منتدي جمال عزوز

أهلا بكم في المنتدى
منتدي جمال عزوز

منتدي الادب والفنون والكتابات النثرية والقصة القصيرة

المواضيع الأخيرة

» من كتاب الشخصية6
الإثنين ديسمبر 09, 2013 5:48 pm من طرف Admin

» من كتاب الشخصية5
الإثنين ديسمبر 09, 2013 5:46 pm من طرف Admin

» من كتاب الشخصية4
الإثنين ديسمبر 09, 2013 5:45 pm من طرف Admin

» من كتاب الشخصية3
الإثنين ديسمبر 09, 2013 5:44 pm من طرف Admin

» من كتاب الشخصية2
الإثنين ديسمبر 09, 2013 5:42 pm من طرف Admin

» من كتاب الشخصية
الإثنين ديسمبر 09, 2013 5:41 pm من طرف Admin

» نموذج من بناء الشخصية
الإثنين ديسمبر 09, 2013 5:39 pm من طرف Admin

» كيف تنشأ الرواية أو المسرحية؟
الإثنين ديسمبر 09, 2013 5:38 pm من طرف Admin

» رواية جديدة
الإثنين ديسمبر 09, 2013 5:26 pm من طرف Admin

التبادل الاعلاني

احداث منتدى مجاني

مايو 2017

الإثنينالثلاثاءالأربعاءالخميسالجمعةالسبتالأحد
1234567
891011121314
15161718192021
22232425262728
293031    

اليومية اليومية

تصويت

تدفق ال RSS


Yahoo! 
MSN 
AOL 
Netvibes 
Bloglines 

احصائيات

أعضاؤنا قدموا 254 مساهمة في هذا المنتدى في 142 موضوع

هذا المنتدى يتوفر على 35 عُضو.

آخر عُضو مُسجل هو sansharw فمرحباً به.


    اسكندر نعمة رحلة إلى مرافئ النجوم قصص قصيرة (2)

    شاطر

    Admin
    Admin

    عدد المساهمات : 150
    نقاط : 444
    السٌّمعَة : 0
    تاريخ التسجيل : 30/10/2009
    العمر : 43
    22012012

    اسكندر نعمة رحلة إلى مرافئ النجوم قصص قصيرة (2)

