منتدي جمال عزوز

أهلا بكم في المنتدى
منتدي جمال عزوز

منتدي الادب والفنون والكتابات النثرية والقصة القصيرة

المواضيع الأخيرة

» من كتاب الشخصية6
الإثنين ديسمبر 09, 2013 5:48 pm من طرف Admin

» من كتاب الشخصية5
الإثنين ديسمبر 09, 2013 5:46 pm من طرف Admin

» من كتاب الشخصية4
الإثنين ديسمبر 09, 2013 5:45 pm من طرف Admin

» من كتاب الشخصية3
الإثنين ديسمبر 09, 2013 5:44 pm من طرف Admin

» من كتاب الشخصية2
الإثنين ديسمبر 09, 2013 5:42 pm من طرف Admin

» من كتاب الشخصية
الإثنين ديسمبر 09, 2013 5:41 pm من طرف Admin

» نموذج من بناء الشخصية
الإثنين ديسمبر 09, 2013 5:39 pm من طرف Admin

» كيف تنشأ الرواية أو المسرحية؟
الإثنين ديسمبر 09, 2013 5:38 pm من طرف Admin

» رواية جديدة
الإثنين ديسمبر 09, 2013 5:26 pm من طرف Admin

التبادل الاعلاني

احداث منتدى مجاني

أكتوبر 2017

الإثنينالثلاثاءالأربعاءالخميسالجمعةالسبتالأحد
      1
2345678
9101112131415
16171819202122
23242526272829
3031     

اليومية اليومية

تصويت

تدفق ال RSS


Yahoo! 
MSN 
AOL 
Netvibes 
Bloglines 

احصائيات

أعضاؤنا قدموا 254 مساهمة في هذا المنتدى في 142 موضوع

هذا المنتدى يتوفر على 35 عُضو.

آخر عُضو مُسجل هو sansharw فمرحباً به.

سحابة الكلمات الدلالية


    ارض البرتقال الحزين2

    شاطر

    Admin
    Admin

    عدد المساهمات : 150
    نقاط : 444
    السٌّمعَة : 0
    تاريخ التسجيل : 30/10/2009
    العمر : 43

    ارض البرتقال الحزين2

    مُساهمة  Admin في الإثنين ديسمبر 14, 2009 9:15 pm

    اسمع ماذا جرى لهذا المحارب المهذب.. لقد كان سائقاً لسيارة عمومية، وشاهد امرأة يهودية تعدو هاربة أمام مجموعة من الأطفال كانوا يرجمونها بالحجارة.. كانت الحوادث في بدء توترها، فما كان منه إلا أن نهر الأطفال، وأمسك المرأة من يدها، وقادها إلى حيث أوقف سيارته، وذهب بها إلى أهلها في تل أبيب، هل تعرف ماذا حدث هناك؟ لقد سرقوا سيارته، وقتلوه. مزقوه ورموا جثته مقابل جامع الشيخ حسن.. فكيف يريدوننا أن نحارب أناساً من ذلك النوع؟ بالورود؟
    هذا هو الذي أضاع فلسطين، يا بني، هل تفهم من هذا أنني أريد أن ترسل رسالة شكر إلى كل جندي يصيد عدوه؟ كلا.. كلا.. معاذ الله.. لكنني كنت أعني أن عليهم أن يتفقوا على شيء ما.. أن يقرروا كيف يتوجب عليهم أن يتصرفوا.. أن يحترموا شعور المحارب الذي يفقد رفاقه في كل معركة.. على أي حال أنا لا أريد أن أحدثك كثيراً عن المعارك، لقد كنت كل عمري أضحك على أولئك العجائز الذين لم يجدون غير ذكريات قتالهم في السفر برلك يسمعوننا إياها، ولكن الذي أريد أن أقوله، أنني حاربت، أكثر مما يستطيع الشخص الواحد أن يفعل، ولكن الخطأ لم يكن مني أنا، كان من فوق، من هؤلاء الذين يقرأون ويكتبون ويرسمون خطوطاً ملتوية ينظرون إليها باهتمام.. أما أنا.. فماذا أستطيع أن أفعل غير أن أحمل بارودتي وأن أهجم، وأن أنظر إلى حيث يشير رئيسي ثم أركض في ذلك الاتجاه وسلاحي في يدي؟
    المهم أن علينا أن لا ننسى ما حدث عندما نلتقي مرة أخرى.. وأن علينا أن نحارب اليهود كما يفعل محررو الجرائد أولئك في غرفهم عندما يجدون كمية كبيرة من الذباب!
    كم أنا ثرثار
    كنت أريد أن أحكي لك عن ذلك الزبون الذي يشتري مني ثلاثة أقراص من العجوة دفعة واحدة كل مساء.. ولكم الحديث جرني، والذنب في هذا، هو ذنب ذلك الشرطي الذي طردني من مكاني المختار كأنه يطرد لصاً..
    لو أنني حكيت لذلك الشرطي قصتي، وقلت له من أنا إذن لضحك ضحكاً متواصلاً، ولقلب الطبق على رأسي كما كان ينوي أن يفعل. لذلك فأنا لأطلب منه أن يحترمني.. فهذا شيء مضحك.. لكنني يوماً ما، سآتي من فلسطين ماشياً على قدمي، كما أتيت في المرة الأولى، وسأبحث عن الشرطي هذا ما استطعت، ثم سأدعوه لأن يقضي شهراً كاملاً في طيرة حيفا على حسابي.. له الخيار في أن يتنقل فيها كما يشاء، ويقف حيث يشاء..

