منتدي جمال عزوز

أهلا بكم في المنتدى
منتدي جمال عزوز

منتدي الادب والفنون والكتابات النثرية والقصة القصيرة

المواضيع الأخيرة

» من كتاب الشخصية6
الإثنين ديسمبر 09, 2013 5:48 pm من طرف Admin

» من كتاب الشخصية5
الإثنين ديسمبر 09, 2013 5:46 pm من طرف Admin

» من كتاب الشخصية4
الإثنين ديسمبر 09, 2013 5:45 pm من طرف Admin

» من كتاب الشخصية3
الإثنين ديسمبر 09, 2013 5:44 pm من طرف Admin

» من كتاب الشخصية2
الإثنين ديسمبر 09, 2013 5:42 pm من طرف Admin

» من كتاب الشخصية
الإثنين ديسمبر 09, 2013 5:41 pm من طرف Admin

» نموذج من بناء الشخصية
الإثنين ديسمبر 09, 2013 5:39 pm من طرف Admin

» كيف تنشأ الرواية أو المسرحية؟
الإثنين ديسمبر 09, 2013 5:38 pm من طرف Admin

» رواية جديدة
الإثنين ديسمبر 09, 2013 5:26 pm من طرف Admin

التبادل الاعلاني

احداث منتدى مجاني

فبراير 2017

الإثنينالثلاثاءالأربعاءالخميسالجمعةالسبتالأحد
  12345
6789101112
13141516171819
20212223242526
2728     

اليومية اليومية

تصويت

تدفق ال RSS


Yahoo! 
MSN 
AOL 
Netvibes 
Bloglines 

احصائيات

أعضاؤنا قدموا 254 مساهمة في هذا المنتدى في 142 موضوع

هذا المنتدى يتوفر على 35 عُضو.

آخر عُضو مُسجل هو sansharw فمرحباً به.


    ارض البرتقال الحزين1

    شاطر

    Admin
    Admin

    عدد المساهمات : 150
    نقاط : 444
    السٌّمعَة : 0
    تاريخ التسجيل : 30/10/2009
    العمر : 43

    ارض البرتقال الحزين1

    مُساهمة  Admin في الإثنين ديسمبر 14, 2009 9:14 pm

    أرض البرتقال الحزين

    إلى من استشهد في سبيل أرض البرتقال الحزين...
    وإلى من لم يستشهد بعد..

