منتدي جمال عزوز

أهلا بكم في المنتدى
منتدي جمال عزوز

منتدي الادب والفنون والكتابات النثرية والقصة القصيرة

المواضيع الأخيرة

» من كتاب الشخصية6
الإثنين ديسمبر 09, 2013 5:48 pm من طرف Admin

» من كتاب الشخصية5
الإثنين ديسمبر 09, 2013 5:46 pm من طرف Admin

» من كتاب الشخصية4
الإثنين ديسمبر 09, 2013 5:45 pm من طرف Admin

» من كتاب الشخصية3
الإثنين ديسمبر 09, 2013 5:44 pm من طرف Admin

» من كتاب الشخصية2
الإثنين ديسمبر 09, 2013 5:42 pm من طرف Admin

» من كتاب الشخصية
الإثنين ديسمبر 09, 2013 5:41 pm من طرف Admin

» نموذج من بناء الشخصية
الإثنين ديسمبر 09, 2013 5:39 pm من طرف Admin

» كيف تنشأ الرواية أو المسرحية؟
الإثنين ديسمبر 09, 2013 5:38 pm من طرف Admin

» رواية جديدة
الإثنين ديسمبر 09, 2013 5:26 pm من طرف Admin

التبادل الاعلاني

احداث منتدى مجاني

ديسمبر 2017

الإثنينالثلاثاءالأربعاءالخميسالجمعةالسبتالأحد
    123
45678910
11121314151617
18192021222324
25262728293031

اليومية اليومية

تصويت

تدفق ال RSS


Yahoo! 
MSN 
AOL 
Netvibes 
Bloglines 

احصائيات

أعضاؤنا قدموا 254 مساهمة في هذا المنتدى في 142 موضوع

هذا المنتدى يتوفر على 35 عُضو.

آخر عُضو مُسجل هو sansharw فمرحباً به.

سحابة الكلمات الدلالية


    الضفة المظلمة 5

    شاطر

    Admin
    Admin

    عدد المساهمات : 150
    نقاط : 444
    السٌّمعَة : 0
    تاريخ التسجيل : 30/10/2009
    العمر : 44