    مُساهمة  Admin

    كان غائباً

    فجأة صحا الاستاذ من نومه.. لم يدم نومه طويلاً.. خيل إليه أنه في حلم، أو أنّ هناك شيئاً مفزعاً داهم بيته وعائلته.. هبَّ من فراشه مذعوراً.. استعاذ بالله.. مسح وجهه ورأسه بكفّين دافئتين.. فرك عينيه محاولاً إزالة آثار النوم عنهما... أنصتَ بقلق.. التفت حوله، لم يسمع شيئاً.. قال في سرّه.. اضغاث أحلام.. حاول العودة إلى النوم.. إلاّ أنَّ طرقاتٍ قوّيةً على الباب الخارجي تتالت بتواتر متشنج.. انطلق من غرفته باتجاه الباب، تعثر في مشيته عدة مرّات.. أزاح مزلاج الباب الحديدي، وهو متدثّر بالصمت والحيرة.. لم يملك أن يقول شيئاً لأن جاره أبا الحسن اندفع إلى الداخل مستغيثاً صارخاً بأعلى صوته:
    ..استاذ مسعود.. أنا بعرضك...
    ظل فمُ الاستاذ مفتوحاً، محاولاً استجلاء الموقف.. فهم من كلمات أبي الحسن المتهدجة المتداخلة.. أنّ ابنه مريض.. عبثاً حاول الاستاذ مسعود تهدئه روعه.. أبو الحسن لايكف عن النحيب والثرثرة، ومن جرّاء الحديث المتداخل المتقطّع عرف الاستاذ أن الفتى تنتابه نوبات صداع حادٍّ جداً تؤدي إحياناً لفقدان الرؤية والتوازن.. كان الاستاذ يعرف ذلك من قبل.. بسرعة البرق وصل الاستاذ إلى بيت أبي الحسن، أخذ الفتى بين يديه، كان ذاوياً متلاشياً... أدرك خطورة الموقف.. انسلَّ كالشّعاع دون أن ينبس بكلمة.. غاب بعض الوقت وعاد يرافقه طبيبُ القرية... لاذ الجميع بصمت جليدي.. أجرى الطبيب إجراءات تقليدية.. جمد في مكانه... انتحى بالاستاذ مسعود جانباً.. أفضى إليه بمخاوفه من أن يكون ثمة ورمٌ خبيث بالدماغ... قرّرا معاً أن لابدَّ من السفر إلى العاصمة في الغد.. صعق أبو الحسن.. غاص في متاهةٍ من الذهول والتشتت.. كان يعتقد أن طبيب القرية قادر على إسكات الألم... كان أشدَّ مايمزّقه فكرة الذهاب إلى العاصمة.. فهو عمرّه لم يغادر قريته.. حتى أنه لايعرف الطريق الموصلة إلى العاصمة... سأل بلهفة حارة عن السبب... أبدى الاستاذ مسعود تعليلاً قاصراً.. انهار الأب.. انتحبت الأم تراخى الفتى بين أمواج الألم وذراعي الاستاذ.. بعد قليل، تخلّص الاستاذ من جسد الفتى الذابل، وتركه صريعاً بين أنياب الألم، وانسلَّ متلمّساً طريقه إلى بيته، بعد أن وعد أبا الحسن بمرافقته غداً إلى العاصمة...
    ***
    تلك الليلة لم يعرف النومُ سبيله إلى عيني الاستاذ مسعود.. قضى ليلته مسّهداً يحاور نفسه... غطس في مستنقع من الحيرة والتردّد... راح يستجرُّ وقائع الماضي الجميل... إنه منذ عهد بعيد لم يزرِ العاصمة.. كاد ينسى شوارعها وأزقتها ومبانيها.. قديمةٌ جداً هي آخر مرة زار فيها المدينة الكبيرة .. كان ذلك في أيام الشباب المبكر ، عندما اضطرَّ للذهاب إليها ليقدّم أوراق تعيينه لدى وزارة التربية، قضى فيها أياماً عدّة، حلَّ فيها ضيفاً على عبد اللطيف النعسان، صديق عمره، وابن قريته، وزميل الدراسة.. إيه... كانت أياماً جميلة على الرغم من شراسة الظروف وقساوتها.. منعه الفقر في تلك الأيام من مواصلة دراسته الجامعية، بينما تابع صديقُ عمره عبد اللطيف النعسان دراسته الجامعية في كلية الحقوق.. منذ ذلك التاريخ اختلفت السّبُلُ بينهما، وانقطع الاتصال إلاّ من زيارة خاطفة سريعة.. عبد اللطيف النعسان ندرت زيارته لقريته الأم، واستسلم للاسترخاء الممتع في أحضان المدينة الشاسعة.. وراح يشقُّ طريقه عبر مغريات المدينة نحو العلاء وتحقيق الذات.. ترى.. هل سيتعرّف عليَّ عبد اللطيف النعسان؟؟!! هل سيتذكر صديق طفولته وأيّام صباه؟؟!!.. هل سيرحّبُ بي وأنا القرويُّ الساذج والموظف الصغير.. وهو ابن المدينة الغني وصاحب المركز والجاه الكبيرين..
    عندما وصل الاستاذ مسعود بخواطره إلى هذا المنعطف، ضحك من عفويّتهِ وشكوكه.. وأنّب نفسه لأنها تطعن صديق عمره وزميلَ دراسته القديم.. لا.. لا.. إن عبد اللطيف النعسان هو السَّندُ الوحيد لنا، ولكل أبناء هذه القرية، في تلك المدينة الصخّابة المتلاطمة الامواج.
    ***
    استيقظ الصباح.. ثلاثةُ رجالٍ، كانوا يخدشون الصمت على الطريق الترابية الضيقة.. هدرت السيارة العتيقة.. راحت تخبُّ على الطريق الاسفلتية العريضة.. وصل الركب إلى العاصمة.. الحزن والصمت يجّللان الوجوه.. صخّبُ المدينة وضجيجها يقتلعان الصمت الحزين من جذوره، ويفتتان أكبد الوافدين الثلاثة.. تماسك الاستاذ مسعود، أبدى كثيراً من التجلّد والصبر.. آهٍ... لشدَّ ماتغيرّتِ أيتها المدينة العملاقة، لقد تغيرَّ فيكِ كل شئ.. المباني.. الوجوه.. الشوارع.. نكهة الأصالة والمودّة.. هنا..لا أحدَ يعرفُ أحداً.. كان الاستاذ يقود الركبَ مسترشداً بالعنوان الذي منحه إيّاه أحمد النعسان ابن عمِّ الوجيه الكبير.. كان الصبيُّ يشدُّ رأسه بحزام حريري، ويسير إلى جوار والده شاحباً، تائهاً عن كل شئ.. أمام مبنى سامخٍ جميل، توقّفِ الركب.. نظر الجميع إلى البناء بعيون بلهاء.. تلمّظَ الاستاذ مسعود، قلّبَ كفيه.. تجوّلت عيناه لتمسح المبنى الفاره بكل نوافذه وشرفاته وبوّابته العريقة.. دلف الركبُ عبرَ البوابة.. تعرَّف الاستاذ إلى الشقّة التي يسكن فيها عبد اللطيف النعسان.. أمام باب الشقّة استسلم الركب الحزين لصمتٍ مطبق.. نظر الاستاذ مسعود طويلاً إلى زرِّ جرس أنيق مضاء.. يجثم على جانب باب الشقّة.. اقتربت إصبع كفّه اليمنى من الجرس وابتعدت مراراً.. أخيراً حزم الاستاذ أمره وغمز زر الجرس بكثير من التشنج والانفعال والحذر .. خرجت صبية صغيرة من بنات القرية تعمل خادمة في منزل الوجيه الكبير ابن قريتها . تعرفت إلى الأستاذ بسهولة وعفويّة.. ابتسمت له بعمق.. رحّبت به بحرارة.. لكنها اعتذرت بخجل مرهف.. فدخوله المنزل مستحيل، لأن سيدها غائب.. أعلمتهُ عن ضرورة ارتباطه بموعد مسبق إن أراد المجيء إلى منزل سيدها مرة ثانية.. كان الخجل من الموقف يأكل عينيها ووجهها.. عرف الاستاذ مسعود من الفتاة أن سيدها صديق طفولته وعمره، موجودٌ الآن في صالة نادي الشرق.. إذ اضطرَّ للذهاب إلى هناك إثر مكالمة هاتفية وصفها بأنها هامة.. اتجه الركب الحزين يحمل آلامه إلى النادي.. أمام مدخل النادي الخارجي وقف الألم الذي يوزّع على ثلاثة رجال.. شخص الألمُ بعيون كثيرة نحو المدخل العجيب.. بعد رجاءٍ ملحاح أذن موظف الاستقبال الأنيق، ذو القدّ الأهيف، أذن للاستاذ فقط بالدخول عبر أبهاء النادي.. سار الاستاذ متعثراً، مشدوهاً لكل شئ يراه على الجانبين.. دَلّهُ موظف الاستقبال بإشارة من يده إلى حيث يجلس الوجيه الكبير.. كان واحداً من مجموعة من الرجال يتحلقون حول مائدة مستديرة مترعة بالورود والكؤوس.. ويبدو أن حديثاً حاراً يستقطب الجميع.. عاد الارتباك من جديد يفصمُ الاستاذ مسعود ويمزّقه من الداخل.. هتف به صوت داخلي.. تشجع.. أنت زميل النعسان وصديق عمره وابن قريته الصغيرة.. ثمّة ممراتٌ ضيقة تحوطها أصص الورد والشجيرات الصغيرة.. سار عبرها متعثراً.. ندم على مغامرته هذه.. تمنى لو يعود بالألم والصبيّ إلى الضيعة.. وليقضِ الله في ذلك مشيئته.. لكنه سرعان ماتخلّص من حرجه وإرباكه.. اتجه نحو النادل القريب.. طلب منه باحترام شديد أن ينبّه السيد النعسان إلى وجوده.. لحظات قليلة.. التفت الرجل.. وقف بتثاقل.. أقبل.. واجه الاستاذ مسعود مباشرة.. آه.. إنه هو... هونفسه عبد اللطيف النعسان.. لم يغيّره الزمن.. بعضُ الشيب قد غزا شعرَ رأسه.. تمرُّ لحظات صعبة حرجة.. يمزّق الاستاذ مسعود لوحة الحرج بابتسامة طفيفة يرسمها على شفتيه.. يخرج الوجيه الكبير عن تجهّمه قليلاً.. يتذكر.. يرحب بالاستاذ مسعود ترحيباً لم يدخل إلى قلبه الطمأنينة والراحة.. يطلب النعسان من صديق عمره وابن قريته أن يجلس إلى طاولة منفردة ريثما ينتهي من مهامّه.. قفز قلب الاستاذ من صدره.. أخطره أنه جاء إليه في مهمة عاجلة جداً لاتحتمل التأجيل، وأنه قَصَده طالباً معونته، راغباً في "إيده الطايلة".. تذكر الاستاذ بمرارة أن موكب الألم الحزين لايزال ينتظر في الشارع، وأنَّ الصّداع نخرَ دماغ الفتى وأعصابه.. توجّه إلى صديق عمره بالرجاء والتوسّل.. بدا الضيق واضحاً على وجه الرجل الكبير ابن القرية الصغيرة.. لكنه غالب ضيقه، واستمهل جُلاّس مائدته المستديرة بإشارة من يده.. روى له الاستاذ القصة باهتمام بالغ وأسلوب مؤثر، محاولاً تحريض نخوته وأصالته الريفية.. ابتسم الرجل الكبير ابتسامةً باهته.. مطَّ شفتيه.. ورفع حاجبيه.. قال:
    -.. لاأجد شيئاً يقتضي السرعة‍‍!!.. ماذا تريدني أن أفعل؟؟
    صُعق الاستاذ مسعود.. غرق في مستنقع الخيبة والاحباط، واستسلم بصمت مرهفٍ لم يدم طويلاً، لأن الوجيه الكبير قطعه محدّثا نفسه:
    حتى في أوقات راحتي وصفائي.. لاأجد فرصة للراحة.. هل عليَّ أن أزعج الأطباء في بيوتهم حتى أدخله المشفى..
    سقطت من بين شفتي الاستاذ كلمتان صغيرتان:
    .. كنتُ أظنُّك...
    وكأن النعسان تذكر شيئاً وجد فيه مفتاحاً للحلِّ والخروج من الحرج.. رسم على وجهه ابتسامة عريضة.. نظر بامعانٍ في وجه الاستاذ مسعود.. وضع كفّه على كتفه.. قال له:
    اسمع يااستاذ.. هذه بطاقتي.. وماعليك إلا أن تذهب بالمريض إلى أي مشفىً حكومي.. قدِّم هذه البطاقة إلى مدير المشفى.. وهو سيقوم باللازم... واستدار عائداً إلى مائدته حيث ينتظره رجال الأعمال...
    لم يطل تشنّج الاستاذ مسعود في مكانه.. سرعان ماانحلّت عقدة لسانه وساقيه.. رفع البطاقة بين أنامله إلى أعلى.. مزّقها نتفاً صغيرة.. نثرها قريباً من مائدة عبد اللطيف النعسان وصحبه.. سيطر الفرح العفويّ على ملامح وجهه... عاد إلى الركب الحزين المنتظر خارجاً.. نظر إليه والد الفتى.. سأله بدهشة:
    ..مالكَ متهلّلاً ياأستاذ؟؟!!..
    ..لقد أبصرتُ بعد أن كنت أعمى.
    ..وهل قبل ابني في المشفى الاختصاصي؟؟
    تلمّظ الاستاذ.. ازدرد ريقه..
    ..بلى.. لقد قُبل...
    لم يعد الاستاذ مسعود بحاجة للحديث.. خلع عنه عباءة الاحراج والارتباك.. سأل شرطي المرور عن الطريق المؤدية إلى مركز الطب النوويّ.. سار الركب الحزين بأتجاه المركز.. اجتاز البوابة الرئيسة.. مثل الفتى في العيادة الاختصاصية.. أحيل إلى شعبة الأورام لاجراء الفحوص والتحاليل اللازمة .
    عندما عاد الاستاذ مسعود إلى قريته الساجية.. التقاه أحمد النعسان ابن عم الوجيه الكبير.. بادرّهُ سائلاً:
    .. هيه يااستاذ.. ماالأخبار؟؟
    أجاب الاستاذ بهدوء تام..
    .. أخبار طيبة والحمد لله..
    .. طبعاً قام عبد اللطيف بالواجب وأكثر..
    .. لا.. لم يفعل شيئاً.. لأنني لم أجده..
    .. كيف؟؟
    .. لقد كان غائباً.. ولست أدري هل سيعود أم سيطول غيابه..


