منتدي جمال عزوز

أهلا بكم في المنتدى
منتدي جمال عزوز

منتدي الادب والفنون والكتابات النثرية والقصة القصيرة

المواضيع الأخيرة

» من كتاب الشخصية6
الإثنين ديسمبر 09, 2013 5:48 pm من طرف Admin

» من كتاب الشخصية5
الإثنين ديسمبر 09, 2013 5:46 pm من طرف Admin

» من كتاب الشخصية4
الإثنين ديسمبر 09, 2013 5:45 pm من طرف Admin

» من كتاب الشخصية3
الإثنين ديسمبر 09, 2013 5:44 pm من طرف Admin

» من كتاب الشخصية2
الإثنين ديسمبر 09, 2013 5:42 pm من طرف Admin

» من كتاب الشخصية
الإثنين ديسمبر 09, 2013 5:41 pm من طرف Admin

» نموذج من بناء الشخصية
الإثنين ديسمبر 09, 2013 5:39 pm من طرف Admin

» كيف تنشأ الرواية أو المسرحية؟
الإثنين ديسمبر 09, 2013 5:38 pm من طرف Admin

» رواية جديدة
الإثنين ديسمبر 09, 2013 5:26 pm من طرف Admin

التبادل الاعلاني

احداث منتدى مجاني

مايو 2017

الإثنينالثلاثاءالأربعاءالخميسالجمعةالسبتالأحد
1234567
891011121314
15161718192021
22232425262728
293031    

اليومية اليومية

تصويت

تدفق ال RSS


Yahoo! 
MSN 
AOL 
Netvibes 
Bloglines 

احصائيات

أعضاؤنا قدموا 254 مساهمة في هذا المنتدى في 142 موضوع

هذا المنتدى يتوفر على 35 عُضو.

آخر عُضو مُسجل هو sansharw فمرحباً به.


    الضفة المظلمة 6

    شاطر

    Admin
    Admin

    عدد المساهمات : 150
    نقاط : 444
    السٌّمعَة : 0
    تاريخ التسجيل : 30/10/2009
    العمر : 43

