منتدي جمال عزوز

أهلا بكم في المنتدى
منتدي جمال عزوز

منتدي الادب والفنون والكتابات النثرية والقصة القصيرة

المواضيع الأخيرة

» من كتاب الشخصية6
الإثنين ديسمبر 09, 2013 5:48 pm من طرف Admin

» من كتاب الشخصية5
الإثنين ديسمبر 09, 2013 5:46 pm من طرف Admin

» من كتاب الشخصية4
الإثنين ديسمبر 09, 2013 5:45 pm من طرف Admin

» من كتاب الشخصية3
الإثنين ديسمبر 09, 2013 5:44 pm من طرف Admin

» من كتاب الشخصية2
الإثنين ديسمبر 09, 2013 5:42 pm من طرف Admin

» من كتاب الشخصية
الإثنين ديسمبر 09, 2013 5:41 pm من طرف Admin

» نموذج من بناء الشخصية
الإثنين ديسمبر 09, 2013 5:39 pm من طرف Admin

» كيف تنشأ الرواية أو المسرحية؟
الإثنين ديسمبر 09, 2013 5:38 pm من طرف Admin

» رواية جديدة
الإثنين ديسمبر 09, 2013 5:26 pm من طرف Admin

التبادل الاعلاني

احداث منتدى مجاني

مارس 2017

الإثنينالثلاثاءالأربعاءالخميسالجمعةالسبتالأحد
  12345
6789101112
13141516171819
20212223242526
2728293031  

اليومية اليومية

تصويت

تدفق ال RSS


Yahoo! 
MSN 
AOL 
Netvibes 
Bloglines 

احصائيات

أعضاؤنا قدموا 254 مساهمة في هذا المنتدى في 142 موضوع

هذا المنتدى يتوفر على 35 عُضو.

آخر عُضو مُسجل هو sansharw فمرحباً به.


    الضفة المظلمة 7

    شاطر

    Admin
    Admin

    عدد المساهمات : 150
    نقاط : 444
    السٌّمعَة : 0
    تاريخ التسجيل : 30/10/2009
    العمر : 43