    غسان كنفاني



    أبعد من الحدود

    صعد الرجل الهام الدرجات القليلة إلى بيته، فتح له الباب، ألقى محفظته الجلدية فوق الطاولة، قبل زوجته، نظر إلى طفله النائم في الحرير الأزرق، فك رباط عنقه، ساعده الخادم على خلع حذائه، أخذت زوجته المعطف، علقته على المشجب، فرك يديه مستمتعاً بالدفء..
    - أتريد أن تتناول عشاءك الآن؟
    - أوه نعم، أنا جائع جداً..
    استدارت زوجته ذاهبة إلى خارج الغرفة، رغرغ الصغير في حريره الأزرق، أصوات الصحون تأتي إليه مخدرة من وراء باب غرفة الطعام، ثم صوت زوجته:
    - هل مسكتموه؟
    - من؟
    - الشاب الذي قفز من النافذة أثناء التحقيق..
    - ليس بعد ولكن أين يريد أن يفر؟ سيكون مآله إلينا بين ساعة وأخرى..
    - ماذا كانت جريمته بالضبط؟
    - من أين لي أن أدري؟ لقد طلب مقابلتي ثم هرب..
    قام عن الكرسي الوثير، انتعل شحاطته ذات الفرو، اجتاز الباب إلى غرفة الطعام، جلس في كرسيه المفضل، قرّب وجهه من صحن الحساء واستمتع بالبخار المتصاعد منه..
    - هذا الحساء ساخن جداً، سيحرقني.
    - عليك أن تنتظر برهة..
    - أنا مرهق جداً اليوم
    تراخى في كرسيه وأحس بثقل يتمدد في جفنيه، سمع صوت شباك ينغلق بعنف، زوجته تنسى دائماً شباك الحمام مفتوحاً فتلعب به الريح.. أحس برغبة جامحة في النوم.. كيف استطاع ذلك الشقي أن يثب من الشباك دون بأن يؤذي نفسه؟ كلهم شياطين مجرمون..
    - "سوف ألقي خطاباً أمامك"
    سمع هذه الجمالة بوضوح فحاول أن يرفع رأسه، إلا أنه كان مستمتعاً بالدفء والنعاس، سأل نفسه: تراه من يكون؟
    - "الشاب الذي هرب من النافذة، عاد من النافذة يا سيدي!"
    ومرة أخرى لم يشأ أن يرفع رأسه رغم أنه أحس بشيء من الرعب.. كان بخار الحساء ما زال يتصاعد فيحمل إلى وجهه نكهة رطوبة دافئة، قال لنفسه "لا شك أنهم أمسكوا ذلك الشاب.. أنا أفكر به الآن لأن حاستي السادسة نامية، أنا أثق بها"..
    - لن تقاطعني يا سيدي، أليس كذلك؟ أريد أن ألقي خطاباً"
    - " لا، لن أقاطعغك"
    لم يعد بوسعه، الآن، بأن يفتح عينيه ورغم ذلك فهو لم ينم بعد.. إنها اللحظات القليلة العائمة التي تسبق النوم مباشرة، هكذا فكر، إنه يعرف جيداً هذه اللحظات، ويمتصها، نصف واع، حتى الثمالة..
    - " اسمح لي يا سيدي أن أرتجف أمامك ريثما يبرد الحساء، أنت لن تمنعني من الارتجاف، أليس كذلك؟ إنه حق ما زال متوفراً لي حتى الآن.. شيء مؤسف ولكنه حقيقة واقعة.. إن رجالك لا يستطيعون أن يمنعوني من ذلك، أعتقد أنهم يرغبون في ذلك.. أليس الارتجاف حركة؟ ولكن كيف يتعين عليهم أن يفعلوا؟ أيعطوني معطفاً؟ كيف، يعطون الخنزير معطفاً؟"
    هز رأسه في محاولة عنيفة لإبعاد الصوت الحاد إلا أن الحروف كانت تتكلب في صدغيه كالعلق..
    - "لا يا سيدي/ لا تحاول أن تستدعي كاتبك ليحمل لك الملف الذي يحتوي على كل التفاصيل الهامة وغير الهامة لحياتي.. تريد أن تعرف شيئاً عني؟ هل يهمك ذلك؟ أحسب على أصابعك إذن: لي أم ماتت تحت أنقاض بيت بناه لها أبي في صفد، أبي يقيم في قطر آخر وليس بوسعي الالتحاق به ولا رؤيته ولا زيارته، لي أخ، يا سيدي، يتعلم الذل في مدارس الوكالة، لي أخت تزوجت في قطر ثالث وليس بوسعها أن تراني أو ترى والدي، لي أخ آخر، يا سيدي، في مكان ما لم يتيسر لي أن أهتدي إليه بعد.. تريد أن تعرف جريمتي؟ هل يهمك حقاً أن تعرف أم أنت فضولي بريء يا سيدي؟ لقد سكبت دون أن أعي، كل محتويات وعاء الحليب فوق رأس موظف وقلت له أنني لا أريد بيع وطني.. في لحظة جنون أم لحظة عقل، لا أدري .. لقد وضعوني في زنزانة سحيقة العمق لكي أقول أنها لحظة جنون.. ولكنني، في تلك الزنزانة، تيقنت أكثر من أية لحظة مضت بأنها كانت لحظة العقل الوحيدة في حياتي كلها..
    هذا صوت أسناني تصطك من شدة البرد يا سيدي، لا تخف أنا لا أحمل سلاحاً إذا كنت تعتقد أن أسناني ليست سلاحاً، إن ساقي عاريتان ممزقتان لأنني قفزت من نافذتك، وقد خطرت لبالي فكرة صغيرة وأنا أمعن في الركض مبتعداً عن غرفتك وحرسك وهي أن هذا الدم الذي سال من ساقيّ قد تفجر من جروح هي أول جروحي، وإن ذلك، للعجب، لا يحدث على الحدود. ولا أريد أن أخفي عنك شيئاً، يا سيدي.. لقد بعث ذلك في شيئاً يشبه الخجل ولكنه كان خجلاً حزيناً بائساً ما لبث أن صار دمعاً..ويبدو أن ذلك الخجل هو الذي دفعني لأعود إليك من النافذة، أم تراني عدت لأن كلما تك الأخيرة، التي سمعتها وأنا أثب من النافذة وكانت آخر ما سمعت منك، ما تزال تنخر في رأسي كالمثقب: كلمة ناشفة انهمرت ورائي وأنا أقفز: "الخنزير.. امسكوه"!
    يا سيدي، أنا إذن خنزير حقير.. أتسمح لي أن أكونه؟
    أنا لست أشعر ذلك إذا أردت الصدق.. ولكن لو قلت الصدق هذا، بصوت أعلى، إذن لزجوا بي في السجن. وإذا أغلقوا وراء ظهري المزلاج فمن يستطيع أن يفتحه؟ أنت؟ ولا حتى من هو أعلى منك قيمة ومركزاً.! أتعرف لماذا يا سيدي؟ لأنني، في الواقع، لست إلا تجارة من نوع نادر، فأنت ستسأل نفسك إذا قدر لك أن تسمع بالخبر: ".. وماذا سأستفيد من إطلاقه؟" والجواب بكل بساطة: "لا شيء!" فأنا لست صوتاً انتخابياً، وأنا لست مواطناً، بأي شكل من الأشكال، وأنا لست منحدراً من صلب دولة تسأل بين الفينة والأخرى عن أخبار رعاياها.. وأنا ممنوع من حق الاحتجاج، ومن حق الصراخ فماذا ستربح؟ لا شيء.. وماذا ستخسر إذا بقيت أنا وراء المزلاج؟ لا شيء أيضاً! إذن لماذا التفكير الطويل؟ "خذ هذه الأوراق يا ولد ولا تزعجني بمثلها مرة أخرى!" أرأيت؟ مشكلة لا أبسط ولا أسهل!
