منتدي جمال عزوز

أهلا بكم في المنتدى
منتدي جمال عزوز

منتدي الادب والفنون والكتابات النثرية والقصة القصيرة

المواضيع الأخيرة

» من كتاب الشخصية6
الإثنين ديسمبر 09, 2013 5:48 pm من طرف Admin

» من كتاب الشخصية5
الإثنين ديسمبر 09, 2013 5:46 pm من طرف Admin

» من كتاب الشخصية4
الإثنين ديسمبر 09, 2013 5:45 pm من طرف Admin

» من كتاب الشخصية3
الإثنين ديسمبر 09, 2013 5:44 pm من طرف Admin

» من كتاب الشخصية2
الإثنين ديسمبر 09, 2013 5:42 pm من طرف Admin

» من كتاب الشخصية
الإثنين ديسمبر 09, 2013 5:41 pm من طرف Admin

» نموذج من بناء الشخصية
الإثنين ديسمبر 09, 2013 5:39 pm من طرف Admin

» كيف تنشأ الرواية أو المسرحية؟
الإثنين ديسمبر 09, 2013 5:38 pm من طرف Admin

» رواية جديدة
الإثنين ديسمبر 09, 2013 5:26 pm من طرف Admin

التبادل الاعلاني

احداث منتدى مجاني

مارس 2017

الإثنينالثلاثاءالأربعاءالخميسالجمعةالسبتالأحد
  12345
6789101112
13141516171819
20212223242526
2728293031  

اليومية اليومية

تصويت

تدفق ال RSS


Yahoo! 
MSN 
AOL 
Netvibes 
Bloglines 

احصائيات

أعضاؤنا قدموا 254 مساهمة في هذا المنتدى في 142 موضوع

هذا المنتدى يتوفر على 35 عُضو.

آخر عُضو مُسجل هو sansharw فمرحباً به.


    الضفة المظلمة 2

    شاطر

    Admin
    Admin

    عدد المساهمات : 150
    نقاط : 444
    السٌّمعَة : 0
    تاريخ التسجيل : 30/10/2009
    العمر : 43