    الضفة المظلمة 7

    مُساهمة  Admin في الإثنين ديسمبر 14, 2009 3:42 pm

    VI. عند نهاية المساء
    سأحدثك عن نونيا. كنت أعرفها منذ الطفولة، بحكم الجوار. وكانت آنذاك طفلة شعرها أسود سبط، أطرافها نحيلة، يزيد شحوبها من حدّة زرقة زيها المدرسي القاتمة. ذلك الشحوب ونحولها كانا يميّزانها ويمنحانها هيئة يمكن الظن أنها مَرَضِّية، لكنها أثيرية أيضاً، كأنها منعدمة الوزن. أظن أن علاقتي الحقيقية بها بدأت قبل عام من ظهور سوسانا. ومن اللقاءات الجماعية مع أصدقاء آخرين من الطلاب، تحولنا إلى ثنائي متهرب وسري يتواعد على لقاءات اضطرارية فـي دور السينما، أو القيام بجولات مسير طويلة فـي بابالاغيندا والشوارع المنعزلة. كنت أحس نحو نونيا بحب يملؤه حنين غامض وأكتب لها قصائد كثيرة، وأُذهل بسذاجة وأنا أجد فـي أشعاري أصداء مؤكدة لأشعار أخرى مشهورة تتغنى بالمشاعر نفسها. كان حبي عفـيفاً، وعنيفاً فـي القلب فقط، دون ذرّة واحدة من أي لهفة أخرى سوى أن أكون إلى جانبها، استنشق بعمق حضورها الصامت والوديع الذي يفـيض بكثير من الأمان. أجل، كان عندئذ، وقد صرت بلا سوسانا، عند عودتي من زيارتي الثانية لمارثان، أن أحسست بوضوح بالملمس الجليدي لألم حزين يتسرب دون مقاومة فـي أعمق الأركان. كان الفجر يبزغ فـي السهل، وكانت خطوط ضباب أفقية، ضاربة إلى البياض، آخذة بالتحلل ببطء فوق الأرض البنفسجية والرمادية، بينما السماء تصطبغ ببريق ضارب إلى الحمرة: كتلة قطن ضخمة موضوعة فوق جرح هائل، فـي عزلة قاتلة، استباقاً لغرغرينا غير متناهية. فـي ذلك البُعد الشاحب، وبدا لي أني أجد انعكاساً لحالتي. عندئذ فكرت فـي أن كل ما جرى لي طوال تلك الشهور، وإن كان حقيقياً، له مظهر وهمي وغير معقول، وقوام أشبه بقوام الأحلام. كنت أشعر بأني ضائع، مبعد، مهجور، بفعل أسباب تبدو استجابة لمتطلبات حبكة محظور عليّ بالكامل معرفتها. وفـي مساء اليوم نفسه الذي وصلت فـيه، من جهة أخرى، كلمني عمّي بصرامة بالغة. فقد كانت نتيجة الفصل الدراسي كارثة، وكان مصمماً على أن أعمل إلى جانب الدراسة، بمساعدته فـي المساء، خلال الفصل الدراسي الجديد. ومع أنني كنت أحب التصوير الضوئي كثيراً، ومع أن قرار عمي كان حاسماً فـي الحقيقة فـي تحديد ما ستكون مهنتي الأولى فـي ما بعد، إلا أن فكرة فقدان الحرية اليومية، ورؤية نفسي مضطراً إلى التخلي عن جلسات الحديث مع الأصدقاء، وعن جولاتي فـي الحيّ الرطب، جعلتني أشعر بأن الفصل الجديد أشبه بعقوبة جزائية. وانبعث حبي لنونيا فجأة بكل قوته. كانت ذكرى الأشهر الماضية قد انطفأت بسرعة انطفاء نار الهشيم، وبدأت الجمرة القديمة بالتأجج من جديد. أدركت أن سوسانا كانت تجربة، وهي تجربة مهمة فـي حياتي، إلا أن لها مع ذلك تلك الخاصية العابرة التي تميز الأمور مكتملة الانجاز. مشاعري الغرامية الحقيقية كانت عند نونيا، وإليها عدت بندم زاد من احتدام حبي لها. حاولت الاتصال بها ولم أتلق جواباً. فقررت عندئذ الاقتراب منها ذات مساء، لدى خروجها من معهد الموسيقى. لكن نونيا كانت باردة معي، وحتى عدائية. ظننتُ أنه مجرد غضب عابر، وأن ندمي واهتمامي سيتوصلان أخيراً من استعادتي ينبوع عاطفتها الهادئ. لكن تبين لي أن نفورها وابتعادها نهائيين، ولم تستطع رسائلي الكثيرة، ولا إلحاحي فـي ملاحقتها، أن تبدل من ازدرائها لي. وهكذا بدأ ذلك الفصل الدراسي الأخير، بحب متجدد لا يجد له صدى، وبواجب مزدوج فـي الدراسة والعمل مع عمي. وقد فتح ازدراء حبي تمزقات أسى فـي وعيي لم أعرفها من قبل، لأن الحنين إلى جسد سوسانا جعلني أعي جسد نونيا، فكنت أشتهيها بعدم ارتواء مؤلم.