    لقد فكرت في الأمر مطولاً في المدة الأخيرة يا سيدي.. أنت تعرف، لا بد، أن الواحد منا ما زال يستطيع أن يفكر بين الفينة والأخرى.. لقد كنت ماشياً في الشارع وفجأة سقطت الفكرة في رأسي كلوح زجاج كبير ما لبث أن تكسّر وأحسست بشظاياه تتناثر في جسدي من الداخل.. قلت لنفسي: " أوف.. ثم ماذا؟" وأنت ترى، إنه مجرد سؤال صغير، يمكن للمرء أن يطرحه ولو بعد خمسة عشر سنة.. ولكن العجيب هذه المرة أن السؤال كان صلباً وناشفاً وأكاد أقول نهائياً.. إذ أنه، فور أن سقط في رأسي، انفتح خندق مظلم طويل بلا نهاية.. وقلت لنفسي: " لا بد أن أكون موجوداً رغم كل شيء.. لقد حاولوا أن يذوبوني كقطعة سكر في فنجان شاي ساخن.. وبذلوا..، يشهد الله، جهداً عجيباً من أجل ذلك.. ولكنني ما أزال موجوداً رغم كل شيء..ت" إلا أن السؤال كان ما يزال يعوي: "ثم ماذا؟" هذا النوع من الأسئلة با سيدي عجيب للغاية، ذلك أنه إذا ما أتى لن يكون بوسعه أن يبرح قبل أن يروي ظمأه تماماً!
    نعم، ثم ماذ؟ دعني أقول همساً: يبدو أن ليس ثمة "ثم ماذا" دعني أقول ذلك، ثم قولوا عني أنني يائس جبان هارب.. قولوا عني حتى إنني خائن! ليس بوسعي أن أكتم الجواب أكثر.. إن الحقيقة يا سيدي مروعة، وهي تملؤني بغزارة حتى لأحس بأنني، ذات يوم، قد أنفجر من فرط ما عبأتني.. أتسمع يا سيدي؟ ليس ثمة "ثم ماذا" على الإطلاق.. وتبدو لي حياتي، حياتنا كلنا، خطاً مستقيماً يسير بهدوء وذلة إلى جانب خط قضيتي.. ولكن الخطين متوازيان، ولن يلتقيا..
    يا سيدي!
    إن كنت أنا قد جمعت طوال فترة قاسية شجاعة خارقة لأقرر هذه الحقيقة، فإن الشرف كله ليس لي، أنا لي شرف القول فقط وأنتم تحتفظون بكل شرف التأليف.. ألست ترى أنكم أنتم الذين أعددتموني ساعة إثر ساعة ويوماً إثر يوم وعاماً إثر عام لهذه النتيجة؟
    لقد حاولتم تذويبي يا سيدي؟ حاولتم ذلك بجهد متواصل لا يكل ولا يمل يا سيدي. هل أكون مغروراً فأقول بأنكم لم تفلحوا؟ بلى! أفلحتم إلى حد بعيد وخارق، ألست ترى أنكم استطعتم نقلي، بقدرة قادرة، من إنسان إلى حالة؟ أنا إذن حالة.. لست أعلى من ذلك قط، وقد أكون أدنى.. ولأنني حالة، أننا حالة، فنحن نستوي بشكل مذهل! إنه عمل رائع يا سيدي، عمل رائع جداً رغم أنه احتاج إلى فترة طويلة، ولكن يا سيدي، إن تذويب مليون إنسان معاً، ثم جعلهم شيئاً واحداً ليس عملاً سهلاً، ولذلك أعتقد أنك تسمح له إن احتاج ذلك الوقت الطويل.. لقد افقدتم أولئك المليون صفاتهم الفردية المميزة.. ولستم في حاجة، الآن، إلى تمييز وتصنيف، أنتم أمام حالة.. فإذا خطر لكم أن تسموها لصوصية، فإنهم لصوص.. خيانة؟ كلهم، إذن خونة! فلماذا الإرهاق والتعب والنظرات البشرية المعقدة؟
    سيدي.. لا تتعجل على فهمي البيطيء، أنا أريد أن أقول أيضاً إنهم من ناحية أخرى، "حالة تجارية".. إنهم، أولاً، قيمة سياحية، فكل زائر يجب أن يذهب إلى المخيمات، وعلى اللاجئين أن يقفوا بالصف وأن يطلقوا وجوههم بكل الأسى الممكن، زيادة على الأصل، فيمر عليهم السائح ويلتقط الصور، ويحزن قليلاً.. ثم يذهب إلى بلده ويقول: "زوروا مخيمات الفلسطينيين قبل أن ينقرضوا" ثم إنهم، ثانياً، قيمة زعامية، فهم مادة الخطابات الوطنية واللفتات الإنسانية والمزايدات الشعبية.. وأنت ترى، يا سيدي، لقد أصبحوا مؤسسة من مؤسسات الحياة السياسية التي تدر الربح يميناً ويساراً!
    سيدي، ليس هناك أي "ثم"! هذه حقيقة مروعة، ولكنها حقيقة على أية حال.. لقد تقولب دوري في الحياة بشكل حاسم، أنا كفرد/ مجرد خنزير، وأنا، كجماعة، حالة ذات قيمة تجارية وسياحية وسياحية وزعامية.. لقد فكرت طويلاً قبل أن أصرح بهذا الاكتشاف، وأنا أعرف بأن المنابر ستمتلئ بمن يقول: هذا خائن جبان متخاذل هارب، لا بأس، لن ينالني العار أكثر مما نالني، وبعد خمسة عشر عاماً لا بأس أن تكونوا زعماء الإخلاص ورجال المعركة والأبطال الصناديد الذين لا ييأسون ولا يهربون..
    سيدي! إن مؤسستنا تقدم خدمات أخرى لا يحصيها العد... نحن مثلاً أكثر جماعة ملائمة من أجل أن تكون مادة درس للبقية.. الأحوال السياسية مستعصية صعبة؟ إذن، اضرب المخيمات! اسجن بعض اللاجئين، بل كلهم إن استطعت! أعط مواطنيك درساً قاسياً دون أن تؤذيهم.. ولماذا تؤذيهم إذا كان لديك جماعة مخصصة تستطيع أن تجري تجاربك في ساحاتها؟ أريد أن ألفت نظرك يا سيدي إلى أمور كثيرة أخرى، أنت تستطيع أن تؤكد ولاء مواطنيك عن طريق الإدعاء بان المتذمرين إنما هم بعض الفلسطينيين، وإذا فشل مشروع من مشاريعك فقل أن الفلسطينيين سبب ذلك الفشل، كيف؟ أنه أمر لا يحتاج إلى تفكير طويل، قل إنهم مروا من هناك مثلاً.. أو أنهم رغبوا في المشاركة.. أو أي شيء آخر، إذ ما من أحد سينبري لمحاسبتك.. ولماذا ينبري؟ من يملك، بعد خمسة عشر عاماً، جرأة التطويح بنفسه في القضاء دون هدف؟
    يا سيدي، أنت ترى، نحن رحمة أحياناً.. أنت تستطيع أن تشنق واحداً منا فتربي بجسده الميت ألفاً من الناس دون أن تحمل هماً أو خوفاً أو تأنيب ضمير.. إلا أننا يا سيدي، نقمة في كثير من الأحيان، نحن لصوص، نحن خونة، نحن بعنا أرضنا للعدو.. ونحن طماعون، طماعون نريد أن نمتص كل شيء هنا، حتى التراب..
    هذا هو الدور الذي رسم لنا.. وعلينا أن نقوم به شئنا أم أبينا.. ولكن، يا سيدي، هنالك مشكلة بسيطة تؤرقني واشعر أن لا بد لي من قولها.. إن كثيراً من الناس، إذا ما شعر أنه يشغل حيزاً في المكان، يبدأ بالتساؤل، "ثم ماذ1ا" وأبشع ما في الأمر أنه لو اكتشف بأن ليس له حق "ثم" أبداً.. يصاب بشيء يشبه الجنون، فيقول لنفسه بصوت منخفض: "أية حياة هذه!. الموت أفضل منها"والصراخ، يا سيدي عدوى، فإذا الجميع يصرخ دفعة واحدة: "أية حياة هذه!.
    الموت أفضل منها" ولأن الناس عادة لا يحبون الموت كثيراً فلا بد أن يفكروا بأمر آخر.
    سيدي..
    أخشى أن يكون حساؤك قد برد فاسمح لي أن أنصرف!"