    فرصةٌ للحلمِ... فرصة للتشرّد

    نظرت إلى معصمها.. فوجئت.. لم تكن تتوقّع ذلك.. راحت تدقُّ الأرض بنعليها على نحو ملحوظ... "لقد تأخرتُ.. الساعة الآن السادسةُ والربع مساءً.. لقد انقضت ربعُ ساعة على الموعد المحدد.. فترةٌ طويلة، طويلة جداً في عمر المواعيد..".. أسرعتْ أكثر.. كادت تتعثّر في مشيتها.. ".. لا.. عليَّ أن أحتفظ بالتوازن والوقار.. لعن الله الازدحام وأزمة المواصلات.. لقد خرجتُ من البيت مبكرة كي أصل في الموعد المحدّد... أتصوره من بعيد يجلس وحيداً.. يحملقُ حوله بلاهدف.. ينظر إلى ساعته بقلق.. ينقر على الطاولة بأصابع متشنجة.. لابأس سأعتذر.. إنه يعرف كيف تتقيأ "باصات" النقل الداخلي مئاتِ الناس في كل موقف.. وكيف تظل أكداسٌ بشرّيةٌ على الأرصفة تتلهّفُ بأبصارها عبرّ النوافذ."
    قطع سيلَ تداعياتها بابٌ عريض ملوّن، تتضاحك الأنوار داخله عبرَ ستائر شفافة، قد ألفتهُ كثيراً.. إنه "كافتريا الزهور"... "لقد وصلت".. تأخرتُ كثيراً، ليس في اليد حيلة.. لاشك أنّه يقدّر ذلك.. سأذيب تجهّمهُ بابتسامتي المعهودة فيضحكُ وينتهي كلُّ شيء.." تباطأتْ قليلاً.. أصلحت من قيافتها.. ازدردت نفساً طويلاً، ودخلت متسلّحة بوقار أصيل.. خفّفت من طرق نعلها على الأرض الملساء اللامعة.. صوّبت نظراتها باتّجاه محدّد.. أكلتها المباغتة.. الطاولة التي اعتادت أن تجلس إليها مع سامر كانت خالية.. نظرت في كل الاتجاهات .. لم تجده.. "الكافتريا" كانت تغصُّ بالروّاد عدا بعض الطاولات المبعثرة هنا وهناك.. شعرت بالإحباط والخوف معاً.. صاحت في أعماقها "أيعقلُ ذلك؟".. تقدمت بخطوات حائرةٍ نحو الطاولة.. كانت تسدّد نظراتٍ جريئةً إلى كل الزوايا،.. "علّه يجلسُ في مكان آخر.. غير معقول.. في كل مرة كان سامرٌ يسبقني إلى الموعد ويعاتبني على التأخر.."... ألقت محفظتها على سطح الطاولة، وهبطت ببطء شديد على كرسيّها، وراحت تبعثر نظراتٍ متسائلةً.. غرقت في دهاليز صمت محيرّ.. مضغتها عيون الحاضرين.. قرأت في نظرات بعضهم عباراتٍ مشتتةً... عاشقةٌ تنتظر.. صّيادةٌ ماهرة ترمي بشباكها.. عاشقةٌ تخلى عنها صاحُبها.. تعالت ضحكاتٌ متداخلة من كل زوايا "الكافتريا".. آلمها ذلك جداً.. اعتصرها من الداخل بقسوة.. تعرّق جبينها وعنقها بحبّات من الرذاذ الساخن.. أصلحت من جلستها.. أولت ظهرها للناس.. لفّت ساقاً على ساق، وراحت تعبث بمحفظتها بحركات عشوائية... هتفت في أعماقها... "لابدَّ أن يأتي.. سيأتي لاليلتقيني فحسب.. إنني على موعد معه ليزفَّ لي بشرى هامّةً جداً.. آهٍ كم أتلّهفُ لتلقي تلك البشرى.. لا.. لاياسامر.. لاتقل انك أخفقت.. لا أبداً.."
    استدرجتها تلك الأماني العذبة إلى شهور طويلة خلت.. وراح شريط الذكريات يفرز الألوان والصور.. "لا.. لن يكذب سامر.. إنه خطيبها منذ سنتين.. انتزعها من بين تلميذاتها الصغيرات.. إنه رجل شهم نبيل.. معلمٌ مثلُها.. يطعمُ تلاميذه فتاتَ قلبه وعواطفه.. فكيف يكذب... عرفتُ الحبَّ على يديه... عرفتُ معه قسوة الانتظار والحياة الصعبة .. عامان والحياة المرة تلفنا بردائها ، والأمل يتجدد .. ما أصعب حياة الشرفاء في مجتمع الغابة."
    تماهت مع أحلامها.. اضطرب شريط الذكريات أمامها.. نقلهاإلى محطات لولبيّة ضبابيّة وراحت تتخبّط.. غاصت بعيداً في أوحال المدينة الظالمة... انتشلها من الطين، شبحُ رجل يقف إلى جانبها، يمسكُ حافةَ الطاولة بأصابعَ متشنّجة... فاجأها سامر.. أعادها إلى واقعها.. حاولت أن ترحّب به، تخثّرت الكلمات في حلقها.. كان واقفاً أمامها كأنه تمثال من حجر.. مافتئ ينظر إليها بعينين خاليتين من البريق.. وما فتئت هي تتقلّب في أحضان المباغته... كسرت طوق الجليد.. رسمت على شفتيها ابتسامةً مصنوعة.. سألته بصوت هامس:
    سامر.. لقد تأخرتَ كثيراً!! ألم تتوفق في العثور على بيت؟؟..
    بلى ياحبيبتي لقد عثرت..
    هنيئاً لنا... وكم أجرته؟؟...
    غرس عينيه في عينيها.. تلّمظَ قليلاً..
    فقط.. ثلاثة آلاف ليرة سورية، تُدفع في مطلع كل شهر...
    سقطت الابتسامة عن شفتيها.. صاحت:
    ... ماذا...!!
    نعم.. والوسيط يريدُ ألف ليرة...
    شعرتْ بغثيان مباغت يجتاح جسدها.. توحّدت مع كرسيّها... ظل سامرٌ واقفاً كجذع شجرة كُسِرت أغصانها.. سافر كلٌّ منهما إلى شواطئ بعيدة، بينما كان السُّباتُ يفقأُ العيون....
    ***
    وقف كبيرُ الطلاب وراء باب الصف، وراح يختلس نظراتٍ مرحةً إلى البهو.. صاح.. إجلسوا في أماكنكم.. لقد جاء الاستاذ.”.... انتصب الاستاذ بقامته الفارعة وراء طاولة الصف... وقف الجميع.. ساد صمت مذهل.. أشار بيده فجلسوا.. تبادلوا فيما بينهم نظراتٍ ذاتَ معنى.. أمسك الأستاذ قطعة حوار أبيض.. كتب: الحصة الأولى.. المادة تعبير.. الصف التاسع الإعدادي.. ثم راح يملأ فراغ السبورة...
    وقف أحد الطلاب مقلّداً الاستاذ في تقطيب حاجبيه، وتجهّمِ ملامحه.. ضحك الجميع ضحكاً أخرس، واختبأ كل منهم وراء ظهر رفيقه...
    استدار الاستاذ... بصوت واثق رزين قال:
    إقرأ يامازن..
    وقف مازن.. حزمَ أمره، وأخذ يقرأ:
    المعلمُ ذلك الإنسان المعطاء.. المكافح أبداً.. يعطي ولايأخذ..
    . .... " ثلاثة آلاف ليرة سورية في مطلع كل شهر.. لكأنها قصة من قصص الخيال... إذا كان راتبي لايزيد عن ألفي ليرة إلاّ قليلاً.. فمن أين أتدبَّرُ أمر الألف الثالثة!! "
    جاءَه صوتُ مازن يقرأ متعثراً..-.. إنه مثالٌ للتضحية... فهو على مرِّ الأجيال شمعةٌ تحترق لتضيء الدربَ لغيرها..
    . ..."كان عليَّ أن أكون واقعياً أكثر.. لقد كنتُ مسوقاً بعواطفي.. مندفعاً بأحاسيسَ تتعالى على الواقع المر.. ماذنبُكِ أنتِ ياسوسن.. سنظلُّ معاً نتقنُ لعبةَ الإغماءَة.. ونجيدُ نزيف الألم بحثاً عن الفردوس المفقود..."
    .. استاذ.. مامعنى هذه العبارة: "فهو على مر الأجيال شمعة تحترق."؟؟
    .. اجلس ياسعيد.. من منكم يشرح هذه العبارة؟؟...
    سقطت غرفة الصف في دوّامة من الهمس الدافيء.. لم يرفع يدَه أحد.. خرج الاستاذ سامر عن تشتّته.. حنجرتُه تغصُّ بالخثرات.. صوته متهدّج.. راح يشرح..
    ... المعلم يحمل مَهمَّةَ تنوير الأجيال.. وهذا يقتضيه جهداً شاقاً.. فهو بذلك كالشمعة التي تذوب شيئاً فشيئاً..
    ابتسم الطلاب بخبثٍ طفولي.. أحسَّ الاستاذ بشرخ حادّ في نفسه.. تابع مازن قارئاً:
    .. فالمعلم أداة تطور الشعوب والأفراد، وهو عنصر رئيس من عناصر بناء المجتمع
    . ...." ولكن سوسن مثلي.. نحن شريكان في مواجهة الحياة.. كلانا مسحوق، يبتلعنا رجال من اسمنت وحديد.. تلفنا دوامة الشقاء فتعركنا.. المدينة تتسع وتتسع... تبتلع الأرض والهواء.. ويغدو البيتُ حلماً.. أسطورة.."
    أيقظه صمت الصف الدافيء... تنبّه.. نظر إلى مازن بعيون متسائلة..
    .. لماذا لاتقرأ؟؟.. أجاب مازن:
    .. لقد أنهيت.. قرأتُ كل ماكتب على السبورة..