    الضفة المظلمة 6

    مُساهمة  Admin في الإثنين ديسمبر 14, 2009 3:40 pm

    . وتتواصل رواية الربان
    قلت لك إنني شعرت بأني ضحية خديعة فظة. كنت ألتهب، كنت أتأجج حتى الغضب لمجرد التفكير فـي الأمر. وكنت أحاول طبعاً البحث عن مُسكّنات لخيبة أملي أيضاً: أحاجج نفسي بأنه لا أهمية على الإطلاق لوجود بيدور بالاث أو عدم وجوده، إذا نظرنا إلى الأمر من منظور أدبي محض. هل تفهمني؟ والأمر الحاسم هو فـي أنني قرأت، وأنا مؤمن بوجوده، مجموعة نصوص مليئة بالإيحاءات على أنها له، وأحسست فـيها أيضاً بنبض عدة أفكار بدت لي، فجأة، مألوفة وقريبة، بل إنها ساعدتني على التأمل. ومع ذلك، حتى وأنا آخذ الخيال فـي الاعتبار، لم أكن أتوصل إلى أن أزيح عن ذهني فكرة الخديعة؛ أعني أنه على الرغم من معرفتي أن التخييل الأدبي ليس إلا خديعة مموهة ومقبولة على أنها كذلك، تجوب دوماً دروب القارئ على حافة الشك. وأسوأ ما فـي ذلك كله أنني أعدت قراءة بعض المقالات، فلم أجد فـيها تلك الظرافة الطازجة والفريدة التي فتنتني من قبل. ربما لأني لم أستطع أن أُبعد عن مخيلتي صورة مارثان، بعينيه الزائغتين وشاربه الذي كفرشاة، وقد حلّ نهائياً محل وجه بالاث الذي ترسخ فـي ذهني، انطلاقاً من رسم بيكاسو، كواحد من تلك الوجوه النمطية الخالدة فـي النحت الروماني. وحين النظر إلى العمل على ضوء الرؤية الجديدة، بدا لي متوافقاً تماماً مع المؤلف الحقيقي، ولم أعد أجد فـيه أي شيء استثنائي. وبدأت أعيد قراءة الرواية أيضاً، وجاءت لحظة لم أجرؤ بعدها على متابعة القراءة: فبعد معرفتي المحددة باليد الحقيقية التي كتبتها، صارت الرواية تتمثل لي بمظهر مختلف تماماً عما تمثلت لي فـي القراءة الأولى المتحمسة، فـي تلك الليالي الخريفـية التي حدثتك عنها. وهكذا، حيث كنت وجدت غموضاً من قبل، صرت أجد الآن فظاظة غير محددة؛ والشخصيات التي بدت لي مرسومة ببراعة، فقدت حيويتها، وصرت أرى فـيها مجرد رسوم كاريكاتيرية؛ والحدث نفسه الذي ظننت أنني أرى فـيه انعكاساً دون ادعاء لرمزية سرية، صار يبدو الآن قليل البراعة ومقطّع بصورة مصطنعة. ووجدت نفسي فـي وضع محزن. أضف إلى ذلك أنه لم تكن لدي إمكانية مشاطرة أحد سرّي، لأن المسألة تهدد بأن تكون محبطة إلى حد فضّلت معه أن أتحمل وحدي عبء العودة إلى اليتم، والإغفال، وعدم قول الحقيقة لأصدقائي. بل إنني ضخمت فـي البعد تلك الرحلة المدريدية، واختلقتُ مقابلة مع مارثان يظهر فـيها بالاث أشد حيوية وتسلطاً وأسطورية، ولم أطمئن إلا عندما ذهب الجميع، مع تقدم الصيف، إلى قراهم الأصلية، وظللتُ وحدي فـي المدينة. ظللت وحيداً فـي المدينة، بلا أصدقاء، لا يرافقني أحد سوى سوسانا. كنت أقضي معها اليوم كله تقريباً، وغالباً فـي المعانقات والمحادثات. وفـي بعض الأحيان، كانت تضحك وهي تستمع إليّ. وكان مزاحها يحزنني، لأني كنت أريد أن أكون راشداً بالكامل، أن أُقارن بها، وما دام ذلك غير ممكن بالسن والخبرة، فعلى الأقل بنضج الحس.
    وفـي إحدى أمسيات الحب والحديث تلك، دخلت حياتي الشخصية الرئيسية فـي هذه القصة: مفاجأة. كيلا تقول إن ما أرويه لك ليس مسلياً. والآن سترى. عند غروب أحد الأيام، بينما أنا وسوسانا نستريح فـي فناء بيتها الخلفـي، نسرح بصرنا، من خلال الباب الكبير المفتوح، فـي جبال أوبينياس الطويلة البعيدة، سمعنا قرعاً قوياً بمقرعة الباب الأمامي. كنا قد رجعنا منذ قليل من السباحة فـي النهر. وكان اليوم حاراً بصورة متميزة، وخلافاً للمألوف، لم يكن الجو قد برد بعد. وإن تكن تلك الحرارة مختلفة عن هذا الحرِّ هنا، فهي دون رطوبة، ودون هذا الضيق. إنني أتذكر ذلك أيضاً كما لو كان صورة فوتوغرافـية: هذه الصورة تمثل لوحة عامة للفناء. فـي جانب منه أجلس أنا، مولياً ظهري، على مقعد صغير. وفـي الجانب الآخر، تجلس سوسانا، جانبياً، على سلة كبيرة مقلوبة. وأمامها على بعد خطوات حامل لوحات صغير عليه قماشة لوحتها الأخيرة: رسم لمشهد العمق، مكوّن من الجدار، والباب الكبير، والسماء. وكانت اللوحة، وهي عبارة عن مستطيل موضوع أفقياً، ومقسومة إلى شريطين أفقيين متساويين: الأعلى هو السماء، والأدنى هو الجدار. ومن خلال الباب الكبير، تقدم اللوحة أيضاً، مثلما يحدث فـي الواقع، البروفـيل البعيد للهضاب، وفـي العمق تظهر قمم سلسلة الجبال الضاربة إلى الزرقة. تيك، تيك، كانت المقرعة تدّق. وكنت أنا من نهضت وتوجهت نحو الباب عبر الممرات المظلمة. كانت آخر الومضات التالية للغروب تنعكس على البيوت المقابلة. لم أتمكن، بفعل انعكاس النور، من رؤية الطارق بوضوح. رأيت فقط هيئة ذكورية، وعند قدميه حقيبة حمراء، وكيس اسطواني من قماش. كان رجلاً بديناً، شعر رأسه رمادي جداً، وشاربه أسود. ذكر اسمي سائلاً.
    ــ إنني أنا ــ أجبت.
    ــ أنا بيدرو بالاث ــ قال.
    هل فهمتني؟ هذا ما قاله لي. مددت يدي وتصافحنا. كنت مضطرباً. لقد سمعت ذلك الاسم من فمه دون أن أعي ما يعنيه بالضبط، ربما لأني كنت مشوشاً بسبب الحر المفاجئ فـي الشارع، ولعجزي عن تحديد هويته فوراً بصورة دقيقة، دون أن أدرك أنه يشير إلى شخص آمنت به ذات مرة، قبل أن أعلم أنه مجرد كائن وهمي. وفـي تلك اللحظة تقريباً فهمت الأمر. فهززت يده وأنا أهتف:
    ــ بدرو بالاث؟
    ضع نفسك مكاني. لا بد أنك كنت ستفاجأ أيضاً. كان الرجل يتكلم بثقة كبيرة.
    ــ لم يكن هناك أحد فـي بيت أبوي، لكني وجدت ملاحظتك.
    وأشار إلى الحقيبتين قائلاً:
    ــ ساعدني فـي إدخال كل هذا، هيا. كيلا نتركه هنا.
    عندئذ ظهرت سوسانا التي تلقت اسمه وحضوره دون أي استهجان. حملتُ أنا الحقيبة. كانت ثقيلة جداً.
    ــ إني أحمل معي الكثير من الكتب على الدوام ــ قال متنهداً.
    وصوب إليّ إصبعه كأنه يؤنبني. لكن كلماته ناقضت الحركه:
    ــ أريد أن أقرأ كتابتك.