    أما العمل مع عمي، فكان فـي الحقيقة طويلاً ومتنوعاً جداً: العناية بتوجيه الضوء بصورة جيدة، وتهيئة الشرائح، وتظهيرها وفق أوقات محددة وبمواد وسوائل تمزج بدقة وباهتمام بالغ. وبدأت كذلك بلمسات الرتوش، فكنت أقضي ساعات طويلة وأنا أظلل شفاهاً جافة لتبدو ريانة، ولمنح بريق حيوية لبعض العيون، وتنعيم خدود، وإخفاء شعر ما بين الحواجب. وكانت الوجوه الأنثوية تذكرني، بألم لا مفر منه، بوجه نونيا. وفـي يوم قاتم، عند عودتي إلى البيت ليلاً، قيل إن لدي رسالة هاتفـية. كانت الرسالة ببساطة رقم هاتف، واسم مارثان، وعبارة حثٍ مستعجلة. وعندما اتصلت، سمعتُ صوت مارثان الأجش، وكانت العصبية واضحة فـيه، يستجوبني من الجانب الآخر للخط.
    ــ أهذا أنت؟ ــ سأل.
    ــ طبعاً أنا ــ أجبت.
    ــ يجب أن أراك فوراً. تعال فـي أول قطار، أو الحافلة، غداً فـي الساعة الثامنة.
    عندئذ أدركت أنه، من أجل راحتي، لا بد من اختفاء مارثان من حياتي، بالطريقة نفسها التي تقبلت بها رحيل سوسانا، على الرغم من حزني، كحدث يحرّرني من قلق متعاظم.
    ــ انظر حضرتك، ــ قلت ــ أنا مشغول. لا يمكنني السفر بهذه البساطة.
    كنت جافاً. أقرب إلى الوقاحة، تكلمت بفظاظة. وتخيلتُ تينك العينين الزائغتين والمحاطتين بمئات التجعدات. لابد أن فمه كان ملتصقاً بالجهاز، لأني سمعت لهاثه.
    ــ عليك أن تأتي. الأمر فـي غاية الخطورة. وهو يعنينا كلينا.
    ــ لا أستطيع حقاً ــ أجبت ــ كما أنني لا أملك نقوداً.
    ــ سأرسل إليك حوالة الآن.
    كان فـي صوت مارثان رنة كدر، وما يشبه الذعر، إضافة إلى أنه يوحي بوجود مستجدات مقلقة.
    ــ عليك أن تجيء، دون إبطاء.
    ــ لا أدري إن كنت أستطيع.
    عندما وصلتني الحوالة، تقبل عمي على مضض ذرائعي للسفر. لكني كنت قد عملت خلال تلك الشهور، ولن تبعدني الرحلة عن البيت سوى يومين يتوسّطهما يوم أحد، وكنت مصمماً على لقاء مارثان آخر مرة، كي أنهي علاقتي به إلى الأبد، وأغلق هذا الفصل شديد العبثية من حياتي، حيث كان له هو نفسه، مع سوسانا وبيدرو بالاث، أرجحية كبيرة. وحين وصلت إلى بيته، وسط الشوارع المقفرة والهادئة، استقبلتني امرأة مختلفة عن الخادمة المعهودة. لم تكن تلبس زياً، وكانت مبالغة فـي المجاملة.
    ــ أنا أخته ــ أوضحت لي ــ المسكين ليس على ما يرام. وقد اضطررتُ للمجيء من أجل العناية به.
    ــ أهو مريض؟
    ــ إنها أعصابه ــ قالت لي المرأة بما يشبه المناجاة ــ لقد كان مرهف الأعصاب على الدوام.. منذ طفولته.
