منتدي جمال عزوز

أهلا بكم في المنتدى
منتدي جمال عزوز

منتدي الادب والفنون والكتابات النثرية والقصة القصيرة

المواضيع الأخيرة

» من كتاب الشخصية6
الإثنين ديسمبر 09, 2013 6:48 pm من طرف Admin

» من كتاب الشخصية5
الإثنين ديسمبر 09, 2013 6:46 pm من طرف Admin

» من كتاب الشخصية4
الإثنين ديسمبر 09, 2013 6:45 pm من طرف Admin

» من كتاب الشخصية3
الإثنين ديسمبر 09, 2013 6:44 pm من طرف Admin

» من كتاب الشخصية2
الإثنين ديسمبر 09, 2013 6:42 pm من طرف Admin

» من كتاب الشخصية
الإثنين ديسمبر 09, 2013 6:41 pm من طرف Admin

» نموذج من بناء الشخصية
الإثنين ديسمبر 09, 2013 6:39 pm من طرف Admin

» كيف تنشأ الرواية أو المسرحية؟
الإثنين ديسمبر 09, 2013 6:38 pm من طرف Admin

» رواية جديدة
الإثنين ديسمبر 09, 2013 6:26 pm من طرف Admin

التبادل الاعلاني

احداث منتدى مجاني

أكتوبر 2014

الإثنينالثلاثاءالأربعاءالخميسالجمعةالسبتالأحد
  12345
6789101112
13141516171819
20212223242526
2728293031  

اليومية اليومية

تصويت

تدفق ال RSS


Yahoo! 
MSN 
AOL 
Netvibes 
Bloglines 

احصائيات

أعضاؤنا قدموا 254 مساهمة في هذا المنتدى في 142 موضوع

هذا المنتدى يتوفر على 34 عُضو.

آخر عُضو مُسجل هو beurt فمرحباً به.

  • إرسال موضوع جديد
  • إرسال مساهمة في موضوع

اسكندر نعمة رحلة إلى مرافئ النجوم قصص قصيرة

شاطر

Admin
Admin

عدد المساهمات: 150
نقاط: 444
السٌّمعَة: 0
تاريخ التسجيل: 31/10/2009
العمر: 40
22012012

اسكندر نعمة رحلة إلى مرافئ النجوم قصص قصيرة

مُساهمة  Admin


مايغني عن المقدّمة...

" لايمكن للكاتب أن يكتب أدباً عظيماً إذا كان خائفاً..."

مكسيم غوركي

هواجسُ مرّة

* سُئِلَ الكاتب الكبير مارك توين، من قبل أحد أصدقائه : ماذا تعمل في هذه الأيام؟ فأجاب مارك توين: أكتبُ قصصاً.. أجابه صديقُه: وهل بعتَ شيئاً ؟‍‍‍‍! أجاب الكاتب: نعم...لقد بعتُ ساعتي، وأكثر ملابسي، وأفكّر الآن أن أبيع فراشي...