    لم أستغرب ذلك. وبدا لي طبيعياً أن ينظر بالاث بتقدير إلى واقع أنني أكتب. لم أجب بشيء، وعندما صارت الحقيبتان داخل البيت، دخلنا الغرفة الكبرى، وقال بالاث إنه وصل لتوه، وإنه جاء إلينا مباشرة تقريباً، حتى إنه لم يترك أمتعته فـي البيت. كان يرتدي بنطالاً من المخمل وسترة، ولكن لم يبدُ عليه أنه يشعر بالحر. وكان ينتعل صندلاً. وحيث أن الوقت كان قد تأخر، فقد قالت سوسانا إننا سنتعشى معاً، وتقبل هو الدعوة مسروراً. وبينما راحت تريه لوحاتها ومحتويات حافظتي أوراقها الكبيرتين، هيأتُ منضدة فـي الفناء، ومددت إضاءة من الإسطبل، حيث كانت البغلة تنام بهدوء، وحضّرت سلطة خس وبصل وبندورة وتونا، وملأت الإبريق نبيذاً. نبيذ رائع، لم أعد إلى تذوق مثله منذ زمن بعيد. نبيذ خفـيف، وليس هذا الكحول الذي يحرق سحايا أحدنا. وإن كنا نرجو ألا نفتقده أبداً. آمين. أدركتُ أن تصريحات مارثان حول بالاث كانت زائفة تماماً، وأن مارثان المذكور يمر دون شك بفترات استلاب ذهني، لكنه لا يتخلى عن امتلاك إحساس كبير بالوهم. وقد داهمني مجدداً فوق ذلك اضطراب التفكير بمؤلفاته، وغمّ لا مفر منه لأني شككت بوجودها، ولأني تخليت عن الإيمان بقيمتها وجمالها. كنت أشعر بخجل ورعب أنني روتيني وفظ مثل أولئك الكسالى المجهولين الذين كان مارثان يوجه ثرثرته إليهم. أبعدت عن ذهني كيفما استطعت كل تلك الاعتبارات التي بدت لي مُهينة. لكني لم أنتظر طويلاً كي أخبره، حين جلسنا لتناول العشاء، بقصة ابن عمته، متعللاً بفضول يمكن تسويغه.
    ــ أنا لا وجود لي؟ أقال إنه لا وجود لي؟
    ــ هذا ما قاله. أكد أن بدرو بالاث، فـي الواقع، شخصية متخيلة. إنه اختلاق. وأنه هو نفسه مؤلف الرواية والمقالات الحقيقي. وأن صديقاً يعمل فـي الصحيفة وله بعض النفوذ فـي عالم النشر، ساعده فـي المهزلة. مهزلة دامت زمناً طويلاً.
    كان بدرو بالاث يأكل السلطة بشهية. وبدا أن أخباري لم تؤثر فـيه كثيراً، ولكنه ظل مستغرقاً فـي التفكير.
    ــ هل أصاب الجنون هذا الفتى؟
    ــ ربما كانت مزحة.
    ظل بالاث ساهماً. ثم قال أخيراً:
    ــ ابن عمتي يفتقر إلى حس السخرية. فطبيعته... يمكن القول إنها مأساوية، قاسية.
    أومأ بحركة توضيحية غامضة. كان درب التبانة يتلألأ فوقنا مخثراً بالنجوم. بدأت تهب برودة خفـيفة، ويأتي من الجبال عبق الأحراش والمروج الزخم. كان غناء الجداجد والضفادع يتناغم فـي سكون الليل الصيفـي.
    ــ لقد بدا لي على الدوام أن فـيه مساً ــ أضاف ــ. عندما كانت أمه حاملاً به أرعبها ذئب. كان الذئب يحمل خروفاً، وحاولت المرأة أن تمنعه. أمسكت الخروف من قائمتيه الخلفـيتين. عندئذ أفلت الذئب فريسته، وكشر عن أنيابه وزمجر. لم يفعل سوى ذلك.
    وواصل بالاث روايته بأن عمته ظلت، حتى ذلك الحين، وقد تقدمت كثيراً فـي السن، ترى فـي أحلامها ذينك الشدقين، وتسمع تلك الزمجرة. وكانت واثقة من أن الطفل، فـي أحشائها، قد أصيب بالذعر أيضاً. وأن ذلك أثر فـي شخصية ابن عمته. كان يتكلم ونظره شارد فـي الليل وكمن يردد من الذاكرة فقرة من قصة.
    ــ إنه موهبة محبطة. رجل غريب الأطوار.
    ــ قال إنه محام.
    ــ ما هذا الكلام. بدأ تلك الدراسة فـي أوبييدو، لكن ميلاً دينياً داخَله، فتحول إلى راهب فـي واحدة من تلك الرهبانيات المتبقية التي ليس لديها سوى أربعة أو خمسة أديرة فـي العالم.
    ــ قال إنه محام ويعيش من ريع عقارات.
    ــ هذا صحيح. لقد خلّف له أبواه مزارع كثيرة. وقد داخلته ميول دينية، وميل إلى الموسيقى. وكان شعاره هو ما قاله فراي لويس عن الموسيقى التي تخترق الهواء حتى تصل إلى أسمى الأجواء:
    أرى المعلم الأكبر
    منكباً على تلك القيثارة الهائلة
    وبحركة بارعة
    يصوغ اللحن القدسي
    ليقيم أود هذا المعبد الأبدي.
    قطع بالاث الشعر.
    ــ بعد تلك الموسيقى الصوفـية، لم أعد أعرف شيئاً عنه لبضع سنوات. وأظن أنه نزع عنه فـي أحد الأيام مسوح الرهبنة. لم أقل لك إنه، منذ الطفولة، كان جمهورياً ومناهضاً للإكليروس. ويبدو أنه تنقل من مكان إلى آخر، كموسيقي جوال.
    تنهد.
    ــ أعلم أنه أراد بعد ذلك أن يكتب. والآن، يخرج بهذه البلاهات.
    وسألني باندفاع:
    ــ وأعمالي؟ هل كتبها أيضاً ابن عمتي هذا؟
    ــ حسب رأيه، لا وجود تقريباً لأي من هذه الأعمال ــ أجبته ــ. لا بد أنها معلومات زائفة علمياً عن سيرة الشخص. مثلها مثل كتاب قصص ينسبه أيضاً إلى نفسه. ولا وجود إلا للرواية التي كتبها هو نفسه. وبضعة مقالات كتبها بيده أيضاً.
    كنت ابتسم كمن يعتذر. ونهض بالاث، ودخل إلى البيت. رجع بعد قليل وهو يحمل بعض الكتب. كانت سوسانا تضع الثامبونيا على ركبتيها وتعزف لحناً يبدو كما لو أنه قلب الليل نفسه يتألم من حزن ما. قدم لي بيدرو بالاث الكتب.
    ــ ها هي ــ هتف ــ. التاريخ العام. كتاب القصص. والكتاب الذي عن الثقافتين لم أجده، ولكنه فـي الحقيبة بالتأكيد.
    انظر حضرتك، كان غلاف الكتاب قد فقد بريقه بالكامل، ولا شك أن السبب هو كثرة الأيدي التي تداولته. وتحول اللون السلموني الأصلي إلى رمادي تملؤه ندوب وردية كأنها جروح حقيقية على جلد حي. أما الكتاب الآخر فكان أصغر بكثير، له غلاف غريب ــ لطخة تشبه جمجمة تُذَكِّر بصورة مبهمة بتمثيل لكوكب يطفو فـي الفضاء، مع أنه يمكن للشكل أن يكون كذلك كوكباً أراد الرسام أن يضفـي عليه مظهر مطموساً لجمجمة ــ ولم يكن العنوان بالقشتالية، لكن اسم المؤلف، على الكتابين، كان واضحاً جداً: بيدرو بالاث.
    ــ إنهما لك ــ أضاف ــ ما دمت أكتب، فأنا موجود.
    قال ذلك، وبعد قهقهة قوية، راح يغمس قطعاً من الخبز فـي العصارة المتبقية فـي قعر زبدية السلطة. وكنتُ نادماً أشد الندم لأني صدقت تلك الأكذوبة، وتكاد الدموع تطفر من عيني. كنت ألمس الكتابين وأشعر فـي أطراف أصابعي بأن الأدب يتدفق منهما مثلما يتدفق الضوء والحرارة من الشمس. وأجد فـي ذلك الرأس النبيل ملمح تمثال قديم يعود إلى آلاف السنين، حتى تبدلت نبرات صوته نفسها وبدت لي جديرة بتقدير ورع. قدمت له الشكر متلعثماً. وأردت أن أبدأ معه حواراً حول الكتابين اللذين أهداهما إليّ، لكنه أسكتني بإيماءة، وأشار إلى سوسانا التي بدت مستغرقة تماماً فـي آلتها الموسيقية.
    ــ هس ــ قال ــ فلنستمع.
    كانت النجوم السيارة تجتاز الليل أيضاً. وكنت فـي حالة استثارة سعيدة. وواصلت سوسانا عزف تلك الألحان لوقت طويل.
    وعندما توقفت، أدركتُ أن صمتها يخرجني من غيبوبة كان يمكن لها أن تستمر قرناً، كما فـي تلك القصة عن الراهب الصغير والبلبل. كان بيدرو بالاث قد أغفى ورأسه مستند إلى الجدار. واستيقظ بينما نحن ننظر إليه: وفتح عينيه ببطء.
    ــ لقد نمت. إنني مرهق ــ دمدم ــ. البارحة فقط أنهيتُ محاضراتي.
    نظر إلى الوقت فـي ساعة كبيرة سوداء ومربعة، وسألنا بدهشةً:
    ــ أتعرفان كم الساعة؟ كيف سأعود إلى البيت فـي هذا الوقت؟
    كانت عيناه مثقلتين بالنعاس.
    ــ أتركا لي ركناً أمد فـيه كيس النوم. وغداً سيكون يوماً آخر.