    الضفة المظلمة 5

    مُساهمة  Admin في الإثنين ديسمبر 14, 2009 3:38 pm

    IX. العودة

    عندما وصلوا، كان قد وعى هويته تماماً. ولكن كانت لا تزال مترسخة فـيه، بثبات حُرقُ، ذكرياتُ الشخصية التي حلم أنه يكونها: ذكرى البيت الأبيض ذي الرواق الطويل عند المدخل، ونسيج شعر المرأة ورائحة جسدها، والعزف على الجيتار، وجلبة الحيّ عند الغسق. صعد بطريقة آلية إلى سيارة أجرة وأشار إلى العنوان. وحين تركته السيارة أمام البيت، أعادت إليه تلك الصورة المريحة لرواق المدخل ذي الأعمدة الرفـيعة، الشعور المسبق الراسخ بعادة مألوفة، وأعادت إليه كذلك القناعة المخيفة، والثقة شبه اليائسة بأن عليه، وقد استغرق فـي الحلم إلى الأبد، أن يتقبل بصورة نهائية ذلك المكان وتلك الأسرة، دون أي احتمال لمناظر أخرى أو روابط أخرى.
    ارتقى الدرجات المؤدية إلى رواق المدخل، واجتاز الممر وتوقف أمام الباب. ولكنه انتبه على الفور إلى تغيّرات طفـيفة: اتساخ النوافذ، ومظهر إهمال غير معهود على البلاط، وتقشر وتلف لم يكن موجوداً فـي الجدران، وصدأ المسامير الكبيرة التي تُعلّق بها عادة أراجيح النوم. وبعصبية، طرق خشب الباب بقوة، لكن طرقاته دوت بأصداء رنانة فـي عمق البيت دون أن يستجيب لها أحد.
    عندئذ أدرك أنه ليس البيت المقصود. لا شك فـي أن سائق سيارة الأجرة أخطأ الشارع، والتبس عليه هو نفسه أيضاً مظهر البناء العام لشبهه الشديد. خرج إلى الشارع لتصويب اتجاهه، فمشى حتى التقاطع القريب، مقتنعاً بأنه وجد الطريق. ولكنه حين بلغ الشارع التالي، لم يكن أي من البيوت الصغيرة فـيه يتطابق مع البيت الذي يحاول العثور عليه. واصل المسير واكتشف أن ذلك المظهر الذي بدا له معروفاً تماماً عندما اجتاز المدينة فـي سيارة الأجرة، هو الآن مظهر غامضٌ جداً، بل غريب فـي بعض النقاط، حين تواجهه أزقة غير متوقعة وساحات صغيرة لم يرها قطّ من قبل.
    جاب الشوارع طوال ساعات عديدة، لكنه لم يجد البيت. أحسّ بالضياع، وبأنه يزداد جهلاً بالمكان الذي هو فـيه. وإلى جانب ذلك الإحساس بالغرق، اعتراه كذلك خوف جديد: أن يجد البيت حقاً، وبعد أن يفتح الباب، ربما يتبين أيضاً أن المكان الأول لكابوسه لم يعد له وجود أيضاً، لأنه ربما كان رجلاً مختلفاً، بذكريات مختلفة، ومن يدري أية أخطار جديدة تنتظره.
    وأخيراً غادر الحيّ، واجتاز السوق وتوغل فـي المدينة القديمة. صار الآن فـي ما وراء الارتباك والخوف. راح يُخضع نفسه لكل شيء، فقد أدرك أن الأمر هو أحد تلك الأحلام التي يعجز النائم، بعد كفاح لإبعادها، عن الهرب منها أو طردها، ويتوجب عليه تقبلها فـي نهاية الأمر بافتتان مؤلم: ليست هذه المدينة، دون شك، سوى حلم لجوج، وفـي الحلم فقط أمكن لما لم يكن له وجود قط، أن يظهر كما لو أنه موجود وحقيقي. وذكريات الطفولة والشباب لم تكن سوى خدعة أخرى من حواسه. وكذلك الاعتقاد المستند إلى أحلام يقظة محضة، وكوابيس سرّية، بأنه كان ذات مرة أستاذاً كوسموبوليتيّاً، وتاجر بنّ متواضع، متحدر من سلالة مهاجر إسباني قديم. تمعنَّ للحظات فـي تلك الومضات اللامعة، واستعرض بتدقيق وجوهاً، وحركات، وظلالاً وأضواء، وروائح وطعوماً. ابتسم مجدداً. لقد كان أولئك الرجال وأشياء كثيرة أخرى: كان إلهاً حجرياً، جامداً فـي اللانهاية، يرى فـي بعض الأحيان اهتزاز ذهوله بأحلام غامضة مميتة، وكان طفلاً يتأمل حيواناً زاحفاً صغيراً تحت شمس الظهيرة.
    تحت الظهيرة، كانت ساقاه تتحركان آلياً، فـي جولة ذكرته بواحدة أخرى بعيدة، قام بها ذات غروب، عندما سلك دون وعي، أول مرة، الطريق إلى بيت الأعمدة الصغيرة.
    قادته خطاه أخيراً حتى القلعة القديمة. لم يكن هناك أحد تحت قنطرة البوابة، لكن الكرسي الخشبي الذي يجلس عليه الحارس مازال هناك، كدليل على أن الغياب مؤقت. دخل إلى الفناء المغمور بالشمس. توقف لحظة، لكنه اجتازه بعد ذلك دون تردد، متوجهاً إلى القاعة التي فـيها الصورة. وفـي وسط الفناء، كانت الكرة الحجرية الكبيرة، بحجمها الضخم، وزنجارها القديم الأسود والأصفر، تحت الضوء العمودي، تبدو كأنها تطفو فوق كتلة العشب الكبيرة المحدبة، مثل كوكب يسلك مداره، مثل صورة للكوكب نفسه، يحمله هو وأحلامه، مواصلاً طريقه المجهول عبر الفضاء.
    استطاع تأمل تلك الصورة من جديد فـي القاعة، وأحس مرة أخرى بأن رجلاً يقف ثابتاً دون حراك، يراقبه من وسط ظل خفـيف يتناقض وحدّة نور الخارج القوي. دخل القاعة وتعرّف على الصورة: الملامح العائلية المؤكدة فـي الصمت الكثيف، الإسفنجي وسط الأثاث القديم، والحزم المعفرة، والأدوات حائلة الألوان.
    اقترب أكثر. كانت ذكرياته كلها هائجة فـي وقت واحد، الذكريات الحقيقية والمعيشة على السواء. وكان يعلم مع ذلك أن كثيراً منها كان أحلاماً وحسب، وأنه يمكن لمجرد الاستيقاظ أن يشكل على الفور الحد الفاصل فوراً الذي يبدد، دون مقاومة، الأوهام المحتدمة الآن كلها. كان يقف قبالة اللوحة بالضبط. وأدرك عندئذ أن الشخص المرسوم، ذلك الاستنساخ القديم المستحيل للوجه الأبوي، ينظر إلى ما وراءه، إلى نقطة خارج القاعة. استدار بدوره ونظر. كان البريق البنفسجي يشكل فـي وسط الحجرة جسماً مضيئاً مكوراً. وأبعد منه، كان مستطيل فراغ الباب يفضي إلى ضياء آخر، إلى ظل الرواق الضارب إلى الزرقة، حيث الأعمدة المزدانة بمتوالية نباتات متسلقة، مفعمة بالأزهار، كأنها إطار لوحة أخرى لمنظر مقسم إلى موتيفات مختلفة: إلى أسفل، الفناء. كتلة نور هائلة يسندها دون عناء النصف العلوي من الكرة الكبيرة ومسطح العشب المحدب. وأعلى قليلاً، فـي المنتصف، الزخرفة الخفـيفة البيضاء على المدخل المسقوف، وبعد ذلك السطح القرميدي حيث ينزلق الضوء دون بريق. وإلى اليمين، عند مستوى المدخل المسقوف بالذات، وفـي ما وراء شرفات الأبراج، تظهر قمم جبلية ضاربة إلى زرقة وخضرة تتبعثر فوقها السحب.
