منتدي جمال عزوز

أهلا بكم في المنتدى
منتدي جمال عزوز

منتدي الادب والفنون والكتابات النثرية والقصة القصيرة

المواضيع الأخيرة

» من كتاب الشخصية6
الإثنين ديسمبر 09, 2013 5:48 pm من طرف Admin

» من كتاب الشخصية5
الإثنين ديسمبر 09, 2013 5:46 pm من طرف Admin

» من كتاب الشخصية4
الإثنين ديسمبر 09, 2013 5:45 pm من طرف Admin

» من كتاب الشخصية3
الإثنين ديسمبر 09, 2013 5:44 pm من طرف Admin

» من كتاب الشخصية2
الإثنين ديسمبر 09, 2013 5:42 pm من طرف Admin

» من كتاب الشخصية
الإثنين ديسمبر 09, 2013 5:41 pm من طرف Admin

» نموذج من بناء الشخصية
الإثنين ديسمبر 09, 2013 5:39 pm من طرف Admin

» كيف تنشأ الرواية أو المسرحية؟
الإثنين ديسمبر 09, 2013 5:38 pm من طرف Admin

» رواية جديدة
الإثنين ديسمبر 09, 2013 5:26 pm من طرف Admin

التبادل الاعلاني

احداث منتدى مجاني

أبريل 2017

الإثنينالثلاثاءالأربعاءالخميسالجمعةالسبتالأحد
     12
3456789
10111213141516
17181920212223
24252627282930

اليومية اليومية

تصويت

تدفق ال RSS


Yahoo! 
MSN 
AOL 
Netvibes 
Bloglines 

احصائيات

أعضاؤنا قدموا 254 مساهمة في هذا المنتدى في 142 موضوع

هذا المنتدى يتوفر على 35 عُضو.

آخر عُضو مُسجل هو sansharw فمرحباً به.


    الاغاني للاصفهاني36

    شاطر

    Admin
    Admin

    عدد المساهمات : 150
    نقاط : 444
    السٌّمعَة : 0
    تاريخ التسجيل : 30/10/2009
    العمر : 43

    الاغاني للاصفهاني36

    مُساهمة  Admin في السبت يناير 02, 2010 1:47 pm

    صفحة : 560

    كنت مع ابن هرمة في سقيفة أم أذينة، فجاءه راع بقطعة من غنم يشاوره فيما يبيع منها، وكان قد أمره ببيع بعضها؛ قال مرقع: فقلت: يا أبا إسحاق، أين عزب عنك قولك:
    لا غنمي مد في الحياة لها إلا لدرك القرى ولا إبلي وقولك فيها أيضا:
    لا أمتع العوذ بالفصال ولا ولا أبتاع إلا قريبة الأجل فقال لي: مالك أخزاك الله من أخذ منها شيئا فهو له؛ فانتهبناها حتى وقف الراعي وما معه منها شيء. وحدثنا بهذا الخبر أحمد بن عبيد الله بن عمار قال حدثني علي بن محمد النوفلي عن أبيه: أن ابن هرمة كان اشترى غنما للربح، فلقيه رجل فقال له: ألست القائل:
    لا غنمي مد في الحياة لها إلا لدرك القرى ولا إبلي قال: نعم؛ قال: فو الله إني لأحسبك تدفع عن هذه الغنم المكروه بنفسك، وإنك لكاذب؛ فأحفظه ذلك فصاح: من أخذ منها شيئا فهو له؛ فانتهبها الناس جميعا وكان ابن هرمة أحد البخلاء.
    أخبرني الحرمي بن أبي العلاء قال حدثني الزبير بن بكار قال حدثني نوفل بن ميمون قال حدثني زفر بن محمد الفهري: أن هذه القصيدة أول شعر قاله وابن هرمة.
    أخبرنا محمد بن خلف وكيع قال حدثنا حماد بن إسحاق قال قرأت على أبي: حدثنا عبد الله بن الوليد الأزدي قال حدثني جعفر بن محمد بن زيد بن علي بن الحسين قال: سمع مزبد قول ابن هرمة:
    لا أمتع العوذ بالفصال ولا أبتاع إلا قـريبة الأجـل قال: صدق ابن الخبيثة، إنما كان يشتري الشاة للأضحى فيذبحها من ساعته.
    أخبرنا وكيع قال حدثنا حماد عن أبيه عن عبد الله بن الوليد عن جعفر بن محمد بن زيد عن أبيه، قال: اجتمع قوم من قريش أنا فيهم، فأحببنا أن نأتي ابن هرمة فنعبث به، فتزودنا زادا كثيرا ثم أتيناه لنقيم عنده، فلما انتهينا إليه خرج إلينا فقال: ما جاء بكم? فقلنا: سمعنا شعرك فدعانا إليك لما سمعناك قلت:
    إن امرأ جعل الطريق لبيته طنبا وأنكر حقه لـلـئيم وسمعناك تقول:
    وإذا تنور طارق مستنبح نبحت فدلته علي كلابي
    وعوين يستعجلنه فلقينـه يضربنه بشراشر الأذناب وسمعناك تقول:
    كم ناقة قد وجأت منحرها بمستهل الشؤبوب أو جمل
    لا أمتع العوذ بالفصال ولا أبتاع إلا قـريبة الأجـل قال: فنظر إلينا طويلا ثم قال: ما على وجه الأرض عصابة أضعف عقولا ولا أسخف دينا منكم؛ فقلنا له: يا عدو الله يا دعي، أتيناك زائرين وتسمعنا هذا الكلام؛ فقال: أما سمعتم الله تعالى يقول للشعراء: وأنهم يقولون ما لا يفعلون أفيخبركم الله أني أقول ما لا أفعل وتريدون مني أن أفعل ما أقول؛ قال فضحكنا منه وأخرجناه معنا، فأقام عندنا في نزهتنا يشركنا في زادنا حتى انصرفنا إلى المدينة.
    أخبرنا عمي قال حدثني محمد بن سعيد الكراني عن عبد الرحمن بن أخي الأصمعي عن عمه قال: الحكم الخضري، وابن ميادة، ورؤبة، وابن هرمة، وطفيل الكناني، ومكين العذري، كانوا على ساقة الشعراء، وتقدمهم ابن هرمة بقوله:
    لا أمتع العوذ بالفصال ولا أبتاع إلا قـريبة الأجـل قال عبد الرحمن: وكان عمي معجبا بهذا البيت مستحسنا له، وكان كثيرا ما يقول: أما ترون كيف قال والله لو قال هذا حاتم لما زاد ولكان كثيرا؛ ثم يقول: ما يؤخره عن الفحول إلا قرب عهده. انتهى.
    أخبرني محمد بن مزيد والحسين بن يحيى ووكيع عن حماد عن أبيه قال: قلت لمروان بن أبي حفصة: من أشعر المحدثين من طبقتكم عندك? لا أعنيك، قال: الذي يقول:
    لا أمتع العوذ بالفصال ولا أبتاع إلا قـريبة الأجـل أخبرنا يحيى بن علي قال حدثنا أبو أيوب المديني عن أبي حذافة قال: لما قال ابن هرمة:
    لا أمتع العوذ بالفصال ولا أبتاع إلا قـريبة الأجـل قال ابن الكوسج مولى آل حنين يجيبه:
    ما يشرب البارد القـراح ولا يذبح من جفرة ولا حـمـل
    كأنـه قـردة يلاعـبـهـا قرد بأعلى الهضاب من ملل