    الضفة المظلمة 2

    مُساهمة  Admin في الإثنين ديسمبر 14, 2009 3:31 pm

    II. الصورة
    لا بد للأمور من أن تحدث بطريقة مختلفة هذا السبت. كان قد تصفح مرة أخرى، وهو يتناول الفطور، النشرات الدعائية التي تقدم صوراً فوتوغرافـية متألقة الألوان، يرافقها وصف، بنثر غنائي حماسي، للشواطئ المرجانية والبراكين المدخنة، والأحجار الأثرية المجيدة. قرر أن يترك عمله حول خصائص التقليد الواقعي حتى عطلته فـي بيت الأسرة. خرج إلى الشارع، واتجه نحو وكالة رحلات، لكن فتى يبدو عليه النعاس أخبره، على الرغم من الوقت المبكر، أن برامج اليوم كلها قد انطلقت. وبعد لحظات من التردد، عاهد نفسه على الذهاب فـي رحلة فـي اليوم التالي، ومضى للتجوال فـي المدينة مرة أخرى.
    كان مخطط الشوارع يقوده دائماً فـي اتجاه الجهات الأربع، وكان إيقاع أفكاره يخضع بطريقة ما لتلك التحولات المتوالية. أدرك أن مسيراته الصغيرة فـي الأيام السابقة قد آلفته مع المظهر العام لبعض الأركان، وبعض الأماكن، وأبنية محددة. وبدأت مناظر معمارية كثيرة تبدو مألوفة لبصره. وقد قابل بداية هذا التآلف بإحساس من الحذر، فتحتَ مظهر تعدد ألوان المدينة، بدا كما لو أن الإشارات اليومية الكاشفة عن عالم معهود، تطلّ بصورة أكثر حميمية من التناقضات الماديّة. وهكذا بدا له، بزخم متزايد، كما لو أنه لا يزال فـي تلك المدينة البعيدة حيث بيت العائلة. ومتشرباً بهذا الإيحاء، راح يفكر فـي تلك السنين من حياته حين كان يجوب أرجاءها معتبراً صفاء سمائها، وطيب هوائها، وجمال صروحها أموراً لا جدال فـيها، متورطاً فـي شبكة عويصة من المهام والواجبات والذكريات ومدّ العواطف وجَزرها، كما لو أن عالم العلاقات يخضع للقوانين المؤكدة نفسها التي تجعل الكاتدرائية جميلة، أو نسيم المساء عليلاً. أما الآن، فإن التوافق الغامض مع هذه المدينة البعيدة، يجعله يعدّل ذلك التقبل الذي لم يكن يقبل الجدل، موحياً إليه برؤية أن الواقعين كليهما يشكلان واقعاً واحداً ويوحدان ظلالهما المختلفة والمتناقضة. وبعيداً عن كل رؤية نفعية، تصور أن تلك الصروح كلها مهدّدة بالهرم. وفكر فـي الوقت نفسه فـي أن أشد علاقاته قرباً، وبصورة خاصة جداً تلك التي كانت تربطه بأبويه، لم تكن سوى مجرد نظام بروتوكولات رسمية وشكليات بلا جوهر ولا دفء، مجرد طقوس، مثلها مثل المخدرات، تهلوس الإدراك الحقيقي مزيفة كل المعاني. وبالطريقة نفسها التي كانت عليها علاقته بسوس، لم تكن هذه الروابط تعني سوى تصنعات فـي مسرحية لا بد لها من أن تنتهي أيضاً، فاقدة آخر أصداء النص فـي الصمت الكثيف الأسود، كما فـي الظلمة البكماء لمسرح هائل، ضبابي وفارغ.
    «هاهو ذا صباح كئيب»، فكر. وفوجئ بكثير من المرارة. لا شك فـي أن البعاد المادي يخفف من البعاد العاطفـي، لكنه حكم بالسخف على تلك التخيلات. برودة بالغة الكمال، وعدم مبالاة شديد الدقة بدوا له مجرد تخيلات. ومرة أخرى خامره الشك الذي صار روتينياً تقريباً، بأنه أسير حلم شبه معقول بصورة متسلطة. وأخيراً، أوصله انقياده للتجوال إلى الجادة العريضة التي تبدأ من الأسواق البعيدة، واستسلم للسير تحت الظل المضياف. كان هناك فـي الشارع نبض متوحد وصامت ليوم عطلة، وعدد ضئيل من السيارات تجوب الشوارع.
    وأخيراً، توقف ساكناً أمام بوّابة الحصن البيضاء. كان انعكاس الضوء شديداً إلى حدّ شعر معه أنه ينجرف فـي دفق وهجه، وتأمل نفسه لحظة هنا تحت، فـي منتصف الشارع، وسط الضوء القوي، وقبالة الظل الذي تستريح فـيه هيئة الحارس الذي لا يمكن الخطأ فـي تمييزه، وكانت فردتا حذائه تلمعان مثل قشرتين رطبتين ومصقولتين. وجد نفسه يتقدّم ببطء، خطوة بعد أخرى، حتى بلغ مستوى الرجل الجالس. ووجد نفسه يفتح شفتيه ليحيّيه، والآخر يرد على تحيّته. ووجد نفسه عندئذ جالساً على مصطبة حجرية قريبة من كرسي الحارس.
    ــ أرى أنك قد عدت. لقد أعجبك المتحف.
    فأزاح هو الأهميّة عن زيارته:
    ــ أردت الذهاب فـي رحلة، لكنهم يبكّرون كثيراً هنا. ثم قمت بجولة.
    ــ أردتَ الذهاب فـي رحلة؟ إلى الشاطئ الشرقي؟
    هز هو كتفـيه. وأخبره أنه كان يخطط للتعرف على أماكن أخرى من البلد. اكتشف أنه يتكلم بصوت خافت جداً، بصوت هامس تقريباً، مثلما كان يفعل فـي صباه حين يعترف قبالة سواد كوى مقصورات الاعتراف زكية الرائحة والمخلعة.
    ــ أنظر ــ قال الحارس خافضاً صوته أيضاً ــ أنا سافرت مرة واحدة فـي حياتي كلها. كان ذلك عند مجيئي إلى العاصمة، وأنا شاب. ولم أسافر بعدها قط.
    وقام بحركة اكتفاء متكبرة.
    ــ إنني هنا، أرى مرور الناس، ويبدو لي ذلك كما لو أنني أنا أيضاً أمضي متنقّلاًً من مكان إلى آخر. أتحدث إليهم، ويخبرونني كيف هي الأماكن.
    كان لطريقته المسهبة فـي الكلام إيقاع متقطع منبور. وكان هو يستمع إليه كأنما يفعل ذلك من خلال وهن الإعياء الذي يعقب الحمّى. أسند رأسه إلى الجدار ونظر إليه بعينيه نصف المغمضتين من البريق. كان الحارس يتحدث عن مناطق مختلفة من البلاد بحريّة الجاهل السعيد.
    ــ هناك السهول ــ كان يقول ــ على امتداد ساحل المحيطين. حَرٌّ، موز، زنوج. أنت تعرف.
    «أعرف؟ ــ فكر هو» هل أعرف ذلك حقاً؟ ذلك أن كلمات الحارس أوردت إلى ذهنه، بأزيز كثيف، سلسلة متوالية من صور حية وغنية. كان الرجل يومئ بذراعيه مدعماً كلماته بحركات مفخمة.
    ــ وسهوب البامبا، هنا فـي الغرب. جيتارات، ورقصات جميلة. إنما حرّ أيضاً. وبعوض.
    دعك الأرض بحركات خفـيفة من مقدمتي قدميه.
    ــ أما الوادي الأوسط فشيء آخر، يا سيدي. ربيع دائم. إنه مهد الاستقلال.
    ضبط إيقاع أنفاسه، ودس يديه فـي جيبيه. إنه يصف الآن الوادي الأوسط، الهضبة التي تفصل، وفـي الوقت نفسه تتيح الوصول إلى القمم وإلى الأراضي الحدودية، حيث المياه الراكدة فـي مستنقعات كريهة. وكانت تختلط فـي وصفه، بطريقة عرضية وعبثية، مناجم الذهب بغابات الخشب، وقطعان المواشي بمعلبات التونة.
    ــ أنا أعرف الأشخاص ــ هتف أخيراً، وعاد إلى الجلوس من جديد ــ. أنا أعرف أنك تُقَدّر ذلك. ولكن البركان يشبه بركاناً آخر. ويقال إن البحر هو البحر نفسه دائماً. والأشجار كلها متشابهة تقريباً. أما فـي المتحف، فلا وجود لشيء له ما يشبهه.