    كان هدوءاً. وسُمع عندئذ رنين جرس بعيد وبطيء يتكرر عدة مرات، كأنه يشير إلى ساعة محددة، وعاد الصمتُ الصافـي بعد ذلك ليملأ كل شيء. فكر فـي أن الرنين هو إشارة إلى الساعة الآخرة، وإلى أن الوقت نفسه قد انتهى. وساوره الشك فـي أنه فـي بناء خاوٍ، فـي مدينة قديمة ميتة، دمرتها الزلازل منذ قرون طويلة؛ مدينة مهجورة إلى الأبد، فـي عالمِ مقفر كذلك من أي حضور حي. وتلاشت ذكريات زمني الحقيقية والحلم إلى أن استُبدلت الأفكار أخيراً بمجرد رؤية المنظر. وبعد ذلك اختفت صور الفناء، والكرة الحجرية، والرواق المعمّد، والرواق المسقوف، والسطح، وقمم الجبال، اختفت كلها أيضاً، ولم يبق سوى الإحساس المجرد بالضوء الذي تعكسه. كتلة متفاوتة الكثافة، راحت تذوب أخيراً بسرعة فـي سحابة ضباب غبشة. بدا كما لو أن طبائع أخرى قد انضمت إلى الطباع المتعددة التي تختلط فـيه، وأنه يرى نفسه متطابقاً مع ذلك الشيء الجامد المعلق على الجدار. أو ربما كأنه جذع قديم متآكل اتخذت منه، مثل يرقات لا حصر لها، مأوى لها هويّاتٌ كثيرة أخرى: وربما سيبدأ الكابوس بعد ذلك تحويله بطرق مختلفة، فبدل أن يكون شخصية تجول حائرة، سيتحول إلى المدينة نفسها، إلى المتحف وحارسه، إلى خلطة أخيرة دون تميز ودون استيقاظ ممكن.
    جلس على المقعد الصغير الذي يحتل وسط القاعة وأغمض عينيه. انطفأ تفكيره ورؤيته بينما بدأ يدرك أن زمن ذلك الإدراك قد امحى فـي لحظة انبعاثه بالذات. ولم يعد يشعر بأي شيء. بالفعل، لقد صار مجرد شيء آخر من أشياء القاعة المقفرة، ربما هو صورة ذلك الرجل الفظة، بملامحه الأسريّة، المحاطة بإطار أسود عريض، والمعلقة على جدار الصدارة، بين خزانة قاتمة من خشب متين، ومنضدة مكتب ضخمة.
    لكن صوتاً مقتضباً قريباً انتشله من ذهوله. فتح عينيه وأدار وجهه. كان يجلس إلى جانبه قريبه البعيد المقيم فـي ما وراء البحار، ينظر إليه نظرة مفاجأة، لا شك أنها استنساخ دقيق لمفاجأته هو. تبادلا نظرات تأمل وهما جامدان، دون أن يرمشا، متنفّسين بلطف، إلى أن تأكدت نظرة كل منهما من أن الوجه الآخر ليس نتاج هلوسة جديدة. وأخيراً، نهضا فـي اللحظة نفسها، دون أن يتكلما، بحركة خرقاء تحاول أن تبدو طبيعية، وكأنهما ينهيان موعداً لم يُطرح خلاله أي شيء غريب، وكما لو أن لقاء هذا اليوم يشكل جزءاً من المشهد العادي واليومي الذي يمكن أن يُدرج فـيه اللقاء فـي مقهى الساحة، تحت الرواق المسقوف الذي شكل بداية علاقتهما.
    وأحسّ بحماسته تتمطى بلهفة لتحتل من جديد الفراغ الذي فتحته كآبته الطويلة. فزيارتهما تلك، معاً، الصورة التي تجمع بينهما هي علامة تآلف أيضاً مطابقة لقواعد واقع مألوف، دون مفاجآت أو أحداث فريدة.
    لم يكن الوقت ظهراً، وإنما هي ساعة الغروب، ساعة الإغلاق، وكان آخر زوّار المتحف يغادرون القاعات ببطء أيضاً. خرجا من البوابة الكبيرة ونزلا حتى الجادة المركزية. ولا شك فـي أن كليهما، بأيديهما فـي جيوبهما ورأسيهما المطأطئين قليلاً، كانا يجترّان التفكير نفسه. إحساس كل منهما بأن الآخر منفصل عنه ومختلف كان باعثاً على الأمل لكليهما.
    حين وصلا إلى الجادة المركزية، تبادلا الوداع بمعانقات كبيرة. كان فـي عيون كليهما خوف، ولكنهما وعدا بالحفاظ على روابط علاقتهما. وظل هو بعد ذلك ينظر إلى الآخر وهو يبتعد. رآه يجتاز الشارع، وفجأة تحول أمله إلى سعادة: لقد أوقف أحد المارّة قريبه البعيد، وحيّاه بمودة، وراح يتحدث إليه بثقة العادة. وحين رآهما يفترقان وواصل قريبه طريقه، أدرك أنه لا يمكن لشيء أن يحول دون لقاء كل منهما بحقيقته الخاصة.
    طغت أضواء الشارع على إضاءة الغسق، وتوجه هو إلى الفندق. وعند منضدة الاستقبال قدمت له تلك المرأة ذات الشعر الأسود مفتاح غرفته بالروتين الثلاثي المطمئن: الإيماءة، والابتسامة، والتحية. أخبرها بأن إقامته قد انتهت، لأن الحلقة الدراسية قد أُنهيت، وتلقى حساب الأيام الأخيرة. ظل يتبادل الحديث، مسهباً فـي التعليمات من أجل مغادرته فـي اليوم التالي. جرى كل شيء بعادية دقيقة ونام تلك الليلة دون أحلام، فـي تلاش قاتم وكامل.
    * * *
    كانت لا تزال أمامه اثنتان وسبعون ساعة تقريباً لموعد رحلته، لكنه توجه إلى المطار مصمماً على عدم الخروج من هناك إلا راكباً الطائرة. كان يجلس فـي قاعة الانتظار بتصميم على البقاء: كان ينام متكئاً على المقاعد، وتوصل أخيراً إلى تحمّل كل مضايقات الوضع كشرط مقبول فـي ذلك السرير الصعب. وكان يتغذى على مأكولات الكافتيريا الصغيرة، متحولاً من المرطبات إلى القهوة والحلويات وبعض اللقيمات التافهة. ويغتسل فـي ساعات النهار الأولى، حين تملأ رائحة المعقمات المغاسل السوداء. كانت تحيط به مجلات وكتب منتقاة مما يتيحه مجال الاختيار المحدود فـي المكتبة الصغيرة، وكانت هناك لحظات يصل فـيها إلى الاستغراق حقاً فـي القراءة، حتى إنه كان يفقد خيط مضمون القصة نفسه، وتكتسب الكلمات، وقد نسي معانيها، واقعاً مادياً خالصاً، كما لو أنها أشياء مادية، ورسوم صغيرة لا يفرق بينها إلا طولها وشكل حروفها. وإذا كان يأخذ فـي الاعتبار طريقة لفظها، فإنما يفعل ذلك دون تعدي اللفظ المستوى الصوتي الخالص، كما لو أنها علامات موسيقية. كان ذلك التمرين يهدئ ذهنه.