    صفحة : 561

    قال: فقال ابن هرمة: لئن لم أوت به مربوطا لأفعلن بآل حنين ولأفعلن؛ فوهبوا لابن الكوسج مائة درهم وربطوه وآتوا به ابن هرمة فأطلقه؛ فقال ابن الكوسج: والله لئن عاد لمثلها لأعودن.
    أخبرني الحسن بن علي الخفاف قال حدثني هارون بن محمد بن عبد الملك الزيات قال حدثني هارون بن مخارق عن أبيه قال: كنا عند الرشيد في بعض أيامنا ومعنا ابن جامع، فغناه ابن جامع ونحن يومئذ بالرقة:
    هاج شوقا فراقك الأحبـابـا فتناسيت أو نسيت الـربـاب
    حين صاح الغراب بالبين منهم فتصاممت إذ سمعت الغرابا
    لو علمنا أن الفـراق وشـيك ما انتهينا حتى نزور القبابـا
    أو علمنا حين استقلت نواهـم ما أقمنا حتى نزم الركـابـا الغناء لابن جامع رمل بإطلاق الوتر في مجرى الوسطى عن إسحاق، وله فيه أيضا ثقيل أول بالوسطى عن عمرو. وذكرت دنانير عن فليح أن فيه لابن سريج وابن محرز لحنين. قال: فاستحسنه الرشيد وأعجب به واستعاده مرارا وشرب عليه أرطالا حتى سكر، وما سمع غيره ولا أقبل على أحد، وأمر لابن جامع بخمسة آلاف دينار؛ فلما انصرفنا قال لي إبراهيم: لا ترم منزلك حتى أصير إليك؛ فصرت إلى منزلي، فلم أغير ثيابي حتى أعلمني الغلام بموافاته، فتلقيته في دهليزي، فدخل وجلس وأجلسني بين يديه ثم قال لي: يا مخارق، أنت فسيلة مني وحسني لك وقبيحي عليك، ومتى تركنا ابن جامع على ما ترى غلبنا على الرشيد، وقد صنعت صوتا على طريقة صوته الذي غناه أحسن صنعة منه وأجود وأشجى، وإنما يغلبني عند هذا الرجل بصوته، ولا مطعن على صوتك، وإذا أطربته وغلبته عليه بما تأخذه مني قام ذلك لي مقام الظفر؛ وسيصبح أمير المؤمنين غدا فيدخل الحمام ونحضر ثم يخرج فيدعو بالطعام ويدعو بنا ويأمر ابن جامع فيرد الصوت الذي غناه ويشرب عليه رطلا ويأمر له بجائزة، فإذا فعل فلا تنتظره أكثر من أن يرد ردته حتى تغني ما أعلمك إياه الساعة، فإنه يقبل عليك ويصلك، ولست أبالي ألا يصلني بعد أن يكون إقباله عليك؛ فقلت: السمع والطاعة؛ فألقى علي لحنه:
    يا دار سعدى بالجزع من ملل وردده حتى أخذته و انصرف، ثم بكر علي فاستعاد الصوت فرددته حتى رضيه، ثم ركبنا وأنا أدرسه حتى صرنا إلى دار الرشيد، فلما دخلنا فعل الرشيد جميع ما وصفه إبراهيم شيئا فشيئا، وكان إبراهيم أعلم الناس به، ثم أمر ابن جامع فرد الصوت ودعا برطل فشربه، ولما استوفاه واستوفى ابن جامع صوته لم أدعه يتنفس حتى اندفعت فغنيت صوت إبراهيم، فلم يزل يصغى إليه وهو باهت حتى استوفيته؛ فشرب وقال: أحسنت والله لمن هذا الصوت? فقلت: لإبراهيم. فلم يزل يستدنيني حتى صرت قدام سريره، وجعل يستعيد الصوت فأعيده ويشرب عليه، رطلا، فأمر لإبراهيم بجائزة سنية وأمر لي بمثلها؛ وجعل ابن جامع يشغب ويقول: يجيء بالغناء فيدسه في أستاه الصبيان إن كان محسنا فليغنه هو، والرشيد يقول له: دع ذا عنك، فقد والله استقاد منك وزاد عليك.

    تولى شبـابـك إلا قـلـيلا وحل المشيب فصبرا جميلا
    كفى حزنا بفراق الصـبـا وإن أصبح الشيب منه بديلا الشعر والغناء لإسحاق. ولحنه المختار ثاني ثقيل بالوسطى في مجراها عن إسحاق بن عمرو.

    أخبار إسحاق بن إبراهيم
    قد مضى نسبه مشروحا في نسب أبيه، ويكنى أبا محمد، وكان الرشيد يولع به فيكنيه أبا صفوان، وهذه كنية أوقعها عليه إسحاق بن إبراهيم بن مصعب مزحا.


    صفحة : 562

    وموضعه من العلم، ومكانه من الأدب، ومحله من الرواية، وتقدمه في الشعر، ومنزلته في سائر المحاسن، أشهر من أن يدل عليه فيها بوصف؛ وأما الغناء فكان أصغر علومه وأدنى ما يوسم به وإن كان الغالب عليه وعلى ما كان يحسنه؛ فإنه كان له في سائر أدواته نظراء وأكفاء ولم يكن له في هذا نظير؛ فإنه لحق بمن مضى فيه وسبق من بقي، ولحب للناس جميعا طريقه فأوضحها، وسهل عليهم سبيله وأنارها؛ فهو إمام أهل صناعته جميعا، ورأسهم ومعلمهم؛ يعرف ذلك منه الخاص والعام، ويشهد به الموافق والمفارق، على أنه كان أكره الناس للغناء وأشدهم بغضا لأن يدعى إليه أو يسمى به. وكان يقول: لوددت أن أضرب، كلما أراد مريد مني أن أغنني وكلما قال قائل إسحاق الموصلي المغني، عشر مقارع، لا أطيق أكثر من ذلك، وأعفى من الغناء ولا ينسبني من يذكرني إليه. وكان المأمون يقول: لولا ما سبق على ألسنة الناس وشهر به عندهم من الغناء لوليته القضاء بحضرتي، فإنه أولى به وأعف وأصدق وأكثر دينا وأمانة من هؤلاء القضاة.
    وقد روى الحديث ولقي أهله: مثل مالك بن أنس، وسفيان بن عيينة، وهشيم بن بشير، وإبراهيم بن سعد، وأبي معاوية الضرير، وروح بن عبادة، وغيرهم من شيوخ العراق والحجاز. وكان مع كراهته الغناء أضن خلق الله وأشدهم بخلا به على كل أحد حتى على جواريه وغلمانه ومن يأخذ عنه منتسبا إليه متعصبا له فضلا عن غيرهم.
    وهو الذي صحح أجناس الغناء وطرائقه وميزه تمييزا لم يقدر عليه أحد قبله ولا تعلق به أحد بعده، ولم يكن قديما مميزا على هذا الجنس، إنما كان يقال الثقيل، وثقيل الثقيل، والخفيف، وخفيف الخفيف. وهذا عمرو بن بانة، وهو من تلاميذه، يقول في كتابه: الرمل الأول، والرمل الثاني؛ ثم لا يزيد في ذكر الأصابع على الوسطى والبنصر، ولا يعرف المجاري التي ذكرها إسحاق في كتابه، مثل ما ميز الأجناس? فجعل الثقيل الأول أصنافا، فبدأ فيه بإطلاق الوتر في مجرى البنصر، ثم تلاه بما كان منه بالبنصر في مجراها، ثم بما كان بالسبابة في مجرى البنصر، ثم فعل هذا بما كان منه بالوسطى على هذه المرتبة؛ ثم جعل الثقيل الأول صنفين، الصنف الأول منهما هذا الذي ذكرناه، والصنف الثاني القدر الأوسط من الثقيل الأول، وأجراه المجرى الذي تقدم من تمييز الأصابع والمجاري، وألحق جميع الطرائق والأجناس بذلك وأجراها على هذا الترتيب. ثم لم يتعلق بفهم ذلك أحد بعده فضلا عن أن يصنفه في كتابه؛ فقد ألف جماعة من المغنين كتبا، منهم يحيى المكي وكان شيخ الجماعة وأستاذهم، وكلهم كان يفتقر إليه ويأخذ عنه غناء الحجاز، وله صنعة كثيرة حسنة متقدمة، وقد كان إبراهيم الموصلي وابن جامع يضطران إلى الأخذ عنه ألف كتابا جمع فيه الغناء القديم، وألحق فيه أبنه الغناء المحدث إلى آخر أيامه، فأتيا فيه في أمر الأصابع بتخليط عظيم، حتى جعلا أكثر ما جنساه من ذلك مختلطا فاسدا، وجعلا بعضه، فيما زعما، تشترك الأصابع كلها فيه؛ وهذا محال؛ ولو اشتركت الأصابع لما احتيج إلى تمييز الأغاني وتصييرها مقسومة على صنفين: الوسطى والبنصر. والكلام في هذا طويل ليس موضعه ها هنا؛ وقد ذكرته في رسالة عملتها لبعض إخواني ممن سألني شرح هذا، فأثبته واستقصيته استقصاء يستغنى به عن غيره. وهذا كله فعله إسحاق واستخرجه بتمييزه، حتى أتى على كل ما رسمته الأوائل مثل إقليدس ومن قبله ومن بعده من أهل العلم بالموسيقى، ووافقهم بطبعه وذهنه فيما قد أفنوا فيه الدهور، من غير أن يقرأ لهم كتابا أو يعرفه.
    فأخبرني جعفر بن قدامة قال حدثني علي بن يحيى المنجم قال:

    صفحة : 563

    كنت عند إسحاق بن إبراهيم بن مصعب، فسأل إسحاق الموصلي - أو سأله محمد بن الحسن بن مصعب - بحضرتي، فقال له: يا أبا محمد، أرأيت لو أن الناس جعلوا للعود وترا خامسا للنغمة الحادة التي هي العاشرة على مذهبك، أين كنت تخرج منه? فبقي إسحاق ساعة طويلة مفكرا، واحمرت أذناه وكانتا عظيمتين، وكان إذا ورد عليه مثل هذا احمرتا وكثر ولوعه بهما؛ فقال لمحمد بن الحسن: الجواب في هذا لا يكون كلاما إنما يكون بالضرب، فإن كنت تضرب أريتك أين تخرج، فخجل وسكت عنه مغضبا، لأنه كان أميرا وقابله من الجواب بما لا يحسن، فحلم عنه. قال علي بن يحيى: فصار إلي به وقال لي: يا أبا الحسن، إن هذا الرجل سألني عما سمعت، ولم يبلغ علمه أن يستنبط مثله بقريحته، وإنما هو شيء قرأه من كتب الأوائل، وقد بلغني أن التراجمة عندهم يترجمون لهم كتب الموسيقى، فإذا خرج إليك منها شيء فأعطنيه؛ فوعدته بذلك، ومات قبل أن يخرج إليه شيء منها. وإنما ذكرت هذا بتمام أخباره كلها ومحاسنه وفضائله، لأنه من أعجب شيء يؤثر عنه: أنه استخرج بطبعه علما رسمته الأوائل لا يوصل إلى معرفته إلا بعد علم كتاب إقليدس الأول في الهندسة ثم ما بعده من الكتب الموضوعة في الموسيقى، ثم تعلم ذلك وتوصل إليه وأستنبطه بقريحته، فوافق ما رسمه أولئك، ولم يشذ عنه شيء يحتاج إليه منه، وهو لم يقرأه ولا له مدخل إليه ولا عرفه، ثم تبين بعد هذا، بما أذكره من أخباره ومعجزاته في صناعته، فضله على أهلها كلهم وتميزه عنهم، وكونه سماء هم أرضها، وبحرا هم جداوله.
    وأم إسحاق امرأة من أهل الري يقال لها شاهك؛ وذكر قوم أنها دوشار التي كانت تغنى بالدف، فهويها إبراهيم وتزوجها. وهذا خطأ، تلك لم تلد من إبراهيم إلا بنتا، وإسحاق وسائر ولد إبراهيم من شاهك هذه.
    أخبرني يحيى بن علي المنجم قال أخبرني أبي عن إسحاق قال: بقيت دهرا من دهري أغلس في كل يوم إلى هشيم فأسمع منه، ثم أصير إلى الكسائي أو الفراء أو ابن غزالة فأقرأ عليه جزءا من القرآن، ثم آتي منصور زلزل فيضار بني طرقين أو ثلاثة، ثم آتي عاتكة بنت شهدة فآخذ منها صوتا أو صوتين، ثم آتي الأصمعي وأبا عبيدة فأناشدهما وأحدثهما فأستفيد منهما، ثم أصير إلى أبي فأعلمه ما صنعت ومن لقيت وما أخذت وأتغدى معه، فإذا كان العشاء رحت إلى أمير المؤمنين الرشيد.
    أخبرنا محمد بن مزيد بن أبي الأزهر قال حدثنا حماد بن إسحاق عن أبيه قال: أخذ مني منصور زلزل إلى أن تعلمت مثل ضربه بالعود أكثر من مائة ألف درهم.
    أخبرنا محمد بن العباس اليزيدي قال حدثنا أحمد بن أبي خيثمة قال: كنت عند ابن عائشة فجاءه أبو محمد إسحاق بن إبراهيم الموصلي، فرحب به وقال: ها هنا يا أبا محمد إلى جنبي، فلئن بعدت بيننا الأنساب، لقد قربت بيننا الآداب.
    أخبرني الحسن بن علي الخفاف قال حدثنا يزيد بن محمد المهلبي قال حدثنا ابن شبيب من جلساء المأمون عنه: أنه قال يوما وإسحاق غائب عن مجلسه: لولا ما سبق على ألسنة الناس واشتهر به عندهم من الغناء لوليته القضاء، فما أعرف مثله ثقة وصدقا وعفة وفقها. هذا مع تحصيل المأمون وعقله ومعرفته.
    أخبرنا يحيى بن علي قال حدثنا الفضل بن العباس الوراق قال حدثنا المخرمى عن أبيه قال: سمعت إسحاق الموصلي يقول: صرت إلى سفيان بن عيينة لأسمع منه، فتعذر ذلك علي وصعب مرامه، فرأيته عند الفضل بن الربيع، فسألته أن يعرفه موضعي من عنايته ومكاني من الأدب والطلب وأن يتقدم إليه بحديثي؛ ففعل وأوصاه بي فقال: إن أبا محمد من أهل العلم وحملته. قال: فقلت: تفرض لي عليه ما يحدثني به؛ فسأله في ذلك، ففرض لي خمسة عشر حديثا في كل مجلس؛ فصرت إليه فحدثني بما فرض لي؛ فقلت له: أعزك الله، صحيح كما حدثتني به? قال: نعم، وعقد بيده شيئا، قلت: أفأرويه عنك? قال: نعم، وعقد بيده شيئا آخر، ثم قال: هذه خمسة وأربعون حديثا، وضحك إلي وقال: قد سرني ما رأيت من تقصيك في الحديث وتشددك فيه على نفسك، فصر إلي متى شئت حتى أحدثك بما شئت.
    أخبرني محمد بن يحيى الصولي قال حدثني الحسين بن يحيى أبو الجمان وعون بن محمد الكندى قالا: سمعنا إسحاق الموصلي يقول:

    صفحة : 564

    جئت يوما إلى أبي معاوية الضرير ومعي مائة حديث، فوجدت حاجبه يومئذ رجلا ضريرا؛ فقال لي: إن أبا معاوية قد ولاني اليوم حجبته لينفعني؛ فقلت: معي مائة حديث وقد جعلت لك مائة درهم إذا قرأتها؛ فدخل واستأذن لي فدخلت؛ فلما عرفني أبو معاوية دعاه فقال له: أخطأت، وإنما جعلت لك مثل هذا من ضعفاء أصحاب الحديث فأما أبو محمد وأمثاله فلا؛ ثم أقبل علي يرغبني في الإحسان إليه ويذكر ضعفه وعنايته به؛ فقلت له: احتكم في أمره، فقال: مائة دينار؛ فأمرت بإحضارها الغلام، وقرأت عليه ما أردت وانصرفت.
    كان يجري على ابن الأعرابي ثلثمائة دينار في كل سنة وإكبار ابن الأعرابي له: أخبرني محمد بن يحيى الصولي قال حدثني علي بن محمد الأسدي قال حدثني أحمد بن يحيى الشيباني ثعلب قال: وقف أبو عبد الله بن الأعرابي على المدائني، فقال له: إلى أين يا أبا عبد الله. فقال: أمضي إلى رجل هو كما قال الشاعر:
    نحمل أشباحنا إلى ملك نأخذ من ماله ومن أدبه فقال له: ومن ذلك يا أبا عبد الله? قال: أبو محمد إسحاق بن إبراهيم الموصلي. قال أبو بكر: والبيت لأبي تمام الطائي.
    وقد أخبرني بهذا الخبر عن ثعلب محمد بن القاسم الأنباري فقال فيه: كان إسحاق يجري على ابن الأعرابي في كل سنة ثلثمائة دينار، وأهدى له ابن الأعرابي شيئا من كتاب النوادر كتبه له بخطه؛ فمر ابن الأعرابي يوما على باب دار الموصلي ومعه صديق له؛ فقال له صديقه: هذه دار صديقك أبي محمد إسحاق؛ فقال: هذه دار الذي نأخذ من ماله ومن أدبه.
    أخبرني الحسن بن علي قال حدثنا يزيد بن محمد المهلبي قال حدثنا حماد بن إسحاق عن أبيه قال: رأيت في منامي كأن جريرا جالس ينشد شعره وأنا أسمع منه، فلما فرغ أخذ بيده كبة شعر فألقاها في فمي فابتلعتها؛ فأول ذلك بعض من ذكرته له أنه ورثني الشعر. قال يزيد بن محمد: وكذلك كان، لقد مات إسحاق وهو أشعر أهل زمانه.
    أخبرنا يحيى بن علي بن يحيى ومحمد بن مزيد قالا حدثنا حماد بن إسحاق قال: قال لي أبي: أعطيت منصورا زلزلا من مالي خاصة حتى تعلمت ضربه بالعود نحوا من مائة ألف درهم سوى ما أخذته له من الخلفاء ومن أبي. قال: وكانت في زلزل قبل أن يعرف الصوت ويفهمه بلادة أول ما يسمعه، حتى لو ضرب هو وغلامه على صوت لم يعرفاه قبل لكان غلامه أقوى منه؛ فإذا تفهمه جاء فيه من الضرب بما لا يتعلق به أحد البتة.
    أخبرني محمد بن العباس اليزيدي قال حدثني عمي الفضل عن إسحاق، وأخبرني به الأخفش عن الفضل عن إسحاق، وأخبرني به يحيى بن علي بن يحيى عن أبيه عن إسحاق، وأخبرني الحسن بن علي قال حدثنا يزيد بن محمد المهلبي عن إسحاق قال: قال لي أبو زياد الكلابي: أولم جار لي يكنى أبا سفيان وليمة ودعاني لها، فانتظرت رسوله حتى تصرم يومي فلم يأت، فقلت لامرأتي:
    إن أبا سفيان لـيس بـمـولـم فقومي فهاتي فلقة من حوارك قال إسحاق: فقلت له: أليس غير هذا? فقال: لا، إنما أرسلته يتيما، فقلت: أفلا أجيزه? قال: شأنك؛ ققلت له:
    فبيتك خير من بيوت كـثـيرة وقدرك خير من وليمة جارك قال: فضحك ثم قال: أحسنت بأبي أنت وأمي، جئت والله به قبلا ما انتظرت به القرب، وما ألوم الخليفة أن يجعلك في سماره ويتملح بك، وإنك لمن طراز ما رأيت بالعراق مثله، ولو كان الشباب يشترى لا ابتعته لك بإحدى عيني ويمنى يدي، وعلى أن فيك بحمد الله ومنه بقية تسر الودود، وترغم الحسود. هذا لفظ يزيد المهلبي والأخفش. وأخبرني بهذا الخبر محمد بن عبد الله بن عمار فقال حدثني عمر بن شبة قال حدثني إسحاق قال قال لي إما شداد بن عقبة وإما أبو مجيب: قالت امرأة القتال الكلابي له: هل لك في فلقة من حوار نطبخها لك? فقال: لا والله، نحن على وليمة أبي سفيان ودعوته، وكان أبو سفيان رجلا من الحي زفت إليه امرأته تلك الليلة؛ فجعل ينظر دخانا فلا يراه، فقال:
    إن أبا سفيان لـيس بـمـولـم فقومي فهاتي فلقة من حوارك ثم ذكر باقي الخبر على ما تقدم من الذي قبله.
    أخبرنا يحيى بن علي قال حدثني أبي قال حدثني إسحاق قال: أنشدت أعرابيا فهما شعرا لي، فقال: أقفرت والله يا أبا محمد؛ قلت: وما أقفرت? قال: رعيت قفرة لم ترع قبلك. يريد: أ بدعت.


    صفحة : 565

    أخبرني علي بن سليمان الأخفش وعمي قالا حدثنا محمد بن يزيد المبرد قال حدثني بعض أصحاب السلطان بمدينة السلام قال سمعت إسحاق الموصلي يقول: دخلت على المأمون يوما وعقيد يغنيه ارتجالا وغيره يضرب عليه؛ فقال: يا إسحاق، كيف تسمع مغنينا هذا? فقلت: هل سأل أمير المؤمنين عن هذا غيري. قال: نعم، سألت عمي إبراهيم فوصفه وقرظه واستحسنه؛ فقلت له: يا أمير المؤمنين - أدام الله سرورك، وأطاب عيشك - إن الناس قد أكثروا في أمري حتى نسبتني فرقة إلى التزيد في علمي؛ فقال لي: فلا يمنعك ذلك من قول الحق إذا لزمك؛ فقلت لعقيد: اردد هذا الصوت الذي غنيته آنفا، وتحفظ فيه وضرب ضاربه عليه؛ فقلت لإبراهيم بن المهدي: كيف رأيته? فقال: ما رأيت شيئا يكره ولا سمعته؛ فأقبلت على عقيد فقلت له حين استوفاه: في أي طريقة هذا الصوت الذي غنيته? قال: في الرمل؛ فقلت للضارب: في أي طريقة ضربت أنت? قال: في الهزج الثقيل؛ فقلت: يا أمير المؤمنين، ما عسيت أن أقول في صوت يغني مغنيه رملا ويضرب ضاربه هزجا، وليس هو صحيحا في إيقاعه الذي ضرب عليه. قال: وتفهمه إبراهيم بن المهدي بعدي، فقال: صدق يا أمير المؤمنين، الأمر فيه الآن بين؛ فغاظني، فقلت له: بأي شيء بان الآن ما لم يكن بينا قبل? أتوهم أنك استنبطت معرفة هذا وإنما قلته لما علمته من جهتي كما يقوله الغلمان العجم وسائر من حضر اتباعا لي واقتداء بقولي. فقال له المأمون: صدق، فأمسك؛ وجعل يتعجب من ذهاب ذلك على كل من حضر، وكناني في ذلك اليوم مرتين.
    أخبرني أحمد بن جعفر جحظة قال حدثني أبو عبد الله أحمد بن حمدون قال حدثني أبي: أن الأصمعي أنشد قول إسحاق يذكر ولاءه لخزيمة بن خازم:
    إذا كانت الأحرار أصلي ومنصبي ودافع ضيمي خازم وابن خـازم
    عطست بأنف شامخ وتنـاولـت يداي الثريا قاعـدا غـير قـائم قال: فجعل الأصمعي يعجب منهما ويستحسنهما، وكان بعد ذلك يذكرهما ويفضلهما.
    قال ابن حمدون: وكان السبب في تولي إسحاق خازم بن خزيمة بن خازم، أن مناظرة جرت بينه وبين ابن جامع بحضرة الرشيد فتغالظا، فقال له ابن جامع: يا من إذا قلت له يابن زانية لم أخف أن يكذبني أحد؛ فمضى إلى خازم بن خزيمة، فتولاه وانتمى إليه، فقبل ذلك منه، وقال هذين البيتين.
    أخبرني يحيى بن علي قال حدثني أبي قال: قال إسحاق: كانت عندي صناجة كنت بها معجبا؛ واشتهاها أبو إسحاق المعتصم في خلافة المأمون؛ فبينا أنا ذات يوم في منزلي إذا ببابي يدق دقا شديدا، فقلت: انظروا من هذا؛ قالوا: رسول أمير المؤمنين؛ فقلت: ذهبت صناجتي، تجده ذكرها له ذاكر فبعث إلي فيها؛ فلما مضى بي الرسول انتهيت إلى الباب وأنا مثخن، فدخلت فسلمت، فرد السلام، ونظر إلى تغير وجهي فقال: اسكن فسكنت؛ وسألني عق صوت وقال: أتدري لمن هو? فقلت: أسمعه ثم أخبر أمير المؤمنين إن شاء الله بذلك؛ فأمر جارية من وراء الستارة فغنته وضربت، فإذا هي قد شبهته بالقديم؛ فقلت: زدني معها عودا آخر فإنه أثبت لي، فزادني عودا آخر، فقلت: يا أمير المؤمنين، هذا الصوت محدث لامرأة ضاربة؛ فقال: من أين قلت ذلك? فقلت: لما سمعته وسمعت لينه عرفت أنه من صنعة النساء؛ ولما رأيت جودة مقاطعه علمت أن صاحبته ضاربة؛ فقال: من أين قلت ذلك? فقلت: لأنها قد حفظت مقاطعه وأجزاءه، ثم طلبت عودا آخر ليكون أثبت لي فلم أشكك؛ فقال: صدقت، الغناء لعريب.
    نسخت من كتاب ابن أبي سعيد: حدثني إسحاق بن إبراهيم الطاهري قال: حدثتني مخارق مولاتنا قالت: كان لمولاي الذي علمني الغناء فراش رومي، وكان يغني بالرومية صوتا مليح اللحن؛ فقال لي مولاي:

    صفحة : 566

    يا مخارق، خذي هذا اللحن الرومي فانقليه إلى شعر من أصواتك العربية حتى أمتحن به إسحاق الموصلي فأعلم أين يقع من معرفته، ففعلت ذلك؛ وصار إليه إسحاق فاحتبسه مولاي، فأقام وبعث إلي أن أدخلي اللحن الرومي في وسط غنائك؛ فغنيته إياه في درج أصوات مرت قبله، فأصغى إليه إسحاق، وجعل يتفهمه ويقسمه ويتفقد أوزانه ومقاطعه ويوقع عليه بيده، ثم أقبل على مولاي فقال: هذا صوت رومي اللحن، فمن أين وقع إليك? فكان مولاي بعد ذلك يقول: ما رأيت شيئا أحسن من استخراجه لحنا روميا لا يعرفه ولا العلة فيه، وقد نقل إلى غناء عربي وامتزجت نغمه حتى عرفه ولم يخف عليه.
    أخبرني عمي قال حدثني محمد بن موسى قال حدثنى عبد الله بن عمرو عن محمد بن عبد الله بن مالك قال حدثني علويه الأعسر، ووجدت هذا الخبر في بعض الكتب عن علي بن محمد بن نصر الشامي عن جده حمدون بن إسماعيل قال: تناظر المغنون يوما عند الواثق، فذكروا الضراب وحذقهم، فقدم إسحاق زلزلا على ملاحظ، ولملاحظ في ذلك الرياسة على جميعهم؛ فقال له الواثق: هذا حيف وتعد منك؛ فقال إسحاق: يا أمير المؤمنين، اجمع بينهما وامتحنهما، فإن الأمر سينكشف لك فيهما؛ فأمر بهما فأحضرا؛ فقال له إسحاق؛ إن للضراب أصواتا معروفة، أفأمتحنهما بشيء منها? قال: أجل، افعل؛ فسمى ثلاثة أصوات كان أولها:
    علق قلبي ظبية السيب فضربا عليه، فتقدم زلزل وقصر عنه ملاحظ؛ فعجب الواثق من كشفه عما ادعاه في مجلس واحد. فقال له ملاحظ: فما باله يا أمير المؤمنين يحيلك على الناس ولم لا يضرب هو فقال: يا أمير المؤمنين، إنه لم يكن أحد في زماني أضرب مني إلا أنكم أعفيتموني، فتفلت مني؛ وعلى أن معي بقية لا يتعلق بها أحد من هذه الطبقة؛ ثم قال: يا ملاحظ، شوش عودك وهاته، ففعل ذلك ملاحظ؛ فقال: يا أمير المؤمنين، هذا يخلط الأوتار تخليط متعنت فهو لا يألو ما أفسدها، ثم أخذ العود فجسه ساعة حتى عرف مواقعه، ثم قال: يا ملاحظ، غن أي صوت شئت، فغنى ملاحظ صوتا، وضرب عليه إسحاق بذلك العود الفاسد التسوية فلم يخرجه عن لحنه في موضع واحد حتى استوفاه عن نقرة واحدة، ويده تصعد وتنحدر على الدساتين؛ فقال له الواثق: لا والله ما رأيت مثلك ولا سمعت به اطرح هذا على الجواري؛ فقال: هيهات يا أمير المؤمنين، هذا لا تعرفه الجواري ولا يصلح لهن، إنما بلغني أن الفهليذ ضرب يوما بين يدي كسرى فأحسن، فحسده رجل من حذاق أهل صنعته، فترقبه حتى قام لبعض شأنه، ثم خالفه إلى عوده فشوش بعض أوتاره، فرجع فضرب وهو لا يدري، والملوك لا تصلح في مجالسها العيدان، فلم يزل يضرب بذلك العود الفاسد إلى أن فرغ، ثم قام على رجله فأخبر الملك بالقصة، فامتحن العود فعرف مما فيه، ثم قال: زه وزه وزهان زه ، ووصله بالصلة التي كان يصل بها من خاطبه هذه المخاطبة؛ فلما تواطأت الرواية بهذا أخذت نفسي ورضتها عليه وقلت: لا ينبغي أن يكون الفهليذ أقوى على هذا مني، فما زلت أستنبطه بضع عشرة سنة حتى لم يبق في الأرض موضع على طبقة من الطبقات إلا وأنا أعرف نغمته كيف هي، والمواضع التي يخرج النغم كلها منه فيها، من أعاليها إلى أسافلها، وكل شيء منها يجانس شيئا غيره، كما أعرف ذلك في مواضع الدساتين؛ وهذا شيء لا تفي به الجواري. قال له الواثق: صدقت، ولئن مت لتموتن هذه الصناعة معك؛ وأمر له بثلاثين ألف درهم.

    علق قلبي ظبية السـيب جهلا فقد أعري بتعذيبي
    نمت عليها حين مرت بنا مجاسد ينفحن بالطـيب
    تصدها عنا عجوز لهـا منكرة ذات أعـاجـيب
    فكلما همت بإتـيانـهـا قالت: توقي عدوة الذيب الشعر والغناء لإبراهيم، هزج ثقيل بالسبابة في مجرى البنصر.