    رافقناه حتى الحجرة الكبيرة. وبجوارها مباشرة، كانت هناك غرفة صغيرة تحفظ فـيها سوسانا أشياءها. وكانت مرتبة جيداً، بل فـيها دكة لا بد أنها كانت ذات فائدة ما فـي ماضي البيت. فك كيس النوم وفرده على المصطبة.
    ــ هنا سأنام مثل إله.
    ظللتُ أتأمله بينما هو يخلع حذاءه، وقبل أن أنصرف، كان قد تعرى. اندس فـي الكيس، ونظر إلي:
    ــ المعذرة. لكني لا أتذكر اسمك.
    أخبرته به. فقال:
    ــ آه! اعمل معروفاً بإطفاء الضوء، يا فتى. شكراً. طابت ليلتك.
    سمعته يتقلب للحظة ويطلق زفرة كبيرة تحوّلت فوراً إلى تنفس قوي بإيقاع منتظم. هكذا تعرفت شخصياً على ببيدرو بالاث.
    * * *
    لم يذهب إلى بيته. انضم إلى استديو سوسانا كعنصر آخر من موجوداته. كانت مفتونة به، وأظن أن البغلة نفسها، حين تراه، كانت تفقد ذلك الغباء المحكم المعهود وتُبدي نوعاً من الابتهاج. وأظن أنني كنت سأشعر بالغيرة الشديدة منه لو لم أكن أقدره كثيراً. فالمحادثات الطويلة التي كانت سوسانا تستغرق فـيها معه لساعات، انتهت إلى إبعادي عنهما وخلفتني فـي جمود ذهني كبير، مع إحساس بالاستبعاد، وبأنني نفاية بكماء طافية، يمكن تكون الأمواج قد أبعدتها جانباً بإلحاحها. وقد بدا لي أيضاً، منذ اليوم الثاني، أنني أحدس من خلال بعض النظرات، وبعض الصمت الذي يتوافق مع وصولي، أنهما يتقاسمان أسراراً لا يشاركانني بها. ومع ذلك، كنت أفكر فـي أنها مجرد تهيؤات، وأجد نفسي سعيداً جداً بواقع أن بالاث موجود حقاً، وأتقبل دون غم التضحية بساعات غرامي وحديثي مع سوسانا. أضف إلى ذلك أن معظم الأحاديث كانت عامة. يتكشف فـيها بالاث عن أنه أرشيف حكايات. يبدو أنه قد عرف كثيراً من الأمكنة والأنحاء. لقد كان قارئاً لا يكل منذ الطفولة، ودكتوراً فـي موضوع وعر وغريب، ومترجماً، وأستاذ لغة وأدب فـي نهاية المطاف، ويُظهر أن لديه سجل مسيرة حيوية يمكن أن تضم نصف دزينة من الأشخاص. يقول إنه يعرف دروب «الغوانو»(1) بالتفصيل نفسه الذي يعرف به مزارع القهوة، ويعرف شركات التأمين الهولندية مثلما يعرف الأديرة الأرثوذكسية. ويزعم أنه يفهم فـي تربية وزراعة الفطر. ويعرف تخليل كل أنواع السمك وتدخينها، مثلما يعرف الخواص الطبية للأعشاب الجبلية وخضار الوديان. ويمكنه التحدث لساعات متواصلة عن مختلف أنواع السفن الشراعية أو أصناف الموز أو الورد. ولديه معرفة واسعة أيضاً بكل ما له علاقة بالأساطير والخرافات الشعبية. وتقدم حكاياته بناء هندسياً شديد المتانة والتماسك. ففضلاً عن الحدث، تُختزل فـيها مظاهر المحيط الطبيعي والبشري: المناخ ــ سواء العام فـي البلد والمنطقة، أو المحدد بلحظة وقوع الأحداث ــ، والمشهد الطبيعي بنباتاته وحيواناته، ووسائل الاتصال والنقل، وأنواع الآلات والأدوات، سواء أكانت صناعية أم منزلية، وقيمة العملة، وأصناف الطعام والعادات المطبخية، وأشكال الثياب، والطريقة التي تتدرج بها العلاقات بين البشر، سواء أكانت علاقات عمل وتراتبية أم علاقات محبة وخصومة، وحتى المعنى الدقيق لبعض العبارات الاصطلاحية السائدة. وكانت هذه الزينات تبدو فـي أحيان كثيرة أهم ما فـي الحكاية. لكن تنوع مظاهر ما يرويه كان كبيراً جداً، حتى إنني كنت أستمع إليه فاغر الفم، مفتوناً ببراعته فـي القص. بل رحت أؤجل، مرة بعد أخرى، تسليم روايتي له ــ وعلى الرغم من أن اختلاط الإحساسين: لهفتي لأن يقرأ الرواية، وخوفـي من أن يجدها عادية، غير جديرة بأن يلقي رجل مثله مجرد نظرة إليها، كان يبقيني فـي حالة قلق رهيب ــ. كان يعرف أيضاً الكثير من الشخصيات المعاصرة المهمة. فكنت أهتم بالأدباء منهم، وأسمعه يقصّ عليّ تلك الحكايات بانتباه مفتون. وأقدر أنه فـي اليوم السابع من وجوده فـي بيت سوسانا، لأن زيارة بالاث استمرت أسبوعاً كاملاً على الأقل، حسمتُ أمري بتقديم روايتي إليه. كنت أحتفظ بها مرتبة بعناية فـي حافظة من الكرتون، مثبتة بشرائط مطاط سوداء. بعد الغداء ــ وقد تناولته فـي بيتي، لأن علاقاتي بسوسانا كانت تتضمن وجبات خفـيفة محلية، وكنت أُفضّل الهدوء وأن أتجنب، قدر الإمكان، أن تجد الإشاعات لها مسوغاً بممارسات متباهية من جانبي ــ، حملت مخطوطتي وتوجهت إلى تروباخو ماشياً تحت الشمس الخانقة. كنت قد وضعت قبعة ذات واقية، وكنت أشعر بالشمس فوقي، فوق الشوارع المقفرة، تضغط الظلال والصمت إلى الأرض بكمال تزيد القسوة من لذته. وجودي تحت الشمس ووقع خطاي كانا الشاهد الحي الوحيد فـي عالم مستغرق فـي ذاته. عندما وصلت، وجدتهما فـي الفناء. كانا يغنيان معاً بصوت عذب، وكانت سوسانا ترافق الغناء بالعزف على الثامبونيا. كان الكمال هنا فـي الظل، تحت أوراق شجرة التين الكبيرة، وفـي البرودة الملتجئة من الشمس الساطعة بين جدران السور والواجهة الخلفـية. جلست إلى جانبهما واستمعت إليهما باستمتاع، سعيداً بكوني إلى جانبهما. وعندما انتهيا، قدمت حافظة أوراقي إلى بيدرو بالاث.
    ــ هذه هي روايتي ــ قلت بصعوبة، لأن الصوت علق فـي الحنجرة.
    ــ برافو! ــ هتف.
    نظر إليّ بإمعان كأنه يريد قول شيء، لكنه أفلت أشرطة المطاط، وأبعد طيات المحفظة الكبيرة الثلاث، وقرأ العنوان بصوت مهيب. وكان بودي عندئذ أن أخبره بما يلخصه هذا العنوان: بأية طريقة، إذا كان للكلمات قوة الأفكار نفسها، ستكون قراءة العنوان، أو هذه الجملة وحدها، كافـية للامساك بمضمون الرواية. ليس روايتي فقط، بل أي رواية، أي كتاب. وأن أخبره كيف أن كتابتها كانت، على الرغم من كل شيء، تقدماً فـي ضياع الفكرة الأصلية وتشوهها، تلك الفكرة التي كانت توقظني فـي منتصف الليل مدركاً أن البلبلة الكبرى فـي حدس ما يقلقني ــ البلبلة المتناهية نفسها التي تضطرني إلى محاولة صياغته كتابة وقوله للآخرين من خلال شيء متعارف عليه كالرواية ــ هي الحقيقة الوحيدة فـي المسألة كلها، هي الشعور الوحيد، شعور يبدو قادراً على الانفجار فـي داخلي ودَكّ الآخرين جميعهم، مالئاً كياني بدوار طاغٍ. وددتُ أن أقول له إنه فـي الصراع ضد الكلمات، تتردى معارفـي الحدسية وتتشابك فـي الليل. وإن نهاية الرواية، وهي لم تكتمل بصورة ناجزة بعد، تُتوج بطريقة ما عملية انعدام الهوية هذه، والضياع المطرد الذي يتطلبه نقل الأفكار من الحدس إلى الورق. وددتُ أن أقول له كم أنا بحاجة إلى مساعدته كي أتوصل إلى أن لا تظل النهاية مقتصرة على حل آلي للحبكة، وإنما أن تحافظ، بعيداً عن القصة بحد ذاتها، على نبض حدسي الغريب والخفـي نفسه. لكني لم أقل له شيئاً. أخرج النظارة من تلك العلبة المتطاولة وبدأ تصفح الأوراق ببطء. وبعد قليل، أعاد وضع رزمة الأوراق فوق المنضدة، واسترخى، ثم تناول الورقة الأولى وبدأ يقرأ باهتمام. رأيته يقرأ هذه الصفحة والتالية، ثم واحدة أخرى. كنت أتابع عينيه، تمتمات شفتيه الخافتة، حركات يديه، وأدركت أنه لا يمكن لي الاستمرار على تلك الحال، أنظر إليه وهو يقرأ روايتي. نهضت وقلت إنه عليّ إنجاز بعض الأمور فـي المدينة.