    وفـي أثناء ذلك، كان مسافرون كثيرون يتوالون على بقية المقاعد. وكانت حركاتهم، وتبدل الوجوه المستمر، وتعاقب المظاهر الجسدية المختلفة، وتنوع أمتعتهم، تستثير فـيه، وهو يتأملها من جمود انتظاره، فكرة خاصة عن الزمن: كما لو أن الزمن عدّل مقاييسه، وجعلها أكثر امتداداً بكثير. إذ كانت تلك الساعات تكتسب، مع التبدل المتواصل لكل ما يحيط به، قوام فترات طويلة جداً، ودورات بالغة البطء وهو مشدود فـيها إلى محور العجلة الكبير الثابت، يتأمل المرور العارض للحقائب والناس.
    كان بعض المسافرين قادمين من بلدان أخرى فـي المنطقة، فكان يحاول تمييزهم من خلال التبدلات الطفـيفة فـي لهجتهم، ويبحث فـي وجوههم وملابسهم عن علامات تشير إلى موطنهم الأصلي. وكان آخرون ممن اجتازوا المحيط الأطلسي، أو يتأهبون لاجتيازه. مسافرون متعبون وناعسون ينتظرون تبديل الطائرات التي ستقلّهم إلى نقطة جديدة. وكان يمر كذلك يابانيون وهنود، بينما الساعة الكبيرة التي تتصدر القاعة تواصل تسجيل مرور الساعات، وضوء النوافذ العالية يشير له إلى اقتراب الليل، ووجوب أن يأكل شيئاً قبل أن يأخذ إغفاءة قصيرة، شاعراً أن لذلك الصخب، مع ذلك، صدى احتفاليِاً خفـياً.
    فـي اليوم الثاني، سألته مسافرة وصلت للتو من رحلة عبر الأطلسي عن كيفـية مواصلة رحلتها إلى سانتا مرغريتا. كانت امرأة شابة، نحيلة، لها شعر قصير وأسود يمنحها هيئة شرقية. ربطها على الفور بعصبة أحلامه، لكنه لم يفقد الطمأنينة. وكان كفاحه من أجل اليقظة يائساً، كأي فعل بقاء محض. كان يعرف أنه عليه ألا يفقد أعصابه، حتى إنه ابتسم. كانت هي قد جلست قريباً منه وبدأت تتصفّح بعض الأوراق.
    ــ وهل اجتزتِ المحيط من أجل الذهاب إلى هناك فقط؟
    نظرت بحذر واضح إلى لحيته النامية، وشعره المنفوش، والمظهر المجعد المتسخ لثيابه.
    ــ لا ــ قالت كمن تعتذر ــ. هذا مجرد فضول مني. الجولة أوسع من ذلك بكثير. وهذه رحلة خاصة ضمن الجولة.
    ــ طبعاً ــ قال ــ إنه حفل إحياء الذكرى.
    ــ أجل ــ أجابت.
    وكان على وشك أن يضحك مقهقهاً، وأن يدعوها باسمها، وأن يقول: «أنتِ هنا لأني حلمت بك. أنتِ أحد العناصر فـي تعقيدات الكابوس». لكنه لم يفعل. بل فعل عكس ذلك، متخذاً مظهر جديّة كبير.
    ــ توخي الحذر ــ قال ــ الحر هناك شديد جداً. وتوجد حشرات رهيبة. وأفاعٍ سامّة. وفـي الليل يُسمع عواء باعث على القشعريرة.
    نهضت الفتاة بمزاج قلق.
    ــ إنه مكان مناسب للكوابيس فقط. من أجل الحلم بلقاءات مشؤومة.
    انفجر فـي الضحك، بينما كانت الفتاة تبتعد حاملة محفظتها الكبيرة.
    وأخيراً ركب الطائرة. وبينما هو مسترخٍ فـي مقعده، واصل ــ بصورة أكثر فأكثر كمالاً وشفافـية ــ استعادة الوعي المفصول عنه. عندما ارتفعت الطائرة، وبينما هي تميل فـي انعطافها بحثاً عن مسارها، استطاع أن يتأمل رقعة شطرنج كتل الأبنية تلك المحجوبة قليلاً ببساط بطيء من سحب خفـيفة. لكن السحب كانت مجرد سحب، وليس ضباباً غريباً، ولا عصائر لزجة فـي معدة بغيضة. وراحت المدينة تختفـي بفعل المسافة وابتعادها نفسه.
    كان يشعر أنه استيقظ تماماً. وكانت الطائرة، باعتبارها ديكوراً حيادياً لا يحكم مسبقاً على تفسير دوره داخلها، تسمح له بأن يكون مسافراً آخر، دون أية تعقيدات أخرى، وتسهّل عليه استرداد وعيه وهو متكئ داخل الحضن الدائري الكبير، بينما كان يُعرض فـيلم فـي العتمة الخفـيفة. ظلّ بمنأى عن صور الفـيلم، وفكر فـي أن الفضاء الأسود الذي تخترقه تلك الطائرة الكبيرة التي تحمله فـي أحشائها، مكوّن من مادة أشد كثافة وصخباً بكثير من السماء اللانهائية فوق المياه المالحة، كما لو أن الأمر يتعلق بجانب سريّ منه بالذات وأنه لا بد من اجتيازه استكمالاً لأنظمة بروتوكول سرّي. لكن، فوق العتبة الغامضة لحميميته الخاصة، كان يحس أيضاً بأن تلك الرحلة هي رحلة حقيقية بالكامل، وأنه يحلق فوق المحيط الحقيقي، مغادراً على نحو عاصف نهاراً مؤكداً ليجتاز ليلاً هو الجانب المظلم من الكوكب، على ارتفاع عشرة آلاف متر، بسرعة ألف كيلومتر فـي الساعة، فوق هوّة ليست مشيّدة من الأحلام والأحاسيس.
    بحث عن الورقة والقلم فـي محفظته. كان ذهنه واضحاً ومتجدداً. إنه فـي طريقه إلى الإجازة، لكنه ذاهب أيضاً لقضاء وقت يكرسه بزخم للتفكير فـي كتابه الجديد. عثر بين بطاقات الملاحظات على رخصة قيادة سيارة، وشيكات سفر، وبطاقاته الائتمانية. ولم يعد يخيفه الآن قراءة اسم صاحب كل هذه الوثائق: كان يعلم أن هويته قد صارت واضحة إلى الأبد، أيّاً كان الشخص الذي تشير إليه الوثائق.
    كان متيقظاً إلى حدّ أن أحلامه السابقة صارت تسبب له الآن بهجة، كما لو أنها أحداث غير مؤذية تخلو من أي معنى آخر سوى كونها مجرد لعبة من ألعاب روحِ مختلف الأجساد التي يسكنها الإنسان الأرضي: روح التراب، وروح الكون، وروحه الخاصة. ويتذكر فجأة الأحلام الكثيرة التي رآها فـي حياته، منذ الطفولة، بالزخم نفسه، وبكل مصداقيتها الخارقة والمعقّدة. كانت اليقظة وحدها تعيد تلك الأحلام مرة أخرى إلى ميدانها العصي على الفهم، إلى وكرها غير المرئي الذي تقبع فـيه خلال اليقظة، ويكون بإمكانه أن يشعر عندئذ بأنه حي وحرّ حقاً. وبالطريقة نفسها، كان يشعر الآن أن الحلم قد ظل وراءه بصورة نهائية، ساكناً، ثابتاً مثل شيء من مقتنيات متحف، ببريقه ومخاوفه، بعد أن بدا له بلا نهاية. ومع ذلك، ربما يكون قد انبعث خلال إغفاءة قصيرة وآنية فـي الطائرة نفسها: لأنه يتذكر الآن فترة وجوده فـي تلك الجامعة ذات الفناء الباروكي البديع، وروتين عمله الأكاديمي، والعودة إلى البيت، وكل ما عدا ذلك يرتسم فـي التلاشي المتدرج للأحلام، دون أن يكون ممكناً التحديد الدقيق للحظة حدوث ذلك التلاشي. تذكر بوضوح أيام إقامته، وأيام العمل مع فترات البطالة القصيرة التي قضاها فـي رحلات سياحية هادئة وتقليدية. لم يعكرها أي حادث غريب. تلك الأحلام لم يكن لها متسع هناك.