    ظلا صامتين بعد ذلك. ووجد «هو» نفسه مصاباً بعدوى الثقة الكاملة بذلك الجهل المسالم، وكأنه تبرأ تماماً من لقاءاته السريّة، فـي الأيام السابقة، عندما نشر المتحفُ أمامه مرجعيات حياته الخاصة نفسها، فـي تركيب مستحيل، لكنه مترع بالاحتمالية. ومن جديد كان الكسل يثبته كقوة جاذبية أخرى. نهض أخيراً، ابتعد، جاب الفناء المشمس، العابق برائحة العشب والأزهار، وظل يتأمل الحارس من مسافة معينة، من نقطة تفقد فـيها هيئة الرجل وتسترد مظهرها الغامض كهيئة جامدة بلا حياة.
    ــ لقد رأيت كل شيء ــ هتف بصوت قوي ــ. سأذهب.
    لم يجب الحارس بشيء، وبدأ هو المشي.
    وكان أن رأى عندئذ ذلك الباب: الدفّة الخشبية الكبيرة، القاتمة، المفتوحة، تقطع منظور الرواق المتناسق تحت الممرات المسقوفة. كان الباب يفضي إلى قاعة أخرى مستندة إلى صالون الرايات الكبير، وليس لها مع ذلك اتصال مباشر به. توقّف وتفحص العتمة الداخلية من خلال فراغ الباب.
    ومن أقصى القاعة، كان هناك رجل طويل، جامد، يتأمله بثبات. كان جسده مطموساً فـي ظلمة الحجرة، لكن رأسه يبرز بوضوح على الخلفـية. وكان فـي نظرته إلحاح شديد الوضوح شعر معه، بعد تردد، أنه مضطر إلى الاقتراب من ذلك الشكل، كما لو أن فـي ثبات تلك النظرة دعوةً، تحذيراً، تحية خاصة. وعندما لم يعد يفصله عن المدخل سوى عرض الرواق، أدرك أن الأمر يتعلق بلوحة، وأنه قدّر خطأ أنها هيئة حية. اقترب من باب القاعة الصغيرة، وبينما هو يواصل الاقتراب، أثارت الهيئة المرسومة فـيه مفاجأة حية. وحين اجتاز الباب ولم تعد تفصله سوى خطوات، تحوّلت مفاجأته إلى ذهول حقيقي: فالأمر لم يعد إيحاء بهوية معروفة، وإن بدت ملتبسة فـي حجمها أو شكلها بمظهر آخر. فذلك الوجه المحاط بهالة ضاربة إلى الحمرة بفعل انعكاس ضوء الشمس، يمثل ملامح قريبة ويمكن التعرف إليها مباشرة. دخل إلى القاعة ووصل إلى جانب الصورة.
    كانت الصورة تحتل منتصف الجدار، بين خزانة قاتمة متينة المقاطع ومنضدة مكتب ضخمة، تستخدم فـي الوقت نفسه لعرض وثائق قديمة عديدة. وكان وضعها يحافظ على تناظر مفاجئ مع أثاثَ الجدار المواجه: كراسٍ كبيرة ومنضدتين مستطيلتين تتبعثر عليهما قطع متنوعة، محدودبة جداً، من أدوات الكتابة، وواجهة زجاجية أفقية مترعة بالأوسمة.
    وفـي وسط القاعة، هناك مقعد خشبي مخصص لاستراحة الزائرين. جلس عليه وظل يجترّ ذهوله لوقت طويل. ولو أنه التفت برأسه لكان بإمكانه أن يتأمل من تلك النقطة، فـي المدى المضيء، ذرى الجبال الضاربة إلى الزرقة. كان وهج الشمس فـي الفناء يصل من خلال الرواق، وبعد أن يصبغ بلاط الأرضية بلون أرجواني مبهم، يغمر الحجرة بتلألؤ ذهبي وأحمر دامٍ فـي الوقت نفسه.
    كان للصورة إطار عريض أسود، وافر الزخارف الناتئة. وهي تمثل رجلاً متوسط العمر، جبهته متسعة إلى أعلى، وحاجباه كثيفان وعيناه سوداوان وثابتتان. وقد أبرز الفنان بعناية مدققة شيب الشعر، وصيواني الأذنين، وظلال الوجنتين، وتجعد الجبهة. وفـي سعيه لتقديم ملامح هدوء صارم، انهمك، دون شك، فـي تمثيل الشفتين، لكنه لم يتوصل فـي سعيه إلى أكثر من إظهار تكشيرة موجزة، تكشيرة مبهمة تجرد الصورة من الصرامة لتحوّلها إلى مرارة. كان الوجه يلمع ببياض عظمي يطغى على ستارة الخلفـية السميكة، وعلى الملابس القاتمة المؤلفة من سترة رسمية لا تناسب الحجم المنطقي للكتفـين، ورباط عنق كبير أزرق اللون.
    وكان صاحب الصورة التي تمثّل نصفه العلوي، يحمل فـي يده اليمنى كتاباً بني الغلاف. ولا بد أن وضع الإصبع السبابة المخفـية بين الصفحات قد صعّب عملية التصغير، إلى حد تقديم نتيجة تكشف بوضوح عن عدم كفاءة الرسام. كما أن ظهر كرسي ضارب إلى الصفرة يخفـي الذراع الآخر واليد الأخرى. وقد طبع الرسام على ظهر الكرسي اسم الشخصية، وتحته توقيع الرسام نفسه إلى جانب يوم وشهر وسنة إنجازه اللوحة.
    ظل على ذهوله لوقت طويل. وبالرغم من أن الصورة قد رُسمت بالاعتماد على الإرادة أكثر من الأسلوب، إلا أنها تقدم وجهاً يشبه بصورة مطلقة وجه أبيه. لكن تلك الملابس القديمة، بدل أن تعارض جلاء التماثل، تقدم تبايناً أقرب إلى المعقول. وبينما هو يتحقّق بدقة من ذلك التشابه المذهل، تردد قرع نواقيس عدة مرات فـي البعيد، بإيقاع متقطع، طغى بحيوية على ركود الصمت المتماسك والمتبقي قريباً جداً، فـي الفناء، فـي الأروقة، فـي القاعة.
    خرج إلى الفناء واقترب من البوابة. كانت بعض الببّغاوات تضج صخباً بين أشجار الرواق.
    ــ لم تذهب أخيراً ــ قال الحارس.
    كان يتكلّم بتكتم، كما لو أنه يخبره بشيء لا يعنيه. فقدّم هو سيجارة إلى الحارس، وأشار إلى قاعة الصورة.
    ــ رأيتُ صورة ــ قال.
    ــ توجد صور كثيرة، يا سيدي.
    ــ هناك، فـي حجرة صغيرة. صورة معلقة وحدها وسط جدار الصدارة. وتوجد هناك مناضد وكتب أيضاً.
    ــ إنها قاعة المطبعة اليدوية.
    كان الحارس لا يزال يتكلم بصوت خافت، أما هو، فبدا له أن حيوية ضحكة مقنَّعة تشتعل فـي عينيه.
    ــ أرغب فـي معرفة شيء عن الشخص.
    ــ الشخص المرسوم هناك؟
    نهض الحارس واقفاً ببطء.
    ــ تعال معي ــ هتف.
    سارا ببطء باتجاه المكاتب، عبر ممر فسيح يمضي إلى ما وراء شبابيك التذاكر.
    ــ الصور المرسومة كلها تمثل أشخاصاً مهمين. سادة متقاعدون. سيدات محسنات. رعايتهم حمت طفولة الوطن.
    كان يمشي بخطوات شبه وقورة، فأحس «هو» بأنه ليس مجرد دليل عادي، وإنما يسهل له، بقرار يستطيع هو وحده اتخاذه، الوصول إلى تواصل مهم وسرّيّ. عندما وصلا إلى مكتب منعزل، ممتلئ بأشياء قديمة، حيث كان رجلان وفتاة يتناولون القهوة، بدا له أنه لمح فـي نظراتهم نوعاً خاصاً من الإذعان أمام الحارس يشبه إذعان المرأة التي اقتربت منه يوم السبت الفائت. كان أصغر الرجلين سناً يتكلم ببطء، منقلاً نظراته على امتداد الجدران، كما لو أنه يقرأ فـيها نصّ كلماته. وأخبره أن تلك الصورة، كما يبدو، لأحد مؤسسي الأمة. ولم يكن بمقدوره أن يقول إلا القليل زيادة على ذلك. وأراه كاتالوجاً سيئ الطباعة.
    ــ ألا تعرف الكاتالوج؟
    نفى هو ذلك برأسه.
    ــ مؤلفه أستاذ فـي الجامعة. وهو قادر على إخبارك بدقّة كاملة.
    رجع إلى المكان حيث الصورة وظل جالساً هناك، مستغرقاً فـي ذهول عميق.
    على الرغم من أن كنية رجل الصورة لا تتوافق مع أي كنية من كنى ذويه، فقد تذكر أنه سمع، فـي قريته الأصلية، قصة جد بعيد من أسلافه، هجر الأعمال الريفـية، وهاجر إلى الجانب الآخر من البحر. وقد كان لذلك الرجل، حسب رواية غير مؤكدة، دور بارز فـي النضال الاستقلالي. وإلى جانب رطوبة المقعد، فـي ساعات الغروب الشتائية، كانت الإشارات الغامضة إلى القريب السامي تكتسب، دون مفر، صدى قصص العجائب، لأن الآثار قد ضاعت منذ زمن طويل، وباستثناء تلك الذكرى غير المؤكدة عن شهرته، لم يبق فـي البيت أي خبر عن المهاجر ولا عن سلالة ممكنة تحدرت منه فـي ما وراء البحار.