    صفحة : 567

    حدثني علي بن هارون قال حدثني محمد بن موسى اليزيدي قال حدثتني دمن جارية إسحاق الموصلي، وكانت من كبار جواريه وأحظى من عنده، ولقيتها فقلت لها: أي شيء أخذت عن مولاك من الغناء? فقالت: لا والله ما أخذت أنا عنه ولا واحدة من جواريه صوتا قط كان أبخل بذلك، وما أخذت منه قط إلا صوتا واحدا، وذلك أنه انصرف من دار الخليفة وهو مثخن سكرا، فدخل إلى بيت كان ينام فيه، فرأى عودا معلقا فأخذه بيده، وقال لخادمه: يا غلام، صح لي بدمن؛ فجاءني الغلام فخرجت، فلما بلغت الباب إذا هو مستلق على فراشه والعود في يده وهو يصنع هذا الصوت ويردده، وقد اسحنفر في نغمه وتنوق فيها حتى استقام له، وهو:
    ألا لـيلـك لا يذهـب ونيط الطرف بالكوكب
    وهذا الصبـح لا يأتـي ولا يدنـو ولا يقـرب فلما سمعته علمت أني إن دخلت إليك أمسك، فوقفت أستمعه حتى فرغ منه وأخذته عنه؛ فلما فرغ منه وضع العود من يده، وذكر أنه قد طلبني فقال: يا غلام، أين دمن? فقلت: هأنذي؛ فقال: مذ كم أنت واقفة? فقلت: منذ ابتدأت بالصوت وقد أخذته؛ فنظر إلي نظر مغضب أسف، ثم قال: غنيه، فغنيته حتى استوفيته؛ فقال لي وقد فتر وخجل: قد بقيت عليك فيه بقية أنا أصلحها لك؛ فقلت: لست أحتاج إلى إصلاحك إياه، وقد والله أخذته على رغمك؛ فضحك. لحن هذا الصوت من الهزج بالبنصر، والشعر والغناء لإسحاق.
    أخبرنا يحيى بن علي قال قال لي إسحاق: كنت عند المعتصم وعنده إبراهيم بن المهدي، فغنى إبراهيم صوتا لابن جامع أخل ببعضه، ثم قال: يا أمير المؤمنين، ترك ابن جامع الناس يحجلون خلفه ولا يلحقونه. وفي هذا الصوت خاصة؛ فقلت: والله يا أمير المؤمنين، ما صدق، وما هذا الصوت بتام الأجزاء؛ فقال: كذب والله يا أمير المؤمنين؛ فقلت: يا سيدي، أنا أوقفه على نقصانه، فمره فليعد يا أمير المؤمنين؛ فأعاد البيت الأول فأقامه وطمع في الإصابة؛ فقلت: آفته في البيت الثاني، فليردده؛ فرده فنقص من أجزائه وفسمته، فعرفته فأقر به؛ فقلت: يا أمير المؤمنين، هذه صناعتي وصناعة آبائي وإبراهيم يكلمني فيها، وأنا أسأله عن ثلاثين مسألة من باب واحد في طريق الغناء لا يعرف منها مسألة واحدة؛ فقال: أو يعفيني أمير المؤمنين من كلامه? فأعفاه.
    وقد أخبرني بهذا الخبر الحسن بن علي قال حدثنا يزيد بن محمد المهلبي عن إسحاق؛ فذكر نحوا مما ذكره يحيى، وذكر أن القصة كانت بين يدي المعتصم؛ وزاد فيها فقال: أنا أسأله عن ثلاثين مسألة وأوقفه على خطئه فيها، فإن لم يقر بذلك أقر به مخارق وعلويه؛ فقال: أو يعفيني أمير المؤمنين من كلامه فإنه يعدل عندي البختج؛ قلت: يا أمير المؤمنين، وما يفعل البختج? قال: يسلح؛ قلت: قد والله فعل ذلك كلامي به، ومنه هرب؛ فضحك وغطى فاه وقام؛ فظن إسحاق بن إبراهيم المصعبي أني قد أغضبته، فضرب بيده إلى السيف؛ فقلت له: لا تحسب أني أغضبته؛ فما كنت لأكلم عمه بين يديه بهزء من غير إذنه، فأمسك؛ وكان لا يقدم أحد أن يكلم الخليفة بحضرته بما فيه الوهن إلا بادر إلى سيفه تعظيما للأمير وإجلالا له.
    أخبرني يحيى بن علي قال حدثنا أحمد بن القاسم الهاشمي عن إسحاق، وأخبرني الحسين بن يحيى قال حدثنا حماد بن إسحاق عن أبيه قال:

    صفحة : 568

    دعاني المأمون وعنده إبراهيم بن المهدي، وفي مجلسه عشرون جارية قد أجلس عشرا عن يمينه وعشرا عن يساره ومعهن العيدان يضربن بها؛ فلما دخلت سمعت من الناحية اليسرى خطأ فأنكرته؛ فقال المأمون: يا إسحاق، أتسمع خطأ? فقلت: نعم والله يا أمير المؤمنين؛ فقال لإبراهيم: هل تسمع خطأ? فقال: لا؛ فأعاد علي السؤال، فقلت: بلى والله يا أمير المؤمنين، وإنه لفي الجانب الأيسر؛ فأعاد إبراهيم سمعه إلى الناحية اليسرى ثم قال: لا والله يا أمير المؤمنين، ما في هذه الناحية خطأ؛ فقلت يا أمير المؤمنين: مر الجواري اللواتي على اليمين يمسكن، فأمرهن فأمسكن؛ فقلت لإبراهيم: هل تسمع خطأ? فتسمع ثم قال: ما ها هنا خطأ؛ فقلت: يا أمير المؤمنين، يمسكن وتضرب الثامنة. فأمسكن وضربت الثامنة، فعرف إبراهيم الخطأ، فقال: نعم يا أمير المؤمنين، ها هنا خطأ؛ فقال عند ذلك لإبراهيم: يا إبراهيم، لا تمار إسحاق بعدها؛ فإن رجلا فهم الخطأ بين ثمانين وترا وعشرين حلقا لجدير ألا تماريه. فقال: صدقت يا أمير المؤمنين. وقال الحسين بن يحيى في خبره: وكان في الأوتار كلها مثنى فاسد التسوية. وقال فيه: فطرب أمير المؤمنين المأمون، وقال: لله درك يا أبا محمد؛ فكناني يومئذ.
    أخبرني أحمد بن جعفر جحظة قال حدثني أحمد بن حمدون قال: سمعت الواثق يقول: ما غناني إسحاق قط إلا ظننت أنه قد زيد لي في ملكي، ولا سمعته يغني غناء ابن سريج إلا ظننت أن ابن سريج قد نشر، وإنه ليحضرني غيره إذا لم يكن حاضرا، فيتقدمه عندي وفي نفسي بطيب الصوت، حتى إذا اجتمعا عندي رأيت إسحاق يعلو ورأيت من ظننته يتقدمه ينقص؛ وإن إسحاق لنعمة من نعم الملك التي لم يحظ بمثلها؛ ولو أن العمر والشباب والنشاط مما يشترى لأشتريتهن له بشطر ملكي.
    أخبرني جعفر بن قدامة قال حدثني علي بن يحيى المنجم قال: سأل إسحاق الموصلي المأمون أن يكون دخوله إليه مع أهل العلم والأدب والرواة لا مع المغنين، فإذا أراده للغناء غناه؛ فأجابه إلى ذلك؛ ثم سأله بعد حين أن يأذن له في الدخول مع الفقهاء؛ فأذن له. قال: فحدثني محمد بن الحارث بن بسخنر أنه كان هو ومخارق وعلويه جلوسا في حجرة لهم ينتظرون جلوس المأمون وخروج الناس من عنده، إذ دخل يحيى بن أكثم وعليه سواده وطويلته، ويده في يد إسحاق يماشيه، حتى جلس معه بين يدي المأمون، فكاد علويه أن يجن، وقال: يا قوم، أسمعتم بأعجب من هذا يدخل قاضي القضاة ويده في يد مغن حتى يجلسا بين يدي الخليفة. ثم مضت على ذلك مدة، فسأل إسحاق المأمون أن يأذن له في لبس السواد يوم الجمعة والصلاة معه في المقصورة؛ قال: فضحك المأمون وقال: ولا كل ذا يا إسحاق وقد اشتريت منك هذه المسألة بمائة ألف درهم؛ وأمر له بها.
    حدثني أحمد بن جعفر جحظة قال حدثني أبو عبد الله بن حمدون قال: كان المغنون جميعا يحضرون مجلس الواثق وعيدانهم معهم إلا إسحاق، فإنه كان يحضر بلا عود للشرب والمجالسة؛ فإن أمره الخليفة أن يغني أحضر له عودا، فإذا غنى وفرغ سل من بين يديه إلى أن يطلبه. وكان الواثق كثيرا ما يكنيه، رفعا له من أن يدعوه باسمه؛ وكان إذا غنى وفرغ الواثق من شرب قدحه قطع الغناء ولم يعد منه حرفا إلا أن يكون في بعض بيت فيتمه، ثم يقطع ويضع العود من يده.
    أخبرنا يحيى بن علي بن يحيى عن أبيه في خبر ذكر إسحاق فيه، فقال: وعارض معبدا وابن سريج فانتصف منهما، وكان إبراهيم بن. المهدي يناظره ويجادله في الغناء وينازعه في صناعته، ولم يبلغه؛ وما رأيت بعد إسحاق مثله.
    أخبرني عمي قال حدثني عبد الله بن أبي سعد قال حدثني محمد بن عبد الله بن مالك قال قال لي محمد بن راشد الخناق:

    صفحة : 569

    سمعت علويه يقول لإسحاق بن إبراهيم الموصلي: إن إبراهيم بن المهدي يعيبك بتركك تحريك الغناء؛ فقال له إسحاق: ليتنا نفي بما علمناه، فإنا لا نحتاج إلى الزيادة فيه. أثم قال له: فإنه يزعم أن حلاوة الغناء تحريكه، وتحريكه عنده أن يكون كثير النغم، وليس يفعل ذلك، إنما يسقط بعض عمله لعجزه عنه، فإذا فعل ذلك فهو بالإضافة إلى حاله الأولى بمنزلة الأسكدار للكتاب، وهو حينئذ بأن يسمى المحذوف أشبه منه بأن يسمى المحرك؛ فضحك علويه ثم قال: فإن إبراهيم يسمي غناءكم هذا الممسك المنادي؛ قال إسحاق: هذا من لغات الحاكة؛ لأنهم يسمون الثوب الجافى الكثير العرض والطول المدالي؛ وعلى هذا القياس فينبغي لنا أن نسمي غناءه المحرك الضرابي، وهو الخفيف السخيف من الثياب في لغة الحاكة، حتى ندخل الغناء في جملة الحياكة ونخرجه عن جملة الملاهي؛ ثم قال لعلويه؛ بحياتي عليك إلا ما أعدت عليه ما جرى؛ فقال له: لا وحياتك لا فعلت؛ فإنه يعلما ميلي إليكم، ولكن عليك بأبي جعفر محمد بن راشد الخناق؛ فكلمه إسحاق وأقسم عليه أن يؤيده، ففعل وسار إلى إبراهيم فأخبره، فجعل كلما أخبره شيئا تغيظ وشتم إسحاق بأقبح شتم؛ ثم جاءه ابن راشد فأخبره؛ فجعل كلما أخبره بشيء من ذلك ضحك وصفق سرورا لغيظ إبراهيم من قوله.
    أخبرني حبيب بن نصر المهلبي قال حدثني علي بن محمد النوفلي قال أخبرني محمد بن راشد الخناق قال: إني لفي منزلي يوما مع الظهر إذ دخل علي إسحاق بن إبراهيم الموصلي، فسررت بمكانه؛ فقال: قد جاءت بي إليك حاجة؛ قال قلت: قل ما شاء الله؛ قال: دعني في بيتك، ودع غلاميك عندي: بديحا وسليمان - وكانا خادمين مغنيين - ومرهما أن يغنياني، وأتني بفلان ليغنيني أيضا، بحياتي عليك، وانطلق إلى إبراهيم ابن المهدي، فإنه سيسر بمكانك، فاشرب معه أقداحا، ثم قل له: يا سيدي، أسألك عن شيء، فإذا قال: سل، فقل له: أخبرني عن قولك:
    ذهبت من الدنيا وقد ذهبت مني أي شيء كان معنى صنعتك فيه? وأنت تعلم أنه لا يجوز في غنائك الذي صنعته فيه إلا أن تقول: ذهبتو بالواو، فإن قلت: ذهبت ولم تمدها انقطع اللحن والشعر، وإن مددتها قبح الكلام وصار على كلام النبط؛ فقلت له: يا أبا محمد، كيف أخاطب إبراهيم بهذا? فقال: هو حاجتي إليك وقد كلفتك إياها، فإن استحسنت أن تردني فأنت أعلم؛ قال: أفعل ذلك لموضعك على ما فيه علي؛ ثم أتيت إبراهيم، وجلست عنده مليا، وتجارينا الحديث إلى أن خرجنا إلى ذكر الغناء، فخاطبته بما قال لي إسحاق، فتغير لونه وانكسر، ثم قال: يا محمد، ليس هذا من كلامك، هذا من كلام الجرمقاني ابن الزانية؛ قل له عني: أنتم تصنعون هذا للصناعة، ونحن نصنعه للهو واللعب والعبث. قال: فخرجت إلى إسحاق فحدثته بذلك فقال: الجرمقاني والله منا أشبهنا بالجرامقة لغة وهو. الذي يقول: ذهبتو وأقام عندي يومه فرحا بما بلغته إبراهيم عنه من توقيفه على خطئه.
    قال علي بن محمد قال لي أبي: كان محمد بن راشد صديقا لإسحاق ثم فسد ما بينهما؛ فإنه طابق إبراهيم بن المهدي عليه، وبلغه عنه من توقيعه أنه يذكره. وكان في محمد بن راشد رداءة ونقل للأحاديث؛ فقال فيه إسحاق:
    وندمان صدق لا تخـاف أذاتـه ولا يلفظ الأخبار لفظ ابن راشد
    دعاني إلى ما يشتهي فأجبـتـه إجابة محمود الخلائق مـاجـد
    فلا خير في اللذات إلا بأهلهـا ولا عيش إلا بالخليل المساعـد قال: فجمع ابن راشد عدة من الشعراء وأمرهم بهجاء إسحاق؛ فهجوه بأشعار لم تبلغ مراده، فلم يظهرها. وبلغ ذلك إسحاق فقال فيه:
    وأبيات شعـر رائعـات كـأنـهـا إذا انشدت في القوم من حسنها سحر
    تحفز واقلـولـى لـرد جـوابـهـا أبو جعفر يغلي كما غلت الـقـدر
    فلم يستطعها غـير أن قـد أعـانـه عليها أناس كي يكـون لـه ذكـر
    فيا ضيعة الأشعار إذ يقرضونـهـا وأضيع منها من يرى أنها شـعـر قال: فعاذ محمد بن راشد بإسحاق واستكفه وصالحه، فرجع إليه.
    أخبرني عمي قال حدثني علي بن محمد بن نصر الشامي قال حدثني منصور بن محمد بن واضح: أن إبراهيم بن المهدي طرح في منزل أبيه:

    صفحة : 570


    أمـن آل لـيلـى عـزفـت الـطـلـــولا بذي حـرض مـاثـــلات مـــثـــولا
    بلين وتحسب آياتهن عن فرط حولين رقا محيلا - الشعر لكعب بن زهير. والغناء لإسحاق، وله فيه لحنان: ثاني ثقيل مطلق في مجرى البنصر، وما خوري بالوسطى. وفيه للزبير بن دحمان خفيف ثقيل - قال: فجاءنا إسحاق يوما، وأقام عند أبي، وأخرجنا إليه جوارينا، ومر الصوت الذي طرحه إبراهيم بن المهدي من غنائه؛ فقال إسحاق: من أين لك هذا? قال: طرحه أبو إسحاق إبراهيم بن المهدي أعزه الله تعالى، فقال إسحاق: وما لأبي إسحاق أعزه الله ولهذا الصوت هذا أنا صنعته، وليس هو كما طرحه. قال: فسأله أبي أن يغنيه، فغناه وردده حتى صح لمن عنده؛ فقال لي أبي: اكتب إلى أبي إسحاق أن أبا محمد أعزه الله صار إلي فاحتبسته، وأنه غنى بحضرتي الصوت الذي ألقيته في منزلك الذي أسكنه، فزعم أنه صنعه، وأنه ليس على ما أخذه الجواري عنك، فأحببت أن أعلم ما عندك، جعلني الله فداك. قال: فكتبت الرقعة وأنفذتها إلى إبراهيم. فكتب: نعم، جعلت فداك، صدق أبو محمد أعزه الله، الصوت له، وهو على ما ذكره، لكني لعبت في وسطه لعبا أعجبني. قال: فقرأ إسحاق الرقعة فغضب غضبا شديدا، ثم قال لي: اكتب إليه: إذا أردت يا هذا أن تلعب فالعب في غناء نفسك لا في غناء الناس، وما حاجتك إلى هذا الشعر أكثر من ذلك، فاصنع أنت إن كنت تحسن، والعب في صنعتك كما تشتهي مبتدئا باللهو واللعب غير مشارك في جد الناس بلعبك ومفسد له بما لا تعلمه. يا أبا إسحاق، أيدك الله، ليس هذا الصوت مما يتهيأ لك أن تمخرق فيه وتقول: جندرته . قال: وكان إبراهيم يقول: إنه يجندر صنعة القدماء ويحسنها.
    قال علي بن محمد حدثني جدي حمدون: أن إسحاق قال لإبراهيم بن المهدي بحضرة المعتصم: ما تقول فيمن يزعم أن ابن سريج وابن محرز ومعبدا ومالكا وابن عائشة لم يكونوا يحسنون تمام الصنعة ولا استيفاء الغناء، ويعجزون عما به يكمل ويتم ويحسن، وأنه أقدر على الصنعة منهم? قال: أقول: إنه جاهل أحمق، قال: فأنت تزعم أنه قد كانت بقيت عليهم أشياء لم يهتدوا لها ولم يحسنوها، فتنبهت عليها أنت وتممتها وحسنتها بجندرتك؛ قال: فضحك المعتصم وبقي إبراهيم واجما مطرقا، ولم ينتفع بنفسه بقية يومه؛ وما سمعته أنا ولا غيري بعد ذلك اليوم يتبجح بغناء يصلحه من غناء المتقدمين، حتى يطنب في صنعته ويشتهى استماعه منه، كما كان يدعي قديما. قال: وكان حمدون يقول: كان إبراهيم يأكل المغنين أكلا، حتى يحضر إسحاق، فيداريه إبراهيم ويطلب مكافأته، ولا يدع إسحاق تبكيته ومعارضته؛ وكان إسحاق آفته، كما أن لكل شيء آفة.
    أخبرني جعفر بن قدامة قال حدثني حماد بن إسحاق عن أبيه قال: خرجت يوما من داري وأنا مخمور أتنسم الهواء، فمررت برجل ينشد رجلا معه لذي الرمة:
    ألم تعلمي يا مي أني وبـينـنـا مهاو لطرف العين فيهن مطرح
    ذكرتك أن مرت بنـا أم شـادن أمام المطايا تشرئب وتـسـنـح
    من المؤلفات الرمل أدماء حـرة شعاع الضحى في متنها يتوضح
    هي الشبه أعطافا وجيدا ومقـلة ومية منها بعد أبهـى وأمـلـح
    كأن البرى والعاج عيجت متونه على عشر نهى به السيل أبطح
    لئن كانت الدنيا علي كـمـا أرى تباريح من مي فللمـوت أروح فأعجبني، فصنعت فيه لحنا غنيت به المأمون، فأخذت به منه مائة ألف درهم. لحن إسحاق في هذه الأبيات أول مطلق في مجرى البنصر.
    حدثني يحيى بن محمد الطاهري قال حدثني ينشو مولى أبي أحمد بن الرشيد قال:

    صفحة : 571

    اشتراني مولاي أبو أحمد بن الرشيد، واشترى رفيقي محموما، فدفعنا إلى وكيل له أعجمي خراساني، وقال له: انحدر بهذين الغلامين إلى بغداد إلى إسحاق الموصلي؛ ودفع إليه مائة ألف درهم، وشهريا بسرجه ولجامه، وثلاثة أدراج من فضة مملوءة طيبا، وسبعة تخوت من بز خراساني، وعشرة أسفاط من بز مصر، وخمسة تخوت وشي كوفي، وخمسة تخوت سوسي، وثلاثين ألف درهم للنفقة؛ وقال للرسول: عرف إسحاق أن هذين الغلامين لرجل من وجوه أهل خراسان، وجه بهما إليه ليتفضل ويعلمهما أصواتا اختارها، وكتبها له في درج، وقال له: كلما علمهما صوتا ادفع إليه ألف درهم، حتى يتعلما بها مائة صوت، فإذا علمهما الصوتين اللذين بعد المائة فادفع إليه الشهري، ثم إذا علمهما الثلاثة التي بعد الصوتين، فادفع إليه بكل صوت درجا من الأدراج، ثم لكل صوت بعد ذلك تختا أو سفطا، حتى ينفد ما بعثت به معك؛ ففعل، وانحدرنا إلى بغداد، فأتينا إسحاق، وغنينا بحضرته، وبلغه الوكيل الرسالة؛ فلم يزل يلقى علينا الأصوات حتى أخذناها كل أمرنا سيدنا. ثم سرنا إلى سر من رأى، فدخلنا إليه وغنيناه جميع ما أخذناه فسره ذلك. وقدم إسحاق سر من رأى، ولقيه مولانا، فدعا بنا وأوصانا بما أراد، وغدا بنا إلى الواثق وقال: إنكما ستريان إسحاق بين يديه، فلا تسلما عليه ولا توهماه أنكما رأيتماه قط، وألبسنا أقبية خراسانية ومضينا معه؛ فلما دخلنا على الواثق قال له: يا سيدي، هذان غلامان اشتريا لي من خراسان يغنيان بالفارسية؛ فقال: غنيا، فضربنا ضربا فارسيا وغنينا غناء فهليذيا؛ فطرب الواثق وقال: أحسنتما، فهل تغنيان بالعربية? قلنا: نعم، واندفعنا نغني ما أخذناه عن إسحاق وهو ينظر إلينا ونحن نتغافل عنه، حتى غنينا أصواتا من غنائه؛ فقام إسحاق ثم قال للواثق: وحياتك يا سيدي وبيعتك، وإلا كل ملك لي صدقة وكل مملوك لي حر إن لم يكن هذان الغلامان من تعليمي ومن قصتهما كيت وكيت، فقال له أبو أحمد: ما أدري ما تقول هذان اشتريتهما من رجل، نخاس خراساني؛ فقال له: بلغ ولعك إلي ونخاس خراساني من أين يحسن أن يختار مثل تلك الأغاني؛ فضحك أبو أحمد ثم قال: صدق، أنا احتلت عليه، ولو رمت أن يعلمهما ما أخذاه منه إذا علم أنهما لي بعشرة أضعاف ما أعطيته لما فعل؛ فقال له إسحاق: قد تمت علي حيلته. وقال أبو أحمد للواثق: إن أردتهما فخذهما؛ فقال: لا أفجعك بهما يا عم، ولكن لا تمنعني حضورهما؛ فقال له: قد بذلت لك الملك فلم تؤثره، أفتراني أمنعك الخدمة فكنا نخدمه بنوبة.
    حدثني جحظة قال حدثني أبو عبد الله بن حمدون قال حدثني ابن فيلا الطنبوري وكان قد دخل على الواثق وغناه، قال: قال الواثق في بعض العشايا: لا يبرح أحد من المغنين الليلة، فقد عزمت على الصبوح في غد؛ فأمسكوا جميعا عن معارضته إلا إسحاق فإنه قال له: لا وحياتك ما أبيت؛ قال: فلا والله ما كان له عند الواثق معارضة أكثر من أن قال له: فبحياتي إلا بكرت يا أبا محمد. قال: فرأيت مخارقا وعلويه قد تقطعا غيظا؛ وبتنا في بعض الحجر، فقالا لي: اجلس على باب الحجرة، فإذا جاء إسحاق فعرفنا حتى ندخل بدخوله؛ فلم نلبث أن جاء إسحاق مع أحمد بن أبي دواد يماشيه في زيه وسواده وطريلته مثل طويلته، فدخلت فأعلمتهما؛ فقامت على علويه القيامة وقال: يا هؤلاء، خيناكر يدخل إلى الخليفة مع قاضي القضاة أسمعتم بأعجب من هذا البخت قط؛ فقال له مخارق: دع هذا عنك، فقد والله بلغ ما أراد. ولم نلبث أن خرج ابن أبي دواد ودعي بنا فدخلنا، فإذا إسحاق جالس في صف الندماء لا يخرج منه، فإذا أمره الواثق أن يغني خرج عن صفهم قليلا وأتي بعود فغنى الصوت الذي يأمره به؛ فإذا فرغ من القدح قطع الصوت الذي يأمره به حيث بلغ ولم يتمه، ور

    hamdy

    عدد المساهمات : 18
    نقاط : 18
    السٌّمعَة : 5
    تاريخ التسجيل : 14/12/2009

    رد: الاغاني للاصفهاني36

    مُساهمة  hamdy في السبت يناير 02, 2010 11:32 pm

    شكرااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااا

      الوقت/التاريخ الآن هو الأربعاء أبريل 26, 2017 4:11 am