    كان الفـيلم قد انتهى، وأسند المسافرون رؤوسهم إلى الوسائد الصغيرة، وتكوروا تحت البطانيات. وكانت الشاشة تلمع قليلاً، كما لو أنها تسهر على ذلك السكون العام. وهكذا، بينما هو مستيقظ ولكنه ساهم، راح يغفو. كان يفكر فـي دروب الأحلام واستغرق فـي النوم متذكراً بعض الانتشاءات البعيدة التي حلم بها قبل سنوات طويلة، حين كان لا يزال مراهقاً. «ولكنك صرت الآن فـي الخامسة والأربعين»، فكر بغموض.
    وعندما استيقظ، كانت مكبرات الصوت تعلن عن تقديم وجبة الفطور، وكانت العربتان المعدنيتان تتقدّمان من الجهة الأمامية مع رنين ارتطام الكؤوس الزجاجية، تحت بياض الضوء المفاجئ. وانضمت إلى الضوء موسيقى عذبة معلنة أن الزمن الليلي قد انقضى. وكانت المعلومات الدقيقة التي يقدمها الصوت الآتي من السقف تشير إلى الوقت ودرجة الحرارة والسرعة. استوى ببطء مستغرباً من أنه نام كل ذلك الوقت: لا شك أن عدم وجود مسافرين فـي المقاعد المجاورة أتاح له التمدد، ووفر له تلك الراحة الطويلة والهادئة.
    قدموا له الفطور وأكل بشهية. ومن خلال النافذة الصغيرة كان يرقب قبة السماء: قبالة بُركة الفجر الخفـيفة، كان سواد الفضاء الضارب إلى الزرقة يشتعل ببريق أحمر يميل متدرجاً بخفة إلى البرتقالي والأصفر. وكان للفجر، والسماء اللانهائية التي تجلو ظلمتها الكثيفة، معنى الهواجس السعيدة، الإشعار باستيقاظ نحو زمن مضيء من الراحة والتكاسل فـي أرض مولده، وقد تقبل ذلك بتأثر مشابه لتأثر ناجٍ وجد، بعد معركة مع الظلمات القاتلة، الطبيعة الدافئة للأيام الحيّة.
    وأخيراً خلّفوا المحيط وراءهم. والسماء التي صارت زرقاء بنعومة، بدت خالية من الغيوم. حاول أن يكتشف فـي سطح الأرض المجعد علامات تشير إلى القرى، لكن الارتفاع الكبير جعله يتصور كل شيء كصحراء رتيبة، ترابية، مقفرة، لا تقطع رتابة التراب الأمغر سوى ظلال الجبال المتطاولة ومجاري الأنهار، بين مزق ضباب لبنية البياض وسحبٍ تغطي مجاري الماء فـي الوادي مثل أصابع بيضاء طويلة.
    لم يعد ثمة متسع للشك. وعندما حطت الطائرة أخيراً فـي نقطة النهاية، كان لتعبه حدود دقيقة. لكن التعب لم يتغلب على تلهفه، والجهد الذي تجاوز به التعب، بعد القرار بالتوجه دون تأخير إلى البيت الأبوي، كان جهد إنسان يقظ، شخصية من الواقع حيث للإزعاجات والانكسارات ملمس لا لبس فـيه ولا يمكن له أن يتشابه وعالم الأحلام. ودون طويل انتظار، توجه مباشرة إلى المحطة واستقل أول قطار ينقله إلى بيته. استُبدل اهتزاز الطائرة الخفـيف بالطقطقة الإيقاعية على السكة الحديد، مما جعله يغفو من جديد.
    * * *
    وهكذا استقل القطار واجتاز صباح الهضبة الهادئ، الهضبة المعفرة ذات التراب الأمغر التي تحوم فوقها الحِداء، تحت سماء ملتهبة وشديدة البعد.
    فتح عينيه قليلاً وفوجئ بأنه يعرف تلك المناظر بوضوح. لقد مضت سنون طويلة مذ كان هذا الخط نفسه يوصله إلى البيت فـي الإجازات، للمشاركة فـي الطقوس الاحتفالية، لقد تغيرت أشياء كثيرة: القطار نفسه، والطرقات المكتظة الآن بالسيارات، وهيئة القرى والمساكن. ومع ذلك، كانت عيناه، فـي زياراته المتفرقة، تعودان إلى اكتشاف رابية ما، وجدار منهار، وانعطاف جدول عند أجمة أسفل سفح، وصورة مستنسخة بالضبط من ذكريات شبابه: شكل الرابية الضاربة إلى البياض اللطيف، والجدار الضارب إلى الحمرة، والجدول الذي يجتاز جسراً صغيراً من الخشب والحجارة مازالت جميعها هي نفسها، بل إن بهجته بالتعرّف عليها كانت تحتفظ أيضاً، فـي الرجل الذي صار إليه، بجمرات نيران أحاسيسه حين كان فتياً وكانت الإجازات تنفتح أمامه كزمن لا ينضب.
    كان يتوغل فـي الأصيل عندما بدأت صفوف الحور الطويلة تعلن عن الضفاف الفسيحة. وكان الضوء يتلألأ فوق ذراها المدببة.
    وصل أخيراً إلى المدينة، بينما كان الغروب ينسكب فـي الساحة مثل ليكور أصفر، مغرقاً الشوارع فـي بريق تتوالى فـيه الومضات الذهبية والظلال الزرقاء. كان النهار حاراً، ومن الجبال، متبعاً مجرى الأنهار، كانت تنزل نسمات صيفـية محملة بروائح البراري.
    فـي مثل هذه الأوقات من الصيف، يكون أبواه فـي القرية عادة. أعرب عن شكه هذا بصوتٍ عالٍ لسائق سيارة الأجرة، وهو رجل له رقبة ثخينة مثل الرأس الكبير الذي يستند إليها.
    ــ إلى السدّ؟ ــ سأله الرجل ــ أنذهب إلى السد؟
    ارتبك. وعاد إلى ترديد اسم القرية، وأوضح أنه لا يعلم إذا ما كانت أسرته هناك. وأشار له حينئذ باتجاه المدينة.
    ــ لقد أخطأتُ فـي فهم ما قلته ــ قال سائق سيارة الأجرة.
    ومع ذلك، جعله الارتباك الذي أحدثه سؤال السائق يتشكك فـي أن كارثة قد وقعت. فهتف:
    ــ لكن، لا وجود هناك لأي سدّ.
    ــ لقد قلت لك إنني أخطأت فـي الفهم ــ ألحّ الرجل.