    دخل الاستاذ في متاهات غيظ حقيقيّ مر.. خشي أن يقرأ الصغار تشتتّهُ وأفكارَه الحبيسة.. عاد إلى وعيه وقال:
    .. من خلال ماقرأ تم.. ليكتب كل منكم موضوعاً تعبيرياً.. وابدؤوا للحال.. تصاعدت في جو الصف همساتٌ وحركات وضجيج خافت.. مالبث أن انتهى إلى صمتٍ لايخدشه إلاّ أصوات صرير الأقلام الخرساء على السطور البيض..
    ابتلع الصمتُ الغرفة من جديد.. وحلَّقَ في الغرفة بخارٌ يتلوّى ببطء....
    . ..." سأواجهها بالحقيقة.. إنها فتاة طيبة وادعة.. أحبها ملءَ قلبي.. إنها معلمةٌ مثلي.. شمعة تحترق.. فلتحترق مثلي بنار رجال الاسمنت والحديد.. ودخان الألوف والملايين التي تَدُكُّ الجيوب.. سوسن.. لك الخيارُ المرُّ.. فإما صمود تحت مطارق الشقاء.. وإمّا فراق لالقاء بعده.."
    قرعَ أذنيه صوتُ تلميذ من آخر القاعة.. " أستاذ لقد أنهيت كتابة الموضوع.".. أزعجه أن يتخلص من خواطره الدّبقة ويعودَ إلى الواقع المر.. راح يجوب الغرفة بين المقاعد، يدقّق فيما كتبه التلاميذ... أَحسَّ بالنزيف يتعمّق.. توقَّف فجأة إلى جانب طالب أكبَّ بمرفقيه على ورقته.. كان خيال سوسن مايزال يداعب مشاعره، والهمُّ يقتات جسده بشراهة....سحب الورقة من بين يديه.. قلّبها.. إنها بيضاء.. لم تسوّد سطورّها أيّةُ كلمة.. وجَّه إليه نظراتٍ متسائلة..
    ... لماذا لم تكتب شيئاً؟؟..
    سكت الطالب طويلاً.. ألحَّ عليه المعلم.. أجاب بصوت هادئ:
    .. لم أعرف ماذا أكتب...
    رفع الاستاذ حاجبيه، وقد تمزّق أكثر.. الشروخ ازدادت عمقاً في داخله..
    .. لماذا‍‍‍‍!!؟؟
    أجاب الطالب بجرأة مهذّبة:
    لست أدري.. كيف يمكن للمعلم أن يحترق ويعطي بآن واحد!!...
    شيٌ ماحادٌّ وخز الاستاذ سامر .. حدّق في الطالب ملياً .. تفجرت في أعماقه أفكار مكبوتة حبيسة.. التمع في عينيه ماءٌ عذبٌ فّياض.. رحلَ إلى آفاقٍ بعيدةٍ غير محدودة.. وضع يده على السبب.. ظل لفترة غير قصيرة ساهماً شارداً... عاد لوعيه.. وضع يده على كتف الطالب ربت عليها برفق وقال له:
    ... أحسنتَ يابني.. ورقتُك ليست بيضاء، فلقد كتبتَ كلَّ ماينبغي كتابتُه..
    وفيما كان جرس نهاية الحصة يقرع.. كان المعلم ينسحبُ من الغرفة وهو يختزل في رأسه كلَّ صور الأحلام والرغبات والذاكرة المتعبه.. ويمضغ في سره كلمات لايستطيع الصغار فهمها... " كي يحترق المعلم، يجب أن يطمئن إلى حياته وكرامته.. بعيداً عن صحراء الحياة ومستنقعاتها."
    استوقفه مدير المدرسة.. قدّم إليه بطاقة صغيرة.. قرأ البطاقة: المركز الثقافي العربي يدعوكم للاستماع إلى المحاضرة التي يلقيها الدكتور (س) بعنوان " التضخم السكاني والتنمية "... وذلك في الساعة السادسة من مساء يوم الأحد
    في قاعة المركز... لم يجد الاستاذ سامر مقعداً فارغاً في الصفوف الأمامية.. لاب بعينيه، التجأ أخيراً إلى مقعد في الزاوية اليسرى من الصف الخلفي.. غاص في مقعده، مسحّ المكان بعينين حادتين.. لم يجد أحداً يعرفه.. كان يرغب في أن يحدِّثَ أحداً.. غرق في متاهاته وراح ينحت تماثيل مشوهةَ ويبني قصوراً بلا أعمدة....
    هل جاء متأخراً.. هكذا يبدو.. لقد كان صوت المحاضر يزرع الصمت المهيب في أرجاء المكان.. والعيون كلها مشدودة بقوة إلى مصدر الصوت.. لم ينتبه إلى ذلك لحظة دخوله.. شدَّ على أسنانه.. آلمه أن يصبح مسكوناً بالهواجس المرّة.. صبَّ كل اهتماماته باتجاه المنصّة.. في البدءِ لم يفهم شيئاً.. لقد ضاعت منه المقدمات اللازمة.. أخيراً أمسك طرف السبحة.. تواصل معها.. صوت المحاضر يملأ أذنيه.. عباراته تقرعُ ذهنه وأعصابه: "إن التضخم السكاني الذي طرأ على البلاد في السنوات الأخيرة، أربك الوضع الاقتصادي، وأحدث فيه خللاً واضحاً.. الأمر الذي فرض على الوضع الاجتماعي علاقاتٍ مضطربةً مشوّشة."..
    كان يختزن كل كلمة يسمعُها.. يتوحدُ معها.. ولكنه ماعتّم أن راح يسيل .. يسيل.. نحو منحدر واسع.. منحدر هلامي، يمتدُّ خارج حدود الزمان والمكان..
    قَرَعَتْ عبارات المحاضر رأسه.. أفقدته توازنه.. لفّته تيارات باردة من البخار الدّبق.. أفلت منه زمام التواصل مع المحاضر.. ضاع في زحمة التداعيات.. ظل الصوت يقرع أذنيه.. ثبّت عينيه على المنصة.. كان جسدُ المحاضر يتلاشى شيئاً فشيئاً.. غرق في العدم.. المنصة.. زالت.. صوت المحاضر حيٌّ في أذنيه.. كلمات زائفة لايفهم منها شيئاً.. ازداد توغلاً في منحدره الهلامي.. القاعة اتسعت، تهدمت جدرانها.. لم يعد يرى أحداً حوله.. أين الحضور!!؟؟.. صوت المحاضر مايزال يرنّ.. يرنّ... نبتَ مكان المنصة بناء ضخمٌ أنيق.. القاعةُ زُرعت كُلُّ جنباتها بالأبنية الشامخة.. شرفاتٌ أنيقة.. ردهاتٌ فسيحة.. شوارعُ عريضة تخترق الأبنية المترفة.. الأرصفة مسوّرة بالأشجارِ والمحلاتِ التجارية المزدانة "بالديكور" والأضواء التي تبعث النشوة.. الناس يتزاحمون عبر الشوارع وأمام المحلات.. دسَّ نفسه بين الزحام وراح يلهو بالتفرج على المعروضات.. قرأ لوائحِ الأسعار.. سقط في مستنقع الخوف.. أصيب بما يشبه الخشية.. كان أولّ من التقاه عرضاً في منتصف الطريق رجل قصير يدفع الهواء بكرشه ومنكبيه... عرف فيه الوسيطَ الذي صعقه ذات يوم.. اقترب منه هاشاً، حاول مصافحته.مرق الوسيط بسرعة مكتفياً برد التحية وغاب في الزحام... "غريب أمر الناس.. كلهم في عجلة من أمرهم"... تابع جولته كغريب يقضم الوقت.. كان صوت المحاضر مايزال يرن في أذنيه، يأتيه من كل زاوية.. من المحلات.. من الشرفات.. من مداخل الأبنية.. من الأرصفة... دخل في روعهِ أن الناس كلَّهم يستمعون للمحاضرة.. وأن عبوسهم الذي يملأ وجوههم نوعٌ من الإصغاء الدقيق... سرّه ذلك.. حاول أن يستعيد التواصل مع المحاضرة... ضبط أعصابه.. حدّق في زاوية واحدة.. أصاخ السمع أكثر... جاءَه صوت المحاضر صافياً واضحاً.. لكن أين هو المحاضر!!؟؟.. في أية زاوية يجلس!؟.. إنه لايراه.. راح يبحث بعينيه.. بأذنيه.. بجسده... فوجيء..المحلات تغلق أبوابها بسرعة .. والأنوار تبتلع ألسنتها .. والسيارات الأنيقة تتهادى فوق إسفلت الشارع وحجارة الأرصفة . سقط في ظلام مفاجىء... جلده خوف عميق.. لجأ إلى الهروب السريع.. حرك ساقيه بعصبيّة ونزق، لحظتئذ وجد نفسه يقف على قدمين متعبتين، ولهاثٌ مرٌّ يحطّم صدره ويقطع الأعصاب.. والناسُ من حوله ينسحبون من باب القاعة الرئيس، وهم يتحلّقون حول المحاضر...
    عندئذ عادت خواطره ترصد له موقفاً أحادياً في علاقته بالعالم... موقفاً موشحاً بألوان الهزيمة.. حزم مخاوفه المبعثرة تأبّط أحلامه المخفقة، وأسرع يندس بين الزاحفين عبر الباب..
    في طريق العودة إلى البيت كان وحيداً.. الحاضرون تفرّقوا جماعاتٍ... حاول أن يستذكر شيئاً مما قاله المحاضر... خانته الذاكرة.. جلَدَ أعصابه أكثر.. فسقط في سُباتٍ من النسيان الرمادي... فقط ثلاثةُ أشباحٍ مرّةٍ كانت تملأ صفحةً كيانه.. سوسن.. البيت.. الوسيط...