عندما دقّت ساعة الجدار معلنةً حلول منتصف الليل... كنتُ ما أزال أجرُّ خيبتي وأحلامي...قبيل الغروب جلستُ إلى الطاولة أعصرُ أعصابي وقلبي، سأكتبُ قصة..قصة قصيرة، أو قصة قصيرة جداً، لافرق .. المهمُّ أن أكتب.. البارحة .. اتصل بي أمين تحرير المجلة التي أنشرُ فيها بشكل دوري، عاتبني لغيابي الطويل عن زيارة مكتبه.. قال لي: أنت بخيلٌ علينا في هذه الأيام.. لماذا؟؟.. لم أعهد نفسي بخيلاً.. إلا أنه أصرَّ على اتهامي بالبخل، وقال لي ضاحكاً: إنك منذ أشهرٍ لم تَجُدْ علينا بقصة نملأ بها بعضَ صفحاتِ المجلّة ..
أنّبتني ضحكاتُه الهامسة، تصوّرتُ أن أسلاك الهاتف بيننا تشاركهُ ضحكاتِه الساخرة، أحسستُ بوخزاتٍ أليمةٍ تلسع صدغيَّ وصدري...
كانت الشمس تغطس وراء الأفق، والأفكار تغطس هاربة منّي.. ازداد تلاشيها مع ازدياد حلول العتمه.. تذكرتُ أستاذَ الرياضيات وشروحَه القاسية عن التناسب الطردي.. افترّت شفتاي عن ابتسامة شاحبة مرّة.. عجيبٌ أمرُ أفكاري الهاربة هذه ... أنا أعلم أن الظلام والهدوء منبعان للإبداع والموهبة، فما شأنهما هذه المَرّة ...توجَّع القلم بين أصابعي.. أناملي تنغرسُ بتوتّر شرسٍ في أنحاءِ جسده المتطاول ... تأوَّهَ بألمٍ مرير... تُرى .. هل جفَّ المداد منه بجفاف أفكاري؟!! هل ستنسحبُ المعادلة على كل شيء؟!!.. شربتُ ركوة القهوة بكاملها، كوباً إثر آخر.. لم تفعل القهوةُ فعلها المعهود، بيني وبين القهوة عهودُ صداقة متينة.. تساهم في تفجير مكامن الإحساس في نفسي، وتعرّي أفكاري من ملابسها الكتيمة.. لا لن أدخّن، لن أعود إلى التدخين ثانية.. لقد أقلعتُ عنه منذ أشهر .. لا لن أعود إلى تشنجّ الصدر والحنجرة ثانية... صوتُ سكرتير التحرير يرنُّ في أذني من جديد. نريدُ منكَ قصة جديدة... أنت بخيل..بخيل جداً
في هذه الأيام.. توغَّلَتْ لهجتُه الساخرة في أعماقي.. أبداً لم يكن يريدُ أن يسخرَ مني. ولكنه هكذا بدالي.. نهضتُ عن الطاولة بعنف، خطوتُ بسرعة إلى حيث يربضُ جهازُ الهاتف، وبيدٍ متصلّبةٍ عمدتُ إلى شريط الهاتف ونزعته من مربِطه، خفتُ من الرنين المفاجيء.. الزمنُ يوغل في دهاليز الظلام أكثر.. الساعة المعلقة على الجدار تُنبئ عن زحف الدقائق... عبرَ النافذة الوحيدة، كان الظلام يبسط جناحيه على الشوارع الممتدّة.. سرحتُ بناظري متجاوزاً حدود النافذة الضيقة.. مصابيح الكهرباء المنتشرة في كل الزوايا، تبدّد في دوائر مغلقةٍ سوادَ الظلمة، فتلّونُ الجوَّ الكئيب بخيوط لامعة.. النافذة الضّيقة لم تمنع جسدي الضئيل النحيلَ من الخروج.. خرجتُ منفلتاً دون أن أصطدم بالزجاج السّميك.. هبطتُ إلى الشارع بصمت مذهل مُجلّل بالكآبة.. لم أسمع صوتَ ارتطام قدميَّ بالأرض، ورحتُ أنتعلُ أرصفةً تائهة لاحصرَ لها.. لم أشعر بالكلل والتعب أبداً، فبيني وبين المشي صداقة حميمة، أمشي وأمشي بدون توقّف، لاأحبُّ أن أحشر جسدي في زحام السيارات والحافلات.. لم أسأل نفسي إلى أين أسير.. أفسحتُ لقدميَّ فرصة القيادة، فهما خيرُ دليل في غمرة الزّحام الصعب. ودون قرار مُسبق كنتُ أحاول أن أظلَّ متدثراً بعباءة العتمة، مبتعداً عن دوائر الضوء الصارخة وأصوات الناس ولَغَطِهم المتداخل.. صوتُ سكرتير التحرير يثقبُ أذنيَّ هذه المرة.. لعلَّ الصّمتَ والسّباتَ الرمادي الذي سقطتُ في أمواجه، جعلني أواجه الصوت قوياً ثاقباً.. أريد أن أكتب.. أكتب قصة.. أكتب أيَّ شيء... ذهني صندوق مقفل... أعصابي يلفّها الصقيع، والقلم يتأوّه بين أصابعي مستغيثاً متحسراً.. فجأة وجدتني أقف مذهولاً أمام باب عريض تنبعث منه أضواء خافتة... آه... إنه مَدْخَلُ "مَقْصِف النخيل". لم أكن من روّاده الدائمين..ولكني ألفتُ التردُّدَ إليه بين حين وآخر. وجدتُ في داخلي دافعاً يدفعني للاستراحة والابتعاد عن التسكع.. شعرتُ بيد خفيّة تسحبني إلى الداخل. وبرشاقة اعتادها جسدي النحيل، تسللتُ عبر باب المَقصِفِ الخارجي. ومن ثم الباب الداخلي... بين أشداق البهو الكبير المكتظ بالجالسين، وقفتُ طويلاً.. راقني منظر الكؤوس المترعة، والشفاهِ التي تمتصُّ منها رحيقَها، وأصواتُ فوّهاتِ الزجاجات الملّونة التي تفرغُ روحَها عبر الكؤوس.. امتدت يدي إلى جيب سترتي، تلمّستُ الليرات القليلة التي تنام في قاعها.. لعلها تكفيني لاحتساء فنجان من القهوة فحسب.. كان جو البهو العريض مشبعاً بدخان السجائر.. انتحيتُ جانباً، فتشتُ في الزوايا، لم أجد طاولة فارغة، عدا واحدة قد ابتعدت عن الزحام، يجلس إليها رجل كهل تدلُ ملامحُ وجهه وشعرُ رأسه أنه يتدحرج نحو العجز والشيخوخة. أمامه كأس طويل من الشاي الساخن يداعبه بأطراف أنامله.. عجبتُ لوجوده في مثل هذا المكان.. استأذنته بالجلوس، فأذن لي باشّاً مسروراً، لكأنّه كان ينتظر قدومَ رجل مثلي.. وقبل أن أجلس على الطرف الآخر من الطاولة، شكرتُ الرجل الكهل، وطلبتُ من النادل فنجان قهوة خالية من السكرّ.. لم تكن لديَّ رغبةٌ في أن أمكث طويلاً.. جلستُ محاذراً الخوضَ في أحاديث طويلةٍ مملّة.. أريد أن أخلو إلى نفسي، وأثيرَ كوامنَها، لعلّي أبدأُ في إمساك خيطٍ ينتهي بي إلى كتابة قصة.. صوتُ سكرتير التحرير يقرع رأسي.. ساعةُ الجدار المعلّقة تنبئني بهروب الزمن، وغرفتي الصغيرةُ تضيق وتضيق من حولي.. حدجني الرجل الكهل بنظرات متعالية.. حدّقتُ فيه ملياً، وجدتُ في نظراته رغبة ملحّة في أن يتحدث، كانت أصابعهُ تطوي بأناة وتمهّل مجلةً ملونة وتدسُّها تحت إبطه.. سألته: ماذا قرأت في هذه المجلة.. فَرَدَها من جديد على الطاولة، لم تكن بي رغبة في القراءة. قال: كل مايُكتبُ سطحيٌّ ومكرور وساذج... رفعتُ حاجبيَّ عجباً وفغرتُ فمي... تابع قائلاً: يبدو أن مهنة الكتابة أُصيبت في هذه الأيام بالجلطة، وقد تنتهي إلى السكتة القلبية.. أُعجبتُ بهذه الكلمات القليلة، شدّتني إلى الرجل أكثر، أخرجتني عن حيادي وعزلتي.. ماأجمل هذه المصادفة، لعلها تكون مَدْخلاً يفضي إلى كتابة قصة.. سألته: الستَ جائراً في حكمك على مهنة الكتابة؟؟.. ضحك ملء فمه، كشف عن أسنان صُفْرٍ غير متراصّة.. أجاب باندفاع وقور: لا.. لا أبداً.. سألتُهُ وأنا أبحث في عينيه عن شيء ما: وكيف ذلك؟؟ .. أجاب: "أنا أتابع الأدب السياسي والاجتماعي.. كل ماأقرؤه هراء وسذاجة وبعد عن الحقيقة.. يتحدثون عن الشعوب والمستقبل، فيفرشون الطريق أمامها أشواكاً وضباباً.. يسوّدون الصفحاتِ حديثاً شيقاً عن مفاهيمَ غائمةٍ أسموها، الديمقراطية والبيروسترايكا والرأسمال ومستقبل الحضارة والنفط والتكنولوجيا وتطورَ العلوم والعلاقات الإنسانيةَ.. وأشياءَ كثيرة.. الكتابُ يجهلون صورة الوجه الآخر لهذه الكلمات الطنّانة.. لايَعُون حقيقة مايتحدثون عنه... لم تكتشف أفكارُهم الطحالبَ والطفيلياتِ والهالوك المستبدَّ على جذور مايكتبون." توقّفَ قليلاً عن الكلام، حملقَ بعيداً أحسستُ أنه يريد أن يتابع.. لم يترك لي فرصة التساؤل.. تابَعَ: "إن الإصابة بالجلطة الأدبية والفكرية لم تترك شيئاً، تناولَتْ كل الموضوعات الكبرى.. كل مناحي حياة الإنسان الراهنة.. جلطة في فلسطين والصومال واليمن والخليج وأفغانستان والبوسنة.. جلطة في الجهات الأربع.."