    سؤال السائق جعله يتصور فوراً مسقط رأسه وقد غمره أحد تلك السدود الهيدروكهربائية التي راحت تغمر مناطق جبلية أخرى. وكانت رؤيةً آنية طغت فـيها كتلة ماء هائلة على فضاء الوديان كله، وبحرٌ لا يظهر فـيه سوى رأس صخرة كبيرة ــ قمة الجبل الذي كانت تنتصب فوقه صومعة سان بيلايو ــ يحل محل مشهد الطفولة دون لبس. الطمي القاتم يغمر كل شيء. وستكون قذارة كثيفة قد أغرقت أماكن ذكرياته الأولى، وغرف النوم التي كان يتردد فـيها صوت البندولات، والممرات الموسومة برايات طويلة من الشمس، والقاعة التي تلتقي فـيها انعكاسات بريق مرايا وآنية على منسوجات مطرزة وصوانٍ حتى تشكل صورة كاملة لحجرة، لمسكن. المغسل الرطب، حيث يتوصل تدفق النافورة المتواصل إلى الجمع فـي إطار واحد ما هو منزلي وما هو بريّ. وحجرة المؤونة المظلمة وذلك النسق الطويل من الحزم والعلب والقدور وأنواع السجق. وبين تلك الظلال والأنوار، هناك الحيز المحصور بين الجدران والسقوف، والمحاط بالأثاث، يدل على التوازن الصلب للحدود التي إن اُفترض ذات مرة أنها كبيرة بصورة غير متناهية، ولا بد أن تكون قد أُلغيت الآن مثلها مثل الدروب والطرقات والأشجار والحظائر والأبواب الحديدية والبساتين وكل النقاط المحتملة من حيث تُرى.
    ــ لم يجر الحديث قطّ عن إقامة سدّ هناك.
    ــ قلت لك إني أخطأت يا رجل ــ صاح الآخر وهو ينظر إليه فـي المرآة العاكسة.
    أما هو، وبعد أن بدأ يطمئن خلال ذرع الشوارع تحت الضوء الذهبي، راح يداهمه خوف من وجود تحول جديد وغير متوقع.
    ــ هل صار الحر شديداً؟
    ــ إنه شديد فـي الحقيقة ــ قال الرجل ــ يكاد لا يخف حتى فـي الليل.
    كانت هواجسه قد تلاشت عندما وصلا إلى الشارع، وأحس أنه غارق فـي ثقة سعيدة حين تعرّف على الكشك، وعلى لوحتي إعلان الصيدلية ومدرسة التعليم الذاتي المتقابلتين كرايتين طويلتين، وعلى منحدر سان ايسيدور الذي يطل فـي العمق. كان قد انتصب فـي أحد طرفـي الشارع بناء جديد، وما سوى ذلك لم يطرأ أي تغيير لا فـي شكل الرصيف ولا فـي وضع أعمدة مصابيح الإنارة.
    ــ انتظر لحظة.
    ــ ألن تبقى هنا؟
    ــ لا أدري. سأرى.
    اجتاز الباب الزجاجي الذي يفصل المدخل عن بسطة السلم الأخيرة واستدعى المصعد. كانت حجرة البواب الصغيرة فارغة، ويسود المبنى سكون صيفـي هادئ. وعلى جدار الحجرة تتدلى لوحة عن أسبوع آلام، وتحتها تقويم عليه صورة فتاة شبه عارية. دوى صوت وراءه.
    ــ أتريد شيئاً؟
    ومن درج القبو الذي تلفه عتمة خفـيفة، برزت هيئة هيلاريو التي لا يمكن الخطأ فـيها، بيديه وراء ظهره، وقبعة البيريه مشدودة إلى جبهته.
    ــ ألم تعد تعرفني؟
    أبدى الرجل ملامح مفاجأة خرقاء وحياه بسعادة مبالغ فـيها، كما لو أن وصوله حدث مهم فـي عادية المدخل. وقال له بعد ذلك إن أبويه غير موجودين.
    ــ هذا ما تصورته ــ قال.
    أظهر هيلاريو يديه. وتذكر هو حينئذ أن يده اليمنى تفتقد السُّلامية الأولى من خنصرها. إنه يحرك الآن كلتا يديه مفسراً ذلك الغياب.
    ــ لقد رحلا فوراً. الحرّ شديد هنا هذه السنة. جاءت دونيا كارلوتا فـي طلبهما وذهبوا جميعهم معاً. وذهب أبناء الأخوة أيضاً مع درّاجاتهم والكلبة الصغيرة. ذهبوا فـي ثلاث سيارات. إنها قافلة.
    أجل، لقد استعاد حالته الطبيعية تماماً. وقد عززت هذه الكلماتُ الوضع.
    ــ لا تقلق ــ أضاف البواب ــ لدي مفتاح.
    سائق التاكسي الذي كان ينظر إليه من أسفل درج البوابة، أشعل سيجارة.
    ــ سأصعد لحظة ــ قال «هو».
    وردَّ السائق بإيماءة ثقة. أدار وجهه نحو الشارع واستند إلى البروز الملحق بدرجات البوابة.
    ــ سأعطيك المفتاح وأنت تتصرف. غداً تصعد زوجتي لترتب لك البيت.
    لم يجبه بشيء. كان يقدر مدى ملاءمة أن يتوجه الآن بالذات إلى القرية، ليضع دفعة واحدة حداً للجهد الطويل، وهو على ثقة بأن وصوله إلى غايته الحقيقية بعد رحلة طويلة ومتعبة سيكون تحرراً ممتعاً.
    ــ ألم يتركا معك رسالة لي؟
    ــ أعتقد أنهما كانا يظنان أنك ستتأخر. كانت رسائلك قليلة هذا العام.
    بدا قوله لوماً. وأحس بالذنب مثلما كان يحدث حين يعاب أحد تصرفاته وهو طفل. ربت على جسد البواب النحيل من فوق السترة الخفـيفة. دخل هيلاريو إلى حجرته وبحث بين أوراق متنوعة مبعثرة فـي درج المنضدة الصغيرة. وكانت فراشة بيضاء تحوم حول المصباح.
    ــ لم يتركا كلاماً يقال. ولكن توجد رسالة لك. وصلت بعد ذهابهما.
    دس الرسالة فـي جيبه. أخذ المفتاح واستدعى المصعد. كان صندوق المصعد القديم يحتفظ بمظهره القاتم، وأخشاب الهيكل تصرّ بطقطقة مألوفة. عندما وصل، كانت بسطة السلم تحتفظ بعتمة ذكرياته المميزة، اليومية. والمصباح المعفر نفسه يضيء الدرج من أعلى. وعلى العارضة الخشبية التي تفصل الجانب السفلي المظلم عن المنطقة البيضاء من الجدار، لم يتمكن الطلاء الحديث من إخفاء خربشة قديمة تذكارية. إنها مصطبة طفولته ومراهقته. ردهة أحلام شبابه.
    تذكر عندئذ أحلامه فـي الفندق، عندما خيل إليه أنه قد اختُزل إلى رجل صغير جداً، إلى دمية تجارة غامضة، محفوظة فـي مخازن عملاقة: ذلك الوهم الذي كان، دون ريب، ثمرة ذكرى دمى الجنود المصنوعة من الرصاص والتي مازالت تقبع حتى الآن على الرفوف العليا فـي خزانة حجرته؛ دمى حملة بنادق وفرسان وجنود مشاة. دمية جندي صغير فـي علبته، مثبت إلى قطعة كرتون، هي بالضبط صورة ما حلم بها وهو بين النوم واليقظة؛ وهي هنا، فـي هذا البيت، وراء هذا الباب. دمية جندي صغير يرتدي الزيّ نفسه الذي كان يرتديه رجال كورتِس. وبالطريقة نفسها استعاد صورة الكرة الأرضية التي لا بد أنها لا تزال فـي الخزانة، أو فوق المنضدة القديمة، فـي حجرة الدرس، والتي كانت خطوط الطول والعرض فـيها تفـيده فـي تحديد أماكن المغامرات التي يقرؤها فـي الكتب. واتفاقاً مع تلك الأحلام أيضاً، كان يقف أمام الباب مثلما كان يقف فـي صباه، كما لو أنه الصبي نفسه الذي خرج فـي ذلك الصباح ليذهب إلى المعهد ويعود فـي النهاية إلى البيت.