    انبثق فـي فكره مجدداً، وبقوة أكبر، الشك فـي أن ذلك كله لم يكن حقيقية، وإنما نتاج تخيل منحرف سيطر على ذهنه خلال فترة من النوم العميق.
    جاء الحارس ليخبره بأنهم سيغلقون. واسترد هو وعيه.
    ــ وداعاً ــ قال ــ. أشكرك جزيل الشكر على كل شيء.
    شدّ على يده وأهدى إليه علبة سجائر.
    أبدى الرجل البشاشة، ولكنه ظل متحفظاً، كما لو أن العلاقة بينهما قد انتهت، دون أي إمكانية مستقبلية. رافقه حتى الرصيف.
    ــ أنا فـي خدمتك يا سيدي ــ قال، وظل ينظر إليه وهو يبتعد.
    فـي اليوم التالي، قام أخيراً بواحدة من تلك الرحلات التي رغب فـيها عدة مرات. وبعد اجتياز مدينة صاخبة، ممتلئة بأطلال استعمارية قديمة، والصعود البطيء على سفح جبل بلا نهاية، وبينما هو يجوب فوّهات بركان عملاق مترعة بالغبار، كان يفكر فـي الصورة. وكان يجد فـي تشابه الملامح المطلق مع ملامح وجه الأب توافقاً شديد الكمال لا يمكن معه الشك بأي انحراف، ويبلغ ذروته بصورة مدوية فـي تلك المتوالية الغريبة من اللقاء بأجواء وأشياء يجري التعرف عليها أيضاً كأنها تخصه.
    حاول للحظة إجبار نفسه على التفكير فـي أنه ربما يخلط فـي ذهنه بين الملامح المستذكَرة، ويقابلها قسراً بتشابه غير موجود، ولكنه دقيق جداً مع ذلك. لقد كان يحتفظ ببعض الصور الفوتوغرافـية ضمن الأشياء الموجودة فـي محفظته، وفـي واحدة منها، التُقطت فـي ليلة عيد ميلاد بعيدة، يظهر الأب، وذرعاه متقاطعان على المنضدة بين حلوى "التورّون"(1) وزجاجات الشراب، يتأمله بنظرة التحديق الصارمة نفسها التي فـي تلك اللوحة، وهذه إحدى ملامحه المميزة: الوجه الجامد، والنظرة الثابتة، والشفتان اللتان توشكان على إطلاق صرخة تنحلّ أخيراً فـي صفـير خافت.
    فـي الأعلى، كانت الشمس تسطع بقوة، لكن ضباباً كثيفاً راح يطغى على الوادي، مغطياً قعر الوادي حيث كانت تتلألأ مدينة صغيرة جداً. مروج خضراء، واتساعات أزهار صفراء فسيحة تشكل حدوداً للضباب. ويمكن من إحدى نقاط فوهة البركان، كما يقولون، رؤية البحرين المحيطين اللذين يحدان جانبي البلاد. ومع ذلك، كانت السحب تخفـي كل شيء. سحب بنّية، سريعة، تتقدم من السفحين وتختلط باندفاع. وللحظة رسمت السحب المتزاحمة أيضاً فـي الهواء مخططاً أولياً لتلك الملامح التي استحضرتها اللوحة إلى الذاكرة.
    عندما رجع إلى الفندق، اتصل مجدداً بسوس. دوى صوت الأرجنتيني من الطرف الآخر للخط. فقد عرفه فوراً، وتكلّم صارخاً.
    ــ سوس غير موجودة. ولكن حتى لو كانت موجودة لما حوّلت إليها مكالمتك.
    تذكّره بوضوح أكبر من تذكره سوس نفسها: شخص غزير الشعر، يضع نظّارة مربعة العدستين، وله شارب ضارب إلى الحمرة، وأصغر من كليهما سناً. يعمل مساعداً فـي أحد أقسام الكيمياء، وهو محب متحمس للفراشات. وأوشك هو أن يصرخ به أيضاً، لكنه التزم الصمت، وبعد لحظة وزفرة، قطع الآخر الاتصال. عندئذ تخيل هو أن تلك الزفرة إنما هي أزيز حشرة ضخمة، وأن الوجه المُتذكَّر قد استُبدل برأس كبير كثيف الشعر وعينين زائغتين، فـي مقدمته خرطوم دبق يلتفّ حلزونياً. وكانت هذه الفكرة هي ذروة اندفاع حزنه الذي ينكسر أخيراً على حماسته، مخلفاً إياها غارقة وملساء مثل رمل شاطئ.
    * * *
    ــ يتحدر من شبه الجزيرة. ويُعرف عنه أنه أقام أول الأمر فـي مدينة فـيراكروث وفـي مدينة مكسيكو، ثم انتقل بعد ذلك إلى مقر القيادة العامة لغواتيمالا. وجاء أخيراً إلى هنا، وأقام ورشة حِدادة، وأسس فـي ما بعد جريدة أسبوعية.
    بعد قول ذلك، أطبق مؤلّف الكاتالوج شفتيه والتزم الصمت الذي يصلح، بمرافقة نظرة تفخيم، لأن يكون خاتمة للمقدّمة المهيبة. كان رجلاً ضئيلاً وهزيلاً، له ملامح زنجية خفـيفة، وشعر أملس وشديد السواد يلي الجبهة العريضة والنظارة ذات الإطار المذهّب.
    ــ كانت جريدة بسيطة جداً، ورقة مزدوجة تُقدَّم فـيها أخبار الأسواق، ونتائج متأخرة دائماً عن وصول الأسطول. لا بد أنك رأيتها فـي المتحف.
    كان يتناول كأس قهوته بملعقة صغيرة، بحركات خفـيفة، رقيقة أشبه بحركات هر.
    ــ وبالطبع، كانت تنشر أيضاً أخبار الولادات، والزيجات، والوفـيات. وتنشر، كما تعلم، أخبار المناسبات الدينية، والتقويم، ومراحل القمر، وأخبار التعيينات المدنية والعسكرية.
    فأكد هو على ذلك برأسه.
    ــ لم يتدخل قطّ فـي الشؤون العامة حتى الاستقلال. تزوج أرملة ضابط وطني. سيدة باهرة الجمال. ولا بد أنها من حفزته، وحوّلت مهامه التمدنية النبيلة إلى حماسة وطنية.
    كانت له يدان كبيرتان، يحرّكهما برهافة، ويروّح بأصابعه كما لو أنه يلتقط الهواء ليسكبه ببطء على مقربة من وجهه.
    ــ لقد انفق ثروته كلها فـي النضال ضد إمبراطورية ايتوربيدي. وتخلت الجريدة عن كونها ذلك التقرير عن الحياة المدينية لتتحوّل إلى بيان سياسي متواصل سيدعم بقوّة فـي ما بعد المقاطعات المتحدة حتى ولادة الجمهورية الاتحادية.
    ومع خيط تلك المعلومات المنظومة فـي مراحل تاريخية، كان الأستاذ يعدّد التحولات التي طرأت على ذلك الشخص. قصص محدّدة تماماً كأنها تنتمي إلى تاريخ إخباري، تُلمح فـيها مع ذلك إرادة فـي إسباغ هالة أسطورية قادرة على أن ترفع إلى خزائن المتحف الوطني تجاعيد شعر سيدة قديمة.
    ــ فـي أحد الأيام أحرقوا له المطبعة، ولكنه عاد إلى إصدار الجريدة ثانية. وحوّل ورشة الحدادة إلى أوّل مصنع لمناجل المتشيتي. رجل عنيد جداً.
    كان مظهر الشخصية الجسدي يوصف بعناية خاصة، كما لو أن الأستاذ يستحضر الذكريات من تجربته الشخصية.
    ــ القامة رشيقة، الإيماءة هادئة، الصوت خفـيض. وكانت نظرته عميقة وحيوية، والهيئة شديدة التأنق. وكان يتناول السَّعوط بحركات متميّزة.
    وكان «هو» يصغي بانتباه إلى الكلام العذب الصادر عن الرجل الضئيل المعتدل الذي عَمَد، بعد أن فرك بسبّابة وإبهام يده اليمنى على ظاهر يده اليسرى، إلى تمثيل الحركة التي ينسبها إلى الشخصية التي يقدرها.
    ــ كان يتحدر من أسرة نبلاء ريفـيين، لها دارة فـي الجبال وشعار يقول «النضال والمزيد من النضال»، مقدماً بذلك شهادة على جرأة سبقته فـي أسلافه.