أصابني حديث الرجل بالذهول المطلق، غبتُ عن الوعي.. أخذتُ أسمع صوتاً يتهدّج ويهدر دون أن أعي شيئاً.. دخلتُ في مساربَ متعرجة، رحتُ أبحث عن مُسبّبات الهالوك والطفيليات والجلطة.. اعترتني رعْشةٌ مفاجئة عندما أحسستُ بيد الكهل تهزني وتعيدني إلى واقعي.. ابتعد عني خطوة واحدة.. لوّح لي بيده ومضى.. نظرتُ حولي.. كل شئٍ كعهدي به، كنت أضغط كوب القهوة بين أصابعي، خفتُ أن أحطمه.. دفعتُ مابجيبي وخرجتُ كالمصعوق. غطستُ في مستنقع من التساؤل المرير.. الهالوك.. الطفيليات.. الجلطة الأدبية.. الرجل الكهل.. لماذا انسحب بسرعة!!... تقاذفتني الأرصفة، سقطتُ في نشوة من نوع غير مألوف.. استسلمتُ للأوهام والهواجس، أريد أن أكتب قصة جديدة سأقدمها غداً لسكرتير التحرير.. ولكن.. ولكن، ماذا أكتب؟ من أين أبدأ؟... تبَّاً لذلك الكهل، لقد سحب مني كل مبادرة.. أصابني بالإحباط والإحساس بقرب الجلطة... غامت المدينة في ناظري، تداخلت دوائر الظلام والضوء.. تلاشت أصوات قرع قدميَّ على بلاط الرصيف.. غطستُ في بانوراما ممتدة لانهاية لها.. دوائر تتلوها دوائر، أسبح في جو هلامي لاحدود له، فقدتُ الإحساس بنفسي، وظلَّ صدري يعلو ويهبط بفعل استمرار الحياة.. فجأة شعرتُ بيدٍ فولاذية تشدني إلى الوراء.. توقفتُ عن السباحة في هلام المدينة.. تحسستُ الرصيفَ تحت قدميّ تلاشت الدوائر المتداخلة، فتحتُ عينيَّ على غبش مفاجئ، التفتُّ إلى الوراء والتوترُ يأكلني، كانت اليد الصُّلبة ماتزال تمسك كتفي بوحشية.. شاهدتُ جسداً ضخماً يتوِّجُهُ رأس كبير.. فركتُ الغبش عن عيني، فزعتُ من الأعماق، حاولت التراجع إلى الوراء.. لم أتمكن.. كان الجسدُ جسدَ رجل، والوجهُ وجهَ ذئب.. جبنتُ عن الصّراخ، حاولت أن أدفعَ يدَه عني، لم أتمكن.. أظافيرُه انغرست في كتفي النحيل.. ضحك بشدّة، فبانت له أنيابٌ حادة، وشدق واسع مخيف.. قال لي: “ماأسرع خطواتكْ، أجهدتُ نفسي كثيراً للّحاق بك مذْخرجتَ من باب المَقْصِفْ، حتى وصلتُ إليك الآن.".. جمعتُ بقايا شجاعتي المنهارة وسألته بخوف: "وماذا تريد منيَّ." قهقه بصوت عالٍ، هزني بيده الفولاذية.. خلتُ نفسي كفأرة صغيرة بين مخالب هرشرس.. اقترب من أذني وهمس متصنعاً المودّة: "لاشيء.. لاشيء.. أريد أن أتأكد منك.. ألستَ فلاناً.".. أخرستني المفاجأة.. لم أنطق بحرف.. دفعني بأصابع يده.. كاد يقذفني في الهواء.. ابتعد عنّي وسار في الاتجاه المعاكس.. كاد قلبي ينخلعُ من مكانه.. احتميتُ بالظلمة ورحتُ أداري مخاوفي.. لم أفهم تفسيراً لما حصل.. أسرعتُ وفي سيري، انزلقتُ إلى شارع آخر، أخذتُ أعدو غير آبه بشيء.. كان خوفي أن التقيه مرة أخرى يمزق مفاصلي وقلبي.. تابعتُ العدوَ وأنا ألهث بشدّة.. أوقفني في منتصف الطريق ضوء مبهر عنيف، سدَّ علي منافذ الطرق.. خبّأتُ عينيَّ الكليلتين براحتين مرتجفتين.. اقترب الضوء أكثر، شيءٌ مايهدر بجانبي، توقفت سيارة، أطفأت أنوارها، فغطستُ في أمواج الظلمة من جديد.. امتدَّ رأسٌ ويدعبر نافذة السيارة، صَدَرَ عن الرأس فحيحٌ خافت: "تعالْ.. تعالْ.. سنوصلك إلى منزلك، ألا ترى أن الليلة باردةٌ جداً، والجو ينذر بالمطر الشديد.".. تخثرت الكلمات في حلقي، ازدردتُ لعابي مرّات ومرات، حاولتُ أن أشكر الرأس الممدود، لم تخرج من حنجرتي كلمةٌ واحدة، تسمّرتُ في مكاني كوتد مهملٍ في العراء، لم يعد عندي رَغبة في أيِّ شيء، الحياةُ والموتُ سيّان، خرج الرأسُ إليّ، قبضَ على يدي، قادني إلى باب السيارة، كنتُ مستسلماً بلا إرادة... دفعني إلى الداخل وجلس بجانبي... أيقظني صوت المحرّك، تساءَلت: ماذا يحصل؟!!. إلتفت إليَّ الرأس الذي يجلس بجانبي، بادلني نظراته، ضحك، فإذا له شدق واسع عريض وأنياب ذئيبة حادة كتلك التي شاهدتها.. افترسني الخوف أكثر واحتميتُ بالصمت تاركاً نفسي لمصير مجهول... تطاول بنا الزمن أو هكذا شعرت.. توقّفت بنا السيارة أمام مبنى كبير جداً، يتصل بالحياة عن طريق بوّابة واسعة.. قال الرأس بفحيحهِ المألوف: انزل... قلتُ له: "ولكن هذا ليس منزلي".. كشّر عن أنيابه الحادة وبسرعة البرق نزل وانقضَّ على الجانب الآخر، ضغط على كتفي بقبضته الفولاذية وأنزلني بقسوة، ثم دفعني بعنفٍ عبر البوابة وأغلقها من جديد... أصبحتُ وحيداً في عالم مجهول، سرتُ في دهليز طويل متعرّج.. في كل منعطف، كان يقف رجل له جسد ضخم، ورأس كبير، وأنيابه حادة، ويطلق فحيحاً مخيفاً، يضغط على عنقي بقبضةٍ جّبارة ويسلمني إلى الآخر... في نهاية الدهليز دُفعتُ بعنفٍ إلى غرفة واسعة مضاءَة، يجلس في صدرها رجلٌ مُهاب، أنيق الملابس، جادُّ القسمات، جميل الملامح.. تلقّفني بنظرات طويلة مستفيضة... تسمرتُ في مكاني وهو ينظر إليّ.. اضطربتُ تحت تأثير نظراته الهادئة.. كدتُ أسقط أرضاً، طلبتُ مقعداً أستريح عليه، ابتسم واعتذر فالغرفة خالية.. سألني بصوت خافت: "أنت فلان، أليس كذلك؟".. قلت: "نعم، ولكن ماذا تريدون مني.؟!!".. قال بهدوء أخافني أكثر: "لاشيء.. لاشيء، بإمكانكَ أن تنصرفَ الآن. فنحن نعلم عنك كل شيء.".. سألته: "ومن أنتم؟!"
لملمَ ابتسامتَهُ بصوت أجش: "نحن من يجب أن نعلم أمّا أنت فلا.. هيّا."
عدتُ من الطريق التي أتيتُ منها.. وعندما لفظتني البوابة الكبيرة، شعرتُ أن الحياة أخذت تدبُّ فيَّ من جديد..
انتعلتُ طريقاً فرعيّة أخرى.. كنتُ أحاذر أن ألتقي أحداًما.. رحتُ أجترُّ ماحدث لي.. حاولت أن أبصق خثرات الخوف المتدبقة في حلقي.. أسرعتُ في سيري، أنزلقُ من زقاق فرعيٍّ إلى آخر محتمياً بالظلام.. بعد قليل أحسست بأن شيئاً من الطمأنينة بدأ يتسرب إلى نفسي ، أخذتُ أطرد الموتَ من شراييني، شعرتُ بالدم يسري في داخلي ويبعث الدفءَ في مفاصلي وكفيَّ ووجهي.. عدتُ إلى قناعتي بأن الحياة أقوى من الموت، ابتسمتُ لهذه الخاطرة التي هبطت عليّ واستلّت أكثر مخاوفي... ألّحت عليَّ من جديد فكرةُ كتابة قصة جديدة.. يجب أن أكتب، يجب أن أعبّر عن ذاتي، فأنا لاأستطيع تحمّل عتاب سكرتير التحرير.. ماذا سأقول له؟.. هل أجرؤ على كتابةِ ماأريد؟‍‍!!... لم تعد تروقني العتمة.. شعرتُ برغبة ملحّة لأن أتخلّص من الظلام.. انعطفتُ من ذلك الزقاق الفرعي وخرجتُ إلى شارع السوقِ الرئيسي، شارع طويل، عريض جداً، مكتظّ بالناس والمحلاّت.. المحلاّتُ حبلى بالبضائع والسلع.. انتعلتُ أرصفته ببطءٍ شديد وهدوء تام.. رحتُ أفرّج عن نفسي بالنظر إلى المعروضات من خلال الواجهات المُضاءَة والمزيّنة... دفعني الفضولُ نحو أشياءَ وأشياء كثيرة.. نسيتُ نفسي، أسقطتُ ذاتي من الحساب، آلمتني لوائح الأسعار الجهنميّة المعروضة بأناقة وإغراءٍ قاتل... شعرت بيدٍ باردةٍ جليدية تمسح وجهي وعنقي وتلفّني بالصقيع.. بدا لي أننّي لا أعني الحياة بشيء، وأنني خارج حدود المكان والزمان.. تساءَلت: وماذا بعد الجوع والعري؟؟.. ركبتني قشعريرة نفّاذه.. وراحت تمزّقني احتمالات كثيرة... ساعتئذ أدركتُ أن الجلطة ليست في مهنة الكتابة فحسب، إنها في كل شيء.. توحّدتُ من جديد مع الخوف والإحباط والأسى المرير، وراحت الهواجس المرّة تفترسني بتلذّذ...
صوت مفاجيء مزّق الصمت في جو الغرفة... الصوت يزداد ويتتابع.. الرنين يتواصل.. القلم يكاد يتحطم بين يدي، والطاولة تهتزُّ تحت ضغط المرفقين، والكرسي تَصرُّ وتئن... والساعة المعلّقة على الجدار تعلن برنينها الحاد حلولَ منتصف الليل...
أفقتُ من شرودي الطويل.. تخلصتُ من أحلامي اللولبية.. رجعتُ من رحلة الهواجس المرّة.. كانت صفحات الورق الأبيض أمامي تستغيث وركوة القهوة الجافة تسخر مني.. فركتُ عينيَّ، أعدتُ إلى نفسي يقظتها، نظرت عبر النافذة الضيقة، نهضتُ مسرعاً، أعدتُ شريط الهاتف إلى مأخَذه، أدرتُ رقماً أحفظه عن ظهر قلب.. أريد أن أعتذر من صديقي سكرتير التحرير، فأنا لاأستطيع الآن أن أكتب له قصة جديدة، سأرجوه أن يقبل اعتذاري...
جرسُ الهاتف في الجهة الأخرى يرنُّ ويرنُّ ويرنُّ.. آه.. الوقت متأخر الآن.. ولابدَّ أن
سكرتير التحرير قد غادر مكتبه إلى منزله...