    1962
















    الأفق وراء البوابة


    -1-
    قبل أن يصل إلى رأس السلم وقف ليلتقط أنفاسه.. لا، لا يمكن أن يكون مرهقا إلى هذا الحد.. إنه يعرف جيداً أنه ليس مرهقاً أبداً.. لقد أنزلته السيارة على باب الفندق، ثم إنه لا يحمل سوى سلة صغيرة والسلم لم يكن طويلاً كما تصور..
    ولكن هذه الدرجات الثلاث الأخيرة هي التي تحطمه دائماً وتذوّب ركبتيه وتهدم إصراره..
    وضع السلة على السلم واتكأ بكتفه إلى الحائط.. هل يعود أدراجه؟ بدا له السؤال عجيباً ولكنه لم يستطع أن يتخلص منه، كان يدق في رأسه كالناقوس.. هل أعود؟ وفي دوامة التردد الذي أخذت تطوّف في عروقه تذكر فجأة أنه كان قد وقف نفس هذه الوقفة قبل عامين وسأل نفسه ذات السؤال، وبعد لحظة واحدة كرّ عائداً إلى السيارة، ثم غادر القدس.. هل يعود أدراجه الآن مرة أخرى؟ مدّ كفه إلى السلة فقبض على ذراعها بعنف واندفع إلى فوق كأنه يقتلع نفسه اقتلاعاً من بحيرة طين..
    لا! هذه المرة لن أعود! إنه من العار أن أكون جباناً إلى هذا الحد.. لقد حملت على كتفيّ قدراً قميئاً ثقيلاً طيلة عشر سنوات طويلة.. وعليّ الآن أن أغسله في ظل بوابة مندلبوم، التي ترتفع فاصلاً من حجارة بين الأرض المحتلة والأرض الباقية..
    لا، هذه المرة لن أعود.. يجب أن أضع حداً للكذب الطويل الذي مارسته مختاراً أو مرغماً، لست أدري، طوال عشر سنوات..
    حين وصل قبل عامين إلى القدس كان قد عقد عزمه على أن يقابل أمه ويقول لها كل شيء.. ولكنه في لحظة وقوفه على سلم الفندق شعر أنه لن يستطيع أن يمسح الكذب الطويل الذي ساقه على أمه عندما كان يراسل الإذاعة قائلاً: "أنا ودلال بخير، طمنونا عنكم.." لقد نمت الكذبة طيلة هذه السنوات العشر نمواً فظاً حتى انه لم يجد مبرراً ليقول هذه الحقيقة مرة واحدة حاسمة وقاسية وربما قاتلة أيضاً.. ولذلك فضل يومها أن يكف عن صعود السلم، وكرّ عائداً إلى السيارة.. وما من شك في أن أمه قد قضت طيلة ذلك الصباح واقفة في حلق البوابة تتطاول بعنقها باجثة بين الجموع. وما من شك في أنها أصيبت بخيبة أمل مريرة وفاجعة.. ولكن ذلك كله يبقى أسهل بكثير من أن يقف أمامها، هناك، بعد عشر سنوات، ليقول لها الحقيقة القاتلة..
    استلقى في سريره وصالب ذراعيه تحت رأسه.. كانت العتمة قد بدأت تبسط كفها فوق المدينة النائمة ولم يكن ثمة في الغرفة إلا فكرة واحدة حاسمة: لا بد من الذهاب غداً إلى مندلبوم.!
    وغداً سوف تلوّح له بكفها المعروقة وسوف تندفع إليه بشعرها الأشيب ووجهها العجوز المبتل بالدموع، سوف تنهمر فوق صدره
    وترجف كما يرجف طير صغير على وشك أن يموت، سوف تمرغ رأسها المكدود على وجهه دون أن تجد الكلمة التي تستطيع أن تشحنها بحبها المخذول فماذا عساه يقول لها وهي تخفق فوق صدره كالقلب الذي يخفق في صدره؟ من أين يتوجب عليه أن يبدأ؟
    تقلب في فراشه وخيل إليه أنه يسمع وجيب قلبه يضرب في جسده كله كالوتر المشدود، سوف يبدأ من البدء، منذ أن غادر يافا إلى عكا ليرى الفتاة التي كانت أمه تزمع أن تخطبها له: إنه يذكر تلك اللحظة بكل دقائقها، كيف وقفت أمه على السلم تدعو له بالخير والتوفيق، وكانت خالته تقف إلى جانبها تشير له مطمئنة، هو يعرف أنها ستلازمها طيلة فترة غيابه، وكان يشد على ذراع أخته دلال التي رغبت في مرافقته، فتاة غضة في العاشرة من عمرها تغادر الدار مع أخيها لأول مرة في حياتها.
    ولكن الأمور جرت على غير ما اشتهى وغير ما اشتهت فبعد أن غادر يافا بأيام قليلة انقطع الطريق واستحالت العودة، لقد عانى كثيراً من القلق في تلك الأيام السوداء التي أمضاها بعيداً عن أمه، ليس بسببه هو ولكن بسبب دلال التي تعني لأمه كل شيء في البيت، هي التي تعطي العجوز نكهة الحياة حين يكون الموت في الجوار، وهي التي تعني الحياة كلها حين تعني الأشياء كلها الموت.
    لا.. هذا القسم من القصة لم يهم بأية حالة، إنها تريد بلا شك أن تعرف أموراً أكثر غموضاً من هذا الجزء من القصة.
    ومرة أخرى تقلب في فراشه محتاراً، كانت الغرفة تنوس بضوء شاحب مريض، وكانت السلة الصغيرة تتكئ على الجدار مثل شيء حي، لماذا لا يبدأ بالقصة من نهايتها؟ لماذا لا يحكي لها كيف دخل عكا وكيف جرت الأمور بعد ذلك؟
    كان في الغرفة حين تفجرت جهم في وجهه.. ارتد مع من ارتد حين بد الظلام يطوي عكا، قاءت بندقيته القصيرة كل ما في جوفها ثم تحولت إلى عصا، مجرد عصا ناشفة لا تصلح لشيء، ذهب إلى غرفته وعانق دلال، كانت تبكي في ظل الرعب الذي خيّم فوق المدينة، وقبل أن يعي، كانت الأكتاف قد انهدت فوق الباب، وانفتح رشاش ثرثار فزرع في الغرفة رصاصاً كالمطر، ثم انكشف الدخان عن أربعة رجال يسدون أمام عينيه باب الغرفة الخشبي، ولكنه لم يتحرك، كانت دلال ترتعش في دمها بالخفقات الأخيرة من أنفاسها، وعندما شدها إلى صدره كأنه يريد أن يسكب فيها قلبه ودمه، حدّقت إليه ثم رفعت حاجبيها لتقول شيئاً ولكن الموت سد الطريق أمام الكلمة.
    هل بكى؟ إنه لا يذكر شيئاً الآن، كل الذي يذكره أنه حمل أخته القتيل بين ذراعيه وانطلق إلى الطريق يرفعها أمام عيون المارة ليستجدي دموعهم كما لو أن دموعه وحدها لا تكفي، ليس يدري متى تيسر للناس أن ينتزعوا الجسد الميت من بين ذراعيه، ولكنه يعرف أنه حين فقد أخته الميتة، حين ضيع جسدها البارد المتصلب، أحسّ بأنه فقد كل شيء: أرضه وأهله وأمله، ولم يعد يهمه أن يفقد حياته ذاتها، ومن هنا مضى يضرب في الجبال، تاركاً أرضه، هارباً من القدر الذي لاحقه كالسوط.
    لو قال ذلك يكله لانمحت الأكذوبة الكبرى التي بناها في عشر سنوات، ستصير أمه في تلك اللحظة تعرف أن دلال قد ماتت، منذ عشر سنوات وان ابنها قد كذب طويلاً حين دأب على تكرار تلك الجملة الباردة عبر أسلاك الإذاعة: "أنا ودلال بخير طمنونا عنكم".
    نهض إلى النافذة ففتح الستائر القائمة وأخذ يحدق إلى الطريق.. يجب أن يحررها من الكذبة ويحرر نفسه من القدر الأسود الذي حمله وحيداً، يجب أن يقول لها أن دلال مدفونة هناك، وأن قبرها الصغير لا يجد من يضع عليه باقة زهر في كل عيد، وأنها، أمها، على بعد أشبار من قبر عزيز لا يتيسر لها أن تزوره.
    كان اللقاء في ظل البوابة الكبيرة باكراً صباح اليوم التالي، لم ير علي أمع فيما كان يتفرس بالوجوه، خالته فقط كانت هناك، لم يعرفها بادئ الأمر، لكنها عرفته واستطاعت أن تدله على مكانها بين الجموع، وفي غمرة اللقاء سألته السؤال الذي أتى خصيصاً ليجيب عليه:
    - أين دلال؟
    وفي العينين الصغيرتين المترقبتين ذاب كل الإصرار الذي حمله معه، كأن قوة حفية تمسكت بحلقه وأخذت تهزه بلا هوادة:
    - ولكنك لم تقولي لي أين أمي
    وتلاقت العيون مرة أخرى، نقل عليّ السلة من يد إلى أخرى وحاول أن يقول شيئاً، ولكن حلقه كان مسدوداً بغصة فوق ذراعه، وأتاه صوتها مشحوناً بأسى لا يصدق:
    - أين دلال
    - دلال
    ومرة أخرى أحس بالضعف يأكل ركبتيه وبدا كأنه يدفع عن نفسه إحساساً بالإغماء، رفع يده ومد السلّ1ة باتجاه خالته:
    - خذي هذه السلة لأمي، فيها بعض اللوز الأخضر..
    ولم يستطع أن يكمل، كانت نظرة فاجعة قد انسكبت من عينيّ المرأة العجوز، وبدأت شفتها ترتجف، نظر وراء كتفها وأكمل بوهن:
    - .. كانت تحبه.
    وفي فترة الصمت الواسعة التي انفتحت بينهما كألف قبر أحس برغبة هائلة تدفع به إلى الفرار وكانت خالته تدوّر أصابعها في الحقيبة الصغيرة التي وضعت فيها رداء دلال الأخضر، كان إحساس مباشر يصل بين صدريهما، هي واقفة هناك تأتلق عيناها بدمع صامت وهو يحس النصل اللامع يجرح حلقه، مد يده ورفع إليه وجهها ثم انتشل نفسه بسؤال خافت:
    - كيف تركت يافا؟
    حاولت خالته أن تقول شيئاً ولكنها لم تستطع، تزاحمت سيول من الكلمات في حنجرتها فسكتت وابتسمت ابتسامة باهتة لا معنى لها، ثم مدت يدها الراجفة تمسخ على كتفه بحنو كسيح فيما أخذ هو ينظر بهدوء إلى الأفق الذي يقع خلف بوابة مندلبوم.