    دمشق -1957

    ث‌- ورقة من غزة
    عزيزي
    استلمت رسالتك الآن، وفيها تخبرني أنك أتممت لي كل ما أحتاجه ليدعم إقامتي معك في ياكرمنتو، وكذلك وصلني ما يشعر أنني قبلت في فرع الهندسة المدنية في جامعة كاليفورنيا، لا بد لي يا صديقي من شكرك على كل شيء، لكن سيبدو لك غريباً بعض الشيء، أن أزف إليك هذا النبأ، وثق تماماً يا مصطفى أنني لا أشعر بالتردد قط، بل أكاد أجزم أنني أر الأمور بهذا الوضوح أكثر من الساعة، لا يا صديقي.. لقد غيرت رأيي، فأنا لن اتبعك "إلى حيث الخضرة والماء والوجه الحسن" كما كتبت، بل سأبقى هنا، ولن أبرح أبداً.
    إنه لشيء يزعجني حقيقة، يا مصطفى، أن لا نكمل ذلك الجريان لحياتنا في خط واحد، فإني أكاد أسمعك تذكرني بعهدنا على الاستمرار معاً. وكيف كنا نهتف: "سنصير أغنياء"، ولكن يا صديقي ليس في يدي حيلة، نعم، إنني لا زلت أذكر تماماً يوم وقفت في ساحة المطار في القاهرة، أشد على يدك وأحدق بالمحرك المجنون، كان كل شيء ساعتئذ يدور مع المحرك ذلك الدوران الصاخب، وكنت أنت تقف أمامي، بوجهك المليء الصامت، لم يتغير وجهك عن الوجه الذي نشأت به في حي "الشجيعة" في غزة، لولا هذه الغضون المسطحة، لقد نشأنا معاً، وكان واحدنا يففهم الآخر تمام الفهم، وتعاهدنا على الاستمرار معاً إلى النهاية..
    ولكن:
    - "بقي ربع ساعة وستقلع الطائرة، لا تحدق هكذا باللاشيء، اسمعني، ستذهب في العام القادم إلى الكويت، وستوفر من راتبك ما يقتلعك من غزة إلى كاليفورنيا، لقد بدأنا معاً، ويجب أن نستمر.."
    وكنت لحظتذاك أرقب شفتيك وهما تتحركان بسرعة، هكذا كانت طريقتك في الكلام: لا فواصل ولا نقط، لكنني كنت أحس إحساساً غامضاً إنك غير راض تماماً عن هروبك، لم تكن تستطيع أن تعد ثلاثة أسباب وجيهة لهذا الهروب، وكنت أعاني أنا أيضاً من هذا التمزق، ولكن الشعور الأوضح كان: لماذا لا نترك هذه الغزة ونهرب.. ولماذا؟ إلا أن وضعك كان قد أخذ يتحسن، فلقد تعاقدت معك معارف الكويت دون أن تتعاقد معي، وفي غمرة من البؤس الذي كنت أعيش فيه، كانت تصلني منك في بعض الأحيان مبالغ صغيرة، كنت تريدني أن أعتبرها ديناً، خوف أن أشعر بالصغار، لقد كنت تعرف ظروفي العائلية تماماً، وكنت تعرف أن راتبي الضئيل في مدارس وكالة الغوث الدولية لم يكن يكفي لإعالة أمي، وزوجة أخي الأرملة وأولادها الأربعة.
    - "اسمعني جيداً، اكتب لي كل يوم.. كل ساعة.. كل دقيقة، لقد أوشكت الطائرة أن تطير، استودعك الله، بل قل إلى اللقاء.. إلى اللقاء."
    ومست شفاهك الباردة وجنتّي، وأدرت عني وجهك ميمماً شطر الطائرة، وعندما التفت إلى مرة ثانية كنت أرى دموعك..
    وبعدها تعاقدت معي معارف الكويت، لا داعي لأن أكرر عليك كيف كانت تجري تفاصيل حياتي هناك، فلقد كنت أكتب لك دائماً عن كل شيء، كانت حياتي دبقة، فارغة، كمحارة صغيرة: ضياع في الوحدة الثقيلة، وتنازع بطيء مع مستقبل غامض كأول الليل، وروتين عفن، ونضال ممجوج مع الزمن، كل شيء كان لزجاً حاراً، كانت حياتي كلها زلقة، كلها توق إلى آخر الشهر!
    وفي منتصف العام، ذلك العام، ضرب اليهود مركز الصبحة، وقذفوا غزة، غزتنا، بالقنابل وباللهب، كان يمكن أن يغير لي هذا الحدث شيئاً من الروتين، لكنه لم يكن لي ما آبه له كثيراً: فأنا سأخلف هذه الغزة ورائي، وسأمضي إلى كاليفورنيا لذاتي التي تعذبت طويلاً، إنني أكره غزة، ومن في غزة: كل شيء في البلد المقطوع يذكرني بلوحات فاشلة رسمها بالدهان الرمادي إنسان مريض، نعم، لقد كنت أرسل لأمي، ولأرملة أخي وأولادها، مبالغ ضئيلة تعينهم على الحياة، لكنني-أيضاً- سأتحرر من هذا الخيط الأخير، هناك، في كاليفورنيا الخضراء البعيدة عن رائحة الهزيمة التي تزكم أنفي منذ سبع سنوات.. إن الشفقة التي تربطني بأولاد أخي وأمهم وأمي، لا تكفي أبداً لتبرير جريان مأساتي هذا الجريان الشاقولي.. لا يمكن أن تشدني إلى تحت.. أكثر مما شدتني.. يجب أن أهرب!
    أنت تعرف يا مصطفى هذه الأحاسيس، لأنك عشتها فعلاً: ما هذا الشيء الغامض الذي كان يربطنا إلى غزة فيحد من حماسنا إلى الهروب؟ لماذا لانشرح الأمر تشريحاً يعطيه معنى واضحاً، لماذا لا نترك هذه الهزيمة، بجراحها، ونمضي إلى حياة أكثر ألوانا وأعمق سلوى.. لماذا؟ لم نكن ندري بالضبط!
    وعندما أخذت إجازتي في حزيران، وجمعت كل ما أملك توقاً إلى الانطلاقة الحلوة، إلى هذه الأشياء الصغيرة التي تعطي الحياة معي لطيفاً ملوناً، وجدت غزة كما تعهدها تماماً: انغلاقاً كأنه غلاف داخلي، ملتف على نفسه، لقوقعة صدئة قذفها الموج إلى الشاطئ الرملي اللزج قرب السلخ، غزة هذه، أضيق من نفس نائم أصابه كابوس مريع، بأزقتها الضيقة، ذات الرائحة الخاصة، رائحة الهزيمة والفقر، وبيوتها ذوات المشارف الناتئة.. هذه غزة، لكن ما هي هذه الأمور الغامضة، غير المحددة، التي تجذب الإنسان لأهله، لبيته، لذكرياته، كما تجذب النبعة قطيعاً ضالاً من الوعول، لا أعرف! وكل الذي أعرف أنني ذهبت لأمي في دارنا ذلك الصباح، وطلبت مني، وهي تبكي، أن ألبي رغبة ناديا، ابنتها الجريحة في مستشفى غزة، فأزورها ذلك المساء. أنت تعرف ناديا ابنة أخي والجميلة ذات الأعوام الثلاثة عشر؟
    في ذلك المساء اشتريت رطلاً من التفاح ويممت شطر المستشفى أزور ناديا.. كنت أعرف أن في الأمر شيئاً أخفته عني أمي وزوجة أخي، شيئاً لم تستطيعا أن تقولانه بألسنتهما.. شيئاً عجيباً لم أستطع أن أحدد أطرافه البتة! لقد اعتدت أن أحب ناديا، اعتدت أن أحب كل ذلك الجيل الذي رضع الهزيمة والتشرد، إلى حد حسب فيه أن الحياة السعيدة ضرب من الشذوذ الاجتماعي.
    ماذا حدث في تلك الساعة؟ لا أدري! لقد دخلت الغرفة البيضاء بهدوء جم، إن الطفل المريض يكتسب شيئاً من القداسة فكيف إذا كان الطفل مريضاَ أثر جراح قاسية مؤلمة؟ كانت ناديا بمستلقية على فراشها، وظهر معتمد على مسند أبيض انتثر عليه شعرها، كفروة ثمينة، كان في عينيها الواسعتين صمت عميق، ودمعة هي أبداً في قاع بؤبؤها البعيد، ووجهها كان هادئاً ساكناً، لكنه موح كوجه نبي معذب، لا زالت ناديا طفلة، لكنها كانت تبدو أكثر من طفلة، أكثر بكثير، وأكبر من طفلة، أكبر بكثير..
    - نادبا..
    لا أدري، هل أنا الذي قلتها أم إنسان آخر خلفي، لكنها رفعت عينيها نحوي، وشعرت بهما تذيبانني كقطعة من السكر سقطت في كوب شاي ساخن، ومع بسمتها الخفيفة، سمعت صوتها:
    - عمي.. وصلت من الكويت؟
    وتكسر صوتها في حنجرتها، ورفعت نفسها متكئة على كفيها ومدت عنقها نحوي فربت عل ظهرها، وجلست قربها:
    - ناديا، لقد أحضرت لك هدايا من الكويت، هدايا كثيرة سأنتظرك إلى حين تنهضين من فراشك سالمة معافاة، وتأتين لداري فأسلمك إياها، ولقد اشتريت لك البنطال الأحمر الذي أرسلت تطلبينه مني.. نعم.. لقد اشتريته..
    كانت كذبة ولدها الموقف المتوتر، وشعرت وأنا ألفظها كأنني أتكلم الحقيقة لأول مرة، أما ناديا فقد ارتعشت كمن مسه تيار صاعق، وطأطأت رأسها بهدوء رهيب، وأحسست بدمعها يبلل ظاهر كفي:
    - قولي يا ناديا.. ألا تحبين البنطال الأحمر؟
    ورفعت بصرها نحوي، وهمت أن تتكلم، لكنها كفت، وشدت على أسنانها، وسمعت صوتها مرة أخرى من بعيد:
    - يا عمي!
    ومدت كفها، فرفعت بأصابعها الغطاء الأبيض، وأشارت إلى سياق مبتورة من أعلى الفخذ...
    يا صديقي..
    أبداُ لن أنسى ساق ناديا المبتورة من أعلى الفخذ، لا، ولن أنسى الحزن الذي هيكل وجهها واندمج في تقاطيعه الحلوة إلى الأبد.. لقد خرجت يومها من المستشفى إلى شوارع غزة، وأنا أشد باحتقار صارخ على الجنيهين اللذين أحضرتهما معي لأعطيهما لناديا، كانت الشمس الساطعة تملأ الشوارع يبلون الدم.. كانت غزة، يا مصطفى، جديدة كل الجدة، أبداً لم نرها هكذا أنا وأنت: الحجارة المركومة على أول حي الشجعية، حيث كنا نسكن، كان لها معنى كأنما وضعت هناك لتشرحه فقط، غزة هذه التي عشنا فيها ومع رجالها الطيبين سبع سنوات في النكبة كانت شيئاً جديداً، كان تلوح لي أنها.. أنها بداية فقط، لا أدري لماذا كنت أشعر أنها بداية فقط، كنت أتخيل أن الشارع الرئيسي، وأنا أسير فيه عائداً إلى داري، لم يكن إلا بداية صغيرة لشارع طويل يصل إلى صفد، كل شيء كان في غزة هذه ينتفض حزناً على ساق ناديا المبتورة من أعلى الفخذ، حزناً لا يقف على حدود البكاء، إنه التحدي، بل وأكثر من ذلك، إنه شيء يشبه استرداد الساق المبتورة!..
    لقد خرجت إلى شوارع غزة، شوارع يملؤها ضوء الشمس الساطع، لقد قالوا لي أن ناديا فقدت ساقها عندما ألقت بنفسها فوق أخوتها الصغر تحميهم من القنابل واللهب وقد أنشبا أظفارهما في الدار، كان يمكن لناديا أن تنجو بنفسها، أن تهرب.. أن تنقذ ساقها، لكنها لم تفعل..
    لماذا؟