    لم يسمعني، لكن سوسانا التي كانت تخلط أصباغاً فـي علب صغيرة، التفتت بشيء من المفاجأة.
    ــ هل ستذهب الآن؟
    ــ نعم ــ قلت ــ عليّ القيام ببعض الأعمال.
    ــ ومتى ستعود؟
    نظرتُ إلى بالاث الذي رفع عينيه ونظر إليّ بدوره. شعرت بالعصبية.
    ــ غداً ــ قلت ــ غداً مساء.
    وضعت القبعة ذات الواقية، ومضيت مرة أخرى تحت الشمس. مشيت بخطى سريعة حتى الكروثيرو، ثم سرت ببطء حتى وصلت إلى الجسر، وتأملت ماء النهر الأخضر القاتم والصيفـي الضحل. وفـي البعيد، جهة الشمال، كانت الجبال لا تزال تبدي صورتها الجانبية الثابتة والغريبة. وكان ماء النهر يتلملم فـي مجراه بعيداً، كما لو أنه يفقد مهابته، وسط مشهد البيوت والأنقاض، ويذرع البرك الصغيرة التي يبحث فـيها الصبية عن شراغيف ضفادع وأسماك. ذرعت الجسر ببطء، وجلست أخيراً على مقعد. كنت أتخيل بيدرو بالاث يقرأ روايتي، بذلك البروز الخفـيف فـي ذقنه الذي يتيح له جعل توجه عينيه عمودياً مع عدستي النظارة ومخطوطتي. وفـي لحظات جولتي المتتالية، كنت أتخيل المواقع التي يجوبها قارئي العظيم. كنت أنظر إلى الساعة، مقدراً تطور القراءة، إلى أن داهمني إحساس واضح بانعدام التوافق، وانعدام التناسق، انعدام المواءمة، وشعرت بالعجز عن تقدير المرحلة التي بلغها فـي الرواية. انطلقت سائراً من جديد إلى أن تجاوزت جوسق بابالاغيندا. وابتداء من الجسر الآخر، كانت تتوالى برك الماء القاتمة والصبية الذين يلعبون. صعدت باتجاه المدينة، وتسكعت دون راحة. التقيت بعض معارفـي، لكني أبعدتهم جميعاً معتذراً. كانت صورة بالاث وحدها تلح عل ذهني، وهو يقرأ أوراقي فـي الظل الهادئ فـي فناء سوسانا، بينما الحمائم تهدل فـي برجها القريب. مررت أمام الكاتدرائية، ومضيت نزولاً فـي شارع سان بيدرو، حتى وصلت الحرج، قبالة لاكانداميا، فـي المشهد نفسه الذي يريد جانب من تخييلي الروائي أن يتذكره. هذا النهر ينحدر أكثر امتلاء، لكنه متسخ أيضاً بطحالب البرك الراكدة. وعندما أردت التنبه، كان الغروب يحل هناك، وراء الكاتدرائية. عندئذ أدركت أنني قد دخلت منذ ساعات فـي حالة خاصة من التجريد، فـي حالة غريبة من السير نائماً جعلتني أنسى الوقت، وحتى سبب جولتي الطويلة. ربما يكون بالاث قد أنهى روايتي. ولكن من المحتمل جداً أن تكون استراحة قد قطعت القراءة ــ دون أن يعني ذلك، بالضرورة، أنها لم تعجبه ــ وبينما كان البريق الضارب إلى الحمرة آخذاً بالانطفاء فـي ما وراء المدينة، قررت العودة إلى البيت. تصور حضرتك: أمضيت تلك الليلة فـي اضطراب عصبي شديد. ومع ساعات الفجر الأولى، انهمر ماء سحابة صغيرة، ووسط وميض البرق ودوي الرعد، هويتُ فـي حلم زخم أعادني إلى جلسة ما بعد الطعام فـي بيت سوسانا، بينما هي تعزف على الثامبونيا ألحاناً صاخبة، تبعث عل الصمم، وبيدرو بالاث ينظر إليّ بإمعان. ومن خلال زجاجتي نظارته ــ وهما ضخمتان مثل عدستي تكبير ــ، كانت عيناه قد استبدلتا بشرغوفـين صغيرين يُحتضران بضربات بطيئة من ذيليهما. وعلى الرغم من امتلائي بالجزع، أجبرت نفسي على الانتظار إلى ما بعد انقضاء الصباح. وبعد تناول الغداء، انطلقت ماشياً تحت شمس لا ترحم ــ ربما ستعود سحابة اليوم الفائت لتتكرر، لأن الأفق كله، فـي الشمال، كان يتزين بحاشية سوداء مطرزة وهائلة ــ. وكنت لا أزال أفكر فـي مساعدة بالاث المفترضة لي، وأفاجأ بأفكاري فـي مساء اليوم الفائت نفسها، وهي تبدو الآن ثمرة ضربة شمس سخيفة. ما كنت أحتاج إليه هو قاض خبير فـي مادة الأدب ــ وهكذا هو بالاث دون ريب ــ يساعدني على إعداد نهاية أفضل لروايتي، والحسم فـي ما إذا كان أبطالي يعانون نوعاً من التحول الجسدي الذي يتوجب تقديمه بصورة أوضح ــ كيف ستكون ملابسهم، على سبيل المثال، هل ستكون ثياباً كل ثوب منها موضوع بصورة صحيحة داخل الآخر، مثبتة جيداً ومتداخلة، لكنها فضفاضة، خالية من الحجم الحقيقي لشاغلها الذي فقد فجأة كتلته المعهودة، فبدت كما لو أنها تبخّرت بصورة مباغتة، ربما تحوّلت إلى مادة الهواء غير الملموسة نفسها ــ أو إذا ما كان يكفـي الإبقاء عليهم مثلما هم، والإيحاء فقط ــ مع كل ما فـي ذلك من غموض ــ بأن التحول لم يكن جسدياً بقدر ما هو روحي. وكنت أحتاج أيضاً من بالاث، وهو الخبير الكبير بالأمكنة والبيئات المختلفة والمتناقضة، أن يحكم إذا ما كان بنائي جيداً، من وجهة النظر الأدبية، للعالم الذي شيدته بمزيج من ذكرياتي ومعلومات كتابية من دليل قديم جداً، ومن بطاقات بريدية عن منطقة غريبة ومجهولة. وهكذا، كما لو أنني أستعيد بهذه الصورة بالاث الأمس وأمحو صورة كابوسي المبهمة، أجبرت نفسي على تذكره مثلما تركته فـي اليوم السابق، مستغرقاً باهتمام ملحوظ فـي قراءة مخطوطتي. صعدت عبر الطريق العام المقفر ووصلت أخيراً إلى الباب. لكني فوجئت بأن الباب لم يكن مغلقاً وحسب، وإنما هو مقفل بالمفتاح أيضاً. عندئذ رفعت المقرعة ــ وهي حلقة حديدية كبيرة ــ وقرعت بها الباب، إلا أن أحداً لم يأتِ لفتحه، وكان عليّ أن انتظر قليلاً، حتى بعد أن كررت القرع، كي أتأكد من أن شيئاً غريباً يحدث. لم يكن هناك شيء يتحرك تحت الشمس فـي الشارع المقفر. عندئذ قررتُ الالتفاف إلى الباب الآخر للبيت، وسرت حتى الزقاق الضيق الذي يقود إلى الأفنية والزرائب الخلفـية. كانت البوابة الكبيرة مغلقة، ونظرت من خلال ثقب القفل: ظهر الفناء خاوياً وهادئاً. قرعت خشب البوابة ودوت ضرباتي بضعف تحت الوهج الحار. ولكن تبين لي أنهما لم يُقفلا الباب بالمتراس من الداخل، وعندما دفعته، استجابت ألواح الباب بالعادة الوديعة.
    ــ سوسانا ــ ناديت، متعجباً من الصمت.
    لم يكن هناك أحد. وبعد وقت قصير فقط، بعد أن جبت الممر والحجرات عدة مرات بقلق يشبه قلق طفل تُرك وحيداً لوقت طويل، أدركت أن البيت خاوٍ، وأن الاختفاء منه لم يقتصر على سوسانا وبيدرو بالاث، وإنما طال كل الأشياء: محافظ الرسوم، وتيجان الأعمدة، وأكياس النوم، والصناديق، وحامل اللوحات، والمدفأة، وأدوات المطبخ. بل إن الحجرة الأخيرة التي شكلت خلال تلك الشهور كلها إسطبلاً للبغلة، كانت خالية من التبن، والمجلى القديم فقد مظهر المعلف الذي ميزه طوال شهور. وحتى مصابيح الإنارة نفسها اختفت. كان يمكن الظن أن ذلك البيت مهجور منذ زمن طويل، مع أنني كنت أعرف أنه فـي اليوم السابق، فـي مثل هذه الساعة، كان مسكناً مأهولاً. لقد اختفى كل شيء، ما عدا كتابيّ بيدرو بالاث وحافظة روايتي، وقد وجدتها موضوعة بعناية على رف الفرن القديم.