    فتح الباب، فـي أحد جانبي المصطبة، وانقضت عليه الظلمة الصامتة والفاترة مثل حيوان صغير أليف. وبصورة غريزية، بحث عن مفتاح الكهرباء فأضيء النور: على بعد خطوات أمامه أُشعلَ المصباح الصغير مضيئاً نقشاً دينياً غائراً ومفضضاً، محدداً على نحو مباغت منظور الممر المقطوع، والمعروف جيداً. وفـي العمق، كان الضياء الخفـيف يطل من وراء باب الرواق الموارب. أغلق الباب وراءه وتقدم خطوتين ببطء. وفـي تلك اللحظة، أوقفته رؤيا متعددة: فحين أغلق الباب، اجتاز كما يبدو الحد غير المرئي لفسحة فـي غابة، وصارت الغابة مجدداً كثيفة ومظلمة. كانت خزانة الدروج هي جذع ضخم رمادي لشجرة هائلة. وفـي ما وراء الخزانة، يمتد الممر تحت لوحتين قاتمتين، ويتداخل مع درب تحف به آجام متشابكة. كان وقع قطرة ماء يرن فـي مغسلة (أم إنها تكتكة ساعة؟) ويتضاءل بفعل صدى إيقاعها الرنان والمنتظم، ويتحول إلى خفق أجنحة، وإلى تردد نعيق غامض. ولكن الممر كان قاعة متحف كبيرة أيضاً. وعلى الخزانة ذات الأدراج كانت تُعرض صور قوارب شراعية، وأوان، وأزهار. وكان المصباح يضيء لوحة تذكارية لتدشينٍ أو لحدث ما. وكانت هناك لقى أثرية مدنية من أزمنة غابرة، وكانت الأدوات المنزلية أشياء تاريخية، وسط فرقعات الغابة الكثيفة وفـيض المياه البكر.
    تقدم قليلاً حتى صار عند المصباح، وكانت بؤرة الضوء الكبيرة زهرة ورديّة ضخمة. وفـي العمق، كان لبريق الرواق لون فوسفوري، مثل طحالب وفطور مغارة. وكان البريق ينسكب بين تجاعيد ستارة رمادية، بين حيز خالٍ من النبات، حيث يحتفظ تشابك أوراق الشجر مع ذلك بقوة ظله. وعرف عندئذ أن ذلك هو مدخل المعبد، وعرف أن الإله الضب ينتظره. وأنه كان ينتظره منذ بداية الزمان، منذ نهاية الحياة. فـي النوم وفـي اليقظة، رابضاً هناك فـي الرواق، فـي تلك القاعة، ما بين منضدة مشوهة وعدة مقاعد متقشفة.
    أدرك أنه لن يستطيع الخروج من هناك أبداً، وأن تحوّله وحلمه سيكونان نهائيين هذه المرة. تقدم خطوتين أخريين متقبلاً مصيره بإذعان.
    * * *
    لكنك لن تدخل هذا الرواق. وستنسى فجأة الإله الضب، وصورة السلف الشبيه بالأب الذي يبدو أنه النموذج النمطي لكل الأسلاف. ستنسى الإيغوانا التي ربما هي فـي الواقع باسيليسكو ــ فبهذا الاسم يُعرف فـي بعض المناطق هذا الحيوان الزاحف الذي له زعنفة منتصبة على ظهره ــ وإن تكن أقل غرابة، وقد تكون مجرد سحلية، تقبع ساكنة لسبب ما فـي أحد دروب طفولتك، ظلت راسخة فـي ذاكرتك إلى الأبد، محافظة على فضاءات نظرتك الطفلية العريضة نقية ومضيئة. ستنسى المتحف الذي تتضخم فـيه أشباح البيت بصورة بالغة الغرابة.
    لن تدخل الرواق، لن تمسك بك هذه الظلمات المتربصة، لن يجعل أي تحوّل عظامك تصر، ولن يجفف أحشاءك. لا يمكن لشيء من هذا أن يحدث، لأن حدثاً ضئيلاً سيشتت انتباهك: فعند مستوى المصباح بالذات، قبالة رسم العذراء المحاط بإطار عريض أسود، سيدفعك شعور مبهم بحركة وراءك إلى الالتفات. ستتوقف. قفْ. تتوقف. تستدير بجسدك إلى اليسار. وهناك حجرة الحمّام. وراء الباب المفتوح مازالت توجد ظلال مختلطة من البلاط الخزفـي، الورق الملون، أدوات الخزف الصحية. وفـي العمق، المرآة التي انعكس فـيها مرورك ومازالت هيئتك منعكسة فـيها الآن. ويدخل من زجاج النافذة الشفاف بريق المساء المشتت، والشحيح جداً فـي فناء الأضواء.
    ستشعل الضوء. ومن هنا ينطلق الصوت المتتالي. ليس هناك أي همس بين أوراق الشجر، ولا أي زقزقة. لا وجود لتكتكة ساعة ولا خفق أجنحة بعد الصدى اللجوج. لا وجود لأي نقر على آلة كاتبة. إنه مجرد توالي قطرات ماء تسقط من الصنبور، بعد أن تتسرب عبر «الجوانات» القديمة، وقد لوّنت بالصدأ حوض المغسلة، ببقعة تبدو علامة دم قديم.
    تشعل الضوء، وترى بوضوح البقعة فـي المغسلة، وفوقها، فـي المرآة، رأسك، والشعر المشعث، والشارب الذي يكاد يغطي الشفة، واللحية التي لم تُحلق منذ أيام، منتصبة كزرع بعد الحصاد. ستتردّد، لأنك تعي الآن الصمت الذي يغمر الشقة، والبناء، والمساء. والبيت المغمور بالصمت، كما لو أنه مغمور بتراب كثيف غير مرئي، ليس شيئاً آخر سوى ما هو ظاهر عليه. ومن المكان الذي أنتَ فـيه، تبدو رؤية الممر مقتضبة، لكنها تقدم وداعة بريئة، ضوءاً صدفـياً وبسيطاً. هيئة الأمكنة التي تخلو أبعادها من الأسرار، تحتفظ ــ وأنت تحدق فـيها ــ بالمظهر المنهوك للخدم الأوفـياء القدماء.
    فلتطمئن إذاً. ستفتح سبيل الماء، وستتركه يتدفق بلون الشوكولاتة، وعندما يصفو تبلل وجهك. تغسل وجهك متلقياً لمسة الماء الباردة كرسالة هدوء. إنه طقس اغتسال بطيء، مُلحّ، إلى أن تشعر بدقة أن شعر لحيتك يحك راحتيك. إنك مطمئن والآن. تفتح الخزانة الصغيرة البيضاء وتتأمل جوفها بفضول، وأنت واثق فـي الوقت نفسه من أنك لن تجد مفاجآت: وبالفعل، مازالت هناك قوارير صغيرة فـيها يود ودواء قديم لتصلب جلد القدمين، ومقص صدئ، وعلب أدوية، وملاقط شعر، وأمشاط. وفـيها كذلك معجون حلاقة وآلة حلاقة صغيرة.