رحلةٌ إلى مرافئ النجوم

بعد معاينة دقيقة حذرة، لملم الطبيبُ أشياءَه نظر إلى وجهي بأسىً،ثم التفت إلى أخي الأكبر ، وهمس في أذنه كلمات غير مقتضبة ، سمعتُ منها شيئاً ، وغابت عن مسمعي أشياء.. استطعتُ التقاط آخر جملة تهدّجت بها شفتاه.. كان يتكلم بحسرة ظاهرة.. وكان أخي يقف ذاهلاً عن كل شيء، يلتمسُ كلماتٍ مطمئنةً من صديقه الطبيب، وينظرُ إليَّ بحنانٍ لم أشهد مثيلاً له... كنتُ أنقّلُ عينيَّ الكليلتين بينهما، منتظراً كلمة تنهي هذا الصراع المريرَ الطويلَ مع المرض والألم..
افترسَ الصمتُ جوَّ الغرفة.. الكآبةُ والخوف يعتصران أخي.. وأنا أشبه بخرقة بالية ملقاة في جوف السرير، لاأقوى حتى على الأنين... اعتصرَ الطبيب بكفيه كتفي أخي، وقفزت من بين شفتيه كلمات متوترة حادّة: "لافائدة ترجى.. تشجّع.. ساعاتٌ قليلة وينتهي كلُّ شيء." وقعت تلك الكلمات في سمعي المتعبِ بكل وضوح.. لست أدري لماذا كنت مُرهفَ السمع آنذاك.. لعلي عرفتُ بحدسي أن كلماتِ الطبيب الأخيرة هي النطق بالحكم النهائي غير القابل للاعتراض أو الطعن.. غرستُ عينيَّ في الجدار المقابل، ورحتُ أستعيد قرار الحكم النهائي كلمة كلمة.. لم أجد في داخلي رَغْبةً في البكاء، أو خوفاً من المصير العاجل المحتوم، فلقد قضيت سنواتِ عمري في صراع مع الفقر والقمع والأزمات المتتالية حتى سقطتُ أخيراً بين مخالب المرض.. لعلّي الآن فقدتُ الإحساس بالحزن والفرح معاً، ولم أعد أميّز بين الأمل واليأس، ورحتُ أنتظر قدوم ضيف لايرغب فيه أحد.. كان الطبيب يشدُّ أخي محاولاً إبعاده عن الغرفة، لعلّه كان يخشى عليه، وهو يرى دموعه السخيّة وانهياره وشحوبَه.. أفلَتَ أخي من بين يدي الطبيب.. اقبل نحوي يستهدي بغبش دموعه، وضع كفّاً باردة مرتجفة على رأسي، ومسح على شعري بليونة وضعف.. لم أرَ أخي في سنوات عمري القصيرة.. متهدَّماً، منهاراً، ذليلاً.. كما أراه الآن... أغمضتُ عيني، وأدرتُ وجهي كيلا تسحقني أكثر، ملامحُ الحزن الجليديِّ في عينيه... لم أدر كم من الوقت مضى، وأخي ثابتٌ إلى جانبي، لايتحرّك، كجذع شجرة عتيقة.. كنتُ أسمع انفاسَ صدره تعلو وتهبط دون انتظام، واحسُّ بروحه تغمرني وتطوف حولي رفيقة وادعة خائفة.. دون انتظام، وأحسُّ بروحه تغمرني وتطوف حولي رفيقة وادعة خائفة.. ظلّت تطوقني وتدغدغ حواسّي المتلاشية شيئاً فشيئاً حتى سبحتُ في جوٍّ هيوليٍّ متأرجح.. ورحتُ أغوصُ في دهاليزَ متداخلةٍ لاحدود لها.. جدّفتُ عبر بحيراتٍ دافئة متلاحقة.. كل واحدة تفضي إلى الأخرى، ومياهٍ عميقة هادئة لها سعة المدى.. داخلني إحساس أنني أقف على تخوم مستنقع الموت.. وأنني أُطلُّ على العالم الآخر عبر كوّات واسعةٍ لاحصر لها.. تابعتُ السباحة في خضمِّ البحيراتِ الواسعة...
ليس للماء طعُم الملوحة.. لزوجةٌ دافئة تطلقُ بخاراً يعطّر الكون من حولي بعبير خاص.. الحياة هنا لها طعم آخر.. شعرتُ أنني قد تعبتُ من السباحة، وتذكرتُ أن الهيولى التي أضربُ فيها لاتحدّها شواطئ ولارمال... لُذْتُ بكوّة من الكوى المنتشرة على تخوم العالم الآخر.. تمسّكتُ بحوافيها.. مددتُ رأسي بحذر شديد.. لم أتبيّن شيئاً.. أكلتني الدهشة.. ماذا أرى؟!! فضاءٌ سحيق لانهاية له.. أتعبتني الرؤية.. سحبتُ عينيَّ الزائغتين وغطيتهما بجماع كفّي.. فجأة تناهى إلى سمعي أصواتٌ متداخلة تعلو حيناً وتنخفض أحياناً.. أصختُ السمع جيداً.. لم أفهم شيئاً.. اقتربتُ من الكوّة من جديد، نظرتُ من خلالها إلى الطرف الآخر، لاحت لي أشياءٌ تتحرك تشبه الأشباح.. غريبٌ ماأرى؟!! من هؤلاء؟؟ ماذا يعملون هنا؟!!.. انتصب في خاطري سؤال: ماذا لو انتقلتُ إلى الطرف الآخر؟؟.. حشرتُ جسدي عبر الكوّة.. لم تمنعْني من العبور.. وجدتُ نفسي أسبحُ في هلام من نوع آخر.. غمرني دفءٌ ونور أيقظا إحساسي وروحي، أبعداني عن التبلّد والخوف.. جميلة هي الحياة هنا!!.. ولكن.. ألا يوجد أحد؟؟ أين الناس؟؟ أين توارت الأشباح؟!! لابأس.. سرتُ وحيداً.. سعادةٌ غامرة ملأت كياني.. شعرتُ برَغْبة في الغناء.. لم أستطع.. وجدت أنَّ الكلماتِ تموت في حلقي.. أقنعتُ نفسي بأن الغناء ليس تعبيراً مطلقاً عن السعادة.. الصمتُ هو حالة الاكتمال.. فجأة نبتت أمامي مجموعة من الرجال.. أحاطوا بي من كل جانب.. سقطتُ في مستنقع خوفٍ مزلزل.. تفرستُ في وجوههم، رأيتُهم يبتسمون.. داخلني بعض الاطمئنان.. هتف بي أحدهم: أأنت القادم الجديد؟؟.. لم أنبس بكلمة.. كان الخوف مايزال يلازمني.. اقترب منّي أحدُهم..
قبّلني ببشاشة ورقّة.. قال لي:
-.. اطمئن.. فقد أتينا لاستقبالك.
نظرت إليه ببلاهة.. قلتُ بصوت مرتجف:
-... ولكن، من أنتم؟؟..
أجاب بصوت مشجعّ:
-... لاعليك.. كن واثقاً.. نحن هنا لجنةُ الاستقبال.
سألته والدهشة تغمرني:
-.. لَجنةُ الاستقبال!! أتعني أنكم تستقبلون الموتى؟!!
أجابني بكل هدوء:
-.. لا.. إنك لم تمت بعد.. نحن نستقبل الزوّار فحسب.
زايلني الخوف إلى حدٍّ بعيد.. سرّني أنني لم أمت بعد.. استمدّيتُ من ابتسامته وهدوء ملامحه كثيراً من الطمأنينة.. قلتُ له:
-.. أنا جديد العهد هنا . فهل لي أن أتعرف إلى شؤون حياتكم ؟
نظر إليَّ بعطف شديد ، غرس في جسدي روحاً جديدة . قال :
- عليك بادئ ذي بدء، أن تتخلّى عن كل مالازمك في حياتك هناك.. نحن نعرف كيف كنت تعيش.
صعقتني جملته الأخيرة، نظرتُ إليه بحيرْةٍ وغباء.. قلتُ له:
-.. لم أفهم ماتقصُد.
ضحك ملءَ فمه.. قال لي بنبرة هادئة:
-.. يبدو أنك لم تطمئنَّ بعد.. وأخرج من جيب سترته ورقة مطوية فردها أمامي وتابع:
-.. عليك أن تتخلّى عن كل هذا، وإلا فلن تستطيع التعايش معنا...
أخذتُ الورقة.. قرأتُ مافيها بصوت مرتفعٍ، أخذ يتلاشى شيئاً فشيئاً: الخشية -الكذب- القلق- الشعارات المزيّفة.. كما قرأتُ أشياء خطيرةً جداً.. قادتني إلى انفصام وضياع شديدين.. سألتهُ بصوت خفيض:
-.. وكيف يعيش المرءُ بعيداً عن هذه الأشياء؟؟.
هزَّ رأسه.. ابتسم برقّة.. أجاب بحزم:
-.. سترى.. أن هذه العناصر لاوجود لها عندنا.. القادمون مثلُك يحملونها إلينا فقط.. الحياة هنا شيءٌ آخر