    * * *
    ظللتُ حائراً عدة أيام. لم أفهم فـي البدء حقيقة ما حدث. عدت مرتين أخريين إلى البيت المهجور، ووصلت إلى التفكير فـي أن كل شيء كان حلماً، وأن سوسانا لم تكن هنا قط، ولا لوحاتها، ولا قربة الجلد المعلقة بحبل إلى جانب الفرن، ولا الحصيرة فـي أحد الأركان. كتابا بيدرو بالاث وحدهما يثبتان واقعية الأحداث. وبعد ذلك، راحت حيرتي تتحول إلى شعور بالمهانة والغضب. فعلى الرغم من أن سوسانا كانت قد نبهتني فـي عدة مناسبات إلى أن علاقتنا ليست خاضعة لأي شرط، وأن كلاً منا حرّ كالريح وفـي أي يوم يريد أي منا الانفصال، يمكنه عمل ذلك دون تقديم أي تفسير، إلا أن الظروف التي جرت فـيها الواقعة بدت لي غير لائقة بسلوكي معها. لقد تعرضت علاقتنا الحميمة كلها لخيانة فظة بذلك الرحيل دون أسباب ودون إشعار. إن رسالة قصيرة منها كانت سترضيني. وكان ذلك الصمت كفعل احتقار صلب ومفاجئ. أما بشأن بيدرو بالاث، فقد بدت لي طريقته فـي ترك الرواية، دون أن يترك معها أية ملاحظة نقدية، دليلاً واضحاً على قلة الإعجاب الذي قرأها به، إن كان قد قرأها، وإشارة جلية إلى الازدراء. وأخيراً بدأت أرتاب فـي أني هدف لحظ غير مفهوم. كنت أتذكر مارثان تلك الليلة المدريدية، وهو ينفـي بدرامية وجود بالاث والطريقة التي أقنعني بها بذلك، وتذكرت بعد ذلك بالاث وهو ينكر على ابن عمته أدنى ميل إلى الفكاهة. ومع ذلك، بدا لي أن مفتاح السخرية يكمن فـي ذلك التناقض، على الرغم من عدم إمساكي بأسبابه. هكذا انتقلتُ من الحيرة والغضب إلى الشك بوجود مؤامرة ساخرة، تسلطت على عقلي فكرة معرفة الأسباب، وضرورة كشفها، حتى صارت فـي داخلي أقوى كثيراً من مشاعر الحب المُحبط أو الكبرياء الجريحة. حصلت على نقود وإذن من عمي. وقد منحني الإذن على مضض، كمقدمة للتأنيب فـي المستقبل دون ريب. خرجت ليلاً، فـي قطار البريد، ولم أحمل أية أمتعة سوى الكتابين اللذين تركهما لي بدرو بالاث. كان الخريف قد بدأ، غير أن أجواء صيفـية كانت لا تزال تطغى على المشهد الطبيعي. وكان القطار نصف فارغ، فنمت طيلة الليل تقريباً. واستيقظت فجأة، عندما كان الفجر يبزغ على الهضبة التي يلفها حرُّ الجفاف القاسي الطويل. وسرعان ما وصلنا مدريد، ولم يكن يتحرك فـي المدينة سوى قليل من المارة الذين يبدو عليهم النعاس. توجهت سيراً نحو بيت مارثان. كانت مصابيح شارعه لا تزال مضاءة، وكانت نافذة الطابق الأول، حيث المكتبة الكبيرة، مفتوحة ومضاءة وتخرج منها أنغام بيانو لا يمكن الخطأ فـيها. وبدل أن أضغط الجرس، طرقت عدة مرات بمقرعة الباب التي لها شكل يد تمسك بكرة. توقفت الموسيقى وأطل مارثان نفسه من النافذة وخرج إلى الشرفة.
    ــ من الطارق؟ ماذا تريد؟
    ابتعدتُ عن واجهة البناء ونظرت إليه من الشارع دون أن أقول شيئاً. يبدو أنه تأخر لحظات فـي التعرف عليّ. وهتف أخيراً بضع كلمات كان لها رنة المفاجأة، بالرغم من أنني لم أستطع فهمها. فتح مارثان نفسه الباب الخارجي. وفـي الدهليز المظلم، كانت الأشياء الحساسة تلمع كأنها نذور دينية. صعدنا إلى الطابق العلوي ودخلنا المكتبة. وأمام المقاعد، على المنضدة الصغيرة، كانت هناك أطباق فـيها طعام، وكأنها بقايا العشاء. وفـي المنافض تتكوم أعقاب سجائر وسيجار، ويطفو فـي جو الحجرة كلها ذلك الهواء الكثيف والزنخ قليلاً الذي يلي سهرة طويلة. أشار مارثان إلى تلك الفوضى:
    ــ كان عندي بعض الأصدقاء. استغرقنا فـي الحديث. ورأينا بزوغ الفجر.
    لم أقل شيئاً.
    ــ كنت ذاهباً إلى النوم ــ قال مارثان.
    أدركت أنه عليّ أن أحول دون ذلك. كان لا بد لي من أن أوقفه فوراً. فذلك الاستقبال الهادئ لا يمكنه أن يغطي كل شي، كما لو أنه لم يحدث شيء غير طبيعي أو غريب.
    ــ انتظر ــ هتفت ــ. لقد وصلت للتو بالقطار. وقد جئت للتحدث إليك فقط.
    كان مارثان ينظر إليّ بعينين مغمضتين من النعاس. شرب بضع رشفات ماء من كأس كبيرة. أجبرته على الجلوس من جديد وأنا أجذبه من ذراعه بقوة.
    ــ أريد أن نتحدث عن بيدرو بالاث.
    فرقع مارثان لسانه بانزعاج.
    ــ مرة أخرى؟
    نظرت إليه بغضب.
    ــ سوسانا رحلت مع بيدرو بالاث. لقد أقام بالاث عندها سبعة أيام.
    ــ سوسانا؟
    ــ إنها صديقة لي. رحلت مع بالاث دون أن تقول شيئاً، وحتى دون داع.
    ــ مع بالاث؟
    ــ مع بيدرو بالاث. وهو رجل أصغر منك سناً، له شعر رمادي وشارب شديد السواد.
    بدت عليه الحيرة.
    ــ هذا مستحيل.
    كان يرفع نبرة صوته قليلاً، كأنه يؤنبني. لكن تردداً واضحاً بدا فـي حركاته وفـي صوته.
    ــ بالاث لا وجود له. أنا من اختلقته.
    عندئذ أريته الكتابين.
    ــ وهذا؟
    نظر أولاً إلى الغلافـين. فأشرت إلى اسم المؤلف بإصبعي. قرأه واصطبغ وجهه بالحمرة.
    ــ هما الكتابان اللذان أعطاني إياهما بيدرو بالاث.
    والحقيقة أن وجه مارثان الذي استرد لونه الرمادي المألوف، بدأت تتعاظم عليه تكشيرة اضطراب. ظل يقلّب الكتابين بعض الوقت. وأخيراً، نهض بحركة حاسمة. كان يمسك الكتابين بكلتا يديه بقوة، كأنه يسيطر فـيهما على قوة طبيعية لا يمكن تصورها، لكنها فعالة.
    ــ إنني مشوش الذهن. لا بد لي من رؤية الأمر بترو.
    ظل صامتاً للحظات، ينظر إليّ بخوف غير محدد، كأنه يخشى ألا أسمح له بالذهاب. وتبدت فـي صوته بحة السهر الطويل.
    ــ سأنام فـي إغفاءة قصيرة. هل تريد أنت أيضاً أن تنام قليلاً؟
    نفـيتُ برأسي. فحيّاني برأسه ومضى متيبساً وهو يشدّ الكتابين إلى صدره. أحسست فجأة بجوع شديد، فرحت ألتقط قطع الجامبون، واللحم المدخّن المتبقية فـي الأطباق. كان النبيذ ساخناً ولزجاً. بعد تناولي الفطور، تأملت تلك القاعة بانتباه مدقق. باغتني الآن إحساس قوي بعدم الواقعية، تقبله إنهاكي باسترخاء عذب. كان الدخان المستقر فـي الأركان يطمس منظور الأشياء، كما لو أن بعض جوانبها قد اختفت أو أن بعض الأثاث قد صار أطيافاً، مانحة الحجرة هيئة ديكور أُعد بتسرع، مع أماكن غير منجزة نهائياً. وفـي الصباح، كانت القاعة أيضاً توحي بأنها أكثر ضيقاً: بدا كما لو أن الجدران والسقوف قد صارت أقصر فجأة فـي مواجهة الضوء المنحرف الذي يخترق الستائر. وفجأة، أظلم البيت بشدة، وراحت بعض الحمائم تهدل كأنها توشوش. وفكرتُ أن هناك فـي الشارع أشكالاً مجهولة تتربص بي. بدا كما لو أن كل شيء معادٍ لي، وأحسست بأنه من الضروري أن أذهب فوراً. نمت وقد غلبني النعاس. أيقظني مارثان. كانت الحجرة مرتبة، وكنت مستلقياً على الصوفا يغطي جسمي دثار خفـيف. وفـي النافذة المغمورة بالشمس، كانت تلمع أوراق نباتات الأصص وأزهارها.