    الكويت -1958















    السلاح المحرم

    -1-
    بدأت القصة كما يلي: كان أبو علي عائداً إلى داره، لقد أقفل دكانه قبل المغيب بسبب توعكه وأراد أن يذهب إلى البيت فيستريح على الكرسي الصغير أمام الباب قبل أن يتناول عشاءه ويأوي على الفراش، ليس يدري سبباً لتلك الوعكة، ربما كان الغداء الذي حمله معه في الصباح بعد أن وضعته ام علي في طاسة نحاسية كبيرة قد فسد، لأنه من طبخ أمس، ربما كان الطقس الذي يتباين بين ساعة وأخرى هو السبب، وعلى أي حال فضل أبو علي أن لا يبقى في الدكان، وإذا كان لا بد من حدوث أي حادث، لا سمح الله، فليكن إذن بين الأهل، بين ذراعي أم علي، وعلى مرأى من علي.
    هذا هو السبب الذي جعله يمر بساحة القرية في ذلك الوقت بالذات، ولو لم يصبه التوعك إذن لما كان مر من هناك، وإذن لما حدثت القصة كلها..
    على بعد خطوات منه في الطرف الآخر للساحة المبلطة، كان بعض شباب القرية ورجالها يلتفون حول شيء ما بصورة دائرية ملتحمة، لقد حاول أبو علي أن يخمن الحقيقة من مكانه، إلا أنه لم يفلح، لو كان الأمر عادياً إذن لما وقف عبد الله إلى جانب فاروق، فإنهما يكرهان بعضهما كراهية مقيمة، لا بد إذن أن يكون الأمر خطيراً، وهنا أيضاً، لو لم يسيطر عليه الفضول، لما حدثت القصة كلها، ولكنه غير اتجاهه وسار، رغم توعكه، إلى حلقة الرجال يستطلع الخبر، وقبل أن يصل إليها تماماً شاهد، من بين الأكتاف المتمايلة، سيارة جيب يقف إلى جانبها جندي أجنبي بلباس الميدان الكاملة معلقاً على كتفه بندقية جديدة.
    وتذكر أن هذا الجندي كان قد أتى مراراً على القرية بغية أن يقيم فيها، إلا أن أهل القرية كانوا يرفضونه دائماً، ليس لشيء آخر إلا لأنه كان يحمل معه سلاحه، وكان أهل القرية يقولون أن السلاح بيد الإنسان إغراء للقتل، ومن الذي يستطيع أن يضمن هذا الجندي فلا يطلق الرصاص يجب أن لا يطلق على الناس، الرصاص يجب أن يطلق على الضباع، كانت هذه هي الفكرة التي قادته إلى الحلقة، وفي تلك اللحظة بالذات فهم كل شيء، ورغم ذلك، فقد بادر أقرب الناس إليه بالسؤال كأنه يريد أن يبرر انضمامه إلى الحلقة:
    - ماذا يحدث هنا؟
    قال الرجل الواقف إلى جانبه:
    - لقد ذهب الضابط إلى بيت المختار وبقي الجندي واقفاً هنا.
    - - إذن لقد حضر الضابط معه؟
    - نعم، ذهب يتحدث إلى المختار.. عله يقبل هذه المرة..
    - وأنتم؟
    - الرجال يريدون خطف بندقيته.
    اندس في الصف الرابع فوسع له الرجال موطئ قدميه، إلا أنه خطا إلى الأمام ودافع الرجال بكتفيه وكفيه حتى صارفي الصف الأمامي، وصار الجندي أمامه مباشرة على بعد ثلاثة أو أربعة أمتار، ومن مكانه ذاك استطاع أن يقيس البندقية إنها من طراز حديث، مشطها يتسع لثماني طلقات، وتبدو جديدة لا مجروحة ولا صدئة، وقال في نفسه أن ثمنها لا بد وان يكون فوق المئة جنيه.
    قال للرجل الواقف إلى جانبه:
    - من الذي يريد خطفها؟
    لم يقرر أحد بعد، انظر إلى عينيه الزرقاوبن كيف تغزلان، إنه ملعون حذر ككلب الصيد.
    فكر أبو علي قليلاً ثم قر قراره فجأة. لقد هبط العزم هبوطاً داوياً في رأسه فنسي وعكته وتذكر شيئاً واحداً فحسب، هو أن الجندي المسلح يجب أن لا يبقى هنا، وإذا ما خطفت البندقية منه، فلا بأس أن يبقى، لأنه، عند ذاك، لن يختلف عن البقية ولن يكون ذا ضرر قط.. إذن، يجب أن تخطف البندقية، لقد كان القرار نهائياً..
    ولكن الأمر لم يكن سهلاً، صحيح أن السكين الطويلة غير مثبتة في ماسورة البندقية إلا أنها تتأرجح هناك على حزام الجندي وإذا أراد أن يصل إليها فإنه لا يحتاج إلى وقت طويل، ثم إن الضابط قد يرجع بين لحظة وأخرى.. ولذلك فالقضية ليست قضية لعب.. وإذا أراد المرء أن يقوم بعمل ما فيجب أن يحسب للأمور حسابها من كل الزوايا.
    وقبل أن يسوي أبو علي الأمور في رأسه، قرر أن يستشير الجماعة، فصاح بأعلى صوته كي يسمعه كل الرجال:
    - يا شباب من الذي سيتقدم..؟
    إلا أن أحداً لم يجب، وكل الذي حدث هو أن بجميع العيون صوبت إليه، بما فيها تلك العينين الزرقاوين للجندي الواقف في وسط الدائرة.. كان خائفاً لأنه كان يعرف أن أية حماقة تسبب له نهاية عاجلة على أيدي أولئك الرجال الملتفين حوله كالأسورة.
    صاح أبو علي مرة أخرى:
    - سآخذها أنا يا شباب.
    وأتاه صوت من طرف الحلقة المقابلة:
    - أنت سيدها يا أبا علي.
    كرر بصوت أعلى كأنما ليبعث الحماس في نفسه:
    - سأخطفها منه..
    قال نفس الصوت:
    - إنها حلالك..
    صاح مؤكداً:
    - إنها حلالي، سآخذها..
    وفكر قليلاً، ثم نظر حواليه وقال بصوت خفيض:
    - حين تصير البندقية في يدي وسعوا لي طريق الهر، وإذا حاول أن يلحق بي سدوا الطريق بوجهه.
    - معقول يا أبا علي، اعتمد علينا.
    - سأعتمد عليكم..
    ثم قال في نفسه: "والآن إلى العمل"، وحين نظر إلى الجندي وجده يحدق به، وكانت لحظة خوف واحدة ما لبث أن عبرت بسرعة: انحنى وخلع نعليه ثم سلمهما إلى رجل كان يقف إلى جانبه دون أن يقول له حرفاً واحداً، لقد بدأ الجد الآن، والنعل لا شغل له غلا بعرقلة الركض حين يكون الركض في أوجه، شال الكوفية والعقال عن رأسه ثم أسقط العقال في عنقه وربط الكوفية تحت خاصرتيه، وانحنى فرفع طرف ردائه وثبته تحت الحزام في وسطه، ذلك حري بأن يعطي اتساعاً لمدى ساقيه حين يبدأ العدو، أما السروال الأبيض الطويل الضيق عند رسغي الساقين فإنه لن يعيق شيئاً.
    على بعد ثلاثة أمتار أو أربعة أمتار كان الجندي الواقف مع بندقيته قد فهم كل ما يجري، إلا أنه بقي يحدق، دون أن يقدر على عمل إيما شيء.. وكان أبو علي يعرف بأنه لن يستعمل سلاحه الذي، ربما لم يكن محشواً أيضاً.. لقد كان واقفاً هناك بشكل لا يحسد عليه أبداً.. غير قادر على اكتشاف ماذا يتعين عليه أن يفعل مكتفياً بالنظر إلى أبي علي وهو يقوم بإعداد العدة على أكمل وجه، وحين شبك أبو علي طرف قنبازه إلى وسطه رفع الجندي بندقيته على كتفه، وثبت كتفها على الأرض، أمامه مباشرة، ثم لف حزامها الجلدي الخشن حول ساقه لفتين محكمتين، وصفق كعبي حذائه الضخم ببعضهما متفرغاً لمراقبة أبي علي من جديد.
    قال أبو علي للرجل الواقف إلى جانبه والذي كان قد وضع النعلين تحت إبطيه وشبك أصابعه وراء ظهره:
    - لقد أفسد الأمور هذا النحس، انظر ماذا فعل! الملعون يريدني أن أخطفه مع البندقية!.
    - قال الرجل بهدوء:
    - فكها من حول ساقه..
    - كيف؟
    - اطرحه أرضاً..
    إلا أن أبو علي لم يعد بوسعه أن يغير رأيه، لقد قطع نصف الطريق تقريباً، ومن العار الآن أن يفك قنبازه عن وسطه ويستعيد نعليه، وكان الجندي ما زال يحدق إليه وشفتيه ترتجفان والخوذة تلمع فوق رأسه المحروق..
    فرش أبو علي ذراعيه على وسعهما ودفع الرجال الواقفين حواليه إلى الوراء خطوة، ثم اندفع بخطوات ثابتة إلى وسط الساحة، كان الجندي قد أدرك أن المعركة قد بدأت فشد كفيه على ماسورة البندقية وأدناها من صدره دون أن ينزع بصره عن وجه أبي علي الذي صار أمامه مباشرة، على بعد خطوة واحدة فحسب، وقف، ونظر إليه مباشرة في عينيه وخيل إليه أن صوتاً باهتاً قد رجف وراء ظهره صائحاً:
    - آه يا أبا علي يا سيد الرجال!
    مد ذراعيه: صلبتين مستقيمتين، وشدّ كفيه حول ماسورة البندقية فوق كفي الجندي ثم جذب جذبيتن خفيفتين ليقيس قوة الجندي، وحين لمس تشبثه بسلاحه شد بعنف، إلا أن الجندي قاوم الشد بأن قرب البندقية إلى صدره وقد تصلب جسده أكثر فأكثر واحمر وجهه، وحين شد أبو علي بكل قوته انزلق حذاء الجندي على بلاط الساحة ووقع على ظهره، وبسرعة شديدة دور أبو علي البندقية دورتين فانفك حزامها عن الساقين الملوحتين في الهواء، وتلقف البندقية بكفيه الكبيرتين الخشنتين، وبسطها أمام صدره محدقاً إليها بجذل، ثم صاح بصوت عال:
    - وسعوا الطريق يا شباب!
    ومن خلال الفرجة الضيقة التي انفتحت في المكان الذي كان يقف فيه انسرب أبو علي بخفة ورشاقة، ثم انغلقت الفرجة بأكتاف الرجال من جديد، فيما كان أبو علي يطوي الأزقة الموحلة متجهاً إلى داره.