    ***
    لا يا صديقي! لن آتي لسكرمنتو، وأنا لست آسفاً البتة، لا ولن أكمل ما بدأناه معاً منذ طفولتنا: هذا الشعور الغامض الذي أحسسته وأنت تغادر غزة.. هذا الشعور الصغير يجب أن ينهض عملاقاً في أعماقك.. يجب أن يتضاخم، يجب أن تبحث عنه كي تجد نفسك.. هنا بين أنقاض الهزيمة البشعة..
    لن آتي إليك.. بل عد أنت لنا.. عد.. لنتعلم من ساق ناديا المبتورة من أعلى الفخذ، ما هي الحياة.. وما قيمة الوجود..
    عد يا صديقي فكلنا ننتظرك..

    الكويت – 1956
    الأخضر والأحمر


    -1-
    النزال

    لم يكن يظن لحظة واحدة، أنه قريب من الموت قرب أنفه من الهواء.. لم يكن يظن ذلك قط.. كل الطريق كانت تعيق بحياة بكر كأنها خلقت لتوها، كأن الله صنعها الآن فحسب ليتنشقها، وليتركها تغسل صدره مثل شلال من الريش.. أيار يبرعم في جبينه وكفيه وأضلاعه ويشمه فينهال إلى صدره دوامات لا تنضب ولا تنثني.. كيف تريده أن يظن، لحظة واحدة، إنه قريب من الموت قرب الهواء إلى أنفه؟ ولكنه كان قريباً منه، كان قريباً منه دون أن يحسه أو يشمه.. لم تكن عنده قدرة إحساس الحياة.. وقالوا له مرة أن هذا خطأ مهلك، وان الحياة لا قيمة لها قط إن لم تكن، دائماً، واقفة قبالة الموت.. ولكنه لم يكن يبالي.. بينه وبين النظريات المتقعرة ما بين أيار والكفن.. وبينه وبين الموت ما بين تراب أيار والجفاف..
    كان ماض إلى الزوج والولد وجدران اللحم والحب التي كانت دائماً هناك، في أيار وفي غير أيار.. التعريشة الخماسية التي تتسلق بأصابع ثابتة جدار الدار الخشن فتصبغه بكل خضرة البعث وتجعل منه شجرة، فرع شجرة عريض يحضن الزوج والولد وجدران اللحم والحب.. بينه وبين الموت ما بين الموت والحب، لم يكن يظن لحظة واحدة، أن بينه وبين الزوج والولد وجدران اللحم والحب لحظة موت واحدة، واقفة عند المنعطف، مشهرة أظافرها العشرة كأنصال مشرعة بالانتظار..
    لحظة موت واحدة ولكنها حاسمة ونهائية.. ولم يكن يعرف، هو، أنها واقفة هناك، بالانتظار، كان بينه وبينها يقف أيار..
    إلا أنه كان بلا بد أن يمر من ذلك المنعطف، ولمدى لحظة واحدة فقط أحس رجفة الترقب الرهيب، فباطأ خطواته هنيهة وأصاخ السمع، وحينما لمعت أمام بصره الأظافر المشرعة لم يفكر إلا بالنزال..
    قد يكون ذلك حدث منذ زمن سحيق..
    سحيق كأزل بلا قرار.. سحيق كالعدم أو بذرة العبث، وراء مدى التذكر، فوق مستوى التخمين، ولكنه الآن ودائماً في صلب الإحساس، ينز الدم كل لحظة، ويخفق مرتجاً مثل سمكة هلامية على الارتجاج يرجعها إلى الموج الذي رماها فوق رمل الشاطئ..
    النزال! ما زال يذكر مقاطع مقطعة منه، ممزوجة بالوعي وبالغيبوبة: لقد انهالت الأظافر عليه فأعملت به تمزيقاً، تجمعت حواليه فافترست جلده وانغرزت في خاصرتيه ورئتيه فأخذ يلهث دماءه، كلما استدار سدت عليه الأظافر منافذ الحياة ومنافذ أيار وتشابكت كالسيوف أمام عينيه وأنفه فمنعت عنه الرؤيا ومنعت عنه الهواء.. ومثل من على وشك أن يستيقظ أو ينام تعرف إلى بعض تلك الأظافر ولكن حنجرته كانت قد تجرحت وسدتها الدماء فحشرج: حتى أنت؟ وفي لحظة تالية أحس دبيب الموت، إلا أن أيار كان ضخماً وكان كبيراً وكان قد صبغ الطريق بالخضرة.. أحس بالأصابع تغوص إلى قلبه فتبقره، وانهالت خيوط الدم فوق صدره زاحفة مثل أفاع حمراء رفيعة وتجمعت عند قدميه وسالت جدولاً قانياً في الطريق..
    انسحبت الأظافر فبقي جامداً واقفاً لمدى لحظات كالدهر.. لقد أحس بالحياة تتسري من جسده وبات إحساسه بالموت صلباً وكبيراً ولكنه لم يشأ أن يقع فتجالد واضعاً كفيه فوق وجهه.. إلا أن الموت كان قد وصل، وسمعه يمشي فتخفق خطواته بالأناشيد البعيدة.. لقد أتى من تحت، تسلق ساقيه فأحس بالعجز، ولمدى لحظة واحدة عرف أن كل شيء قد انتهى، وأن بينه وبين الزوج والولد وجدران الحب واللحم ما بين أنفه والهواء.. بينه وبين أيار ما بين الخضرة وجدول الدم.. سقط، حفرت ركبتاه في الأرض حفرتين مدورتين.. بقي راكعاً وكفيه فوق وجهه، لحظة واحدة فحسب، أيار يتراجع، جدول الدم يفتش عن مصب، وصل الموت بأناشيده إلى خاصرتيه فوقع، حفر جبينه حفرة مدورة في التراب.. صمت الموت: الشهيد يصلي..