    ــ حان وقت الغداء ــ قال.
    كانت غرفة الطعام فسيحة أيضاً، وكان ضوء الظهيرة يضفـي على الأثاث هيئة المشهد المسرحي نفسها. بدا مارثان جدياً جداً، وعلى شيء من القنوط. جلسنا إلى المائدة، وراحت امرأة شاحبة الوجه، ترتدي زياً رسمياً صارماً، تقدم لنا سلسلة من الأطعمة اللذيذة. لم يكد مارثان يتذوق شيئاً من أطباقه. كان ينظر إليّ ساهماً وهو يمر بالإصبع الوسطى من يمناه على حافة كأسه.
    ــ كيف هو؟ ــ سألني.
    ــ لقد أخبرتك. ذكرني بذلك الرسم: شعر قصير نصف أشهب، أنف كبير، شارب أسود، والحاجبان أيضاً، ورقبة ثخينة.
    ــ والجسد؟
    ــ ضخم. لكنه ليس طويلاً جداً. بدا أضخم مما هو عليه بسبب الثياب التي يرتديها. بنطال من المخمل وسترة. وينتعل صندلاً.
    اكتسب وجهه هيئة درامية.
    ــ إنه بالاثيّ الذي اختلقته ــ تمتم ــ. هكذا تصورته. وماذا عن صوته؟
    ــ خشن. يتكلم ببطء. ويستمع جيداً. ــ أجبت.
    لم يقل شيئاً آخر. وبعد الانتهاء من تناول الطعام، جلس على كرسي هزاز، قبالة الشرفة، ولم يشرب القهوة. كان يدخن سيجاراً إثر سيجار دون أن ينظر إليّ، وهو غارق كما يبدو فـي تأملات عميقة. بدا ذلك الخمود الذي يعانيه مارثان صادقاً بصورة لا تقبل الشك، وراح قلقي يتهاوى بلطف، سامحاً ببروز مشاعر أخرى أكثر رهبة. لم أجرؤ على الإلحاح فـي أسئلتي، وحين تلاقت نظراتنا، قام بحركة كأنها إيماءة انقباض، إيماءة ذعر، فـيها حذر عميق، قلق معكر. وفكرتُ للحظة أنه سيفضي إليّ بسر.
    ــ وماذا قال عني؟
    حاولتُ ألا أحرجه.
    ــ إنك لستَ محباً للمزاح. وإنه لا يمكن لك أن تقول مازحاً، ما قلته عن أنه لا وجود له. وقد استغرب الأمر كثيراً.
    نهض واقفاً. كان خرج من ذهوله، غير أن تكشيرة قلق كبير بدت على وجهه.
    ــ الجو يبرد ــ قال ذلك فقط.
    ــ أنا ذاهب ــ هتفت ــ سأعود إلى بيتي هذه الليلة.
    لم يجب. كان قد سحق عقب السيجار فـي المنفضة وأشعل سيجاراً آخر راح يمصه بقوة، محيطاً رأسه بسحب من الدخان. وكان بريق محموم يشع من تينك العينين الباسمتين ظاهرياً. خرجت من القاعة، نزلت السلّم وسرت فـي الشارع. كان الغروب يضفـي لوناً ذهبياً عل الطوابق العليا، ومن الإسفلت يتدفق ضياء لطيف ضارب إلى الزرقة.
    رأيت أحد السكارى يتشبث بعمود نور ويشكو. أخبرني موظف ذو بشرة رمادية، وبين أسنانه فجوات كبيرة، بأن هناك قطاراً ينطلق فـي العاشرة والنصف. اشتريت بطاقتي ومشيت متردداً على الأرصفة، ثم قررت بعد ذلك أن أجلس لحظة فـي إحدى القاعات. أخرجني من إغفاءتي تبدلٌ فـي الضوء أو تعديل خاص فـي هواء الصالة ذاته. تلك المرأة الطيبة المتكورة التي تلبس السواد وتمسك بيديها المعروقتين قارورة ملفوفة بورق جريدة، ربما تكون عيّنة من أجل تحليل طبي قد يكشف عن أمراض مرعبة لا شفاء منها، وذلك الرجل المنهوك برأسه ذي الشعر المتفرق المكلل بقبعة بيريه صغيرة وباهتة منطبقة على قمة جمجمته كأنها غطاء، نقلا إليّ باطراد عدوى وضعهما الواهن نفسه. ظللتُ فـي القاعة المظلمة كما لو أنني فـي مكان مخصص للتأمل، وعندما اختفت المرأة الطيبة حاملة الزجاجة والرجل خائر القوى، بقيتُ وحيداً تماماً، الرؤية الملحة للمقاعد الطويلة، وضجة حركة القطارات، والرسائل الصوتية التي تبثها مكبرات الصوت ذات الخنين وغير المفهومة، والصفـير، أحاطت بي كلها بقوة ورأيت رؤيا فريدة لما يحيط بي: بدا لي أن كل شيء يشف وسط ذلك الضوء الشاحب بحيث يوحي بجو غامض شبحي. وهكذا، حيال ذلك الحدس، تتحد كل المشاعر التي راحت تجتاحني على امتداد الأيام الأخيرة، الدهشة والتشنج، وأحسست بأسى كبير وخامرتني شكوك فظيعة بالمستقبل.
    * * *
    قطع الربان قصته من جديد.
    ــ سانتا مرغريتا ــ قال ملتفتاً برأسه.
    كانت الشمس منخفضة جداً، وخفَّتت ظلال ضفاف القناة حدة التلونات الداكنة والفاتحة. وبينما هو يشعر بشيء من البلبلة من تلك القصة، رأى كيف أن الرجل الملتحي الذي كان يتبادل الحديث مع زوجته منذ لحظات، ينهض ويُخرج أمتعته من تحت المقعد. كانت أحزمة تثبيت الأكورديون محلولة، فرنّ فجأة رنّة تشبه أنّة بشرية.
    كان رصيف المرسى مصطبة ضيقة من ألواح خشبية تستند إلى جذوع نخرة. والمنحدر الذي يليه يُصعد عليه بمشقة، بالاستناد إلى حفر، لها شكل درج بدائي، تبدو كأنها قروح قديمة فـي الأرض القاتمة. وإلى يمين المرسى، حاجز من الخشب يحدد قبالة النهر فسحة شبه دائرية يرتع فـيها عدد من الخنازير السوداء. وفـي الجانب الآخر، جماعة من الصبية شبه العراة يلعبون بصخب فـي الماء. ساعد أولئك الصبية فـي جرّ المركب ليرسو. نزل الرجل الملتحي إلى الرصيف، وناوله الربان حزم الأمتعة، ثم صعد أيضاً. وأخذ يربط الحبال بعناية.
    ــ هل سنتوقف هنا؟
    نظر إليه الربان بعينيه اللتين صارتا شديدتي الحمرة.
    ــ دقيقة واحدة فقط. عليّ أن آخذ بعض الغرينغيين. لقد جاؤوا لصيد أسماك السابالو والروبالو. الطائرة الصغيرة تنقلهم إلى هنا ويتابعون بقية الرحلة معنا. إنهم يأتون مرتين فـي السنة.
    وهكذا ظل هو وزوجته وحيدين فـي المركب الذي كان يتأرجح بنعومة. كان صدى ضجة المحرك لا يزال يتردد فـي رأسه، ولكنه كان يسترد الصمت، مع ذلك، من خلال أكثر الأصوات مباشرة: قُباع الخنازير، وأصوات الصبية، وارتطام الماء الخفـيف بالضفة.
    ــ إنك تستمتع على أحسن وجه ــ قالت له باسمة.
    أومأ هو بحركة استسلام.
    ــ إنه محب للكلام. يحكي ويحكي ويحكي.
    بحثت هي فـي حقيبتها، وقدمت له أخيراً سندويتشاً ملفوفاً بورقة.
    ــ لا بد لك من أكل شيء.
    فك اللفافة وقضم الخبز الذي صار يابساً.
    ــ لا بد أن السيد الملتحي كاهن ــ علقت الزوجة.