    كان مارثان فـي مكتبته. وبدت فـي الحجرة الكبيرة علامات تشير إلى أنها تستخدم بصورة متواصلة: آثار تزييت أصابع فوق السطوح الملساء. وقصاصات ورق وفتات خبز متناثر على السجادة. وفجوات فـي الرفوف، بين الكتب التي أزيحت دون ريب لوضع غرض محتمل. وآثار تراكم بعضها فوق البعض تضفـي مزيداً من المعقولية على مظهر ديكور غامض غير منته بالكامل. وكان وضع الأثاث قد تبدل أيضاً: فالمقاعد تستند الآن إلى الجدار، وهناك فـي المنتصف فراغ كبير مغطى بكتب وأوراق. كان مارثان جالساً على الأرض، فوق بعض الوسائد، يرتدي ثوباً بيتياً أصفر من الدمقس، وذقنه غير حليقة، وشعره منفوش وشاربه كثيف جداً. لا بد أن إهمال مظهره قد أثّر أيضاً فـي بعض عاداته السابقة، لأني رأيت فـي شعره، وكان يخلو من الشيب حين عرفته، شريطاً ضيقاً باهتاً فـي السالفـين والقذال.
    ــ أخيراً ــ هتف حين رآني.
    لم يدعُني إلى الجلوس. كان يحمل بكلتا يديه كتب بالاث، كأنه يقدّم أدلة إدانة بجرم رهيب.
    ــ مرعب ــ قال.
    ولا بد أن مظهري المتعب دفعه إلى التفكير. كنتُ قد قمت برحلة مريعة، مع ساعات من التأخير، فـي قطار مزدحم. وكنت أشعر بأني متسخ بالعرق، وتُنهكني شدة النعاس.
    ــ أرغب فـي الاغتسال ــ قلت.
    أنزل الكتب ببطء. أشار إلى أخته بإيماءة من رأسه، وجلس مجدداً على الوسائد بفظاظة، مستسلماً للسقوط. قاطع ساقيه، وظل دون حراك، مثل رسم كاريكاتيري لفقير هندي. عندما رجعت، نهض وأمسكني بقوة من ذراعي.
    ــ اجلس ــ قال لي.
    توجه إلى إحدى الخزائن وبحث فـي الأدراج السفلى. وعاد بثلاث محافظ كبيرة ممتلئة بأوراق، وألقى بها على الصوفا بجانبي.
    ــ أنظر هذا ــ هتف بلهجة آمرة وهو يقدم لي إحداها.
    فتحتُ المحفظة مشوشاً. كانت مترعة بمخطوطات ممتلئة بالشطب والتصحيح. وبدأ هو بتقليب الأوراق باندفاع متنامٍ، وكان يتلفظ فـي الوقت نفسه جملاً قصيرة، غير مترابطة، تبينتُ فـيها أخيراً عناوين مقالات بالاث. انتزع مني بعد ذلك المحفظة، وأزاحها جانباً بقوة، ثم تناول المحفظة الأضخم وألقى بها إليّ.
    ــ هاهي الرواية السعيدة. والصورة التي تحاكي رسماً لبيكاسو!
    جثا على ركبتيه أمامي، وبطنه مشدود إلى ركبتيّ، مثلما يفعل العشاق أمام سيداتهم فـي بعض الأيقونات الرومانسية. لكنه لم يمسك يديّ. بل أرخى يديه على جانبي جسمه فـي هيئة من توسل.
    ــ أنا من اخترعت بالاث! أنا كتبت مقالات بالاث ورواية بالاث. وليس فـي ذلك أية سخرية.
    أربكني وضعه ذاك. حاولت أن أبتعد، لكن جسده كان يثبت جسدي بقوة. ظل على تلك الحال للحظات أخرى، مدركاً أن ذلك يزيد من سلطته. ثم نهض بعد ذلك برشاقة، التقط الكتابين عن الأرض، وجلس إلى جانبي.
    ــ هل قرأت هذين الكتابين؟
    الحقيقة أنني لم أكن قد تصفحتهما. فأكبرهما بدا لي واحداً من تلك الكتب العلمية الصارمة التي يتطلب الاقتراب منها استعداداً خاصاً كحماسة من يواجه مرجعاً أكاديمياً يتوجب عليه التعمق فـيه وحفظه؛ أما الكتاب الآخر فكان بلغة إنكليزية صعبة جداً. أضف إلى ذلك أن اختفاء بالاث المفاجئ برَّد تماماً حماستي السابقة لأعماله.
    ــ لم يُتح لي الوقت ــ قلت.
    ــ أولم تلق عليهما مجرد نظرة؟ ــ هتف مطلقاً زفرة نفاد صبر.