    -2-

    جدول الموت
    في نفس تلك اللحظة حدث شيء لم يلحظه أي إنسان بين أولئك الذين تكوموا حول الميت ينظرون إليه بفضول قبل أن تصل سيارة الصحة فتحمل الجسد إلى القبر أو إلى المحرقة..
    ذلك انه في المكان الذي سقط فوقه الجبين، في الحفرة المدورة التي صنعتها السقطة، ولد طفل صغير..
    ليس يدري أحد بالضبط كيف حدث ذلك، الآن، بوسع الكثيرين أن يقولوا بأن الطفل الصغير انبثق من الجبين بعد أن أنضجه التراب الساخن الرطيب.. بوسع غيرهم أن يقولوا بأن الطفل كان موجوداً في التراب أصلاً فأيقظته السقطة.. ولكن الحقيقة الأقرب للتصديق أن الطفل انبثق من العينين، لفظته العينان مثلما يلفظ الرحم المترع الوليد.. وأن في عين كل رجل –يقتل ظلماً- يوجد طفل يولد في نفس لحظة الموت، إلا أنه سرعان ما يموت هو الآخر لأن مسافة السقوط، من عين الرجل إلى الأرض مسافة طويلة لا تتحملها بنيته الضئيلة.. على أب حال لقد عاش ذلك الطفل لأنه غاص في الرمل، وعاش هناك دون أن يلحظه إنسان فيدوسه قاصداً أو غير قاصد..
    كان مخلوقاً ضئيلاً له ملامح رجل.. كان وجهه حاد الملامح حتى ليخيل للمرء، لو يراه، بأنه منحوت من حجارة صلدة بازميل خشن، كان فمه مطبقاً بإحكام فهو لا يتكلم، وكانت جفونه ملتصقة ببعضها فهو لا يرى، وكان ضئيلاً ضئيلاً مثل عقدة الأصبع، أسود اللون قاتماً قاتماً كالليل، إلا أن قلبه كان شديد البياض، كان الشيء الأبيض الوحيد في الجسد الضئيل وكان بوسع المحدق إلى الصدر الأسود أن يراه ينتفض، كمنقار عصفور قزم، داخل تلك الضلوع المتشابكة السوداء..
    كانت بنيته الصغيرة متينة ومتناسقة وبديعة، كفاه فيهما عشرة أصابع كل أصبع له ثلاث عقد، تماماً مثل الإنسان، وكانت عضلات صدره تنغرس فوق ضلوعه كالصدف الأسود، وكانت له أحلامه وآماله وأوجاعه ومطامحه وذكرياته تماماً مثل سائر البشر.. كل الفرق هو أنه كان صغيراً جداً، وكانت عيناه مغلفتين وشفتاه ملتصقتين.. ولكنه كان يتنفس، وكانت أكوام التراب المتراكمة فوقه وحوله غير قادرة على قتله..
    لم يلحظ ولادته أي إنسان ولم ينتبه إليه أحد حين غاص في الرمل الرطب عميقاً عميقاً.. ولما حمل الحفارون جسد الميت إلى المقبرة أو المحرقة تفرق الناس، فخفت من فوق كاهل الأسود الصغير وطأة أقدام الجموع.. عندها فقط اكتشف أنه وحيد وتائه، إلا أنه لم يستطع أن يحول بين ساقيه وبين رغبة المسير، فانطلق إلى الأمام، شاقاً بأظافره طريقه الصغير، كالدودة، داخل تلك الرمال المتراكمة حواليه وفوقه دون توقف ودون تعب، ساعة وراء ساعة ويوماً إثر يوم على غير هدى وعلى غير ضياء، يأكل رملاً ويتنفس رملاً ويشرب عصير الرمل، لا يلتفت إلى الوراء ولا يتطلع إلى فوق ولا يحول رأسه إلى الجوانب.. وكان يحس، فيما هو يشق طريقه المظلم، أقدام الناس فرق رأسه تروح وتجيء فيشعر بأنه لو جرب أن يصعد إلى فوق إذن لديس كما تداس الخنافس.. أصوات أقدام، هدير أنهار، هرج أمواج، كل لحظة كل ساعة كل يوم.. ووراءه كان يجري جدول الدم كأنه يلاحقه، كأنه قدره..


    -3-
    الموت للند
    مرت سنوات وأنت تحت الأقدام أيها الأسود الصغير! تراك انبثقت من حداقة أبيك الأعمى أعمى أبكم أم أن التراب ملأ فمك وانزرع في عينيك؟ بينك وبين النور سنوات أيها الأسود الصغير، وبينك وبين جدران اللحم والحب سنوات! أهو قدرك، أيها الأسود، أن تعيش في التراب وتتنفس في الظلام وتلاحق بجدول الدم؟ أهو قدرك، أيها الأسود الصغير بأن تداس كل بعمرك وأن يطأ الناس، كل الناس، فوق كاهلك، وأن تأكل تراباً وتتنفس وتشرب عصير التراب؟
    أيها العملاق الممسوخ، يا عين أبيك المذبوح بالأظافر، لماذا لا تموت؟ لماذا لا تتوقف لحظة واحدة تحت الأكوام من الأتربة فينطفئ الضوء الأبيض المعلق في صدرك؟ أتراك تدري بأن حياتك مرهونة بذلك التراكض الوحشي المذعور؟ أتراك تعرف بأنك توقفت لأغرقك مد الدم ولانتهيت؟ أيها الأسود الصغير التعس.. لماذا لا نموت؟

    * * *
    إلا أن الولد الضئيل لم يكن يبالي بكل تلك الهواجس التي كانت تلح على رأسه، وكان يواصل سعيًه كالمسعور مستشعراً ذلك الهدير الشيطاني لنهر القدم وراءه، متلمساً طريقه بحذق الأعمى وصلابة الحجر.. في غمرة تلك السنين المديدة صار بوسع أظافره أن تخدش الحديد إذا ما اعترض الانطلاق المصمم. ولم تعد الهواجس الرمادية قادرة على إيقاف الحماس الملتهب لحظة واحدة.
    بعد كل تلك السنين التي مرت على ولادته، لم يحس به أحد، ولذلك لم يعط اسماً، لم يضعه أحد في حسابه ليتعرف عليه باسم أو بلقب.. لم يشعر وجوده أحد.. صحيح؟ كلا! واحد فقط، الموت الذي ذبح أباه بأظافره هند منعطف أيار قبل سنوات وسنوات كان يعلم أن الوليد الأسود موجود في مكان ما تحت تلك الأرض فحشد الأقدام لتدوس منافذ الخروج.. لم يكن يستطيع أن يفعل أكثر من ذلك..

    * * *
    كبرت أيها الأسود الصغير! صار عمرك أربع عشرة سنة، أربعة عشر أيار من فوقك، جدول الدم سقى أربعة عشر ربيعاً أيها الأسود الصغير وأنت ماض كالدود تبحث عن ماذا؟ أي خلاص ترتجي؟ أين ستنتهي بك الطريق أيها التعس.. ألم تفكر قط بأن تنتهي؟ بأن تريح الأقدام من عناء البحث عنك لتدوسك؟ عن أية نهاية تبحث؟ عن أية نهاية؟ ما زال القنديل الأبيض ينوس في صدرك.. فحتى متى؟ أنت صغير على النزال.. والأظافر العشرة ما زالت مشرعة لامعة كالأنصال تترقب بزوغك لتجفف بجلدك الأسود جدول الدم..
    أنت صغير على نزال أعدائك أيها المسخ..
    يا عين أبيك القتيل فوق ربيع أيار
    أيها الذي يعيش تحت أكداس الأقدام.. أكبر.. أكبر.. لماذا لا تكون نداً قبل أن تموت؟
    مت.. مت.. لقد نزفت عرقك وأذبت عضلك دون أن تطفئ تلك النقطة البيضاء المعلقة في صدرك كالقنديل.. مت! ماذا بقي منك؟ تقول الكثير؟ نطقت؟ انفكت شفتاك عن أسنانك؟ لقد نزفت من العرق ما يصنع ألف رجل كبير.. يا عقدة الأصبع! أيها المسخ، يا عين الشهيد.. لا تمت قبل أن تكون نداً.. لا تمت..