    -2-
    ولكن أبا علي لم يصل إلى داره.
    أخباره وأخبار البندقية ضاعت، ولو كان أبو علي رجلاً عادياً والحادث حادثاً عادياً إذن لما اهتم أحد قط، ولكن الموضوع هو أن أبا علي ليس رجلاً عادياً، فبيته مترع بزوجه وأولاده، وهو رب عائلة مستقيم، ليس ذلك فحسب، بل إن بيت أبي علي هو البيت الأول في القرية، إنه يقع على الحافة الغربية، فوق تلة مزروعة بالزيتون، ولقد كان هناك، منذ وعي الناس هناك، قبل أن يولد أبو علي، بل قبل أن يولد جده، ولقد توارثوه واحداً عقب الآخر بصمت وانتظام، وارثين معه كل تلك الواجبات التي التصقت بالبيت منذ أن وعي الناس البيت.
    كان بيت أبو علي باب القرية وحدّها الغربي، وفي الأحراش الممتدة تحت تل الزيتون كانت تكثر الضباع التي كانت تزحف إلى القرية إذا ما اشتد البرد في حمأ الشتاء بحثاً عن الطعام وربما الدفء، وكان بيت أبو علي قد حمل- دون أن يكلف من قبل أي إنسان- مهمة صد الضباع في كل شتاء ذلك لأن الحد الفاصل بين الأحراش وبين القربة وقد سلم سكّان القرية بذلك لأنهم لا يعون متى لم تكن الأمور كذلك..
    والآن تأتي قصة البندقية من جديد، لقد ارتاح الناس لتلك الصدفة التي جعلت من أبي علي صاحب بندقية جديدة، لقد أن الأوان لأبي علي أن يمتلك بندقية يستعيض بها الفاس الذي كان يستعمله في محاربة الضباع كل شتاء، فالشتاء الآن صار على الأبواب، ولابد لأبي علي أن يمتلك تلك البندقية.
    ولكن الأمور لم تسر كما اشتهوا واشتهى، فبعد يومين من الحادث تمكن بعض الضباع من الوصول إلى البيت والتحويم حوله طوال الليل، وفي لمحة خاطفة تغير كل شيء.
    أم علي خافت على أولادها فأرسلتهم على القرية ليكونوا بعيدين عن ذلك الرعب وبقيت هناك تنتحب على زوجها وعلى مصيرها، وكانت الضباع تتكاثر ليلة بعد ليلة محوّمة حول البيت مرسلة هواءها الحاد في صمت القرية، باعثة فيها الرعب..
    على أن لغز أبي علي لم يكن أقل وطأة، وكانت الأحاديث كلها،- في الدواوين المغلقة وفي بيت المختار- تدور حول أبي علي: أين ذهب؟ ماذا حدث له؟ تراه ذهب إلى قرية أخرى فباع بندقيته وتزوج امرأة أخرى؟ أم تراه قتل ودفن دون أن يعرف الناس؟
    بقيت الأسئلة تدور في أجواء المدينة بلا كلل ولا توقف، حتى أن الأمور الأخرى كلها ضاعت في حمأ الشك والتساؤل، لم يعد أحد يهتم بموضوع البيت أو عائلة أبي علي التي توزعت في أزقة المدينة، وحين ذهب علي إلى بيت المختار يسأله النصح وجد القاعة مليئة بالرجال الذين كانوا يتصايحون ويناقشون قصة أبي علي بكل دقائقها، وعبثاً حاول أن يصل إلى المختار، لقد كان الرجال يسدون عليه طريقه كلما خطا خطوت، وأخيراً لم يجد بداً من أن يعود أدراجه إلى الطريق.

    -3-
    ضم أبو علي البندقية إلى صدره وأخذ يعدو في الأزقة الموحلة متجهاً إلى داره. كان العرق قد بلل ظهره وصدره وكان يحسه يصفعهما بالبرودة كلما اصطفق الهواء بينهما وبين ثيابه، إلا أن ذلك لم يقلل من عزمه على المضي بها إلى البيت، كانت ثقيلة، وكان يحس ثقلها يزداد بين ذراعيه كلما دار حول منعطف أو عبر قنطرة، وحين بدأ صدره يخفق بسعال مجروح عميق تذكر انه مريض وأنه أغلق دكانه مبكراً كي يستريح من عناء وعكته، ولكنه حين أحس الثمن بين ذراعيه: بندقية جديدة ذات مشط يتسع لثماني طلقات، تبسم برضا، وتذكر تلك الليالي الباردة الصامتة التي كان يقضيها جالساً وراء الشباك محدقاً في الظلمة كالقط، حتى إذا ما شاهد شبح الضبع أو شم رائحته الكريهة قام إليه خفيفاً محني الظهر وقد تصلبت كفاه على ذراع الفأس، من الباب الخلفي، فيصير الضبع محصوراً في الحديقة الصغيرة غير المزروعة إلا بكوخ صغير لإيواء الدجاج، ثم يقع العراك، لحظة أو لحظتان وتخرج أم علي لتسحب جثة الحيوان الكريه وتقذفه من أعلى التل إلى الغابة مرة أخرى.. لا، لن يحدث ذلك مرة أخرى الآن، من النافذة الخشبية سيطلق رصاصة واحدة حين يبدو الشبح المخيف، ولن تخاف الخروج إلى الحديقة الجرداء حين تتكاثر الضباع، كما حدث في الشتاء الماضي، لا! ها هي ذي بندقية يتسع مشطها لثماني طلقات.. ضمها على صدره بحنو دون أن يكف عن الركض بكل ما في وسع ساقيه أن تنفرجا، ورغم لهاثه وسعاله فقد كان يسمع صوت حذاء الجندي الضخم يخفق وراءه غير بعيد، متجاوبة أصداؤه الثقيلة بين جدران الطين الحانية على بعضها فوق رأسه، وفجأة اعترض طريقه شبحان فوقف، وكان صفير لهاثه المبحوح يرتفع وينخفض بانتظام..
    - هاتها؟!
    قال أحد الرجلين بصوت جاف ومدّ ذراعيه باسطاً كفه على وسعها كما لو أنه كان يتوقع أن يضع أبو علي البندقية فيها.. إلا أن أبا علي أرجع البندقية على جنبه ووضع كتفه الآخر في الطريق بينها وبين كف الرجل المبسوطة.. ومنعه لهاثه من الكلام، بينما كرر الرجل بجفاف:
    - هاتها.. ألا تسمع؟
    بلع أبو علي ريقه وقال بصوت واهن:
    - إنها حلالي..
    - لقد رأيناك تسرقها.. هاتها..
    - إنها حلالي.
    - هاتها..
    رجع أبو علي إلى الوراء خطوة، كان صوت حذاء الجندي قد علا حتى ملأ كل صمت الزقاق.
    استطاع أن يميز أصوات أخرى ترافق الجندي، ربما يكون الضابط قد انضم إلى جنديه، بل ربما المختار ذاته، لعنة الله عليك، ربما كانت القرية كلها ماضية بملاحقته..
    تلفّت بسرعة إلى الوراء ثم عاد يحدق في الرجلين الواقفين في الظل..
    - لقد عرفتكما.. افسحا الطريق، إنهم ورائي.
    تقدم أحد الرجلين فأمسك به من عنقه، بينما أبعد أبو علي البندقية على مدّ ذراعه إلى الوراء، وأحس بأنه على وشك أن يختنق..
    - هاتها أو خنقناك.
    - عرفتكما..
    وفكر بوجل: "كيف حدث أن اتفقا معاً رغم كل الكراهية التي يحملانها لبعضهما".؟ وصاح بكل ما بقي في حنجرته من متنفس:
    - عرفتكما، اتركاني..
    - أعطنا إياها وإلا قتلناك..
    تلفت أبو علي إلى الوراء، وخيل إليه أنه رأى أشباحاً تتمايل في أول الزقاق فقام بمحاولة عنيفة للخلاص إلا أنه لم يستطع أن يتحرك أنملة، وكان في الوقت ذاته واثقاً من أن يده القابضة على البندقية لن تفلتها شياطين الأرض مجتمعة إلا إذا فلتت يده، من أعلى الكتف، معها.. ولذلك وضع كل قوته في صوته:
    - لسوف نموت جميعاً.. اتركاني!
    - أعطنا إياها.
    - مستحيل.
    نظر الرجلان خلفهما، ثم قال أحدهما للآخر:
    - والآن ماذا؟
    أجاب الآخر بسرعة:
    - حاول أن توقفهم، تحدث معهم، ابق هنا.
    تركه أحد الرجلين بينما أمسكه الآخر من مؤخرة عنقه ومن ذراعه ودفعه أمامه بعنف فانطلق يركض مرغماً تحت وطأة القبضات المتحكمة في عنقه وذراعه.
    كان أبو علي مرهقاً، وقد زاد التوقف والرعب من إرهاقه وكانت القبضات تشد على عنقه وذراعه بلا رحمة، ورغم ذلك فقد ميز فجأة بأن الطريق الذي يعدو فيه ليس طريق بيته، حاول أن يلتفت، إلا أن قبضة الرجل لم تسمح له.
    كان يحس بأنه قد استنزف، وأن السعال المجروح المنطلق من أعمق أعماق رئتيه سوف ينتزع حنجرته ويلقي بها إلى الأرض، لا، ليس طريق بيته هذا الطريق.. مرة أخرى حاول أن يتملص أو يقف إلا أن وطأة القبضتين ازدادت حدة وعنفاً وشراسة، وأحس – فبما كان على وشك أن يبكي- بأن لا مناص.