    القرار الأخير

    أخيراً.. ياأبا بالفهد، اتخذتَ قراركَ الخطير.. قرّرت أن تتخلّى نهائياً وإلى الأبد عن قبرك الذي تسكن.. لاتؤاخذني ياأبا الفهد.. قرارُكَ هذا جاء متأخراً جداً.. إذ مامعنى أن تتخذ مثل هذا القرار بعد انقضاء عشرينَ سنةً على موتكْ.. لابأسَ، أنتَ حرٌّ فيما تريد... يبدو أن رغبة عارمة استبدّت بكَ الآن، وقرّرتَ العودة إلى الحياة... ولكن اسمح لي... ليس المهمُّ أن يتخذَ المرءُ قرارَهُ.. المهم أن يستطيع حماية وتنفيذ قراراته الصعبة التي يصوغُها ويعلنُها...
    نعم.. قرّرتَ العودة إلى الدنيا.. ضقتَ ذرعاً بحياة العفونة والرطوبة والظلام.. قلتَ لنفسك: لماذا لاأغيرُ هذه الحياةَ الساكنة الراكدة.. لماذا لا أمزّقُ هذه المُلاءَات الترابية القاسية.. قرّرت بحزم، قراراً لاعودة عنه.. فتحتَ عينيكَ ياأبا الفهد.. لم يكن تحريكُ الأجفان والأهداب بعد رقاد طويل بالأمر السهل.. حرّكتهما بتثاقُل مرير.. آلمتكَ اللزوجة، أحرقت مقلتيك الروائح النفّاذة الخانقة التي تتغلغل في ثنايا قبرك.. تمكّنت أخيراً... لاحت لكَ ثغراتٌ وشقوقٌ متداخلة.. رحتَ تدفعُ بكفيّكَ القويتين الترابَ اللزجَ العفن الذي أُهيلَ على جسدك الصلب منذ عشرين سنةً مضت... أخيراً وبعد عراكٍ قاسٍ مرير تغلّبت كفّاك على الحجارة والأتربة، وبضربة محكمة من منكبكَ الأيمن، دفعت بمهارةٍ عجيبة ذلك الحجرَ الثقيل الكبير الذي رزحَ فوقك عقدين من الزمن.. تدحرج الحجر الثقيل.. لاحت لك أنوارٌ وقبساتٌ من أشعةٍ فضيّة.. تنسَّمتَ بلذةٍ تُذيب الأعصاب هواءً منعشاً لاتخالطه روائح النّزيز والنّتن والصّنان.. ملأتَ رئتيكَ هواءً طازجاً.. صرخْتَ بصوت يملؤه الحنان: هاأنذا قادمٌ إليكم ياأحبّتي.. التفتَّ حولك بآليّة عجيبة، لقد أيقنت أنّ أحداً لم يسمع نداءَكَ المحمومَ هذا، وبقفزةٍ بهلوانية رشيقة صرتَ خارج القبر، منتصباً على قدمين ثابتتين، كأنك لم تستسلم للموت الكلي طيلةَ هذه السنوات العفنة.. أخذتَ تدور في المكان.. سحرتكَ الحياةُ.. شمسُها.. هواؤُها.. أشجارُها.. طيورُها.. أطلقتَ صوتاً كالرعد: أنا عائدٌ أيّها الأحبة، يامن طرقتُم بأكفكم على قبري، ووضعتم عليه أكاليلَ ورد عطرة.. لقد اشتقتُ إليكم.. عائدٌ لأعيش معكم... أحدٌ لم يردَّ عليك.. أيقنتَ أنّكَ أطلقتَ صرخةً في العراء.. قلتَ لنفسك: سأستريحُ قليلاً... أقعيْتَ في مكانك كثعلب أعيتهُ الحيلة.. أغمضتَ عينيكَ بشدّة، ورحتَ تفكّر.........
    جسدُكَ الناهضُ من القبر يترّبعُ فوق التراب... ذاكرتكَ رحلت إلى البعيد البعيد... أوغلت في ثنايا الماضي.. راقت لك صورٌ في الخيال... صورٌ راسخةٌ ملوّنةٌ بألوان باهتة رمادّية.. كنتَ آنئذٍ محمولاً على الأكتاف... تمضي في رحلتك الأخيرة إلى حيث لاتدري.. رحلةٌ هادئة رصينة ممتعة.. لايزعجكَ فيها زحام السيارات والأقدام المتراصّة.. ولاتدفُعكَ فيها الأكف والمناكب والدرّاجات.. ولايزكم أنفَك روائحُ العفونة والقُمامة في وسط النهار.. ولاتصل أذنيكَ أصوات الأغاني والألحان الرخيصة تعربدُ وتنطلق في كل مكان.. ولاتضغط صدرَكَ وروحك كوابيس الحياة .. الاجتماعية والاقتصاديّة.. رحلة هادئة صامتة تمتطي فيها متنَ راحلة غريبة عجيبة.. تستقلُّها لأول مرّة، متحرّراً من قيود الأسعار والأجور.. إذ لستَ مضطراً لأن تقلب جيوبك بحثاً عن مالٍ تسدِّدُ به ضريبةَ رحلتك هذه .. لأول مرّة ياأبا الفهد، تجدُ من يدفعُ نفقاتٍ باهظةً تتعلقُ بك.. أليس ذلك غريباً؟!! لم تكن تألفُ ذلك فيما مضى...
    أجل.. ياأبا الفهد.. ظللتَ تتابع رحلتّكَ محمولاً على الاكتاف، تنظرُ إلى الحشد الهائل المحيط بك في ثنايا رحلتكَ الهادئة.. فلا تحدّثُكَ روحُكَ، ولا تتّخذُ في قلبك إزاءَ أيِّ واحد منهم حقداً أو حسداً أو عتاباً أو ملامة... عرفتَ أن الطريقَ، طريقَ الرحلة طويلٌ والمزارَ بعيد.. قلت: لامتّعْ ناظريَّ بهؤلاء الناس الذين غمروني بفضلهم، والتفّوا حولي وورائي، كما يلتفون حول زعيم أو وجيه، وتجشّموا عناءَ المسير كي يدلّوني على الطريق... هاهم رفاقُك في الوظيفة الذين قضيتَ في مصاحبتهم ردحاً من عمرك.. كنتَ وقتئذ تشغل منصب مدير عام.. أي نعم ياأبا الفهد.. مدير عام... نظرتَ إليهم بعيون عقابّية ونظرة حادّة.. أحدٌ منهم لم يُعركَ انتباهاً.. كان يشغلُهم أمرٌ آخر.. أصابَكَ ذهول محيرّ... أنصتَّ إليهم برهافة... كانوا يتهامسون وهم يتعثرون في مشيتهم.. إلا أنّ أذنك المرهفة سمعتْ كلَّ نأمة وهمسة.. كانوا يتجادلون بعنف، ملامحُ وجوههم تفضحُ أسرارهم.. أحدهم يتهجّم.. الآخر يهادن.. الثالث يلوي أذن الرابع ليقولُ له شيئاً لايرغبُ فيه أحد.. اشتدَّ الخلاف بينهم.. كادوا يتشاجرون... من سيخلفُكَ في منصب المدير العام، وهو منصبٌ أنت أعلم به ياأبا الفهد... منصبٌ خطيرٌ وهام.. يقودُ صاحبه إلى الوجاهة والرفاهية وتحقيق الاماني الصغيرة والكبيرة.. ويقلب تفاصيلَ حياته رأساً على عقب.. ساءَكَ جداً ياأبا الفهد.. أن يختلف الناسُ من بعدك... فلجأتَ إلى الصمت المطبق ورحت تفكر....