    ستخلع القميص، وبعد أن تضعه على المقعد الصغير، ستدعك خديك وذقنك وعنقك جيداً بالصابون لتحلق بعد ذلك بتمهل. وفـي هذه الحركات التي تزيل، بألم خفـيف، الشعر النامي والرغوة البيضاء، ستجد علامات سلام يلفّه بعد ذلك عطر الأب الذي تفرك نفسك به برائحة زمن بعيد، تتعرف عليه تماماً.
    وبعد ذلك، وقد أعدت آلة الحلاقة الصغيرة إلى مكانها فـي الخزانة البيضاء، ستكون أنت بالفعل من يتأمّل نفسه فـي المرآة. ستُسرّح شعرك، وتلبس القميص، وتشدّ الصنبور بقوة لتوقف ذلك التنقيط، وتكون متأهباً لإطفاء النور والدخول إلى ممر هذا البيت الذي هو ممر وحسب، المجاز المؤدي إلى مختلف الحجرات، وليس غابة ولا مجموعة قاعات تاريخية كبيرة؛ لأنها تحرس أشياء العادة القديمة بصورة مؤكدة وغير قابلة للتحويل.
    لن تدخل الرواق. ومن ثيابك يسقط شيء ما على الأرض، وتكشف وميض الرسالة الأبيض. وتحت مصباح الممر ستقرأ اسم المرسل الذي سيبدو لك مجهولاً تماماً. لا تعرف من هو. ومع ذلك، يدفعك نفاد صبر مفاجئ إلى فتح مغلف الرسالة بسبابة يدك اليمنى، دون أن تبحث عن أداة مناسبة لفتحه، فتحدث فـيه تمزقاً غير منتظم، تمزقاً منشارياً ذا شقوق كبيرة متتالية.
    المغلف يحتوي ورقة مطوية مرتين، ومكتوبة بخطٍ جيد. المعلم المحترم. مطلع توقيري، تحت التاريخ المكتوب بأرقام رومانية. يبدو أن قارئاً شاباً هو من يعبر عن إعجابه الحار. لديك هنا مادح مجهول لعملك. إنه يعرب بإيجاز عن رغبته فـي التعرف عليك، وتقديم تحيته إليك شخصياً. ويودّع بخشوع مقتضب. يذكر كنيتيه ولكن دون إمضاء. وقد تحولت إفرازات قلم الحبر الناشف الصغيرة إلى نقاط باهتة.
    لن تدخل هذا الرواق. فليس ثمة غابة، ولا متحف. لا وجود لمعبد يقبع فـيه إله قديم، ولا صالة تُحفظ فـيها صورةٌ أحجية. لفضاء هذا البيت الملامح المنيعة لواقع وحيد، حيث لا يقبع أي شيء مختلف وراء المظهر. ستعيد جمع مزق المغلف إلى بعضها ثانية كي تتوصل إلى معرفة كاملة لهوية المرسل. لكنك ستكتشف أنه شخص مجهول. ولا تعرف، فعلاً، من هو.
    والآن، ستنبعث فـيك أحاسيس متنوعة. سينبعث فـيك تعاطف أولي نحو هذا الشاب المختلف الذي يعبر لك ــ وسط الصمت المعهود لبلد مولدك ومدينتك الأصلية تجاه شخصك ــ عن محبته لعملك. ويتحد التعاطف مع البهجة الغامضة التي لابد أن يكون قد أيقظها التكريمُ فـيك، وبعد ذلك سيدفعك أيضاً دافع ذو سمة شبابية مغامرة إلى البحث عن مرسل الرسالة، وهو من سكان المدينة كما يبدو، كي تعبر له عن امتنانك الودي. وفـي الوقت نفسه، سيستيقظ فـيك الوعي بأن ذلك قد ينطوي على اتصال يمكن له أن يوسع ميدان محاضراتك الإسبانية القليلة، وبالتالي زيادة مواردك التعليمية الضئيلة.
    لن تدخل هذا الرواق. فعند مستوى منتصف الممر، عند الثريا البرونزية الصغيرة التي يتدلى منها مصباح متطاول وضعيف، قبالة صورة العذراء التي على صفـيح مفضض والمحاطة بإطار كبير أسود ذي زخارف ناتئة، ستتوجه مباشرة إلى باب الخروج.
    ستطفئ النور، وستدير المفتاح مرتين، وستستدعي المصعد. لا أحد عند مدخل البناء. لابد أن هيلاريو قد رجع إلى مشاغلة فـي القبو حيث تتردد أصداء نشر خشب. تغادر البوابة وتخرج إلى الشارع. السائق فـي سيارة الأجرة، ينظر إليك بمزيج من الاستغراب والارتياح.
    «المعذرة»، تقول، «انتهزتُ الفرصة لأغتسل قليلاً. إنني على سفر منذ يومين». لا يقول هو شيئاً، فـي موقف حذر. «اسمع» يهتف أخيراً وهو يرفع يديه عن المقود ويلتفت بجسمه، «أتريد الذهاب إلى القرية الآن؟». تقاطيع وجهه أيضاً كبيرة وقاسية، وله نابٌ مذهب يلمع حين يتكلم. «لماذا؟» ستسأل أنت. ويهز هو يديه الكبيرتين فـي حركة اعتذار. «أنظر، لقد تأخر الوقت بالنسبة لي. أنا أنتهي من العمل فـي هذا الوقت. إلا إذا أُخبرت مسبقاً بالطبع».
    لن تجيب بشيء. ستُخرج مغلف الرسالة من جيبك. «لا، لقد تأخر الوقت للذهاب إلى القرية اليوم». وستقرأ العنوان بصوت عالٍ. «أتستطيع إيصالي إلى هناك؟». «فلنر إن كنت تفهمني. أنا أوصلك إلى حيث تريد. على ألا تتجاوز الرحلة عشرين كيلو متراً». « هذا العنوان فـي تروباخو». «هيا بنا إذاً».
    البيت على مسافة بعيدة بعد الكروثيرو. تأخذ أمتعتك، وتدفع للسائق، وترى السيارة تبتعد. إنه بناء من طابق واحد، قديم، جدرانه منتفخة وسقفه عريض يثقل على الإفريز البارز مجبراً إياه على الانحناء. كانت عصافـير الخُّطف تقطع الشارع مزقزقة، وآخر بريق النهار يكاد لا يضيء ظل واجهات المباني.
    باب البيت من ألواح خشبية سميكة، أعيد طلاؤها حديثاً بلون بنّي. فـي أسفله كوة مدورة للقطط. ستقرع بالمقرعة الحديدية عدة مرات. وأخيراً سيُفتح الباب وسيظهر فـي فراغه فتى مشعث الشعر.
    ستظلان كلاكما صامتين، تتبادلان النظرات بفضول مكبوح. لن تكون لحظة واحدة، بل وقتاً طويلاً. ستبدو لحظة، لكنك ستعرف أنه زمن فسيح على هامش الساعات والنبضات. الزمن الذي يتطلبه اجتياز حدود الأحلام واليقظة. سيقول الفتى شيئاً. وعندما تجيب، ستعرف أنك على وشك الاستيقاظ. فهكذا ينتهي، هكذا يبدأ كل شيء حقاً.

    rema

    عدد المساهمات : 14
    نقاط : 14
    السٌّمعَة : 5
    تاريخ التسجيل : 14/12/2009

    رد: الضفة المظلمة 5

    مُساهمة  rema في الأحد يناير 03, 2010 3:37 pm

    الاجزاءءءءءءءءءءءءءءءءءءءءءءءءءءءءءءءءءءءءءءءءءءءءءءءءءءءءءءءءءءءءءءءءءء

      الوقت/التاريخ الآن هو الجمعة ديسمبر 15, 2017 11:15 am