    كان يتقبل بذهول تلك المظاهر التي تعظّم أصول البطل. ودون أن يعترض على أي شيء، كان يتخيل قرية أسلافه، وتوالي أسيجتها الداكنة وجدرانها الرمادية وطُوبها القاتم. القرية المنسية بين هضبتين، فـي ذروة جبل يكشف فـي أعلاه، بعد تجاوز الخضرة القاتمة، عن بياضه الكلسي. وعلى مدى متوسط، كان الطرف الأعلى لبرج الأجراس البارز بين السفوح، هو العلامة الوحيدة التي تشير إلى المكان. وحتى حين كان طفلاً، لم يكن قد بقي هناك، منذ سنوات طويلة، أي أثر من الأمجاد الماضية، لا قلاع ولا دور نبالة كبيرة. كان يتخيل أيضاً هيئة الجدّ البعيد ويصعب عليه، بالنظر إلى التشابه مع أبيه، أن يفرض تلك الصورة الشبحية المأسلبة التي يحلم بها محدّثه. بل كان يفكر فـي جسم بدين، وساقين غير طويلتين كثيراً، ويدين غليظتين كثيفتي الشعر، ورأس كبير تغور على قذاله العلامة الجبلية المشيرة إلى أسلافه الأبعدين.
    وكان الأستاذ الضئيل يواصل فرط سلسلة الحكايات الخاصة بالأحداث.
    ــ ومطارَداً أيضاً، بقلب تملؤه المرارة، مات فـي العام نفسه الذي أُعدم فـيه موراثان. وبينما هو على فراش الموت، تلفظ بتلك الكلمات المنقوشة اليوم بحروف من الذهب فـي الجمعية الوطنية، والتي اعتبرها الشاعر بيكيث شعارنا الوطني الكبير.
    بدأت الأسرة تشغل مناصب مهمة فـي السياسة وفـي الجيش، وراحت تنجب أبطالها: أحد أبناء الرائد قضى فـي معركة سانتا روسا مندفعاً بجسارة على الإسطبل المزنر بالبنادق التي يحملها قراصنة والكر.
    ــ دامت المعركة أربع عشرة دقيقة. وقد تلقى بطلنا إصابته بالرصاص فـي الدقيقة التاسعة، حسب شهادة النقيب ديلغادو، وتوفـي بعد أقل من خمس دقائق. ويُقال إن فراشة براقة ظلت تقف على شفتيه حتى مغيب الشمس، كأنها ترمز إلى قبلة الوطن الممتن.
    ومع أن الأسرة راحت تتملك مزارع بنّ مهمة، إلا أنها كانت تقف عموماً مع الحركات الليبرالية والمناهضة للإكليروس. وإلى جانب الأبطال والمدافعين عن حقوق الشعب، برز فـي الأسرة شاعرة ورسام أزهار أوركيديا. وفـي أواخر القرن، كان انخفاض أسعار البنّ السبب الأول فـي انحدار السلالة. ومع ذلك، وفـي السنوات الأولى من القرن الجديد، وضع أحد أحفاد الشخص البارز الأول الخطوط المهمة العامة للتربية الوطنية والزراعة فـي فترة خاصة من الانتظام الدستوري.
    ــ وفـي الربع الأول من القرن، بدأ نجم السلالة بالأفول بصورة عجيبة: حوادث مُميتة، أمراض لا شفاء منها، اختفاءات دراماتيكية راحت تقضي على حياة الفروع الرئيسة. بدا كما لو أن لعنة هي السبب الأساسي فـي تلك الأحداث المحزنة.
    وكان «هو» يستمع باستمتاع إلى العرض المفصل، والبعيد جداً عن أساليبه وتعبيراته فـي الطرق والمصطلحات المستخدمة عادة فـي الحلقات الدراسية. فالأستاذ ينقل معارفه بوضوح، بتفخيم مسرحي إلى حدّ ما، لكن دون أن يجردها من انفعالاته الخاصة. وكان هو يتأمله بمتعة، كما لو أنه يشهد تطورات عرض بهيج. وقد وجد فجأة فـي هذه المحادثة خلاصاً من الاجتماعات الطويلة حيث يتخبط فريق العمل فـي الشِباك العويصة لمفردة غامضة. وهكذا راحت تتراجع وتغيم تلك التعريفات المختزلة إلى رموز اصطلاحية وفهارس، والمعاجم المسروقة من العلوم الدقيقة، والوثائق المزودة بنظم بيانية وجداول قيود مزدوجة: كل ما كان يجعله يشك، بعد حماسته فـي الأسابيع الأولى، بوجود خدعة خفـية، وكأن مسوغات مهمته التي دعت إليها هيئة دولية، لا تسعى إلى البحث حقاً عن الأهداف المحددة، أي درس وإعادة طرح برامج للغة فـي الكلية، وإنما هي محض بلبلة لمفاهيم غامضة محوّلة بصورة ملتبسة من تقنيات بعيدة، وليس لها فـي ميدانها إمكانية تطوّر مثمر، ولا تصلح فـي نهاية المطاف إلا لأغراض مجهولة، مضيفة إلى تشوشه من الازدواجية الغامضة التي يبدو أنه يجدها فـي المشهد المديني وفـي زياراته إلى المتحف، سبباً آخر للشك بوجود خديعة حلم متسلط كأنه نوع من السحر.
    ــ يمكننا القول إن الأسرة، عند وقوع تمرد تينوكو، كانت قد اختفت تماماً من حكم الجمهورية.
    كانا يتبادلان الحديث فـي بار الجامعة، محل مشيد بمواد مسبقة الصنع، ومحاط بخضرة نباتات كثيفة، يتدفق الهواء من نوافذه الواسعة بفظاظة متقطعة حاملاً رطوبة تنذر بوابل مطر مفاجئ. تأمل بإشفاق خفـيف ذلك الانطفاء للسلالة، كما لو أن فـي الأمر شيئاً يخصه. وراح يقارن، مذهولاً، هذا التألق السامي الذي لا يخطر على بال بحياة الأرض والزراعة لسلالته المباشرة التي توصلت، من خلال شخص أبيه فقط، إلى الانفصال عن الفلاحة والتحول إلى الثقافة المدينية. تذكر، حسب ما ترويه الأساطير الملتبسة التي سمعها فـي طفولته، أن ذلك السلف القديم البارع بصورة استثنائية بشؤون الآداب والأعداد، كان سكرتير كاهن من بلدته توصل مع مرور الزمن إلى شغل كرسي أبرشية إشبيلية.
    كان الأستاذ يمسح بعناية شفتيه القاتمتين بمنديل ورقي.
    ــ حدث ذلك خلال الحرب العالمية الأولى ــ أضاف ــ اختفت العائلة من الحياة المدنية، وكذلك العسكرية.
    ظل يتفحصه مباشرة، بابتسامة خفـيفة فـيها شيء من التفخيم. وكان فـي نظرته تمعن واضح، وجمود عزاء غامض. وعندئذ أدرك هو أن فضوله النهم المطروح دون أي مقدمات أو مسوّغات، قد لامس حدود المجاملة العادية بين أولئك الناس ذوي الصوت الرصين والمعاملة المتكلفة. كان الأستاذ قد أنهى عرضه الذي قدر، دون شك، أنه لم يلق تعويضاً كافـياً فـي مسوغات اهتمام الآخر ولا فـي الكلمات المواربة التي كان يمكن، على الأقل، أن تحلّ محلّها.
    ــ يتوجب عليّ الاعتذار لأني داهمتك على هذا النحو ــ قال هو عندئذ ــ كان لدي اهتمام كبير، اهتمام شخصي.
    فسارع الأستاذ إلى رفع يديه وحني رأسه فـي إيماءة استسلام وتذلل، كمن هو مغموم من تلك الكلمات، وكأنه يرغمها، وإن يكن بوداعة، على أن تكون غير ضرورية. لكنّ اعتداده بنفسه دون شك، وليس فضوله، كان قد بدأ يبلغ الإشباع.
    ــ ليس لاهتمامي أي منشأ علمي، يا دكتور. سأوضح لك.
    ــ بالله عليك، لا تهتم. لا أريد أن أكون متمادياً.
    ــ لا بد أن أوضح لك الأمر. إنها قصة مثيرة للفضول.
    واعترف عندئذ بتجواله الدقيق فـي المتحف، وإن لم يُشر إلى لُقى أخرى سوى الصورة. وأخبره بدهشته أمام تلك اللوحة التي واجهته بتشابه بالغ الدقة مع وجه أبيه، وكيف خطرت له بعد ذلك الذكرى المشوشة عن قريب قديم مهاجر. ضم الرجل الضئيل يديه معاً وهنّأه على تلك اللّقية التي يجب أن تكون مدعاة تشريف له بقدر ما هي مبهجة. وقال:
    ــ إن لقاء كهذا، بعد حياة مكرّسة للأبحاث، هو أكبر من جائزة أكاديمية.