    لكنه استعاد على الفور هيئة الصبور المسيطر على نفسه التي ظهر بها عند وصولي. أراني المخطوطة الضخمة وراح يقلب أوراقها. كانت تتخللها قصاصات صغيرة موضوعة كعلامات، وكان كثير منها مطوياً، من الجانب العلوي أو السفلي. وكانت هناك، فـي بعض الصفحات، خطوط حمراء تحت السطور. قرّب الكتاب مني، ورأيت أن الخطوط الحمراء تشير إلى بعض أسماء العَلَم.
    ــ أنظر! ــ قال صارخاً.
    وهناك كان اسمانا: اسمه واسمي. قرأت النص المرافق لاسمي بسرعة، لكنه كان مرتباً بطريقة غامضة على نحو خاص، ويصعب فهم معناه بالكامل. وكان إلى جانب اسم مارثان بعض الجمل المفهومة ــ لعلها عناوين كتبه ــ ونص غامض أيضاً إلى حدّ يخلو معه من المعنى. قلّبتُ الصفحات ووجدت أسماء عديدة، كثيرة منها مألوف لدي من خلال موضوعات اهتمامي وهواياتي، وكلها لها صلة بشؤون الأدب.
    ــ إنها كلمات، أسماء ــ قال مارثان ــ لا رأس لها ولا أساس. لا وجود لقصة، ولا تسلسل زمني، ولا نقد، لأنه لا وجود فـيها لأي سياق مترابط. إنها مجرد أسماء وعناوين مختلطة بكلمات. ألا تتخيل أحياناً، وأنت بين النوم واليقظة، قصيدةً أو قصة، وترى بافتتان أنها الكمال المطلق، كما لو أنها حصيلة وحي خاص من ربّات الإلهام؟ ألم تكتشف فور يقظتك، إن كنت قادراً على التذكر، أن إلهامك الإلهي فـي الليل ليس إلا تراكم مفردات غبي لا معنى لها؟
    على الرغم من تفخيمه فـي الكلام، لم يتخلَّ مارثان عن إبداء شيء من حدة الذكاء. أومأت برأسي موافقاً. كان حديثه يتحول من التفخيم إلى الرصانة.
    ــ يبدو أن فكرة سرنمة تتحدد فـي هذا الكتاب. ترسيخ حلم يقظة مسائي غامض. شيء خاص من أضغاث أحلام نوم-يقظة ثقيلة.
    تناول الكتاب الآخر وقربه من عيني أيضاً. لا شك فـي أن صورة الغلاف تُذكِّر بجمجمة.
    ــ إنه بالإنكليزية. ومضمونه يُقدم بالطريقة الفوضوية نفسها. مجرد مفاهيم مصطفة بعضها إلى جانب البعض، دون تماسك أو قوام. أسماء أعلام وتواريخ متداخلة فـي هراء غير مفهوم. والعنوان نفسه يخلو من أي معنى، وإن يربط اسم الرب بكلمة جمجمة.
    ظلّ ممسكاً بالكتاب قريباً جداً من وجهي، وقرّب وجهه كثيراً، بحيث لم يعد الغلاف الخلفـي يتيح غير إطلالة عينيه. أظهر الكثير من الحذر فـي صوته.
    ــ هذا سخف. هذا مستحيل.
    أبعد الكتاب فجأة، مثلما يزيح المشعوذ المنديل الذي يخفـي المفاجأة الحيّة.
    ــ هما شبحا كتابين فقط: غلافان وصفحات لا تتضمن إلا مفاهيم مبعثرة. العناصر الخاملة لنصٍّ مازالت فكرته غير متخيلة.
    بعد ذلك، وبصورة مفاجئة، بدأ يتصفح الصفحات باندفاع مجنون، كان فـي هذه المرة أشبه بهياج محتدم، حتى وصل إلى النهاية، حيث تظهر مجموعة خطوط تشديد بالأحمر تحت السطور. وكانت مختلف مقاطع الكتاب تبدأ فـي صفحات فرديّة، وتعلوها جمل عناوين مكتوبة بحروف كبيرة الحجم. إنها إشارات مارثان وملاحظاته فـي المقطع الأخير. وهي تشير، بين ذلك الكلام المبهم الذي يمكن فهم ترابطه، إلى عدة كلمات يمكن فهمها فوراً: اسم مارثان، وبيدرو بالاث، وسوسانا، وحتى اسم نونيا.
    ــ واسمك موجود أيضاً ــ قال ــ هنا، وهنا.
    كان يشير إلى الفقرات. وأشار أخيراً إلى الكلمات الأخيرة فـي ذلك النص الغريب.
    ــ وهنا. فـي نهاية كل شيء. اسمانا غارقان فـي كتلة لغة بلا قوام، وسط أشد المفاهيم اختلاطاً، مثل هذه الأشياء المنزلية التي تبدي بصيصاً من هويتها وسط ركام الأنقاض.