    بيروت -1962



















    أرض البرتقال الحزين
    عندما خرجنا من يافا إلى عكا لم يكن في ذلك أية مأساة.. كنا كمن يخرج كل عام ليمضي أيام العيد في مدينة غير مدينته. ومرت أيامنا في عكا مروراً عادياً لا غرابة فيه، بل ربما كنت لصغري وقتذاك استمتع بتلك الأيام لأنها حالت دوني ودون الذهاب للمدرسة.. مهما يكن، ففي ليلة الهجوم الكبير على عكا بدأت الصورة تتوضح الصورة أكثر فأكثر.. ومضت تلك الليلة قاسية مرة بين وجوم الرجال، وبين أدعية النسوة.. لقد كنا أنا وأنت ومن في جيلنا، صغاراً على أن نفهم ماذا تعني الحكاية من أولها إلى آخرها.. ولكن في تلك الليلة بدأت الخيوط تتوضح وفي الصباح، ساعة انسحب اليهود متوعدين مزبدين... كانت سيارة شحن كبيرة تقف في باب دارنا.. وكانت مجموعة بسيطة من أشياء النوم تقذف إليها من هنا وهناك بحركات سريعة محمومة.. كنت أقف متكئاً بظهري على حائط البيت العتيقة عندما رأيت أمك تصعد إلى السيارة، ثم خالتك، ثم الصغار، وأخذ أبوك يقذف بك وبأخوتك إلى السيارة، وفوق الأمتعة، ثم انتشلني من زاويتي ورفعني فوق رأسه إلى القفص الحديدي في غرفة السائق حيث وجدت أخي رياض جالساً بهدوء.. وقبل أن أثبت نفسي في وضع ملائم، كانت السيارة قد تحركت.. وكانت عكا الحبيبة تختفي شيئاً فشيئاً في منعرجات الطرق الصاعدة إلى رأس الناقورة..
    كان الجو غائماً بعض الشيء، وإحساس بادر يفرض نفسه على جسدي، كان رياض جالساً بهدوء شديد، رافعاً ساقيه إلى ما فوق حافة القفص، ومتكئاً بظهره على الأمتعة محدقاً في السماء.. وكنت أنا جالساً بصمت، واضعاً ذقني بين ركبتي طاوياً فوقهما ذراعي.. وحقول البرتقال تتوالى على الطريق.. وشعور بالخوف يتآكلنا جميعاً.. والسيارة تصعد لاهثة فوق التراب الند.. وطلقات بعيدة كأنها تحية الوداع...
    وعندما بدأت رأس الناقورة تلوح من بعيد، غائمة في الأفق الأزرق وقفت السيارة.. ونزلت النسوة من بين الأمتعة وتوجهن إلى فلاح كان يجلس القرفصاء واضعة سلة برتقال أمامه مباشرة.. وحملن البرتقال.. ووصلنا صوت بكائهن... وبدا لي ساعتذاك أن البرتقال شيء حبيب.. وأن هذه الحبات الكبيرة النظيفة هي شيء عزيز علينا.. كانت النساء قد اشترين برتقالات حملنها معهن إلى السيارة، ونزل أبوك من جانب السائق، ومد كفه فحمل برتقالة منها.. أخذ ينظر إليها بصمت... ثم انفجر يبكي كطفل بائس...
    في رأس الناقورة.. وقفت سيارتنا بجانب سيارات كثيرة... وبدأ الرجال يسلمون أسلحتهم إلى رجال الشرطة الواقفين لهذا الغرض... وعندما أتى دورنا، ورأيت البنادق والرشاشات ملقاة على الطاولة... ورأيت إلى صف السيارات الكبيرة يدخل لبنان طاوياً معارج طرقاتها ممعناً في البعد عن أرض البرتقال... أخذت أنا الآخر، أبكي بنشيج حاد.. كانت أمك ما زالت تنظر إلى البرتقالة بصمت.. وكانت تلتمع في عيني أبيك كل أشجار البرتقال التي تركها لليهود... كل أشجار البرتقال النظيف التي اشتراها شجرة شجرة، كلها كانت ترتسم في وجهه... وترتسم لماعة في دموع لم يتمالكها أمام ضابط المخفر....
    وعندما وصلنا صيدا، في العصر، صرنا لاجئين...