عاجلته بسؤال كبير:
-.. وهنا.. من يضطهد مَنْ؟؟.
أجاب بوقار جادّ:
-.. لاأحد.. هنا ليس لدينا حكومات وشعوب.. ولادولٌ قوية وأخرى ضعيفة..
-.. ومن يحكمُ التجارة ودواوين الدولة، ويسيطرُ على الأسواق والاسعار؟؟.
ضحك ملء فمه.. وقال:
-.. نحن.. لانعرف شيئاً عن هذه المصطلحات.
غطستُ من جديد في بحرٍ من الدهشة والاستغراب.. أيعقُلُ ذلك؟!!.. وعاجلته بسؤال ممزّق:
-.. والنفط.. ألم يستعبدكم.. ألم يسحق الإنسان فيكم.. ألم يغيّر أسلوبَ حياتكم؟؟.
أجاب بسرعة مذهلة:
-.. النفط!! وماحاجتنا إليه؟. نحن لانعرفه، نعيش في عالم من النور والدفء، والحبِّ والحنان...
تابعتُ باندفاع شديد:
-.. وأزمةُ السكن، وأسعارُ المنازل؟؟..
ضحك بصوت مرتفع، اشعرني بالخجل من الموقف ومن نفسي ومنه.... بدا لي أن هذا المخلوقَ الغريبَ، يدفعني إلى عالم الوهم والخيال.. حاولتُ التملّصَ منه بسؤال خلتُه سيسدُّ عليه منافذَ الاستعلاء:
-.. وماشأنكم مع الحرية، والسجون والمعتقلات والأبرياء، ودول العدوان؟؟..
قاطعني بنبرة واثقة حازمة:
-.. يبدو أنك لن تفهمنا إلا بعد حين، ولن تستطيع التحرّر من علاقات حياتك السابقة.
استدار وتركني وانضمَّ إلى رفاقه.. ظللتُ وحيداً أتلفّتُ حولي.... كان الهلام المحيط بي يزداد نوراً وعبيراً... وشعرتُ بالندم.. آلمتني المفارقاتُ العجيبة.. قررّت أن أتخلّى عن ذاتي السابقة، سبحتُ بخفّة ورشاقة، ووقفتُ قريباً من لجنة الاستقبال.. رحّبوا بي ثانية.. حاولتُ أن أعتذر.. قاطعني أحدهم:
-.. نحن هنا، لانحب الاعتذار، تعالْ.
وقفتُ بينهم.. سألني ذاك الذي يقف بجانبي:
-.. ألا تريدُ أن تتعرّف إلى عالمنا؟.
أجبته:
-.. بكل سرور... ولكنني لاأزال خائفاً.
ضغط على يدي، أشار بإصبعه إلى البعيد البعيد.. قال:
-.. الخوف هناك.. يفصلنا عنه هذه الكوى الكثيرة المنتشرة على التخوم.. أمّا نحن فلانعرف الخوف..
سرنا متجاورين.. التفتُّ إلى الوراء حيث كنّا نقف.. لم أجد أحداً.. تساءَلتُ في داخلي: أين ذهبَ الآخرون؟؟ كنتُ أسير إلى جانبه والذهول يملأ كلَّ جوانبِ عقلي وجسدي.. التفتَ إليّ وسألني:
-.. أين تريدُ أن نذهبَ الآن؟..
فكرتُ ملّياً، وقد ساورني حنين طاغٍ إلى القراءة والكتابة.. سألته بشوق:
-.. اليس لديكم صحفٌ ومجلات؟؟..
أجاب:
-.. بلى.. ولكنك لن تستطيع قراءة مايُكتبُ فيها.. لأن كتّابنا يكتبون من داخلهم بلاخوف ولامداورة ولاتكلّف.
فتحتُ فمي عجباً ، وسألته بسرعة:
-.. والرقابة؟؟..
-.. ماذا تعني؟!!.. نحن لانعرف شيئاً اسمه الرّقابة.
كدتُ لاأصدق ماأسمع.. أصحيحٌ ذلك؟!! أم أنه يُدخلني في الوهم أكثر.. أشحتُ بوجهي، واحتميتُ بالصمت.. لعل مرافقي أحسَّ بما يجول في خاطري فتوقف فجأة، كمن تذكّر شيئاً، وسألني:
-.. ماذا كنت تعمل عندما كنتَ هناك؟.. وأشار بيده عبر الكوى:
-.. كنتُ معلماً.
-.. وأين كنتَ تعلّم؟.
-.. في مكان مامن الكرة الأرضيّة.
انفجر ضاحكاً، التفت إليَّ وقال:
-.. يبدو أنك ماتزال خائفاً!!
حنيتُ رأسي.. تابع يسألني:
-.. وماذا كنت تعلّم؟..
-.. أُعلّم كلَّ شيء. كلَّ مايُكتبُ في كتبنا.
انفرجت أساريره عن ابتسامة عريضة.. قال لي:
-.. هناك مدرسة قريبة.. هل ترغبُ في زيارتها؟..
اجبتُه بسرعة طفولية.
-.. نعم... نعم... أريد أن أزور مدرسة.. أيّةَ مدرسة.
بعد قليل، كنّا نلج بابَ مدرسة كبيرة جداً.. سرنا بحذر شديد، على رؤوس أصابعنا، كنتُ أخشى أن أخدشَ الهدوء، واعكرّ صفو الأصوات الواثقة، وأسيءَ إلى النظافة التي عمّدت كل شيء.. تجولت كثيراً... وقفتُ أمام نوافذ عديدة.. أصختُ السمعَ حتى كدتُ أن أهرشَ أذنيَّ ورأسي.... سمعتُ كلاماً وكلاماً كثيراً، لم أفهم منه شيئاً بادئ الأمر.. لم أسمع أحداً يتحدث عن البرابرة والفاندال، ولاعن غزة وأريحا...
ركبني دوارٌ شديد، لذتُ بمقعد قريب أستريح إليه.. أقبل صاحبي يواسيني ويشجعني... قال لي:
-.. أما قلتُ لك... يجب أن تتخلص من أُمورٍ كثيرةٍ حتى تستطيع الحياة بيننا.. سألته وقد بدأتُ أشعر بالهزيمة والاحباط:
-.. ومتى أستطيع ذلك؟؟.. هل سيطول بي الزمن؟
أجاب بهدوء:
-.. تستطيع ذلك، عندما تنفّذ ماقرأتهُ في الورقة قبل قليل..
عُدْتُ إلى الورقة أتصفّحها.. يالَلغرابة!! وجدتُ فيها مفرداتٍ لم أقرأْها سابقاً.. قرأتُ فيها: لاتخن وطنك -لاتسرِق -لاتكذب -لاتتآمر... انفجرتُ في وجهه صارخاً:
-.. هذه حفظتُها منذ صباي.
قاطعني بحزم:
- لكنك لم تنفّذ واحدة منها..
بدأتُ أشعر بالانهيار والتلاشي.. تمنيتُ أن أخلو إلى نفسي وأستريحَ من عناء هذه المفارقات الرهيبة.. سألته بصوت متهدّج:
-.. هل لي أن أذهبَ فأنامَ قليلاً؟
-.. لك ماتريد.
-.. ولكن أين سأنام؟.
-.. في غرفتك الخاصة.
لم يمهلني لأتماهي مع الدهشة، قادني إلى جوار واحدة من الكوى الكثيرة وأشار بيده إلى بناء صغير جميل وقال:
-.. إلى اللقاء ..أدخل هنا..
دخلتُ.. تجولتُ في المنزل الجميل وحديقته وشرفاتِه.. سُرعان ما تعرّفتُ إلى غرفة النوم الأنيقة الهادئة، وغطستُ في نوم خدرٍ لذيذ...
بدأتُ أتسلّقُ صخوراً عاتية.. لاأدري متى سأصل إلى قمتها.. كان الخوف يخلع قلبي.. البحرُ في الأسفل.. والصخورُ شاهقةٌ ملساء.. كنتُ أغرسُ أظافيري في الصخر الأصم.. وأنفاسي تتلاحق بعنفٍ وقسوة.. وأعصابي مشدودةً كأوتار رفيعة.. فجأة زلّت بي القدم، ورحتُ أتدحرجُ باتجاه البحر.. أحسستُ بأنني أصرُخُ من الأعماق صراخاً حادّاً.. استيقظتُ بخوفٍ وألم شديدين، كان جسدي النحيلُ المكدودُ يسبحِ في رذاذ من العرق البارد..وعينايَ الواهنتان تلوبان بحثاً عن شيء ما.. وعَبْرَ النفسِ المتقطّع والنظر الكليل والجسد المتلاشي.. شاهدتُ أخي ينحني فوقي، ودموعُه تغسل وجهي وعنقي، وإلى جانبه إخوتي الصغار، وأشباحاً أخرى ترتدي ملابس بيضاء..
حاولتُ أن أتكلم، فلم أستطع..حركت أصابع يدي اليمنى ...ثبّتُ ناظريَّ في الوجوه الماثلة أمامي كانت واضحة حيناً، وضبابيّة أحياناً أخرى.. أخذتِ الصور تتلاشى من أمامي.. تتلاشى.. وتتلاشى.. عندئذ أدركتُ أنني بدأتُ أدخلُ في طقوسِ موتٍ حقيقي..