    رجلٌ يسيرُ في المقدّمة... يرسلُ بين الحين والآخر أصواتاً مترنّمةً شادية.. يطلبُ فيها الرحمة والاستغفارلك.. يقطعُ صلاتهُ ليسأل قزماً يسيرُ إلى جانبه سؤالاً على جانب من الأهمية.. لم يسمعهُ أحدٌ إلاّك.... عجيبٌ أمرُكَ أبا الفهد... لماذا تسمعُ كلَّ.شيء... من أين واتتكَ هذه المقدرة الخارقة.. لقد سمعتهُ يقول: هذا مدير عام.. يجبُ ألاّنقبلَ إلا بأجور تليقُ بمنصبه.. ثم يضغط بكفّه الكبيرةِ على كف القزم المجاور... حاولتَ أن تقول لهما شيئاَ .. خانتك حنجرتك .. تساءلت بمرارة : أين اختفى صوتي ؟؟ اعرضتَ عنهما ، كما حولتَ ناظريك عن مجموعة رفاق الأمس المتخاصِمين... تجولتَ بعينيكَ بعيداً... سيلٌ متدفّقٌ من الرجال يسير وراءَك.. انصبّت عيناك فجأة على ابنكَ الأكبر.. كان مطرقاً حزيناً.. آثار الدموع النديّة تملأ مقلتيه.. حاولتَ أن تقترب منه لتقبلهُ وتمسحَ على شعره وخدّيه.. لم تستطع.. صرخت في أعماقك: ويلكَ ماأعجزكَ ياأبا الفهد... كان قلبكُ يتكسّر إذ تصورتَ أن ابنك سيتركُ حياتهُ الجامعية ليستطيعَ مواجهة حياته المقبلة الصعبة... وخَزَكَ الألم والنّدمُ بقسوة.. تساءَلتَ بمرارة: لماذا لم أترك له ولإخوته مايقيهم شرَّ الدنيا والحياة؟؟!!.. لماذا أنفقتُ كلَّ مالديَّ، وقد كانت جيوبي وخزائني متورّمة تضيق بما فيها!!.. شعرتَ بالندم والاستخذاء، لأنكَ أتلفتَ كلَّ شئ.. لكنك سريعاً ماتسلّحتَ بمبرراتٍ مقنعة.. قلت لنفسك: لم أكن أتوقعُ أن أموتَ قبل الأوان هكذا فجأةً... تبّاً للموتِ ماأقساه.. كان يجب أن يمهلني كي أشبعَ من دنياي، وأتركَ أولادي من بعدي في بحبوحة من أمرهم... لكنك ياأبا الفهد... استراحت خواطرك وأعصابُكَ عندما تذكرتَ وأقنعتَ نفسكَ أن الأعمار والأسعارَ والأموال والقصور بيد الله وحدَه...
    أبعدتَ ناظريكَ عن ابنك البكر.. خفتَ أن تعود إليك خواطر الندم والألم فتجلدك بقسوة من جديد .. راحت عيناك تلوبان بين الأجساد المتدفقة ُ وراءك.. فجأة تسمّرت نظراتك على وجهٍ واضحِ الملامح.. تغطّي وجههُ ابتسامةٌ موزعة بين الحزم والشّماتة.. حاولتَ أن تهرب.. أن تبتعد عنه، خانتكَ عيناك... ظلّتا مسمّرتين بقدرة عجيبة على وجهه.. أيقنتَ أنه يراك، يحدّقُ فيك بشدّة.. يحاصُركَ بعنف.. انخلع قلبُك من مكانه.. شعرتَ بخجلٍ مرير.. خجلِ مَنْ أخذ كثيراً ولم يعط شيئاً.. قرّرت أن تدير له ظهرك.. لم تستطع ياسيادة المدير.. فقدماكَ كانتا مغلولتين.. وجسدُك ملتصقٌ باتقانِ إلى راحلته الغريبة العجيبة التي لاعهد لك بها سابقاً.. وظلّت عيناك معلّقتين به تمتصّان ابتسامته اللاحياديّة... جلدتْكَ نظراتُه... أذابتكَ ابتساماتُه.. لعلّه كان يطالُبكَ بشئ ما... تذكّر جيداً ياأبا الفهد.. لعلَّ الأمرَ كذلك... مسكين ياأبا الفهد، أردتَ أن تصرخ وتقول: ارحمني.. فأنا الآن كما ترى، عاجز، ضعيف، لاأملك شيئاً... لكنك، لم تستطع أن تقول شيئاً... فجأة، واتتكَ شجاعة خبيئة.. وخزتكَ جرأة طفيليّة تطاول جسدُك في الفراغ... سبح فوق رؤوس الناس.. وضعتَ فمكَ على أذنه... همستَ بثقة: لماذا تحدّقُ فيَّ هكذا؟؟.. ألسنا شريكين في كل شئ؟!...
    تراجعتَ بسرعة إلى راحلتِكَ العجيبة.. تقوقعتَ من جديد فوقها.. فإذا بصاحبك ياأبا الفهد، ينفجرُ بضحكات هستيرّية، فرقعت في الفضاء كرعد صاعق.. لكنك لذتَ بالهدوء والصمت، وحمدت ربَّكَ أنّ أحداً من السائرين وراءَكَ لم يسمع شيئاًمن هذا الأنفجار...
    ***
    أيقظكَ ضحك صاحبكَ المتفجّر من تداعياتك البعيدة.. كنتَ تتربّعُ على التراب قربَ حافة القبر.. قفزتَ في مكانك على قدمين متباعدتين، ورحت تنفضُ التراب عن مؤخرتكَ.. أحسستَ أنك أوغلت كثيراً في دهاليز الماضي البعيد.. تذكرتَ قرارَكَ الأخير بالعودة إلى الحياة.. استبدَّ بك الحنين إلى أحبائِكَ وأهلِكَ وأصدقائِك.. نظرتَ خلفك، كان القبر يفتح شدقيه ببلاهة.. أعرضتَ عنه ورحتَ تغذُّ السير باتجاه المدينة.. كانت البشاشة والفرحة تملأان قسمات وجهك، عندما وجدت جسدكَ يدبُّ بين أزقة المدينة وشوارعها.. سرتَ مشدوها، مذهولاً، لم يأبه بكَ أحد.. أنت وحدّك تسير متمهلاً.. الناس من حولك يسيرون مسرعين متأفّفين... تعثرت قدماك كثيراً.. اصطدمت مراراً بالأجساد المتعّجلة.. تكورت على الاسفلت أكثر من مرّة.. لكنك كنت ماتزال فرحاً مسروراً، لأنك بدأت بتحقيق حُلْمِكَ ياأبا الفهد.. كانت عيناك تمسحان كل شئٍ حولك.. بفضول غريب وقفتَ في منتصف الشارع.. لم يتوقف أحدٌ سواك... كلهم ذاهبون ورائحون.. أنتَ وحدك توقفت... حاولتَ أن تقرأ يافطة قماشية عريضة تأكل فضاء الشارع كلَّه.. ازورّت عيناك.. تلجلجت شفتاك.. مسكين ياأبا الفهد.. لكأنك نسيتَ القراءة والكتابة.. لجأتَ إلى التهجئة.. أخيراً قرأتَ بفرح ساذج: أنتم على موعد مع فنان الشعب، ضارب الدربكّة العالمي الشهير حسوان الأسمراني... سُررتَ لأنك حللتَ لغز الكتابة.. لكنك مططتَ شفتيك، وتابعت سيرك متعجباً مما قرأت..
    كنت تمتطي متن الرصيف، وتنحدرُ إلى قاع الشوارع هرباً من الأجساد البشرية المتراصّة.. شئ ماذكرّك بعفونة القبر ولزوجته وصنانه.. غيومٌ سوداءُ حارّة خانقة تخرج من أمعاء السيارات لتحطَّ على رأسك ورؤوس الآخرين.. تساءَلتَ ببلاهة.. لماذا يخفضُ الناس رؤوسهم؟؟ لماذا لايرفعُ المرءُ رأسه وهو يسير؟!! تلمظتَ.. لوّحتَ بيدكَ.. لم تعرف شيئاً...