    ***

    احتوتنا الطريق فيمن احتوت.. كان أبوك قد كبُرَ عن ذي قبل، وبدا كأنه لم ينم منذ زمن طويل... كان واقفاً في الشارع أمام الأمتعة الملقاة على الطريق، وكنت أتخيل تماماً أنني إن سعيت إليه لأقول شيئاً ما فإنه سينفجر في وجهي: يلعن أبوك.. يلعن.. كانت هاتين الشتيمتين تلوحان على وجهه بوضوح، بل إنني أنا أيضاً، الطفل الذي نشأ في مدرسة دينية متعصبة، كنت ساعتذاك أشك في أن هذا الله يريد أن يُسعد البشر حقيقة.. وكنت أشك في أن هذا الله يسمع كل شيء...
    ويرى كل شيء.. إن الصور الملونة التي كانت توزع علينا في كنيسة المدرسة، والتي كانت تمثل الرب يشفق على الأطفال وينتسم في وجوههم، بدت هذه الصور كأنما هي الأخرى أكذوبة من أكاذيب الذين يقتحون مدارس محافظة كي يقبضوا أقساطاً أكثر... لم أعد أشك في ان الله الذي عرفناه في فلسطين قد خرج منها هو الآخر، وأنه لاجئ من حيث لا أدري، غير قادر على حل مشاكل نفسه، وأننا نحن، اللاجئين البشر، القاعدين على الرصيف منتظرين قدراً جديداً يحمل حلاً ما.. مسؤولين عن إيجاد سقف نقضي الليل تحته: كان الألم قد بدأ يفتك بعقل الصغير الساذج..
    إن الليل مخيف... والعتمة التي كانت تهبط شيئاً فشيئاً فوق رؤوسنا، كانت تلقي الرعب في قلبي.. مجرد أن أفكر في أني سأقضي الليل على الرصيف كان يستثير في نفسي شتى المخاوف... ولكنه خوف قاس جاف... لم يكن أحد على استعداد لأن يشفق علي.. لم أكن أستطيع أن أجد بشراً التجئ إليه... وأن نظرة والدك الصامتة تلقي رعباً جديداً في صدري...
    والبرتقالة في يد أمك تبعث في رأسي النار... والجميع صامتون، يحدقون في الطريق الأسود، طامعين أن يبدو القدر من وراء المنعطف يوزع علينا حلولاً لمشاكلنا، ونمضي معه إلى سقف ما.. وأتى القدر فجأة.. كان عمك قد وصل البلدة قبلنا.. وكان هو قدرنا.
    لم يكن عمك يؤمن كثيراً بالأخلاق، ولكنه عندما وجد نفسه على الرصيف، مثلنا، لم يعد يؤمن إطلاقاً... ويمم وجهه شطر بيت تسكنه عائلة يهودية، وفتح بابه، وألقى بأمتعته فيه، وأشار لهم بوجهه المكور قائلاً بلسان فصيح: اذهبوا على فلسطين... من المؤكد أنهم لم يذهبوا لفلسطين، ولكنهم خافوا من يأسه فذهبوا إلى الغرفة المجاورة وتركوه ينعم بالسقف والبلاط..
    لقد قادنا عمك إلى غرفته تلك... وكدّسنا فيها مع أمتعته وأهله، وفي الليل نمنا على الأرض فامتلأت بأجسادنا الصغيرة، والتحقنا بمعاطف الرجال، وعندما نهضنا في الصباح، كان الرجال قد أمضوا ليلتهم جالسين على الكراسي... وكانت المأساة قد بدأت تجد طريقاً معبداً يقودها إلى خلايا أجسادنا كلنا!
    لم نسكن في صيدا كثيراً.. فغرفة عمك لم تكن تتسع لنصفنا، ورغم ذلك فقد احتوتنا ثلاث ليال... ثم طلبت أمك من أبيك أن يبحث عن عمل ما، أو فلنرجع البرتقال... ولكن أباك صاح في وجهها بصوت يرتجف بالنقمة.. فسكتت.. كانت مشاكلنا العائلية قد بدأت... والعائلة السعيدة المتماسكة خلفناها مع الأرض والسكن والشهداء...
    لم أدر من أين أتى أبوك بالنقود.. إنني اعرف أنه قد باع الذهب الذي اشتراه لأمك يوم كان يريدها أن تسعد وتفخر بأنها زوجه.. ولكن ذلك الذهب لم يأت بالشيء الكثير القادر على حل مشاكلنا، فكان لا بد من مصدر آخر: هل استدان شيئاً؟ هل باع شيئاً آخر أخرجه معه دون أن نراه؟ إنني لا أدري، ولكنني أذكر أننا قد انتقلنا إلى قرية في ضواحي صيدا... وهناك، قعد أبوك على الشرفة الصخرية العالية يبتسم لأول مرة... وينتظر يوم الخامس عشر من أيار كي يعود في أعقاب الجيوش الظافرة..
    وأتى يوم "15 أيار" بعد انتظار مر... وفي الساعة الثانية عشرة تماماً، لكزني أبوك بقدمه وأنا مستغرق في نومي قائلاً بصوت يهدر بالأمل الباسل: قم.. فاشهد دخول الجيوش العربية إلى فلسطين.. وقمت كالمسعور.. وانحدرنا عبر التلال حفاة في منتصف الليل إلى الشارع الذي يبعد عن القرية كيلو متراً كاملاً.. كنا كلنا، صغاراً أو كباراً نلهث ونحن نركض كالمجانين.. وكانت أضواء السيارات تبدو من بعيد، صاعدة إلى رأس الناقورة، وحين وصلنا إلى الشارع أحسسنا بالبرد، ولكن صياح أبيك كان يملك علينا وجودنا.. لقد أخذ يركض وراء السيارات كطفل صغير.. إنه يهتف بهم.. إنه يصيح بصوت أبح.. إنه يلهث.. لكنه ما زال يركض وراء رتل السيارات كطفل صغير... كنا نركض بجواره صائحين معه، وكان الجنود الطيبون ينظرون إلينا من تحت خوذهم بجمود وصمت... كنا نلهث، فيما كان أبوك يخرج من جيبه، وهو يركض بأعوامه الخمسين، لفافات التبغ يرميها للجنود، كان لا يزال يهتف بهم. وكنا نحن لا زلنا نركض إلى جواره كقطيع صغير من الماعز..
    وانتهت السيارات فجأة.. وعدنا إلى الدار منهوكين نلهث بصفير خافت..
    كان أبوك صامتاً لا يتكلم، وكنا نحن أيضاً لا نقوى على الكلام... وعندما أضاءت وجه أبيك سيارة عابرة.. كانت دموعه تملأ وجنتيه..
    بعدها، مضت الأمور ببطء شديد.. لقد خدعتا البلاغات ثم خدعتنا الحقيقة بكل مرارتها.. واخذ الوجوم يعود إلى الوجوه من جديد.. وبدأ والدك يجد صعوبة هائلة في التحدث عن فلسطين وفي التكلم عن الماضي السعيد في بياراته وفي بيوته.. كنا نحن نشكل جدران المأساة الضخمة التي تملك حياته الجديدة، وكنا نحن أيضاً، أولئك الملاعين الذين يكتشفون بسهولة شديدة، إن الصعود إلى الجبل في الصباح بناء على أوامر والدك، معناه إلهاءنا عن طلب الفطور....
    وبدأت الأمور تتعقد.. كان أبسط شيء قادراً بشكل عجيب على استثارة والدك.. إنني أذكر تماماً يوم طالبه أحدهم بشيء لا أدريه ولا أذكره.. لقد انتفض.. ثم بدأ يرتجف كمن مسه تيار صاعق.. ودارت عيونه تلتمع في وجوهنا.. كانت فكرة ملعونة قد أوجدت طريقها إلى رأسه، فانتفض واقفاً كمن وجد نهاية ترضيه... وفي غمرة من شعور الإنسان بقدرته على إنهاء مشاكله، ومن شعوره بالرعب قبل إقدامه على أنر خطير أخذ يهذي.. وأخذ يدور حول نفسه باحثاً عن شيء لا نراه...
    ثم انقض على صندوق كان قد خرج معنا من عكا وأخذ ينثر ما فيه بحركات عصبية مخيفة... وفي لحظة واحدة، كانت أمك قد فهمت كل شيء.. وبدافع من ذلك الاضطراب الذي تقع فيه الأم عندما يتعرض أبناؤها للخطر.. أخذت تدفعنا إلى خارج الغرفة دفعاً وتطلب منا أن نهرب إلى الجبل.. ولكننا لم نبرح النافذة... وألصقنا آذاننا الصغيرة في خشبها نستمع برعب شديد إلى صوت أبيك: "أريد أن أقتلهم وأريد أن أقتل نفسي... أريد أن أنتهي.. أريد أن..."
    وسكت أبوك.. وعندما عدنا ننظر إلى الغرفة من شقوق الباب، وجدناه ملقى على الأرض يلهثُ بصوت مسموع ويمضغ أسنانه وهو يبكي.. بينما قعدت أمك في ناحية تنظر إليه بجزع.. لم نفهم شيئاً كثيراً... ولكنني أذكر أنني عندما رأيت المسدس الأسود ملقى على الأرض بجانبه... فهمت كل شيء... وبدافع من ذلك الرعب القاتل الذي يصيب طفلاً شاهد غولاً على حين غرة.. أخذت أعدو في الحبل .. هارباً من الدار..
    وعندما كنت أبتعد عن الدار كنت أبتعد عن طفولتي في الوقت ذاته، كنت أشعر أن حياتنا لم تعد شيئاً لذيذاً سهلاً علينا أن نعيشه بهدوء... إن الأمور قد وصلت إلى حد لم تعد تجدي في حلة إلا رصاصة في رأس كل واحد منا.. يجب إذن أن نحرص في تصرفاتنا على أن نبدو بشكل لائق... يجب ألا نطلب الأكل ولو جعنا... يجب أن نسكت عندما يتكلم الأب عن مشاكله، ونهز رؤوسنا باسمين عندما يقول لنا "اصعدوا الجبل ولا تعودوا إلا في الظهر.."
    في المساء.. عندما خيم الظلام عدت إلى الدار.. كان أبوك ما زال مريضاً، ما زال مريضاً، وأمك جالسة بجواره، وكانت عيونكم جميعاً تلتمع كأنها عيون القطط، وكانت شفاهكم ملتصقة كأنها لم تتفتح أبداً.. كأنها أثر لجرح قديم لم يلتئم كما يجب..
    كنتم مكومين هناك، بعيدين عن طفولتكم كما كنتم بعيدين عن أرض البرتقال... البرتقال الذي قال لنا فلاحٌ كان يزرعه ثم خرج أنه يذبل إذا ما تغيرت اليد التي تتعهده بالماء..
    كان أبوك ما زال مريضاً ملقىً في فراشه، وكانت أمك تمضغ دموع مأساة لم تغادر عينيها حتى اليوم...
    لقد دخلت الغرفة متسللاً كأنني المنبوذ.. وحينما لامست نظراتي وجه أبيك يرتجف بغضب ذبيح.. رأيت في الوقت ذاته المسدس الأسود على الطاولة الواطئة.. وإلى جواره برتقالة..
    وكانت البرتقالة جافة يابسة..

    الكويت - 1958






    فتيل في الموصل


    حين كتبت هذه القصة أهديتها إلى صديقي م. الذي ذهب إلى الموصل ثم ضاعت أخباره، ولكني لم انشرها حينذاك لأن قصة صديقي م. لم تكن قد انتهت بعد.. كنت أريد أن يصير بوسعي صياغة الإهداء بالشكل التالي"
    "إلى صديقي م. وقبره يغتسل بالشمس الحقيقية..." فكان عليّ أن أنتظر حتى 8-3-1963م.

    (غ)
    ***
    قال فجأة..
    - هل تعرف طالباً أردنياً يدرس في جامعة بغداد اسمه "معروف"؟
    - قابلته مرة..
    كان الموج قد بدأ يرتفع مع المد حاملاً في خط مستقيم أسراب الجراد التي سقطت في البحر حينما عجزت أجنحتها الشفافة عن حملها إلى الشاطئ، قال بهدوء:
    - لقد قتل...
    - كيف؟ معروف؟ كيف قتل؟
    وصلت في تلك اللحظة موجة صاخبة ألقت أمامنا سرباً آخر من الجراد.. تناول منه جرادة صفراء، جسمها الطويل محفوف بأرجل منشارية، ورفعها أمام عيني نازعاً جناحيها الشفافين متمتماً بصوت فاجع:
    - هكذا...
    - ولكن اين قتل... أين؟
    - في الموصل..
    - ما الذي قاده إلى هناك؟..