    وكان يبدو سعيداً حقاً بمعرفة ذلك كله، والتعرّف على شخص من سلالة الرجل الوجيه. كان قد أمسك بإحدى يديه وراح ينظر إلى عينيه كأنه يريد أن يعبر له عن عاطفة حميمة وحاسمة كأنها الوله. أحس هو بالضيق. وعندئذ تكلّم الأستاذ بصوت محايد.
    ــ لقد بقي لدينا نحن أيضاً واحد من سلالته ــ قال.
    كان قد حان موعد إنجاز كل منهما مهامه، فأفلت هو اليد التي تثبته، ونهض واقفاً. فنهض الأستاذ أيضاً. وكان لا يزال ينظر إليه بزخم يبدو معه أنه لا حاجة إلى استخدام الكلام.
    ــ وهل له حفـيد؟
    أمسك الأستاذ بإحدى ذراعيه بكلتا يديه وقرّب رأسه بحركة واضحة كمن يود البوح بسرّ. وأدرك هو متوجساً أن تلك النظرات الثابتة، غامضة المعاني، والابتسامات الملغزة، تخفـي معرفة مصادفة أخرى.
    ــ مذ رأيتُ حضرتك وأنا ألحظ فـيك شبهاًـ تلعثم الرجل الضئيل ـ. والآن، بعد أن عرفتُ الأمر، أؤكد لك أنه لا يمكن لهم إنكار ملامح الأسرة.
    ظلّ هو هادئاً، وبصره مصوب إلى عيني الأستاذ، وبدأ المشي بعد ذلك دون أن يقول شيئاً. خرجا من البار، وبينما هما يقتربان من المبنى، تحت النتوء المعماري الذي يربط الأجنحة ببعضها، شرح له الأستاذ بطريقته الإيقاعية فـي الكلام والتي تضبط وقع المشي، أن الفرع الأخير من نسل البطل المدني البعيد، والممثل الأخير للسلالة هو رجل أعمال متواضع يقيم فـي العاصمة.
    تلقى ذلك النبأ كمن يتلقّى إثباتاً لشيء متوقع، وإن كان مختفـياً وراء حجاب من النسيان. وقد أوحى إليه ذلك اللقاء بالصورة الأبوية فوراً بفكرة أن التوازي لا ينتهي عند تناظر الوجهين فقط.
    أحس بالخوف مجدداً. فقد استيقظ فـيه حدس مخيف، كما لو أن ذلك القريب الذي يضاعف السلالة الحالية لرجل اللوحة، يفرض واقعاً يمكن له، وقد كان سرياً حتى تلك اللحظة، أن ينقل إليه، إلى جانب أرقه، خطراً لا يمكن تصوره. ظل صامتاً. وبعد ذلك، كما لو أن الكلمات تولد من شخص، مناظر ومتوازٍ، يستقر فـيه، أحس أنه مضطر إلى القول بتوسل لطيف:
    ــ دكتور، يهمني جداً التعرف على هذا الرجل. لا أدري إن كان بإمكانك المساعدة فـي ذلك.
    كان رضا الأستاذ واضحاً. وكانت عيناه تلمعان.
    ــ إنني تحت تصرفك. سأكون سعيداً جداً إذا ما أفدتك فـي شيء.
    * * *
    سلّمه فـي اليوم التالي العنوان مكتوباً بحروف دقيقة وعادية على قفا بطاقة.
    ــ سأتصل به، إذا كنت ترغب فـي ذلك.
    ــ لا ــ أجاب.
    وانتبه إلى أنه كان حاسماً بمبالغة.
    ــ لا، اعذرني، أُفضلُ أن أفعل ذلك بنفسي.
    كان هناك تناقض غامض فـي ملامح الآخر.
    ــ أشكرك كثيراً. أشكرك حقاً على كل الإزعاج الذي سببته لك.
    وكان يشدّ على تلك اليد الكبيرة بجزع.
    ــ سأكون هناك خلال أيام. سأذهب لقضاء بعض الوقت فـي بيت أبويّ، قبل أن أعود إلى الولايات المتحدة. وسوف أتذكر أن أرسل إليك صوراً من تلك القرية بالحالة التي هي عليها الآن.
    ــ وإذا كان ممكناً، أريد صورة للبيت الذي ولد فـيه ــ طلب الأستاذ.
    كفّ أخيراً عن الضغط بأصابعه بارزة المفاصل وابتعد عبر الممر بخطوات بطيئة، وحركات رحالة حذر، ويداه وراء ظهره، وجبهته مائلة قليلاً.
    عندما أنهى يوم عمله وعاد إلى الفندق، اتصل بذلك الرقم الهاتفـي. رد عليه صوت فـيه بحّة خفـيفة، كأنه صوت نائم. فكرر الاسم المكتوب على البطاقة.
    ــ إنني أنا ــ قال محدّثه بعد بعض التردّد.
    وتردد هو برهة أيضاً. كان الإحساس المخيف يتجدد بقوّة فـي معنوياته، وإرادة غامضة تغويه بإغلاق الجهاز ونسيان ذلك الرجل.
    ــ حسن ــ قال ــ أعلم أن الأمر غريب، ولكنّ المسألة هي أننا، أنت وأنا، قريبان.
    وفـي الجانب الآخر، كان الشخص المجهول يُبدي استغرابه بصمت ونحنحات، كما لو أنه قد بوغت أيضاً بتوجس مخيف، وكان على وشك أن يقطع الحوار.
    ــ لقد كانت مفاجأة كبيرة جداً ــ ألحّ هو ــ. أن يكون أحدنا بعيداً جداً عن بيته، ويجد هذا الوجه، الملامح التي تأملها كثيراً، وبالتحديد فـي مكان مثل ذلك المكان، وفـي صورة بذلك القِدم.
    وبينما هو يتكلم بكلمات تبدو ودية، كان يكتشف أنه بحاجة، على الرغم من مخاوفه، إلى اللقاء بذلك الرجل، وإن لم يكن بهدف استثارة أية عواطف أسرية، وإنما لتقصي الشك الخفـي، وكذلك هاجس الأحلام الغامض، الذي اخترق تفكيره. فربما كانت صورة ذلك الجد لا تمثّل وجهاً حقيقياً، وإنما قناع لا يمكن أن يكشف سره إلا وجه الحفـيد المزعوم الذي من لحم وعظم. وقد يضيف معلومة موثوقة قادرة على توفـير آثار أخرى، أو مؤشرات جديدة حول التشابه المستحيل.
    ــ لقد تحدثت إلى أستاذ جامعي وأخبرني بقصة الأسرة. وهو من وفر لي عنوانك.
    وأخيراً بدأ محدّثه يتحمس.
    ــ ويسعدني أنا أيضاً أن أحييك، كيف لا. لكنني فوجئت للوهلة الأولى. عليك أن تعذرني.
    كان يذكر بدقة اسم القرية الأصلية.
    ــ إحدى العمات كانت تروي لي أشياء كثيرة عن الجد الثالث. ومازالت لدي فـي البيت أوراق تخصه.
    راح تحفظه الأولي يتحول إلى ثرثرة. وكان لصوته رنة قريبة على نحو خاص، مع أنه ربما كان يداري بعض الشكوك أيضاً. ومع ذلك، كانت المحادثة ودّية، وتوصلت، بعد تبادل عدة تفسيرات، إلى أن تصير بلاغية، وقالا إنهما طرفا الفرع نفسه، وشهادتان حيّتان من سلالة قديمة على جانبي المحيط. وأخيراً حددا موعداُ للقاء، فـي وقت لاحق، فـي أحد بارات الساحة المركزية.
    وخلال انتظاره الوقت الذي يفصله عن الموعد، كان يشعر أن فضوله يتزايد، كما لو أنه يمكن لذلك اللقاء أن يحدد فهم بعض المفاتيح المجهولة عن نفسه بالذات. وفـي الليلة السابقة، فكّر فـي عمله خلال الأسابيع الفائتة، وكما لو أنه يخرج من سراب ضبابي لا يسمح له بفهم المعنى الحقيقي للأشياء، شعر أن عمله لم يكن مُرضياً. وفـي الصباح قرر أن يتحدث فـي الأمر مع نائبة المدير المسؤولة عن تنسيق نشاطه. وحين التقى بها، قال لها إن مناهج التقويم تلك، يجب أن تؤجل إلى ما بعد تحقيق تأمل بسيط وصريح حول التضاعيف، والانحناءات، والمضامين الخالية من النوعية. فكانت تنظر إليه بصمت، مرتبكة من تلك المقاربة الصارمة الخالية من المجاملة. كانت تقلّب بين يديها صفحات الكتيب الذي ألفته بنفسها، ويشكل أداة العمل الرئيسية، ولمع فـي عينيها وميض تشكك. لكنها استعادت تماسكها بسريعة: هدف تلك المساعدة، بالتحديد، هو تطبيق المنهاج الذي جُرب فـي أعمال سابقة.
    ــ أفهم أنك تشعر بشيء من التعب، يا دكتور ــ ثم أضافت ــ ربما تمضي فـي مهمتك بإيقاع متعجل بعض الشيء.
