف والشعوب التي تم السطو الاستعماري على دورها العلمي، ما استبعدها عن مسرح التاريخ المعرفي. > إعادة كتابة سيرة العلم, سيرة تحتفي بالإخفاق, وتبرز المفاجئ وترسم خريطة جديدة للعلوم, توضح عمليات الدوران, والقطائع, والتشابكات كبديل للتاريخ المتصاعد والخرائط المستقيمة الخطوط. > إعادة وضع العلوم ضمن تطورها كنسق معرفي، وتبيان تشابكاته الفلسفية وتورطاته السياسية، تاريخ يظهر النمو التراكمي للمعرفة، ويحتفل بالتحولات. > تعليم العلوم ليس على شكل معارف مجزأة منفصلة, بل على شكل معارف مبنية ضمن سيرورة، سيرورة تظهر تاريخية العلوم وصلتها بالحياة والمجتمع عبر دمج العلوم في تاريخ المتعة والمخيلة والحاجة، وتعليمها بشكل يؤسس لمصالحة الإنسان مع المحيط والبيئة عبر ثقافة علمية تعيد بناء صلة الإنسان بعالمه خارج مقولات الاستغلال والسيطرة. > كتابة قصة العلم، لا ضمن حبكة العقل البطل, بل بعد إعادة توزيع الأدوار, كل حسب بطولته, الفكر والجسد, الواقع واللغة, التجربة والخيال، السلطة والحقيقة, حبكة متعددة وبطولة موزعة بين المغامرة والحكمة, الصدفة والضرورة, معطيات الواقع ومستجدات المنهج وأدوات البحث. فالمعرفة تطور الأدوات "أدواتها"، لكن ظهور أداة قد يقلب عالم المعرفة، والعدسة مثال صغير على دور الأداة المادية، ومبدأ النسبية أو مبدأ الديالكتيك وقوانينه مثال آخر في عمق تأثيراته في الفكر والمعرفة. > تحويل العلوم من لغة الرموز, وصمت المعادلات، إلى سرد التاريخ, عبر تقديم المعارف وهي متحركة ضمن الحياة بمجالها، ما يجعلها تنبثق كلحظة طازجة, لحظة لا تنبعث فجأة وإن بدت كذلك، عبر ربط المعارف بلحظات تاريخها, وتحديات الثقافة والسياسة، ومناهج البحث، وأنماط التفكير, ففصل المعرفة عن وَثْبَات الفكر ومعطيات الواقع وتحدياته, يحولها إلى لقيط مجتث عن عمقه ومنبت عن تاريخه, ما يخرجها من الاجتماعي ويقصرها على الجانب المعلوماتي والتقني, فيحولها من فاعل تاريخي إلى أداة سيطرة. > ضخ المعنى في المعلومة عبر بناء علاقتها بالمعلومات الأخرى، فالعلاقة دوماً هي قوام المعنى وسياق إنتاجه كمعرفة، معرفة عبر صلتها بالإنسان تتحول إلى ذات عارفة، ذوات عارفة في انغماسها في الحياة تؤسس لمجتمع مثقف، وهذا يحتاج إلى مدرسة تتبني في تعليمها فلسفة للعلوم هي طبقاً لميشيل سير فلسفة تتكلم عن العلوم ولا تسكت عن العالم، فلسفة تتسلل عند القفزات حيث المعرفة يبلغ تاريخها أوجَهُ فتنكسر وتبدأ التحولات، فلسفة جديدة في التاريخ والعلم، في المعرفة والإنسان، فلسفة تكتب تاريخ الشيء وعلاقاته التي تمنحه تاريخه باعتباره هو، وتؤرخ للتحولات التي تؤسسه باعتباره آخر ينحو للوصول إليه.

    الثقافة العلمية في الفضاء المدرسي
    في رواية "مطر الصيف" للروائية الفرنسية مارغريت دوراس يخاطب البطل آرنستو والدته قائلا: "لن أعود إلى المدرسة, فهم يعلمونني أشياء لا أعرفها".34 ثمة قول آخر لطالب يخبر والده عن يومه الأول في المدرسة قائلاً: كل شيء مدهش, الأولاد, المدرسة, الأشجار, الساحات, الألعاب، كان يوماً ممتعاً لولا شخص نغص علينا فرحتنا, شخص يسمى المعلم. إن في المدرسة مجالات متعددة للتعلم, الطلاب, الساحات, الأشجار, الملاعب, المواد والأدوات, تعلم يحقق مستويات مهمة, لكن شرط ذلك الأول هو أن يحسن الشخص الذي اسمه المعلم تدخلاته, بشكل يجعلها تفعّل الفضاء المدرسي ومكوناته، لا أن تصبح قانوناً معطلاً لتلك التفاعلات، وهذا يعيدنا إلى قول آرنستو "لن أعود إلى المدرسة, فهم يعلمونني أشياء لا أعرفها". وعند التوقف أمام هذا القول، يمكننا قراءته عبر ثلاث

      الوقت/التاريخ الآن هو الثلاثاء سبتمبر 26, 2017 9:17 am