    ***
    معروف شاب قصير القامة، نحيل الجسم إلى حد مرضي، ولكنه رغم كل شيء يتمتع بروح فكهة تخفي في أعماقه قلقاً له جذور سوداء تمتد إلى اليوم الذي كان عمره فيه لا يتجاوز العشر سنوات، حينما وصل مع اه إلى أول بئر ماء بعد أن طردا من بلدتهما الصغيرة، اللد.. كانت أمه العطشى وكانت حافة البئر مكتظة بمئات من الرجال والنساء الذين ينتظرون فرصهم لكي يشربوا ولكي يعيشوا... لقد زاحم الناس بإصرار رجل بائس... وحينما عاد إلى أمه بالماء الملوث بالتراب: كانت قد ماتت...
    لقد مرت سنوات طويلة على اليوم ذاك، يوم وقف أمامها حاملاً في راحتيه الصغيرتين كوز ماء قذر.. كانت تتكئ على صخرة حمراء.. وجهها الشاحب يفضح أي صمت قابلت به عذاب موت رهيب.. كانت شفتاها سوداوين مجعدتين.. وكان لسانها كبيراً مدوراً يسد مجرى النفس.. لقد وقف لحظة دون أن يعي.. وحينما هزه أحدهم كي يسير مع القافلة عرف أن كوز الماء قد خطف من يده أثناء شروده..
    لقد كان الطريق طويلاً منذ غادر البئر إلى أن وصل إلى باب الجامعة.. كان طريقاً طويلاً موحلاً.. ولكن يهل سمع أحد في يوم ما أن "معروفاً" يريد شيئاً من هذه الحياة؟ يهمه أمر ما؟ يطمح لمستقبل محدد؟ يناضل من أجل هدف؟ يعيش لغاية؟ كلا.. إن أحداً لم يسمع.. لقد قال لي مرة فيما هو يقلب جريدة في يده.. "اسمع يا فيلسوفي الصغير.. الإنسان يعيش ستين سنة في الغالب، أليس كذلك؟ يقضي نصفها في النوم.. بقي ثلاثون سنة.. اطرح عشر سنوات ما بين مرض وسفر وأكل وفراغ.. بقي عشرون.. إن نصف هذه العشرين قد مضت مع طفولة حمقاء... ومدارس ابتدائية.. لقد بقيت عشر سنوات... عشر سنوات فقط، أليست جديرة بأن يعيشها الإنسان بطمأنينة؟"
    بهذه الفلسفة كان يقابل أي تحد يواجهه.. كان يحل مشاكله بالتسامح.. وحين يعجز التسامح يحلها بالنكتة.. وحين تعجز النكتة يفلسفها..
    سألته مرة محاولاً أن لأجر رأسه لتأييد مشروع حزبي:
    - ألست تريد الرجوع إلى فلسطين؟
    قال وهو يضحك..
    - حتماً أريد.. لسوف أوفر عليك سؤالك التالي.. أتعرف قصة هانيبال؟ حينما عبر جبال الألب سار وجنوده خلف الأفيال.. حسناً أنا لست فيلاً... أنتم الفيلة... حينما تعبرون الحدود غلى فلسطين سوف أكون خلفكم.. أنا صرصار صغير سأحتمي بأظلال فيلة هانيبال...
    أتصدق مثل هذا الإنسان.. الذي عاش على مثل هذه الترهات اللطيفة الساذجة، والذي قاوم كل أنواع الجذب، كل أنواع التحدي.. أتصدق أن هذا الإنسان تغير دفعة واحدة؟. كيف تغير؟؟ لا أحد يدري!.. لقد أصبح وجهه مربداً كما لو أنه ما زال يحمل كوز الماء أمام جسد أمه الممد بصمت فاجع.. بل إنه كان يجد لذة وراحة حينما يأخذ في الحديث عن تلك اللحظة.. لقد قال لي يوماً إذ كنا عائدين إلى الدار في منتصف الليل:
    - أتعرف شيئاً.. إن حياة بعض الناس كالشريط السينمائي العتيق الذي تقطع، فوصله فنان فاشل من جديد بصورة خاطئة.. لقد وضع النهاية في الوسط ووضع الوسط في النهاية...
    كنت أعرف أنه يتحدث عن نفسه، ولم أحاول أن أنظر إلى وجهه كي أتأكد من ان عينيه تدمعان ولكنني رغبت في أن أواصل التحدي منتهزاً ضعفه في تلك اللحظة.. فقلت:
    - أتريد أن أناديك حينما تبدأ أفيال هانيبال بعبور حدود فلسطين؟...
    ارتجف قليلاً.. ولكنه حافظ على هدوء غريب، وسمعت صوته يهمس باستسلام:
    - على بعض الرجال أن يقودوا الأفيال...
    لماذا تغير معروف؟ لا أحد يدري... سألته مرة عن هذا الموضوع فقال وهو يشير براحتيه المبسوطتين كي يؤكد جوابه.. "لا شيء... لقد كانت الكذبة فوق والحقيقة تحت... فانقلب كل شيء... أصبحت الحقيقة فوق والكذبة تحت..."
    - ولكن ما الذي احدث هذا القلب؟..
    بسط راحتيه إلى الأمام وقلب شفته السلفى ثم صمت.
    ***

    ارتفع المد أكثر ثمن ذي قبل حتى غطى الماء أقدامنا الممددة على الرمل، فابتعدنا قليلاً كي تستريح على صخرة مرتفعة.. كان صوت ارتطام الموج بالصخرة يعطي لحناً جنائزياً للشمس الوردية التي أخذت تهبط ببطء، خلال غيوم قرمزية نحو الماء.
    صمت صديقي من جديد كأنما ليحشد صدره بشجاعة جديدة، ثم سأل فجأة:
    - ولكن أين قابلت معروف؟
    - لقد تعرفت إليه في السيارة التي عبرت بنا الطريق ما بين دمشق وبغداد.
    - أنت تعرف بغداد إذن؟
    - آه نعم.. لقد مكثت فيها أكثر من شهر..
    - قبل الثورة أم بعدها؟
    - بعدها بأيام قليلة...
    - هل تعرفت إلى معروف جيداً في السيارة؟

    ***
    سيارات الدرجة الأولى لشركة (...) ليست جيدة على الإطلاق، فالمكيف الذي يميزها عن سيارات الدرجة الثالثة كان معطلاً... أما الماء فقد كان بارداً حقاً... بارداً إلى درجة لم نستطع معها أن نشربه، فجهاز التبريد كان يعمل على مزاجه ولم تكن هناك وسيلة لإيقافه عند درجة معينة.. لم تكن السيارة مكتظة بالركاب... وحينما صعدت سلمها القصير لاحظت لتوي أن رفاق السفر لن يكون بوسعهم ان يقصروا الطريق على الإطلاق.. في المقعد الأول جلس شيخ وقور صامتاً كتمثال..
    وخلفه مباشرة جلس كهل بشرخ في وجهه ونظارة سميكة، وإلى جانبه ابنته، أو أخته، كانت سمينة وقد لبست فستاناً غريباً يتوسط صدره هرم مقلوب من قماش سميك مما جعل نهديها يندفعان إلى الجانبين غير لائقة...
    أما بقية الركاب فقد كانوا من العجائز... لقد جلست في مقعدي صامتاً.. الطريق طويل.. والمزعج فيه أن أحداً لا يتكلم، ويخفف بكلامه شيئاً من حر بادية الشام..
    وصلت السيارة إلى "التنف" في الساعة الواحدة بعد منتصف الليل، وقبل أن تقف انفجر عجلها الأمامي وقال لنا السائق أننا سوف نضطر للانتظار ساعة كاملة من أجل إصلاحه ثم أشار إلي أن أهبط كي أساعده.. الهواء على الأرض كان بارداً لاذعاً، وحينما حملت المطرقة لاحظت إلى جانبي شاباً قصير القامة نحيل الجسم هبط من السيارة ورائي.
    قرعنا العجل سوية بالمطارق حتى تعبنا فجلسنا فوقه لنستريح قليلاً ولم أجد بداً من أسأل صاحبي القصير النحيل.
    - هل كنت راكباً في هذه السيارة؟
    - نعم.
    - غريب أنني لم أرك؟
    - كنت غارقاً في مقعدي.
    قلت بعد صمت قصير:
    - أين تريد الذهاب؟
    - إنني طالب في كلية الحقوق في بغداد.. وسوف تبدأ الدراسة بعد أسبوع
    - أنت سعيد بالثورة أليس كذلك؟
    - سعيد جداً... إنها خطون جيدة نحو "اللد"
    وحينما عادت السيارة تنهب الطريق الصحراوي، كنت جالساً إلى جوار معروف، وبعد لحظات أشار بعينيه إلى الكهل الذي كان منهمكاً بقراءة جريدته مع ابنته أو أخته ثم مال على أذني وهمس:
    - أتعرف ممن هؤلاء؟ بمن الشرفاء التقدميين! إنني أخاف على الثورة منهم...
    غرقنا بعد ذلك في الصمت.. ولكن السيارة سرعان ما توقفت حينما انفجر عجل جديد، وفتح السائق العملاق باب السيارة وطلب صمنا أن نهبط كي نصلح العجل مرة أخرى..
    وقبل أن نصل، رأينا الكهل يقترب من المطرقة الثقيلة، ويرفعها بين كفيه ولكنه يعجز عن إيصالها إلى ما فوق رأسه فيلقيها وهو يلهث.
    قال معروف منفجراً بالضحك:
    - أيها التقدمي المسكين، إن تجربتك العمالية الصغيرة قد فشلت، وهكذا فلن تستطيع أن تكون تقدمياً كاملاً... ماذا؟ أنت لا تستطيع أن ترفع المطرقة! كيف يمكن لك تدرك التناقض إذن؟
    نظر الكهل إلينا بقسوة، ثم عاد أدراجه مسرعاً إلى السيارة... وكررت الفتاة نفس المشهد ثم أخذت تحجل خلف كهلها وثدياها يهتزان على جنبي صدرها.
    وصلنا بغداد في فجر يوم حار... وأسرعنا لتونا إلى الفندق... وفي تلك الليلة قال لي معروف:
    - لسوف يحدث شيء خطير.. ألاحظت؟ إنهم يحشدون أنفسهم كالديدان، ينحشرون في الفنادق كما لو أنهم تداعوا لحشر أرضي، خرجوا من كل ثقوبهم وجاءوا إلى بغداد.. لماذا؟ أيمكن أقن تكون مؤامرة؟