    ودّعها ورجع إلى القاعة، حيث كان فريق العمل قد تفرّق إلى جماعات صغيرة. وتحلل حيز الصفاء المكثف ذاك مجدداً إلى ضوء معاكس خفـيف. تأمّل الحجرة بنظرة مقتضبة، وبالرغم من أنه مازالت أمامه ساعتان لينتهي، قال إنه لا يشعر بأنه على ما يرام، واعتذر وجمع أوراقه.
    كانت أمطار الأيام الأخيرة قد استُبدلت بشمس دون غيوم، وكان الجو حاراً، لكنه رجع ماشياً فـي جولة طويلة، متعرقاً، ومتقبلاً ذلك الإزعاج الذي يشعر بحيوية أنه علاج لتشوشه.
    تناول طعامه بسرعة، ووصل إلى مكان الموعد مبكراً، فتناول عدة فناجين قهوة وتصفّح الجريدة بإلحاح، دون أن يجد خبراً واحداً يبدو له غير مناسب. وفـي الساحة، كانت الأشجار المبرقشة، بجذوعها المساميّة كأنها جلود، تقدم شهادة مباشرة عن المشهد الطبيعي الذي يتكاثر، دون ريب، فـي محيط المدينة وفـي الوديان المحاطة بالقمم الكبيرة؛ أما وهي محاطة بالمشهد المديني، فتبدو مصطنعة تماماً مثلما هي زينة واجهات المباني والنوافذ. وكان الناس يذهبون ويجيئون فـي الشوارع، ووراء ملامح الوجوه التي تبدو معممة فـي الظاهر، يمكن تمييز سلسلة تلونات لا تقتصر على تمثل السكان الأصليين وتهجينهم الأوروبي فقط، وإنما كذلك الملامح الأفريقية والأسيوية، فـي مزيج لا يبدو تلقائياً، بل هو منظم لإحداث انطباع بالتشتت والاختلاط. وتخيل عندئذ أنها ليست وجوهاً حقيقية أيضاً، بل أقنعة تخفـي ملامح مختلفة، ربما تحتفظ باللون، ولكن ليس بالتكشيرة غير المبالية، ولا بذلك المظهر ذي النظرة الساهية.
    وبشيء من التأخر عن الموعد المقرر، اقترب شخص متقدماً تحت المدخل المسقوف. تحوّلت النظرة التي كان يراقب بها مرور المشاة واتجهت، فجأة، إلى ذلك الرجل. كان فـيه شيء غير مألوف، وإن يكن محتجباً، لم يستطع اكتشافه فـي البدء. لم يكن الأمر يتعلق بأعضائه، ولا بملابسه، ولا بطريقته فـي الاقتراب. ربما كانت الغرابة فـي عينيه، فـي نظرة زائغة قليلاً، وفـي تكشيرة فم تُظهر الأسنان، حيث الشفتان منفصلتان قليلاً عن بعضهما، كأنهما على وشك إطلاق صرخة، فـي تشنج واضح يشعّ من هيئته مانحاً لمظهره العادي فـي الظاهر بُعداً مختلفاً عن المظهر الجسدي المحض، كأنه ينتمي إلى حماقات كابوس.
    كان ذهوله، وقد استُثير فـي لحظة واحدة، حاداً لدرجة بدا معها أنه يغطي حيزاً زمنياً أكثر اتساعاً بكثير. وأدرك فـي النهاية، حين توقف الرجل أمام منضدته الصغيرة وصوب إليه نظرته، أنه فعلاً الشخص الذي كان ينتظره.
    جلس الآخر واحتفظ كلاهما بالصمت. ظل كل منهما يراقب وجه الآخر بإمعان. شامة على الوجنة اليسرى، فتحات الأنف ممتلئة بشعر قاتم، وندبة خفـيفة على أحد جانبي الذقن، والشعر المجعد فوق الجبهة. وضع كلاهما يديه فوق المنضدة، وتأمّلا اتساع المسافة بين فقرات الأصابع، وشكل الأظافر، ورسم خطوط باطن الأكف.
    وكان هو من تكلّم أولاً. وقد بذل جهداً لكسر ذلك الاستغراق فـي الافتتان.
    ــ ألا تعرف الصورة؟
    هزّ الآخر رأسه، وحناه بعد ذلك غاضاً بصره، كأنه يشعر بالخجل.
    ــ لا أعرف المتحف.
    اعتصما بالصمت. وبعد ذلك قال الآخر كلمة لم يفهمها هو فـي البداية: كانت تلك الكلمة ترنّ فـي ذاكرته دون أن تجد لها صدى، كأنها اصطلاح لا يمكن فك رموزه، ولم يُسمع من قبل قط. وكرّر الآخر الكلمة دون أن يرمش، فأدرك هو عندئذ أنه اسم القرية الأصلية. وعندما انتبه إلى المعنى، بدأ التكلم متلعثماً، بصورة يمكن للكلام والحوار معها أن يثبّتا عادية الأشياء: القهوة التي تبرد على المنضدة، والصبي الذي يعرض مسح الأحذية، والسيارات التي تمر فـي الشارع، والطيور الكبيرة التي تنعق بين أغصان الشجر.
    ــ إنها بلدة صغيرة جداً ــ قال ــ. قرية تعتمد على تربية الماشية أساساً. يمر منها نهر، مياهه باردة وصافـية. نهر يحمل شذرات من التبر منذ قرون طويلة.
    ــ كان أبي على وشك الذهاب للتعرّف عليها. لكن الحرب الأهلية اندلعت، ثم تلتها بعد ذلك الحرب الأخرى.
    ــ فـيها كنيسة صغيرة إلى جانب مقبرة ذات أسوار مرتفعة. وينبوع بسبعة فوارات، وجسر بحواجز حديدية، وآخر أصغر، يقال إن الرومان هم من أقاموه.
    وقد واصل كلامه، بالفعل، كي يبقيه منصرفاً عن ذلك الوجه الذي ينظر إليه من الجانب الآخر للمنضدة.
    ــ ومات العجوز المسكين دون أن ينفذ رغبته.
    كان فـي رنة الصوت صدى عائليّ كئيب.
    ــ يقال إنه كان هناك أيضاً، قبل سنوات طويلة، قلعة تحمي مدخل الوادي. غير أنه لم يبق منها سوى حجارة مفككة.
    أجهز الآخر بجرعة واحدة على الشراب الذي أمامه، وطلب كأساً أخرى. فطلب هو أيضاً شراباً كحولياً.
    ــ رغبة أبي كانت حلماً لم يستطع تحقيقه.
    واصلا الكلام لوقت طويل. تحدثا فـي أول الأمر عن أسرتيهما. وبعد ذلك تبادلا وصف عملهما، والشكوى من التضخم. كانت عينا كل منهما مصوبتين إلى عيني الآخر، وراح حوارهما يتحول فـي النهاية إلى تمتمة بلا معنى، لا يكاد أحدهما يسمع الآخر، ويقتصر تواصلهما بالكامل على ذلك التأمل النهم، وذلك التمعن المترع بهواجس مسبقة غامضة.
    كان طلب جولات متتالية من الشراب يحدد بعض اللحظات بين صمتهما ومونولوجاتهما، وكأنها نقلات تصبّ فـي وضع مماثل لسابقه. كانت الكؤوس وفـيرة، ثم تبادلا تحية الوداع بعد عدة ساعات، عندما بدأ البار يمتلئ بالسيّاح.
    ــ عليك أن تأتي إلى بيتي لتتعرف على آليثيا والأبناء ــ قال الآخر فـي النهاية.
    كان يتكلم بصورة قسرية، دون دفء ولا قناعة.
    ــ يسعدني الذهاب ــ أجاب هو ــ فـي يوم آخر.
    ــ أجل، فـي يوم آخر. أنا سأخبرك. سأتصل بك فـي الفندق.
    ــ سأكون بانتظار اتصالك ــ قال بصوت احتضاري.
    وفجأة، بعد النظرة الأخيرة الحادة مثل نار موقد، اقترب الآخر منه ملتفاً حول الحيز الدائري الصغير الذي كان يفصل بينهما. وتكلم بصوت خافت ومذعور.
    ــ لقد رأيت الليلة الفائتة حلماً. كنت عائداً إلى بيتي فـي وقت متأخر. ولم يكن هناك نور سوى ضوء القمر، وكان هناك صمت موت. كان الباب مفتوحاً، وكان يُسمع تنفّس النائمين، تنفس لاهث كأنه النفس الأخير. دخلت إلى مخدعي ورأيت فـي السرير جسدين: أليثيا نائمة، وإلى جانبها رجل، وكان نائماً أيضاً. كان مثلي، لكنه لم يكن أنا. وعلمت أنه لم يعد لي بيت، ولا امرأة، ولا أسرة، فرحتُ أبكي مثل طفل.
    كان على وشك أن يرد عليه بعبارة قاسية، كما لو أن الآخر، بروايته ذلك الحلم، يحاول تحميله مسؤولية ما. لكنه لم يجد الوقت ليفعل ذلك. فقد كان الآخر يبتعد مسرعاً، ويجتاز الجزء الأخير من المدخل المسقوف، ويختفـي فـي الشارع. كان الوقت ليلاً، وأوراق الشجر قد استردت زخم روائح البرية العطرة، والنافورة تؤكد خريرها فـي الظلمة إلى أن تحوله إلى صدى سيل.