    قرّرت أن تمضي.. انحدرتَ إلى شارع آخر.. كان مكتظّاً بالمحلاّت التجارية.. عروضٌ مغرية.. ملابسُ أنيقة.. موادٌّ شهيّة.. بضائعُ آسرة... راقت لك تلك المشاهد، وقفت تراقبُ حركة البائعين والناس.. أجسادٌ فتيّة تتلوّى.. ابتسامات تتناثر.. انحناءات جسدّية تُمارسُ برقّة وأناقة، لاعهد لك بمثل هذه الطراوة واللباقة.. شدَّك المشهد أكثر.. اقتربت.. اصطدم رأسّك بواجهة زجاجية لم تكن مرئيّة.. ارتبكتَ كثيراً.. نظر إليك الغلمان من الداخل .... أعرضوا عنك ... رحت تقرأ لوائح الأسعار . لم تفهم شيئاً بادئ الأمر.. تذكّرت أنه قبل أن يطبقَ القبر أحجاره عليك، كنت تخاتل البائع بأرقام سهلة الحفظ واللفظ والقراءة.. أما الآن وبعد أن لفظَكَ القبر من بين شدقيه.. الأمرُ عجيبٌ والأرقام غريبة مخيفةٌ مذهلة... قلتَ لنفسك: لعلني نسيتُ الحساب كما نسيتُ القراءّة.. آه لسذاجتك ياأبا الفهد... أسعدتكَ خواطرُك بأنك لست بحاجة لشراء أي شئٍ من متاع هذه الحياة الدنيا.. طربتَ لهذه المشاعر، ورحت تغذُّ السير تائها من شارع إلى آخر.. حاولتَ أن تستقرئ وجوه الناس، لم تستطع.. التجهّمُ يأكل الملامح... الحيرةُ تمزّق العيون.. الشّفاه تتمتم.. غريبٌ أمرُ الناس!! ماذا يتحدثون؟؟ أيحدّثُ الإنسان نفسه كالمجنون؟!!.. لم ترق لك هذه الظاهرة ياأبا الفهد.. وعندما تأكدتَ منها، انفجرتَ ضاحكاً بعنف.. قلت لنفسك: هذا عالم آخر، هذا عالم الجنون والكآبة.. أنت أيضاً ياأبا الفهد تحدّثُ نفسك دون أن تدري.. اشتقت كثيراً لأن تزور الدائرة الرسمّية.. آهٍ ياأبا الفهد.. لقد كنت في يوم مضى وضمن جدران تلك المؤسسة مديراً عاماً... نعم.. مديراً عاماً.. سرتَ نحوها بخطوات ثابتة واثقة، لاتزال تعرف الطريقَ إليها.. قبل أن تلج البابَ الرئيس.. شددتَ ياقتكَ.. هذّبتَ شعرَ رأسك.. أدخلتَ أزرار معطفكَ في عراها.. تنحنحتَ قليلاً، ودخلتَ بكل كبرياء.. مشيتَ ببطء شديد في ردهات المؤسَّسة.. هذه غرفتي، غرفةُ المدير العام... كانت مغلقة.. طرقتَ البابَ بأدب وكبرياء.. لاأحد في الداخل.. البابُ مُرتج.. تجولتَ في الممرات،دخلتَ إلى غرفة الديوان العام.. كان غاصاً بالناس والموظّفين... بكل أدب واندفاع، أطلقت صوتك: السلام عليكم.. لم يأتك الجواب.. لم يلتفت إليك أحد.. كرّرتَ السلام مثنى وثلاث ورباع.. لم يردَّ عليك أحد.. لم يلتفت إليك أحد، كان الجميعُ غارقين في همسٍ كفحيح الأفاعي، وإشاراتٍ خرسٍ غامضة، وحركات مثيرة.. الأيدي تخترق الجيوب، وتخرج قابضة على مغلّفات منتفخة.. ودروجٌ تفتح، وأخرى تغلقُ بتواتر منتظم.. وبين العيون الزئبقيّة يدور حديثٌ يُغني عن الشّفاهِ والكلمات....
    استدرتَ ياأبا الفهد.. خرجتَ كمن يحبو على قدميه.. باطل الأباطيل ياأبا الفهد.. ألم يعرفك أحد!! كأنك لم تكن في يوم مضى الرأسَ المدبّر والقبضة الفولاذية لهذه المؤسسة..خرجت ، وقد بدأت تشعر بأنّك غريب في مجتمع أكثر غرابة ..
    عندما طرق نعلاك اسفلت الشارع ، وقفت قليلاً .. تنفست الصعداء . اسندت ظهرك إلى جدار قريب . أغمضت عينيك ورحت تفكرّ.. فكرّتَ ملّياً... هززتَ رأسك متأسفاً.. فضحتكَ ذبذبةُ شفتيك... حدثتكَ نفسُك: الأمرُ مختلفٌ جداً.. في زماننا، لم نكن هكذا... صحيحٌ أنّنا... ولكن الأمر الآن مختلفٌ جداً... سحبتَ ظهرك عن الجدار.. شمختَ ياأبا الفهد بجسدك المتكوّر.. انتعلت طريقاً جديدة، وبدأت تسير على غير قصد.. أنصتَ لنداء المعدة الخاوية.. رحتَ تلوبُ بعينيك بحثاً عن زاوية تبتاعُ منها شطيرة تسدُّ بها الرمق.. وقفت أخيراً أمام واجهة زجاجية صغيرة ، مددت رأسك .. أدمت النظر إلى الداخل لم تجد شيئاً مما اعتدت أن تأكله.. لفت انتباهك لائحةٌ معلّقةٌ على الزجاج مكتوبة بخط عريض.. لم تعرف أن تقرأ شيئاً.. قلت لنفسك: هذا عالمٌ آخر...
    ***
    كان التعرّقُ قد أرهق جسدكَ ياأبا الفهد، برذاذه الحار... وسياطُ الصّداعِ بدأت تجلد رأسّك، وتضيّقُ أنفاسك.. أخذ صدرُك يعلو ويهبط بانفعال متوتر.. آلمكَ جداً ألاَّ ترى لروحك وجسدك مكاناً في هذا العالم.. لكم أشتقت لرؤية أحد أحبَّائك.. لرؤية من يعرفُك وتعرفه.. أخفقت.. وجدتَ نفسك غريباً في عالم أكثر غرابة.. تذكرتَ نداءك الحار عندما نهضتَ من قبرك، ودغدغت عينيكَ أشعة فضيّة منعشة.. جلدَكَ الصّداع أكثر.. تمزقت روحُك بين عوامل عدّة أخذت تدور حول نفسك، وتنظر ببلاهة.. لكأنّي بك ياأبا الفهد قد اتخذتَ قراراً سريعاً غامضاً.. أخذتَ تهرول باتّجاهٍ جديد. اتّسعت خطواتك أكثر.. الهرولة تحولت إلى عدوٍ سريع.. مهلاً ياأبا الفهد.. تمهّل.. علّني أستطيعُ اللحاقَ بك.. إنك تعدو بسرعةِ شابٍّ في مستهل عمره.. كان عهدي بك أنك تسير الهوينى... أيّ شئ استبدَّ بك ياأبا الفهد.. أعطني فرصة للّحاق بك أرجوك.. لن أترككَ تذهب بعيداً.. الخطوات تتسع، والجري يتحوّلُ إلى قفز في الهواء.. لم تعد قدماك ياأبا الفهد تلامسان الأرض.. إنهما يسبحان في الفراغ.. ماذا دهاك ياأبا الفهد... لن أتراجع عن اللحاق بك.. خرجتَ إلى العراء... ابتعدتَ عن شوارع المدينة.. ليتني أعرف ماذا تُضمر في نفسك ياأبا الفهد.. اللهاثُ يمزّق صدري وأنا لاحقٌ بك.. إلى أين تقصد.. من بعيد لاحت لي المقبرة تلتمع تحت آخر ضربات أشعةِ الشمس.. عجيب أمرُك ياأبا الفهد... أهو موقفٌ أم اشتياقٌ أم احتجاج.. أم ماذا؟؟!! ليتني أدري ماذا يدور في خلدك وأنت تعدو بسرعة فائقة نحو قبرك.. ألم تتخذ قراراً خطيراً بالعودة إلى الحياة؟.. ألم تشتق روحُك لممارسة الحياة من جديد.. فماذا بدا لك؟؟.. أيُّ شئٍ غيرّ توجهاتك السابقة؟؟
    مهلاً ياأبا الفهد.. هاأنت تقفُ من جديد على حافّة قبرك، وقد استعدتَ كثيراً من هدوء نفسك الجيّاشة، وعادت الفرحة تملأ قسمات وجهك.. لاياأبا الفهد.. لاتفعلها.. قدماكَ بدأتا تغوصان في التراب الرخو اللزج.. وعلى وجهك ارتسمت ملامحُ القناعة والرضا.. لكأني بك كنتَ فريسة مقارنةٍ عجيبةٍ صعبة وانحزتَ إلى عالم الصمت الأبدي... مدهش قرارُك هذا ياأبا الفهد.. ركبتاك غاصتا بسهولة.. بدأ جسدُك يغيبُ رويداً رويداً.. يؤسفني أنني لاأستحقُّ منك إشارةَ وداع.. تلويحة يدٍ.. ابتسامة عينين.. التراب بلغ منك الكتفين.. العنق.. الرأس اختفيتَ تماماً ياأبا الفهد.. وداعاً.. لم تستطع تحمُّل المفارقات العجيبة.. فآثرتَ الاختفاء بصمت.. وسيأتي من يهيلُ التراب سميكاً فوق جسدك، ويدحرج الحجرَ عليك من جديد...