    ***

    سقطت الشمس في نهاية الأفق، وبقي منها لون أحمر يخضب الغيوم الواطئة.. بعض الجراد استطاع أن يقطع المسافة وهوى على الشاطئ منهكاً يزحف بأرجله المنشارية نحو الرصيف تناول صديقي جرادة جديدة قصف أجنحتها الشفافة وألقاها في الماء.. تحركت قليلاً ثم طواها الزبد وسمعت صوته:
    - قتلوه هكذا.. تماماً هكذا...
    - ولكن ما الذي قاده للموصل؟ أنا أعرف أنه يعيش في بغداد..
    - أتريد أن أقول لك نفس كلامه؟ قال أنه يريد أن يخطو نحو اللد، إن الزيف الذي غرقت فيه بغداد قد قطع في صدره كل أمل بأن يعود وهو يعرف أن الموصل ليست مزيفة على الإطلاق... وهكذا فإنه انتهز عطلته كي يطير إلى هناك؟
    - ثورة...

    ***
    بغداد كل شيء أصبح غير ذي معنى... الديدان خرجت من بطن الأرض... وأصبح يشعر بأن الأيدي بدأت تجره بعيداً عن طريق العودة... الحياة هناك تقوم على خطأ... ما هو هذا الخطأ؟.. إنه يحسه إحساساً صلباً ويحاول أن يقتلعه من شروشه..
    - ولماذا كل هذا التعب؟ اتركهم... إنهم الأسياد الآن.. ولكن ذلك كان مستحيلاً.. كان من العسير رده:
    - إنها ثورة الزنج من جديد.. العبيد يحملون سوادهم في قلوبهم هذه المرة..
    - يا معروف.
    - ماذا تفعلون هنا؟ لقد تعودتم أن تعيشوا بلا هواء كالخفافيش... يجب أن نفعل شيئاً.
    - ماذا نفعل ؟
    فرضت المعركة علينا فرضاً.. كان في الموصل حينما حدثت الشرارة... واضطر أن يقدم نفسه للحريق...

    ***
    الموصل، رفضت الدود الذي يزحف إليها من بطن الأرض.. كل شيء في المدينة الصغيرة كان راضياً عن نفسه قبل أن يصل زحف الديدان... كان يقف على شرفة دار صديق حين رآهم يقبلون بوجوه ممسوحة بحقد ما تحت الأرض... كالدود الذي يتقنع باللون الأخضر كي يمتص الحياة رويداً رويداً...
    كان يقف على الشرفة، وكانوا يمرون من تحته بعربدة لحظة خرجت من حدود العقل... قال لصديقه ساعتها:
    - لقد وصلوا إلى هنا وعلينا أن نقف في طريقهم.. أرأيت الصراصير كيف تتحكم بمصير "أخيل"؟ إنها تلدغه في كعب قدمه.. وهو لا يموت إلا من هناك... إن الصراصير وحدها قادرة على قتل "أخيل" يا للسخافة!.
    وفي الصباح هبط الجيش على الشارع... كان كل شيء يحتم هذه اللحظة... وهربت الصراصير من جديد... وفي ذلك اليوم كان معروف في الشارع... وقال لصديقه:
    - مزيداً من الهواء... مزيداً من الهواء، لقد عادني إيمان طاغ بأنني سوف أعود إلى بلدتي الصغيرة.. ما زال "اخيل" قادراً على التنفس... وكل شيء حسن طالما لم يمت بعد.. وكانت تنير الشارع شمي حقيقية هذه المرة.. وكان معروف يتنفس بملء رئتيه، ومن الهواء الذي يحبه.. وكان كل شيء يبدو حقيقياً من جديد، لقد اختفت الصراصير، أما أولئك الذين صفقوا لها طويلاً فلقد التزموا الصمت بانتظار النتيجة...
    وفي الليلة التالية حدثت الفاجعة... وقال معروف لصديقه ويعيونه تدمع:
    - مات اخيل... وعادت الصراصير...
    - وماذا بودك أن تصنع؟
    - سوف أبقى هنا.
    - إلى متى؟
    - إلى الأبد... أيبدو لك الأبد بعيداً؟
    لقد رفض معروف أن يهرب.. وأصر على أن يبقى هناك حتى تمتص الصراصير آخر خفقة ريح في المدينة... ولقد دأب منذ تلك الليلة على المسير في الشارع الرئيسي ذهاباً وإياباً وكفاه معقودتان خلف ظهره... وكانت شفته السفلى ترتجف...
    وفي ظهر ذلك اليوم وقف صديقه على الشرفة... ورآه في رأس الشارع غارزاً رأسه بين كتفيه، عاقداً كفيه خلف ظهره يتحدث مع مسلحين.. كان هادئاً، وكان يجيب على الأسئلة بلا مبالاة واضحة، ثم عاد إلى مسيره الهادئ وكان يبدو أنه لم يجب على آخر سؤال طرحاه، بل قاطعهما وعاد يكمل طريقه..
    سار قليلاً قبل ان يصوب الرشاش إلى ظهره، ثم تدوي الطلقات المتتابعة ويسقط معروف على ركبتيه ورأسه بين كفيه، ثم تعجز ركبتاه فيهوي على وجهه..
    كان يبدو في وضعه ذاك كأنه حفار حيل بينه وبين أن ينقب أعماق الأرض، فانحنى يشمها.. كأنه طير قصت أجنحته فسقط.. كأنه جرادة منهكة بعد رحلة قاسية سقطت ميتة على شاطئ جاف يابس.
    وفي مساء ذلك اليوم كان جسد "معروف" ما زال ملقى في وسط الطريق بنفس تلك الصورة.. وحينما غربت الشمس حملته سيار

    mohammed

    عدد المساهمات : 4
    نقاط : 4
    السٌّمعَة : 5
    تاريخ التسجيل : 14/12/2009

    غسان

    مُساهمة  mohammed في الإثنين ديسمبر 14, 2009 11:16 pm

    انا باحب الرواية دي خالص

      الوقت/التاريخ الآن هو الثلاثاء أكتوبر 17, 2017 10:35 pm