    وبينما هو مستغرق فـي تخمينات مترددة، وجّه خطاه نحو الفندق. كان تشوش ذلك اللقاء يزداد غرابة بفعل التأثير المباشر للشراب. وكانت الشوارع المقفرة، والمناسبة للمشي، توفر سكوناً مرحباً.
    ودون أن يتخذ قراراً محدداً من جانبه، كانت مسيرته تتجه ببطء فـي اتجاه معاكس للاتجاه الذي عليه أن يسلكه. وعلى الرغم من حيرته من الأمكنة التي يجتازها، إلا أنه كان يذرعها بثقة سرية، كما لو أنه يضبط وجهة مرسومة ومستوعبة فـي لاوعيه.
    كانت مسيرة طويلة، خلّف وراءه المنطقة الكولونيالية واجتاز منطقة أخرى، حيث بقايا خضار وفواكه، وأوراق ممزّقة وقمامة، تقدم شهادة على السوق الذي كان هناك للتو. وبانتهاء النهار، كان أناس بائسو المظهر يتوجهون متهربين إلى بيوتهم. وكان المكان، ومثله الأشخاص، غير معروفـين له على الإطلاق. لكنه كان يعرف، دون شك، تفسير الأضواء والحركات على أنها أضواء وحركات أحياء جال فـيها طوال الحياة.
    وبعد أن اجتاز جادّة مظلمة، توغل فـي منطقة مساكن معزولة. وتبدلت حجارة البناء والقرميد لتحل محلها مواد أكثر خفة وحداثة. وصل قبالة بيت صغير أبيض، واجهته مغطاة برواق يستند إلى أعمدة معدنية نحيلة. وكان هناك طفلان يتأرجحان على أرجوحة نوم. توقف يتأملهما. وبعد لحظات، انتبه الطفلان إلى وجوده، فقفزا إلى الأرض وجاءا راكضين للقائه وهما يناديانه. وعند سماعهما، خرجت فتاة سوداء إلى الباب.
    ــ لقد تأخرت كثيراً، يا سيدي ــ قالت ــ سيدتي تشعر بالقلق.
    وخرجت بعد ذلك امرأة ناعمة التقاطيع.
    ــ ما الذي حدث؟ ألم تكن عند تشيبِه.
    وأدرك فجأة، بذهول ودهشة، أنه يشكل جزءاً من تلك الأسرة.
    ــ سنتكلم، سنتكلم ــ أجاب متهرّباً.
    ــ كيف هو؟ــ سألت المرأة.
    وفوجئ بتذكر ذلك الوجه دون فزع، بل بكل هدوء.
    ــ حسن ــ أجاب ــ إنه هكذا، لطيف.
    ــ أهو كبير السن؟
    ــ حسن ــ قال ــ لا بد أنه مثلي.
    راح الطفلان يقصّان عليه بتلعثم مستجدات اليوم الصغرى. صعد درجات الرواق، واقترب من البوابة. كان فـي إحدى اللحظات على وشك أن يتراجع، أن يدير ظهره ويهرب. لكنه أنقاد باستسلام، وكأن ذلك كله ليس سوى حلم بالفعل.
    ذرع الممرات، وتفحص الأثاث دون أي إحساس بوجود مستجدات. كما أن البيت تمثله دون استغراب، وكأنه ينتمي إليه منذ الأزل. تناولوا العشاء فوراً: متوالية من الأطعمة تقبلها بتلقائية، على الرغم من عدم اعتياده عليها، وكما لو أنها عادة قديمة أيضاً. كان يجيب عن الأسئلة من غير أن يعلم ما يقوله، منساقاً للآلية المتولدة كما يبدو من عادة طويلة. وبعد العشاء، جلس على الشرفة، إلى جانب المرأة، وواصلا الحديث فـي حوار ينساب بحيوية، حوار لا علاقة له باهتماماته، دون أن يجد نفسه مضطراً لبذل جهد فـي مواصلته. وكان الطفلان يجلسان على الأرض ويلعبان دور داما.
    أحس بطمأنينة غامضة، براحة، كمن استرد العافـية وحسن الطالع، وتحولت فكرة الحلم فجأة إلى نقيضها: إلى أنه قد خرج أخيراً من حلم، من أحد تلك الأحلام الفظيعة والمرهِقة، بحيث يمكن معها تقبل أي أرق على أنه تحرر وانعتاق. وكانت لا تزال تتقاطع فـي ذهنه أفكار مزدوجة، مقلقة. لكنه عندما استلقى لينام، كان يكاد لا يتذكّر من هو.
    * * *
    وأخيراً، لمع فـي مركز أفكاره ضوء لم يكن بالإمكان كشف حقيقته، وتبدد فـي شرر متلألئ مخلفاً فـيه فراغاً رناناً وحسب. وعندما فتح عينيه بدا له أنه لا يخرج من حلم وإنما من أرق ليلي آخر، من سهاد منهِك؛ وأنه لا يُخلّف وراءه مشهد الكابوس وأشباحه، وإنما يخلف شيئاً ينتمي إلى الواقع الكامل، شيئاً ــ وإن اختفى ــ تطل منه الآن ملامح: ذكريات تكافح، من عمق سحيق، لتطل من بين آلاف أجزاء ذاكرة مفتّتة، مهروسة، تالفة، مثل جدول خطوط بيانية معزولة وممحوّة، لا سابق لها ولا لاحق. وجوه هاربة، أشياء فـي فضاء داخلي، الشمس فوق جادة، ظلال على النوافذ، أعضاء أجساد بشرية وحيوانية، تلألؤ على الأوراق.
    يبدو أن نسياناً عميقاً، أسود، دفع به نحو هاويات جهل بالغ الصفاء والقوة، أشبه بوهن مرض شديد الخطورة، فكان ينهض عند الاستيقاظ بجهد كبير، كما لو أنه يحاول الخروج من خندق مائي. كانت هناك ألياف، وطحالب، وحشرات صغيرة تهبط ببطء فـي العتمة. وكان بعض البريق يشبه عيون كائنات حيّة تترصد فريستها. وكان للصمت دوي سيل يُغرق حجرة النوم بتدفق عمودي، بسقوط يأتي من علو شاهق، أعلى من السقف.
    كان يخرج من اليقظة، ينتزع نفسه من ذلك الحلم العميق، من ذلك النسيان، مثل وليد يغادر بطن أمه، ولا تزال نتف وبقايا مخاطية نابضة عالقة به. كان ضوء الصباح ينسكب فـي أرجاء الحجرة، وسط خثرات من الظلّ، ويتكثف فـي قشدة مضيئة على وجه التلفزيون الخالي من الملامح.
    عندئذ رأى وجهاً آخر بلا حراك، يطل من جانب الباب. كما لو أنه يتأمله أول مرة بعد انقضاء زمن طويل، فظل ينظر بدهشة. ابتسمت الفتاة، ربما بانتظار إشارة ما.
    ــ هل استيقظت؟ــ قالت ــ لقد كنت ممنوعاً من الشراب.
    زفر بقوة، مط ذراعيه فـي حركة تثاؤب طويلة، وتناول ساعته عن الكوميدينو وتأكد من أنها تقارب العاشرة والنصف. كانت الزنجية الصغيرة تحمل فنجان القهوة فـي صينية.
    ــ ماذا حدث؟ــ سأل.
    ــ لقد شربت كثيراً يوم أمس ــ قالت الفتاة ــ. لم نجد وسيلة لإيقاظك صباح اليوم. السيدة أخذت الطفلين.
    كان يحرّك السكّر دون أن يكفّ عن النظر إليها وهو لا يزال مشوشاً من عنف استيقاظه المؤثر. بعد ذلك، وكما لو أنه يصوغ التعويذة القادرة على أن تعيد إلى الأمور كلها حماية الحجاب اليومي المؤكدة، مدّ يده نحو الفتاة بيقين من يكرّر حركات روتينية، وهتف:
    ــ بما أنها غير موجودة، تعالي إليّ. سأحملك إلى الخطيئة.
    ومثلما يحدث فـي صباحات أخرى تكون زوجته قد خرجت فـيها، ويستيقظ وحيداً، هربت الزنجية الصغيرة ضاحكة وهي تطلق كلمات تأنيب مازحة. وبعد تلك الدعابة المألوفة، والفعّالة مثل تعزيمة شفاء سحرية، تناول قهوته شاعراً بتحسن كبير، وراح يستعيد توازن ا

    rema

    عدد المساهمات : 14
    نقاط : 14
    السٌّمعَة : 5
    تاريخ التسجيل : 14/12/2009

    رد: الضفة المظلمة 2

    مُساهمة  rema في الأحد يناير 03, 2010 3:33 pm

    ااااااااااااااااااااااااااااااااااااااا

      الوقت/التاريخ الآن هو الثلاثاء مارس 28, 2017 12:25 am