عقاربُ الزمن

ظلت عينا الأم تراقبان ابنتها في حيرة وتساؤل، لقد طالت وقفتها أمام المرآة. طالت أكثر ممّا ينبغي.. الأم تذهب وتجئ، والفتاة مشدودة بكل أحاسيسها إلى مرآة معلّقة على الجدار، تعبث بشعرها، تتلمّسُ وجهها، تتلفّت وتتلوى، تدندن لحناً شعبياً شائعاً.. ازداد توتر الأم، وتسارعت حركاتها قريباً من الفتاة.. غريبٌ أمرها؟!! ماذا تعمل أمام المرآة.. أتحدّثُها.. أتُفضي إليها بسر؟؟..
منذ الصباح الباكر، تذكرتِ الأم جيداً، أنَّ على ابنتها ديمة أن تبدأ مساءَ اليوم دورةَ التقوية في اللغة الانكليزية في معهد خاص.. أخطرتها بذلك... في الوقت المناسب، أخذت ديمة تستعد للذهاب إلى المعهد لتلقّي الدرس الأول..
صاحت الام من الغرفة المجاورة:
-.. ديمة.. ديمة.. أسرعي، لقد حان الوقت.
ضحكت ديمة في سرها. حانت منها التفاتةٌ سريعة إلى معصمها الأيسر:
-.. لايزال الوقتُ مبكراً.
صاحت الأم بعصبية:
-.. لقد أطلتِ الوقوف أمام المرآة.. أتتحدّثين إليها؟!
سكتت ديمة.. علت وجهها ابتسامةً لامعة. تفوّهت بكلمتين صغيرتين:
-.. غريب أمرك ياماما!!
وراحت أصابعها اللدنة ، تضع آخر اللمسات على شعرها وعنقها وخدّيها.. استداراتٌ رشيقة ذات اليمين وذات الشمال.. لحن أخرس ينسابُ عبر الشفتين..
وقفت الأم تحدّق بابنتها، تكحّل عينيها بذلك الجسد الأهيف الرشيق والشعر العنقودي المبعثر في كل اتجاه، والبشرة القمحيّة الجذّابة، والأنوثة الصارخة... ومع أريج العطر الفوّاح الرقيق، المنبعث من الفتاة، تماهت الأم مع أحلام بعيدة الغور، شدّتها إلى عالم بعيد منسي..
أيقظتها ديمة من ذهولها الحالم، عندما وضعت كفّها على كتفها، وخطفت من خدها قبلة رشيقة..
-.. خاطرك ماما.. أنا ذاهبة إلى المعهد.. سأعود عقب انتهاء الدرس..
استيقظت الأم من شرودها.. أعادتها ديمة من أحضان سنوات بعيدة خلت.. لفّتِ المكان حولها بنظرات زائغة.. شاهدت ابنتها تندفع بخفّة عبر ضلفتي الباب الرئيسي.. صاحت بصوت مبحوح:
-.. الله معك.. مع السلامة.. احترسي ياديمة.. لاتتأخري.
التفتت ديمة نصف التفاته.. عطّرت المنزل بابتسامة ناعمة.. وراحت تقفز حتى غيَّبَها الدرج المتلوّي.
***
ظلت أمينة وحيدةً في المنزل.. كل شئ حولها موصد، يوحي بالرتابة والجمود والانقطاع.. زوجها محمود ذهب قبل ساعةٍ كعادته إلى المقهى. لن يعود قبل منتصف الليل.. لقد أصبح المقهى بيته الثاني.. لا. قد يكون بيتَه الأول.. بعد زواجهما بعشر سنوات كان لايبرح البيت، يعود من عمله سعيداً مستبشراً.. يقضي المساء والليل ساهراً مع امينة وديمة الصغيرة. يوزعُ الفرح والابتسام في أرجاء البيت.. منذ سنوات قادته قدماه خارج المنزل، حتى أن ابتلعه المقهى لقمةً سائغة هيّنة...
المنزل يجلّله الصمت.. صمت جليديٌّ مطبق.. أمينه، وغرف ثلاثٌ محشوّة بأثاثٍ مختلفِ الأشكال.. نظرت أمينة من الشرفة، كان الشارع المزدحم قد غيّبَ ديمة.. أمينه تدق الأرض بقدميها وهي تنتقل من غرفة إلى غرفة، ترتب الموجودات، تعيد الأمور إلى نصابها.. تنتقل بعفويّة بين غرفة النوم والمطبخ والحمام والصالة الكبيرة.. في كل مرة تغرسُ عينيها في المرآة المعلقة على الجدار، تنظرُ إلى وجهها.. لسنوات خلت لم يكن لديها فرصةٌ للوقوف أمام المرآة طويلاً.. لم تكن تجد لزوماً لذلك.. كانت المرآة شيئاً مهملاً في حسابها... تنتقل من غرفة إلى أخرى، تنتحلُ المبرّرات للتريّث أمام المرآة... لقد فجّرت ديمة في داخلها شيئاً ما.. ديمة ابنة الثامنة عشرة، وقد نالت الشهادة الثانوية قبل أسابيع.. فجرّت في نفس أمينه أشياء وأشياء.. تكاثرت النظرات المسروقة من المرآة.. تعددت مرّات الوقوف السّريع.. تباطأتِ الحركة.. تلاشى النشاط المتوتّر عبر الغرف الثلاث، همدت حركة أمينة الناشطة.. تسمّرت قدماها أمام الجدار، ابتسمت لها المرآة، صافحت وجهَها بعد فراق طويل.. كان وجه ديمة القمحي اللامع ، وجسدها النحيل ، ونظراتها المشرقة ، نبضات الحياة حول أمينة... أمعنت النظر جيداً... لم تكن ترى إلا نصفها العلوي.. وجهٌ مكتنز.. خدود مكتظّة.. شفاه ممتلئة.. عنقٌ يكاد يتفجّرُ من الامتلاء.. صدرٌ يعلو ويهبط بأثقاله... هالها المنظر، وهي ابنة السادسة والثلاثين... تذكرت ابنتها ديمة.. الرشاقة، الجاذبيّة، السحرُ والخفّة.. حقدت على المرآة.. حانت منها التفاتات بلهاء مشتّتة إلى كل الأماكن.. إلى سرير ديمة.. إلى غرفة نومها.. إلى السرير المزدوج العريض.. إلى مفروشات الغرفة.. تذكرت زوجَها محموداً، الغارقَ في المقهى بقسوة، صاحبَ الجسد الممتلئ والقامِة الفارعة والملامح الجادة والقسمات الصارمة.. تذكرت ديمة وهي واقفة طويلاً أمام المرآة، تعبث أصابعُها بكل أجزاء جسمها.. تبعثرت نظراتُها التائهة مع عناصر شتىّ.. ديمة. محمود. المقهى. غرفة النوم. المرآة. الغرف الثلاث. وجهها المكتنز. جسدها المترهل...و ...و..