    بيروت-1961






    ثلاث أوراق من فلسطين
    أ‌- ورقة من الرملة
    ب‌- ورقة من الطيرة
    ت‌- ورقة من غزة


















    أ‌- ورقة من الرملة

    أوقفونا صفين على طرفي الشارع الذي يصل الرملة بالقدس، وطلبوا منا أن نرفع أيدينا متصالبة في الهواء، وعندما لا حظ أحد الجنود اليهود أن أمي تحرص على وضعي أمامها كي أتقي بظلها شمس تموز، سحبني من بعنف شديد، وطلب مني أن أقف على ساق واحدة، وأن أصالب ذراعي فوق رأسي في منتصف الشارع الترب..
    كنت في التاسعة من عمري يومذاك، ولقد شهدت قبل أربع ساعات فقط كيف دخل اليهود إلى الرملة، وكنت أرى وأنا واقف هناك في منتصف الشارع الرمادي كيف كان اليهود يفتشون عن حلى العجائز والصبايا، وينتزعونها منهن بعنف وشراسة، وكان ثمة مجندات سمراوات يقمن بنفس العملية، ولكن في حماس أشد، وكنت أرى أيضاً كيف كانت أمي تنظر باتجاهي وهي تبكي بصمت، وتمنيت لحظتذاك لو أستطيع أن أقول لها أنني على ما يرام، وأن الشمس لا تؤثر في بالشكل الذي تتصوره هي..
    كنت أنا من تبقى لها، فأبي قد مات قبل بدء الحوادث بسنة كاملة، وأخي الكبير أخذوه أول ما دخلوا الرملة، لم أكن أعرف بالضبط ماذا كنت أعني بالنسبة لأمي، لكنني الآن أستطيع أن أتصور كيف كانت الأمور ستجري لو أنني لم أكن عندها ساعة وصلت دمشق، لأبيع لها جرائد الصباح وأنا أنادي وأرتجف قرب مواقف الباصات..
    لقد بدأت الشمس تذيب صمود النساء والشيوخ.. وارتفعت من هنا وهناك بعض الاحتجاجات اليائسة البائسة، كنت أرى بعض الوجوه التي اعتدت أن أراها في شوارع الرملة الضيقة وتبعث في الآن شعوراً دقيقاً من الأسى، لكنني أبداً لن أستطيع تفسير ذلك الشعور العجيب الذي تملكني، ساعة رأيت مجندة يهودية تعبث ضاحكة بلحية عمي أبي عثمان..
    وعمي أبو عثمان ليس عمي بالضبط، ولكنه حلاق الرملة وطبيبها المتواضع، ولقد تعودنا على أن نحبه منذ وعيناه وأن نناديه بعمي احتراماً وتقديراً، كان واقفاً يضم إلى جنبه ابنته الأخيرة، فاطمة، صغيرة سمراء تنظر بعينيها السوداوين الواسعتين إلى اليهودية السمراء..
    - ابنتك؟!
    وهز أبو عثمان رأسه بقلق، ولكن عينيه كانتا تلتمعان بتكهن قاتم عجيب، وببساطة شديدة رفعت اليهودية مدفعها الصغير، وصوبته إلى رأس فاطمة، الصغيرة السمراء ذات العيون السوداء المتعجبة دائماً..
    وفي تلك اللحظة، وصل أحد الحراس اليهود في تجواله أمامي، واستلفت نظره الموقف، فوقف حاجباً عني المنظر، ولكنني سمعت ثلاث طلقات متقطعة دقيقة، ثم تيسر لي أن أرى وجه أبي عثمان يتموج بأسى مريع، ونظرت إلى فاطمة، مدلى رأسها إلى الأمام، ونقاط من الدم تتلاحق هابطة خلال شعرها الأسود إلى الأرض البنية الساخنة.
    وبعد هنيهة، مر أبو عثمان من جانبي، حاملاً على ساعديه الهرمتين جثة فاطمة، الصغيرة السمراء: كان صامتاً جامداً ينظر أمامه بهدوء رهيب، وما لبث أن مر بي غير ناظر إلي البتة، وراقبت ظهره المنحني وهو يسير بهدوء بين الصفين إلى أول منعطف، وعدت أنظر إلى زوجته جالسة على الأرض ورأسها بين كفيها تبكي بأنين مقطع حزين، وتوجه جندي يهودي نحوها، وأشار لها أن تقف.. ولكن العجوز لم تقف، كانت يائسة إلى آخر حدود اليأس.
    هذه المرة، استطعت أن أرى بوضوح كل ما حدث، ورأيت بعيني كيف رفسها الجندي بقدمه، وكيف سقطت العجوز على ظهرها ووجهها ينزف دماً، ثم رأيته، بوضوح كبير، يضع فوهة بندقيته في صدرها، ويطلق رصاصة واحدة..
    في اللحظة التالية، توجه الجندي ذاته نحوي، وبهدوء شديد طلب مني أن أرفع ساقي التي أنزلتها للأرض دون أن أشعر وعندما رفعت ساقي راضخاً، صفعني مرتين، ومسح ما علق على ظاهر يده من دم فمي، بقميصي، وشعرت بإعياء مدمر لكنني نظرت إلى أمي، هناك بين النساء، رافعة ذراعيها في الهواء كانت تبكي بصمت ولكنها في اللحظة ضحكت من خلال بكائها ضحكة صغيرة دامعة، وشعرت بساقي تلتوي تحت ثقلي، وبألم فظيع يكاد يقطع فخذي، لكنني ضحكت أيضاً، وتمنيت مرة أخرى لو أنني أستطيع أن أركض على أمي، فأقول لها أنني لم أتألم كثيراً من الصفعتين، وأنني على ما يرام، وأرجوها باكياً أن لا تبك، وأن تتصرف كما تصرف أبو عثمان قبل هنيهة.
    وقطع أفكاري مرور أبي عثمان من أمامي عائداً إلى مكانه بعد أن دفن فاطمة، وعندما حاذاني، غير ناظر إلي البتة، تذكرت أنهم قتلوا زوجته، وأن عليه أن يواجه مصاباً جديداً الآن، وتابعته مشفقاً، خائفاً بعض الشيء، إلى أن وصل إلى مكانه فوقف هنيهة مولياً ظهره المحدودب المبلول بالعرق، لكنني استطعت أن أتصور وجهه: جامداً صامتاً مزروعاً بحبيبات من العرق اللامع، وانحنى أبو عثمان ليحمل على ذراعيه الهرمتين جثة زوجته التي طالما رأيتها متربعة أمام دكانه تنتظر انتهاءه من الغداء كي تعود إلى الدار بالأواني الفارغة، وما لبث أن مر بي، وللمرة الثالثة، لاهثاً لهاثاًَ رفيعاً متواصلا وحبيبات العرق مزروعة في وجهه المغضن، وحاذاني، غير ناظر إلي البتة، وعدت مرة أخرى أراقب ظهره المنحني المبتل بالعرق وهو يسير الهوينا بين الصفين.
    لقد كف الناس عن البكاء.
    وخيم سكون فاجع على النساء والشيوخ..
    وبدا كأنما ذكريات أبي عثمان تنحر في عظام الناس بإصرار، هذه الذكريات الصغيرة التي حكاها أبو بعثمان لكل رجال الرملة وهم مستسلمون له على كرسي الحلاقة.. هذه الذكريات التي بنت لنفسها عالماً خاصاً في صدور كل الناس هنا.. هذه الذكريات بدت كأنما تنخر في عظام الناس بإصرار.
    لقد كان أبو عثمان، كل عمره، رجلاً مسالماً محبوباً، كان يؤمن بكل شيء، وأكثر ما آمن بنفسه، لقد بنى حياته من اللاشيء، فعندما قذفته ثورة جبل النار إلى الرملة كان قد فقد كل شيء، وبدا من جديد: طيباً كأي غرسة خضراء في أرض الرملة الطيبة، وكسب حب الناس ورضا الناس، وعندما بدأت حرب فلسطين الأخيرة، باع كل شيء، واشترى أسلحة كان يوزعها على أقاربه ليقوموا بواجبهم في المعركة، لقد انقلبت دكانه إلى مخزن للمتفجرات والأسلحة، ولم يكن يريد لهذه التضحية أي ثمن، كل ما كان يطلب هو أن يدفن في مقبرة الرملة الجميلة المزروعة بالأشجار الكبيرة، هذا كان كل ما يريده من الناس.. كل رجال الرملة يعرفون أن أبا عثمان لا يريد إلا أن يدفن في مقبرة الرملة عندما يموت.
    هذه الأشياء الصغيرة هي التي اسكتت الناس، كان وجوههم المبلولة بالعرق تنوء تحت ثقل هذه الذكرى..
    ونظرت على أمي، واقفة هناك، رافعة ذراعيها في الهواء، شادة قوامها كأنها كوم رصاص، وعدت أنظر إلى بعيد، ورأيت أبا عثمان واقفاً أمام حارس يهودي يحادثه ويشير إلى دكانه، وما لبث أن سار وحيداً باتجاه الدكان، وعاد حاملاً فوطة بيضاء لف بها جثة زوجته.. وتابع طريقه إلى المقبرة.
    ثم لمحته عائداً من بعيد، بخطواته الثقيلة وظهره المنحني وساعديه الساقطين إلى جبينه بإعياء، واقترب مني بطيئاً كما كان يسير، شيخاً أكثر مما كان، معفراً مغبراً يلهث لهاثاً طويلاً رفيعاً، وعلى صدريته نقاط كثيرة من الدم الممزوج بالتراب..
    ولماذا حاذاني، نظر إلي كأنه يمر بي للمرة الأولى ويراني، واقفاً هناك، في منتصف الشارع تحت سطح شمس تموز المحرقة: معفراً مبلولاً بالعرق، بشفة مجروحة مدلاة تجمد عليها الدم، وأطال النظر وهو يلهث، كانت في عينيه معان كثيرة لم أستطع فهمها لكنني أحسستها وما لبث أن لعاد إلى مسيره، بطيئاً مغبراً لاهثاً، فوقف، وأدار وجهه للشارع، ورفع ذراعيه وصالبهما في الهواء.
    لم يتيسر للناس أن يدفنوا أبا عثمان كما أراد، ذلك أنه عندما ذهب إلى غرفة القائد ليعترف بما يعرف، سمع الناس انفجاراً هائلاً هدم الدار وضاعت أشلاء أبي عثمان بين الأنقاض.
    وقالوا لأمي، وهي تحملني عبر الجبال إلى الأردن، إن أبا عثمان عندما ذهب إلى دكانه قبل أن يدفن زوجه، لم يرجع بالفوطة البيضاء، فقط.