    حالة انتظار

    كان الليل خارج البيت، يغزل أشباح الخوف، ويحوك ألسنةَ الظلام. الرياح تعزف ألحاناً حزينة هامسةً حيناً، عاصفة أحياناً أخرى، فيهتزُّ الفراغ من حول البيت، وكأنه يؤدّي رقصة غجرية مثيرة. تلك الليلة.. كانت الأولى من ليالي عمرها الطويل، التي ضاقت بها نفسها عن كل شئ.
    اعتصرها الخوف والتنبؤ. لقد تأخّر كثيراً. أوغل الليل في جوف الظلمة ولّما يأتِ ابنها بعد. لقد تأخر كثيراً على غير عادة منه. اقتربتْ من النافذة، أنصتت.. فتحتْ درفتها الصغيرة، اشرأبّت بعنقها ووجهها المتوثب. كان كل شئ يدعو للذهول والخوف. الظلمةُ تلفُّ الكون، والجوُّ داخل البيت الصغير باردٌ قاتم، لكأنما هو جزءٌ من مكوّنات الفضاء الواسع.. أحسّت أن قسوة الطبيعة خلف الجدران تطبقُ عليها بفكيّها، وأنّ المدفأة المعدنية الصغيرة، والمصباح الذابل المتدلّي من السقف، لم يستطيعا أن يعزلا البيت الموحش عمّا تحوكه عناصر الطبيعة في الخارج.
    الرياحُ تنبح، ونوافذ البيت العتيق عاجزة عن الصّمود أمام زمجرتها. كانت تصطكُّ، فتصدر أصواتاً غير رتيبة، تعمّق مخاوف الأمّ وهواجسها. بينما كانت خيوطُ الهواء الجليديّة الحادّة، تتدفّق عبر الثقوب والشقوق التي تمتلئ بها أبوابُ البيت المهترئة، ونوافذه المتصدّعة.. والضوءُ الخافت يفشل في توزيع النور إلى جميع أركان البيت المضطرب.. ظلالُ الموجودات التافهة تترنح في فضاء البيت، ملقية بثقلها على كل ماحولها.. لقد تأخّر كثيراً عن موعد عودته.. إنه وحيدُها. تحيا معه ولأجله فحسب..
    شعرت الأم بالبرد يخترق مفاصلها. لاذت بزاوية قريبة من المدفأة، تدثرت ببطانيّة ألقتها فوق كتفيها، تكوّر جسدها واستسلمت لصمت مطبق.. خُيّل إليها أنها تسمع وقع قدميه يطرقان الأرض خارج الجدار. انتصب نصفُ جسدها الأعلى. أرهفتِ السمع. نظرت عبر النافذة بعيني لبوة جريحة، لكنها لم تسمع شيئاً. شعرت بالخيبة والحزن الأليم، وعادت تتكوّر حول أجزائها من جديد..
    منذ سنوات وهذا القلق الممزِّق يراودها كل اسبوع، يريد أن يستلب منها عزيمتها. لكن الليلة، كانت الأولى من نوعها التي يلفّها بها الخوف والهواجس والضَّياع ..نقلتها هواجسها على أشرعةٍ معتمة، قذفتها إلى محطات قديمة مؤلمة. كانت لاتريد أن تتذكرّ، فالذكرياتُ أليمةٌ حادّة، استطاعت فيما مضى أن تتغلّب على ذكرياتها المرّة، لكن الليلة هذه شرسة مضنية، أرغمتها على السقوط في سعير تلك المحطّات.. يومئذ كان ابنها ناصر، سعيداً بأعوامه التي لاتتجاوز أصابع اليدين. لم يستطع الفقرُوالبيت الصغير، أن يحدّا من رفاهيته ودلاله الممنوحين له من والديه. كان يمشي على بساط من الحب والأمل والسعادة. يكبر فيكبرُ معه الأمل.. كان كلَّ شىءٍ في حياة والديه. فجأةً دُقَّ جرسُ الانذار، بل لم يستطع أن يحمل صوته بعيداً. ففي خفقة غير منتظرة، سقط الأب ضحية سكتة قلبيّة مفاجئة، كانت أقرب إلى الومضة الزمنيّة الخاطفة، فخلّفت في قلب الأم انكساراً قاتلاً، وفي عيني طفلها ألماً وذهولاً عميقين.. أليمةٌ جداً تلك المحطّات. لم تكن ترغب في العودة إليها، إلاّ أنها سقطت في متاهاتها على الرغم منها، وراحت تغوصُ في أوحالها..
    كانت ترجو أن تتخلص مع زوجها وابنها من الفقر. لم تكن العربة المتجولة، بما تحمل من بضائع تافهة وغير تافهة، لتستطيع أن تخلّص العائلة الصغيرة من الفقر، بل الجوع أحياناً.. ألّحت عليه أكثر من مرة، أن يسافر خارج الوطن ليعمل هناك، عندئذ يعود بمالٍ وفرٍ، فيغيرّ مسيرة حياتهم الراكدة. لكنه رفض. ألّحت كثيراً، وازداد الرفض. تخاصما مراراً. قال: لن أبرح وطني لأصبح غريباً. قالت له: لكننا فقراء، والفقر في الوطن غربة.
    اجابها بهدوء: كذلك الغنى في الغربة فقر مدقع.
    مريرة تلك المحطات. آه كم كان شامخاً. محباً. عنيداً. تجادلا بحدّة، اختلفا في الرأي كثيراً. لكن الحب كان يجمعهما كل مساء. خرج من البيت منفعلاً مراتٍ كثيرة، لكنه في كل مرة كان يعود والبسمة تزيّن شفتيه، وتكحّل عينيه، فتستقبله بروحٍ نديّةٍ وقلبٍ موّار بالحب والاعجاب. عجيبٌ أن يظل الحب صامداً منتشياً في عتمة الفقر المتجهّم. هذه البطانيّة المهترئة جمعت جسديهما في ليالي البرد الشديد، عندما كانت المدفأة تضنّ بالحرارة الكافية. إلى جانب هذه المدفأة ، وفي هذا الركن من البيت، تبادلا الأحاديث والشجون
    مُشاطرة هذه المقالة على: Excite BookmarksDiggRedditDel.icio.usGoogleLiveSlashdotNetscapeTechnoratiStumbleUponNewsvineFurlYahooSmarking


      الوقت/التاريخ الآن هو الإثنين مايو 29, 2017 12:19 am