سحبتها النظرات التائهة على بساط رخيٍّ من الأحلام والذكريات، تماهت مع أيام بعيدة خلت.. تلونت الأحلام بألوان قوس قزح. بألوان طيف لاينتهي.. استيقظت الذكريات حادةً من مرقدها.. حفرت في نفسها أخاديدَ عميقةً نازفة... كانت في مثل عمرها. عمرِ ديمة.. في الثامنة عشرةَ، تتباهي بمثل ذلك اللون الأسمر القمحي الجذاب، والخصر الأهيف ، والنظرات الآسرة ، في كل يوم تذهب إلى المدرسة .. مدرسة ليلية . تذهب بعد الظهر وتعود بعد الغروب بقليل... في الطريق إلى المدرسة الليلية تعرفت إليه.. لابل تعرَّفَ إليها.. كان خالدٌ طالباً مثلها، يسكن قريباً من بيت أهلها، ويدرس في المدرسة الليليّة ذاتها... وحَّدَ الصف بينهما. وكان طالباً مجدّاً. استعانت به كثيراً. أولاها مزيداً من الاهتمام.. أخذ يرافقها في طريق العودة. وعند باب دارها يفترقان، بفترقان بصعوبة.. أصبحت تحب المدرسة والدراسة لأجل خالد.. يسيران في طريق العودة ببطء، يستمهلان الزمن، يتحدثان بلاحدود.. عندما ينقطع التيارُ الكهربائي، يحتضن كفّها الصغيرة بكفِه كيلا تتعثر.. أشهرٌ قليلة مرّت بسرعة البرق، وحان فحص الفصل الأول.. عائدان من المدرسة الليليّة..الحديث المهموس يعطّر جوَّ الشتاء القارس.. وكل منهما يعرف طريق كفّهِ إلى كفِّ الآخر، ويتمنّى ألاّ ينتهي الطريق... عند باب البناء الرئيس، حيث تسكن أمينة، توقفا طويلاً.. في تلك الأثناء، خرج شخصٌ فارع القامة، ممتلئ الجسد، له نظراتٌ عقابيّة، صارم الملامح.. وقف الرجل ينظر إليهما بعنف، أخافتهما نظراتُه، افترقا على غير رغبة منهما.. أسرع كل منهما هارباً.. خالد راح يغذُّ الخطا باتجاهٍ آخر، وأمينة ولجت باب البناء الرئيس والخوف ينهشُ قلبها، ويعِقدُ لسانها.. توجهت إلى شقّةِ أهلها.. تبعها الرجل الآليّ.. أغلقت الباب وراءَها، وراحت تجترُّ المفاجأة ومنظرَ الرجل الآلي... في اليوم التالي، لم تذهب أمينة إلى المدرسة الليلّية، عاد خالدٌ وحيداً حائراً. وقف أمام باب البناء الرئيس، زفرَ كآبتَهُ ومضى... أمينةُ لم تذهب إلى المدرسة، ذاقت ألواناً من العذاب النفسي.. إلاّ أنها لم تتمرّد. لم ترفض. رضخت على غير قناعة منها... لقد خطبها الرجل الآلي. وخلال شهر واحد أصبحت أمينةُ زوجة محمود...
لفّتها تلك الأحلامُ بالأسى، ووخزتها الذكرياتُ المرّة.. أعادتها إلى واقعها.. كانت لاتزال أمام المرآة تجترُّ مشاهد الامتلاء والترهل والاهمال، لقد أصبحت خلال سنوات صورةً عن محمود، صورة عنه في كل شيء. تناوبت على صفحات ذاكرتها أسماءٌ تدور كلوحة الكترونية.. خالد. أمينة. محمود. ديمة. المدرسة. المعهد. الطريق إلى البيت... فجأة وخزتها صورةٌ محدّدة. أبعدتها عمّا حولها. أنستها كل شيء.. نسيت المفارقة العجيبة التي أنبأتها بها المرآة المعلّقة على الجدار.. تلاشت من ذاكرتها صورة الجدِّ والصرامة التي تغطّي سحنة محمود وتصرفاته.. نسيت البيت والمقهى والعمر والزمن، توحّدت مع واحدة فقط من ركام هذه الذكريات المتداخلة، جرّدتها عن كل ماعداها. اعتصرتها بعنف، تراخت بجسدها المكتنز إلى أقرب مقعد خالٍ.. رذاذٌ من التعرق ألهب جسدها. عاد التوتر يأكلها بنهم. استسلمت لهواجس مرّة جلدت أعصابها... في مثل هذه الساعة وقبل ثمانية عشر عاماً وأكثر... كانت تعود من المدرسة الليلية.. عيناها معلقتان بوجه خالد، وكفّه تحتضن كفها، والحديث العذب يزرع الدرب ياسميناً وبنفسجاً، وظهرَ وجه محمود الصارم المتجهّم، ليضعَ حداً لكل شيء.. افترستها مخاوفُ حادّة "ديمة الآن عائدة إلى البيت... أيكون هناك خالدٌ آخر.. تصورت كفها في كف خالد.. شاهدته يهرب من جديد مسرعاً أمام الرجل الآلي ذي الملامح الصارمة...لا...لا... مستحيل. آه ياخالد.. ليتك لم تهرب.. ليتك لم تتركني وتذهب.. لكان تغيرّ كل شيء."
هبّت واقفة حانت منها التفاتة إلى الساعة المعلقة على الجدار قرب المرآة.. لسعتها الدقائق أكثر. تناولت معطفها وخرجت مسرعة، وتضاريُس جسدها ترسم على الدرج أمواجاً عشوائية، إلى أن لفظها ورماها في أشداق الشارع المزدحم... سارت تدق الأرض بنعليها.. على بعد خطوات غير قليلة لمحت ديمة. توقفت كجذع شجرة هرمة، حدّقت فيها طويلاً.. الشعرُ المتماوج. القدُّ الأهيف. المشية المتثنيّة الهادئة. اللون القمحيُّ ينثرُ ألقَهُ عبر سويعات المساء البارد.. غرست فيها عينيها أكثر.. إلى جانب ديمة شابٌ أنيق.. هاهو خالدٌ آخر، هكذا حدثها قلبُها... الموكب يسير ببطء شديد.. العيون الأربع معلقة بالوجهين اللذين يفضحان أسرار الفرح والأمل والحب... تاهت أمينة من جديد في دوامة الذكريات.. تكسّرت في مشاعرها حدودُ الزمان والمكان.. تداخل شريط التذكر.. لفّها بغمامة من الضياع والعبثية.. فوجئت بصوت ناعم يصيح:
-.. ماما.. ماالذي جاء بك في مثل هذا الوقت؟!!.. هل تأخرت؟؟.
صَحَتْ أمينةُ من التداخل والضّياع.. قالت برفق:
-.. لا.. أتيتُ لأرافقكِ شطراً من الطريق يابنتي.. من هذا الذي بجانبك؟.
ابتسمت ديمة.. صافحت نظراتُها اللامعةُ الواثقة وجهَ أمّها التفتت إليه، وقالت:
-.. إنه مروان.. مروان ياأمّي.
تخثَّرَ اللعاب في حلق أمينة.. تجمدّت نظراتها الكابية.. انتصب أمامها خيال خالد، أرادت ان تعاتبهُ.. سدَّ الطريقَ عليها خيال محمود، قرعت أذنيها جلبةُ المقهى والصورة الجادّة الصارمة العابسة.. ادارت وجهها لتبتسم لخالد، لتعاتبه... لم تجده.. لقد تلاشى الخيال، هرب من جديد.. وجدت أمامها مروانَ بقامته الشابّة، ووقفته الثابتة، ووجهه الباسم، ونظرته الجريئة الخجلى.. ويدٍ تحمل في كفّها المودةَ، وقد امتدت للمصافحة...
عندما أُغلق بابُ الشقّة على الأم وابنتها، استنطقت الأم المرآة بنظرة عجلى.. هزت راسَها.. غيرَّت موقع عقارب الزمن.. طوت منه سنوات طويلة.. التفتت إلى ديمة.. أمسكتها من كتفيها.. هزتها برفقٍ وقالت:
-أيتها الفتاة الواعدة، التي عرفت طريقها..
أجابت ديمة
-.. وهل كنتِ تخشين علىَّ أن أضلَّ الطريق؟.
-.. لا.. لن أخشى شيئاً. فبيني وبينك قرابة ربع قرن من الزمن، متخمٍ بالترهل والاهمال والوجوه الصارمة والمقاهي...
شُدِهت ديمة، ورفعت حاجبيها مستعلمةً مستغربة.. قالت هامسةً:
-.. لم أفهم شيئاً ياأميّ.. ماذا تقصدين؟!!.
-.. ستفهمين ذات يوم أيتها الحبيبة الغالية. فأنا لن أخشى عليكِ شيئاً.
وغابت الاثنتان في عناق طويل، بلّلتهُ دموعُ الأم، التي كادت تفضح أسراراً دفينة، انطوت عليها شقّةُ محمود بغرفها الباردة الثلاث.