    دمشق -1956



    ب‌- ورقة من الطيرة
    "ماذا كنت أريد أن أقول؟ نعم، كنت أريد أن أحكي قصة ذلك الزبون الذي يشتري مني كل مساء ثلاثة أقراص من العجوة، إنه زبون من نوع 1خاص، هذا النوع الذي يحس ببعض الغبطة- أما أصحابه على الأقل- لأن له صديقاً عجوزاً يبيع العجوة، أنت تعرف أن ربحي بهذا البيع ليس كبيراً ولكنه، والحمد لله، كاف، فأنا أشتري كل ثلاثة أقراص من العجوة بفرنكين اثنين، وأبيع الواحد بفرنك، ليس هذه فحسب، بل إن مجموعة كثيرة من الزبائن تدفع فرنكاً دون أن تأخذ قرصاً، وهذه هي المجموعة المفصلة عندي، نعم، كنت أريد أن أحكي قصة ذلك الزبون ولكن ما الذي جعلني أنسى؟ آه! ذلك الشرطي ذو الوجه المجروح، إن كثيراً من رجال الشرطة لهم نفوس طيبة، ولكن هذا الشرطي لم يعجبني أبداً! هل رأيته كيف تصرف؟ هل أنا المذنب؟ لقد كنت واقفاً هناك، على المنعطف عندما اقترب مني وقال وهو يهز طبق العجوة "يجب أن تذهب من هنا!" لقد كان شرطياً جديداً، هذا مؤكد، إذ أن بعض الشرطة الطيبين المسؤولين عن هذا الشارع، كانوا يسمحون لي أن أقف هناك.. عندما قال الشرطي ذلك، حاولت أن اشرح له بعض الأمور، لكنه رفع طبق العجوة إلى رأسي وقال: "يجب أن تحمد الله أنني لم أضعه على رأسك مقلوباً" ثم دفعني دفعة شديدة، كأنني يهودي، ولكنني لست يهودياً، وأنت تعرف أن هذه إهانة كبيرة إذ أين كان هذا الابن الحلال يوم كنت أحارب اليهود في الطيرة وفي حيفا؟ أين كان؟ آه! حذار أن تتصور أنني ناقم على هذا الشرطي..
    الحمد لله على أي حال.الحمد لله أنني لم أكن خائناً ولا جباناً في يوم من الأيام. ولو كنت كذلك إذن لما كنت سامحت هذا الشرطي.. والذنب في هذا ليس ذنبه.. إنه ذنب الذي أضاع فلسطين وحتم علينا حياة الكفاف هذه، حتم علينا أن نعيش وكأننا خرجنا من فلسطين كي نبحث عن عمل ما فقط..
    على كل حال أنا أعرف ما الذي أضاع فلسطين.. كلام الجرائد لا ينفع يا بني، فهم –أولئك الذين يكتبون في الجرائد يجلسون في مقاعد مريحة وفي غرف واسعة فيها صور وفيها مدفأة، ثم يكتبون عن فلسطين، وعن حرب فلسطين، وهم لم يسمعوا طلقة واحدة في حياتهم كلها، ولو سمعوا، إذن، لهربوا إلى حيث لا أدري، يا بني، فلسطين ضاعت لسبب بسيط جداً، كانوا يريدون منا –نحن الجنود- أن نتصرف على طريقة واحدة، أن ننهض إذا قالوا انهض وأن ننام إذا قالوا بن وان نتحمس ساعة يريدون منا أن نتحمس، وأن نهرب ساعة يريدوننا إن نهرب.. وهكذا إلى أن وقعت المأساة، وهم أنفسهم لا يعرفون متى وقعت! إنهم لم يعرفوا قط كيف يقودون جنودهم.. كانوا يحسبون أن هؤلاء الجنود ضرب طريف من الأسلحة.. تحتاج إلى حشو.. صاروا يحشونها بالأوامر المتناقضة، كان الواحد منا يحارب اليهود فقط لأنهم يريدون أن يحاربوا اليهود!..
    لقد كان هناك أيضاً بعض القادة المخلصين.. ولكن ما

    ramy

    عدد المساهمات : 2
    نقاط : 2
    السٌّمعَة : 5
    تاريخ التسجيل : 14/12/2009

    جمال

    مُساهمة  ramy في الإثنين ديسمبر 14, 2009 11:57 pm

    شكرا خاااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااالص

    تميمي

    عدد المساهمات : 16
    نقاط : 16
    السٌّمعَة : 5
    تاريخ التسجيل : 15/12/2009

    رد: ارض البرتقال الحزين1

    مُساهمة  تميمي في الثلاثاء ديسمبر 15, 2009 7:21 am

    ان شاء الله يفرح البرتقااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااال

      الوقت/التاريخ الآن هو الخميس فبراير 23, 2017 3:29 am