    تأكد الآن من أن الصبية كانوا يصطادون. وأنهم يتناوبون فـي استخدام نظارة غطس تالفة جداً، استُبدل حزامها المطاطي بحبل. كانوا يغطسون ويعودون فـي النهاية إلى السطح ممسكين سرطانات كبيرة قاتمة، شديدة الزرقة، وكُلاباتها الأمامية طويلة بصورة غريبة. وفكر مجدداً فـي أن رطوبة هذا التوقف اللزجة، بعد النسيم الدافئ خلال إبحار المركب، وكمية الكحول المفرطة التي تناولها، تثير فـيه دون ريب صور هذيانات غائمة. مثل جوزة الهند التي بدت له رأساً بشرياً من قبل، أو الركاب الذين تحولوا فجأة إلى جثث. وبالطريقة نفسها، كان لتلك السرطانات هيئة حيوانات ممسوخة، مستحيلة سواء بألوانها أم بضخامة أطرافها. وفكر فـي أن الفتيان ليسوا من يصطادونها، وإنما هي من تجر أجساد الصبية خارج الماء.
    ــ كاهن؟
    ــ إنه ذاهب لزيارة إرسالية سانتا مرغريتا، وهو قادم من دير سانتو كريستو دي إسكيبولاس. وقد حدثني عن معابد فـي أمكنة كثيرة. يعرفها جميعها.
    مدت يدها. ولمعت فـي راحتها ميدالية معدنية صغيرة.
    ــ لقد قدم إليّ هدية.
    ــ بقليل من الثرثرة الإضافـية، كان يمكن لك الاستحواذ على رجل الدين.
    أطلقت ضحكة وألقت الميدالية فـي حضنه. فضم ساقيه غريزياً والتقط الميدالية.
    ــ إنها تحمل صورة سانتياغو دي غالي ــ قالت.
    أما هو، فبدت له، فجأة، تلك الصورة المركبة غريبة إلى حدّ الاشمئزاز، مثلما بدت له غريبة ومجهولة هذه المرأة الجالسة إلى جانبه. عبر دوارٌ قصير تفكيره، وأعاد إليها ذلك الشيء الصغير دون أن يقول شيئاً. فقبّلته المرأة وخبأته فـي محفظتها بين مناديل ورقية وقوارير كولونيا صغيرة ودبابيس شعر. وكان «هو» ينظر بافتتان إلى ذلك الترتيب الدقيق الذي يبدو أن تعويذة مضادة لسحر اللاواقع والأحلام والكوابيس تتطور فـيه.
    ــ هل تعجبك الرحلة حقاً؟
    التفتت إليه بوجهها وداعبت خده لحظة بيدها.
    ــ ألستِ متعبة؟
    ــ المكان باهر الجمال. النباتات كلها، وهذه الأزهار.. والعصافـير.
    لم يكن جائعاً. ألقى إلى الماء ببقية السندويتش. فانفتح عند سطح الماء الموحل فم ضخم، كأنه كان ينتظر، والتهم بقايا الخبز بقضمة مبقبقة. واختفت مرة أخرى، فـي تيار الماء القاتم، شفتا ذلك الفم اللتان ما كادتا تظهران.
    ــ كل شيء بديع، أجل ــ أجاب ــ لكنها رحلة طويلة. بطيئة. ولا أدري فـي أي ساعة سنصل.
    لفّ الصبية السرطانات الكبيرة فـي شبكة وانصرفوا مخلّفـين على وحل الضفة آثار أقدامهم الحافـية، وقد تحولت إلى برك ماء صغيرة تلمع على ضوء الغسق. تعالت أخيراً ضجة أصوات فـي أعلى المنحدر، ونزلت جماعة رجال حتى المركب. إنهم الأمريكيون الشماليون دون شك، أربعة رجال ضخام، شقر الوجوه، يحملون قصبات وأدوات صيد السمك. ويحمل أمتعتهم صبيةٌ آخرون، يشبهون أولئك الذي كانوا يستحمون ويصطادون. صعد الرجال إلى المركب، فجعلوه يتأرجح بقوة. حياهما أحدهم بإسبانية سيئة النطق. واجتمع الرجال الأربعة بعد ذلك عند مقدمة المركب وهم يتمازحون ويصيحون. كانوا يعتمرون واقيات شمسية كبيرة، ويمضون مكشوفـي السيقان. أعطى الرجل الذي يتكلم الإسبانية بعض القطع النقدية للصبيان الذين غادروا المركب.
    ــ إيه، أين صاحب المركب، ماذا حدث؟ ــ سأل الأمريكي.
    توقف الصبية عند منتصف المنحدر. وبدا عليهم الارتباك حيال تلك الأسئلة، كما لو أنه يؤنبهم على ذنب اقترفوه. تبادلوا النظرات فـي ما بينهم، ثم اندفعوا راكضين واختفوا.
    ــ عليكم اللعنة ــ هتف الرجل.
    أطلق قهقهة مدوية ثم علّق بشيء ما مع رفاقه الذين جاروه فـي ضحكه. وأخيراً جلسوا على المقعدين الجانبيين اثنين منهم فـي مواجهة زميليهما.
    ازدادت زرقة الظل، وكانت أصوات الغابة تتعالى من بعيد. ومرّ بعض الوقت قبل أن يعود الربان. سمعوا وقع خطواته فـي أعلى المنحدر، ورأوه يتوقف ساكناً، وحافظة الثلج البلاستيكية الكبيرة معلقة بذراعه.
    ــ إيه! ــ صاح به الأمريكي ــ لا تتباطأ، يا معلم. لقد تأخر الوقت كثيراً.
    صعد الربان إلى المركب دون أن يتكلم. كان فـيه الآن شيء من الخدر، وكان ينظر بعيني شخص نفور ومشاكس. فك الحبال وحرّك المركب مبتعداً عن الوحل. وعبروا، بصورة غير متوقعة، منطقة خالية من الظلال، مضيئة كما لو أن شعاع شمس متوحد يضيئها.
    جلس الربان فـي موقعه، وراح يقود المركب دون أن يدير رأسه. بدا كما لو أن ذلك يشير، من جهة، إلى أن تلك المحادثة الطويلة قد انتهت، وإن يكن بصورة مفاجئة، وأنه «هو» قد استرد الحرية والصمت. غير أن موقف الربان كان ينطوي، فـي الوقت نفسه، على تعاسة واضحة أقلقته. ظل يرقبه لمسافة طويلة. وأخيراً نهض واقترب منه. فنظر إليه الربان بطرف عينه.
    ــ لقد كان مارثان ــ قال.
    ولم يفهم ما يعنيه.
    ــ إنه مارثان ــ كرر الربان ــ الرجل الملتحي هو مارثان.
    وفكر هو: «وماذا يعنيني ذلك». كان يحاول الآن العودة إلى مقعده، والهرب من تلك الورطة الغريبة. لكن الربان استرد حيويته وصار ينظر إليه بعينين محمومتين.
    ــ كان يسير أمامي وتوقف فجأة، نزع نظارته. إنه متبدل الهيئة كثيراً بسبب الشعر الكثيف، ولكنه مارثان دون ريب. ناديته: «مارثان!»، فالتفت فوراً مستجيباً للنداء.
    «عليك أن تبتعد عنه» فكر. «ابتعد عنه، عد إلى مقعدك.» لكنه ظل دون حراك.
    ــ وصلتُ إلى جانبه وكررت اسمه. أعاد عندئذ وضع النظارة من جديد وسألني إن كنت أريد شيئاً. فقلت بإلحاح: «هل أنت مارثان». أجاب: «المعذرة، إنك تخطئ بيني وبين شخص آخر».
    ــ أولم تكن مخطئاً؟
    ــ لا. إنه هو، متخفٍ جداً، لكنه هو. مارثان.
    كانت امرأته قد اقتربت منهما باسمة، لكنها حين سمعت صوت الربان المتشنج بدت جدّية، مرتبكة.
    ــ هل حدث لك شيء؟
    نظر إليها الربان. وتكلم أخيراً بتكشيرة ابتسامة غامضة.
    ــ أحضرتُ مرطبات للسيدة.
    ــ لماذا أزعجت نفسك ــ هتفت هي.
    ــ مرطبات للسيدة، ووقود لبقية الطاقم ــ أضاف الآخر. وكان يغمز بعينه. وقد بدت واضحة جهوده للسيطرة على نفسه. وكان يمسح العرق الغزير بمنديله الكبير.
    ــ الحرارة فـي سانتا مرغريتا هي حرارة الجحيم نفسها ــ أضاف.
    كان «هو» وإيليثيا قد جلسا بجانب كابينة الربان. فتحت هي علبة مرطبات وشربت منها بحذر، رافعة رأسها وواضعة يدها تحت ذقنها. أما هو، فكان لسانه منتفخاً، وحلقه يؤلمه من شدة الجفاف. ولم يكن يرغب فـي تناول المزيد من الكحول.
    ــ لا ــ قال باندفاع ــ. أنا لن أشرب أكثر.
    ــ لا تقل لي إنك ستنشق عني الآن ــ هتف الر

    rema

    عدد المساهمات : 14
    نقاط : 14
    السٌّمعَة : 5
    تاريخ التسجيل : 14/12/2009

    رد: الضفة المظلمة 6

    مُساهمة  rema في الأحد يناير 03, 2010 3:32 pm

    شكراااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااا

      الوقت/التاريخ الآن هو الإثنين مايو 29, 2017 12:14 am