الرصيف التائه

لم تكن الشمس قد تسلقت صفحة السماء بعد.. كانت ماتزال تلقي بتحيّة خجولة إلى الناس القابعين خلف النوافذ والجدران.. أعداد قليلة جداً قد غادرت بيوتها وراحت تدق الأرض سعياً وراء الرزق والعمل المبكّر....
كان يسيرُ على الرصيف الأيمن متدثراً معطفه القديم، يلفّ رأسه بمنديل سميك، إنه يخشى برد الصباح وزمهريره.. صحيح أن الشمس قد أخذت تداعب يوماً جديداً، إلاّ أن الأرض كانت تنفث برداً جليدياً اختزنته منذ فترة طويلة.. المسافة ليست بعيدة، عّما قريب سيصل إلى محطّة السيارات الذاهبة إلى العاصمة.. صوت نعليه يوقظ صمتَ وجليدّ الرصيف، يسيرُ بتؤدة مخافة التزحلق.. كان فيما مضى لا يخشى شيئاً، لكنه الآن وقد ودّع الكهولة، وأوغل في ردهات الشيخوخة، أصبح يخشى على نفسه من كل شيء.. اقترب كثيراً من مقصده.. المحطة غاصّة بالسيارات الكثيرة، التي اصطفت وراء بعضها كرتل أحاديّ، وقد توجهت مقدماتها صوب محور الطريق الممتد نحو العاصمة.. المحركات تجأرُ بأصوات ناشزة تقلق كينونة الصباح المبكر، والدخان الأسود ينعقد في الجو سرطاناً مدمّراً يزكم الأنوف ويخرّب الصدور.. اقترب من السيارة الأولى التي تتصدّر القافلة، التصق بها، امتدت كفه اليمنى وأمسكت قبضة الباب الأمامي المفتوح... يا الله... نهض بعزم مألوف.. دسّ جسده عبر جوف السيارة..تلفّت حواليه، نظر إلى كل الجهات.. تفحص كل المقاعد.. لم يجد مكاناً يروق له.. المقاعد المفضّلة قد امتلأت بالأجساد المتراصة.. تفحَّصَ الوجوه، لم يعرف أحداً، الملامح ساهمة، والنظرات كابية، والبخار ينعقد أمام الأنوف والأفواه،.فيشكل حالة شتائية تعمّق الإحساس بالبرد والصمت والذهول.. اتجه نحو مؤخرة السيارة، والقى جسده النحيل فوق جانب من المقعد الخلفي.. استسلم كغيره لسبات مُرهف، وراح يلعق شفتيه الجافتين، وينفخ زفيراً رطباً في راحتيه المتبلدتين...
اكتظّت السيارة بالأجساد المتراصّة.. امتلأت المقاعد والممرّات وغطاء المحرّك والزوايا الجانبية.. لم يبق شبر واحد في جوف السيارة إلا وقد تغطّى بالأقدام.. تجولت عينا السائق عبر المرآة الأمامية، تفحصتا الحاضرين، أعلنتا ابتسامة تنطوي على بعض الأسرار، تحركت كفّاه وقدماه بحركات خفيّة، تدحرجت العجلات على الاسفلت ببطء شديد.. تزايدت سرعتها شيئاً فشيئاً حتى استقرت على حالة ثابتة.. هدأت الأجساد عن التأرجح والانزياح يميناً ويساراً، وبدا لبعضهم أن الاستسلام للنوم يشكل ملجأً للفرار من الحالة الراهنة.. كان جسده النحيل قد انحشر بين أربعة من الراكبين، احتلَّ مركز الوسط بينهم، تلذّذ بالاحساس بالدفء عن الاحساس بالمضايقة والضغط ، استسلم لحرارة ناعمة تخترق جسده ومفاصله، بينما انصبّت نظراته في جوف السيارة المتخمة على مشهد مثير...
في المقعد الأمامي من السيارة، كانت تقعد امرأة بدينة، لم يكن يرى منها سوى كتفيها ورأسها، وإلى جانبها على المقعد تقف طفلة تخيّل أنها تجتاز ربيعها الثالث.. جميلة هذه الطفلة.. يا الله.. ثبّت نظراته على وجهها الناعم.. شعرت الطفلة بنظراته تخترق وجهها.. ابتسمت له.. ضحكت.. آه.. ماأجمل ابتسامات الأطفال.. ازداد اصراراً على احتواء الوجه الطفولي بعينين متوسلتين.. أيقظ الوجه الطفولي في نفسه أحاسيس كثيرة، حرّك عوامل دفينة بعيدة.. لوّن ذكرياتٍ مرّة بألوان شيّقة.. يا الله.. ماأكثر الشّبه بينهما.. هذا الوجه الملائكي يشبه وجهها عندما كانت صغيرة مثلها.. حمله هذا التشابه والإحساس على بساط متأرجح من التذكر.. تداخلت الأحلام والذكريات، وراح الوجه الطفلي الجميل يدير شريط الذكريات المخبأة في صدر اتعبته الحياة...
السيارة تسير نحو العاصمة... ذاكرته، أحاسيسه، أعصابه، انطلقت كلها على أجنحة البرق الخاطف، وحلّت في ربوع العاصمة، اختزلت عقوداً من الزمن.. كان لايزال شاباً يسير هو وزوجته وطفلته في شوارع تائهة من العاصمة التي يقصدها الآن.. كان يسير معذّباً ينهشه الألم والضّياع، كأنه هو المسؤول عن هذا التشرّد.. لقد استطاع أن يفلت من إرهاب الاحتلال والعدوان، فخرج كما خرج الألوف من أبناء وطنه.. قصد وطناً آخر.. وصل العاصمة الأخرى.. هو وزوجته وطفلته يسيرون على غير هدى.. إنهم مشرّدون.. جائعون.. متعبون آهٍ.. ايّ عذاب هذا
السيارة تسير نحو العاصمة... أحاسيسه تسبق السيارة، تغوص في أوحال وهلام العاصمة.. انقضّت الذكريات عليه مثل أفعى مجروحة.. الجوع ينهش معدته، لابأس.. ولكن كيف يتصرّف مع جوف الطفلة الصغيرة.. زوجته وهو قد يصبران.. أما الصغيرة فلا.. لم يكن في حوزته، إلاّ مايكفي لشراء وجبة رخيصة من الأكلات الشعبية.. إنهم لايجرؤون على ولوج أحد مطاعم المدينة الكبيرة.. بين الفينة والفينة، كانت أصابع يده اليسرى تمتدّ إلى جيبه لتتحسّس الليرات القليلة القابعة في قعرها..
السيارة تسير نحو العاصمة.هو يبحث في العاصمة عن وجبة طعام شعبية تُسكت عواء الجوع في البطون الثلاث .. الأقدام تسير متعبة ، والوجوه تلوب شاحبة ، والعيون تبحث دون جدوى .. الجوع يطفئ في الرؤوس كل إحساس ..اقترب المهاجر و زوجته يسحبان طفلة لم تبلغ بعد الرابعة من عمرها .اقتربوا جميعاً من حافّة الرصيف ، التصقوا بالمحلاّت التجارية ، ينظرون بعيون مرتعدة .. أخذت الطفلة تتعلّق ببعض المعروضات ، تحاول العبث بها ، فيجرّانها مؤنبين .. كانت تشير بيدها إلى كثير من الأشياء .. تلثغ .. تتكلم .. تهمهم .. تصرخ .. تضرب الأرض بقدميها .. تتوقف .. دون أن يفيدها ذلك في شيء .. الليرات القليلة القابعة في قعر الجيب الأيسر كانت تتكلم .. تُملي على الأبوين كل تصرّف وموقف .. لكن الطفلة الصغيرة لاتعرف شيئاً ، ولاتعبأ بأي شيء.
السيارة تعدو نحو العاصمة .. الأبوان يبحثان عن دكان صغير يبيع بعض المأكولات الشعبيّة .. أتعبهم المشي .. هدّهم الجوع .. أذهلتهم لوائح الأسعار المعروضة ..لكن الطفلة ظلّت تهمهم وتلثغ وتعاند وتضرب الأرض بقدميها .. وصلوا أخيراً إلى محل ناتئ على الرصيف يبيع ما يسدّ الرمق .توقفت الأم تنظر ، تفاضل بين الأشياء ، وتسمّر الأب يعدّ الليرات ويح
مُشاطرة هذه المقالة على: Excite BookmarksDiggRedditDel.icio.usGoogleLiveSlashdotNetscapeTechnoratiStumbleUponNewsvineFurlYahooSmarking

  • إرسال موضوع جديد
  • إرسال مساهمة في موضوع

الوقت/التاريخ الآن هو الأحد أكتوبر 26, 2014 7:04 am