    وإلى هيئة مارثان الغريبة، المتبدلة كثيراً بفعل الفكرة المتسلطة على عقله، انضمّت الآن رعشة خاصة. لاحظت أنه لم يعد يدخن. يمكن أن يكون هذا هو السبب فـي جانب كبير من عصبيته. لكن مطالبته بالانتباه كانت تجبرني بصرامة على متابعة كلماته حتى بدأت أشعر بألم فـي رأسي. لم أشتق قط مثلما اشتقت حينذاك إلى مدينتي وأصدقائي، وحتى إلى ملاذي المتواضع فـي البيت، تلك السقيفة التي لعبت وقرأت فـيها لسنوات طويلة، تحت الضوء الفضي الذي ينسكب من كوة السقف. أردت الانصراف. أن أقول له وداعاً إلى الأبد، وأذهب إلى المحطة لأستقل أول قطار. أمسك بي مارثان من كتفـي وهز جسدي هزات خفـيفة، لكنها متحمسة.
    ــ المسألة ليست فـي الانصراف يا فتى ــ قال ــ ربما لم يعد ثمة وجود لذلك القطار، ولا للمدينة التي تريد العودة إليها. وربما لا وجود حتى للشارع الذي كان هنا فـي الخارج. وحياتنا نفسها، من جهة أخرى، ألا تبدو فـي بعض المناسبات كما لو أنها تُروى لنا أكثر مما نعيشها؟
    بدأ مارثان يخيفني. كان فـي صوته قناعة طاغية، قادرة على تشويش عقلانيتي.
    ــ حاول أن تتذكر كل شيء.
    ــ كل شيء؟ ــ سألته.
    وفجأة، بينما كنت أسأله عرفت ــ وهذه المعرفة أيقظت فـيّ فكرة أني ربما كنت أنا نفسي أخفـي بعض الحقائق الرهيبة ــ ما الذي يعنيه. وبدأت أتكلم. ردَّدت الذكرى الحية التي رويتها لك من قبل.
    ــ ما حدث قبل ذلك اليوم اجتمع فـي ذاكرتي ككومة مختلطة ــ قلت ــ أتذكر بوضوح بار كاستريّو، والرفوف الممتلئة بالزجاجات، بينما كانوا يناولونني قصاصات الصحف تلك.
    ــ مقالات بيدرو بالاث ــ تمتم ــ وماذا بعد ذلك؟
    ــ لم أعد أعرف إذا ما كان فـي اليوم نفسه. لا أظن ذلك. التقيت بسوسانا. وكانت عربتها قد علقت فـي بركة وحل. عربة تجرها بغلة، فـي هذه الأزمنة.
    ولأن الخريف كان قد تقدّم كثيراً، فقد انطفأ المساء سريعاً. فاجأتني الظلمة وأشرت إشارة غير محددة إلى المصباح. نادى أخته، وانتصبت هيئتها فجأة فـي أحد أطراف القاعة، ودون أن تنطق بكلمة واحدة، أشعلت الضوء وأغلقت النافذة قبل أن تنصرف.
    ــ تابع، يا فتى، تابع ــ شجعني مارثان.
    استبعدتُ كل ما كنت قد رويته له، كل ما حدث منذ أن تلقيت مقالات بالاث حتى ذلك اليوم. وعلاقتي بسوسانا، والرحلة الأولى إلى مدريد، ولقائي الأول به حين خيب آمالي ببالاث، والعودة إلى البيت ومجيء بالاث نفسه ومعه كتبه؛ واختفاء بالاث وسوسانا، والرحلة الثانية إلى مدريد؛ والعودة الثانية، والرجوع إلى نونيا قاسية ومخاصمة. ومشاكلي فـي بيت العم واتصال مارثان الهاتفـي الذي جاء بي للمرة الثالثة.
    ــ وكيف كانت حياتك من قبل؟ أتتذكّرها بهذا الوضوح؟
    هززت كتفـي ولم أقل شيئاً. وبالفعل، كان عليَّ أن أبذل جهداً كي أتذكّر بعض الأحداث، فـي هبّات قصيرة مباغتة. كان كل شيء بعيداً، قاتماً، مشوشاً.
    ــ ألا تكون حياتك السابقة لم تحدث قط، وإن ما وجد فقط هو هذا الذي تظن أنك عشته فـي السنة الأخيرة؟
    لم أفهم، فـي البدء، ما قاله. وبعد ذلك، نفـيت بحركة قوية من رأسي: فقد تواردت للتوّ إلى ذهني، فـي توالٍ سريع، سلسلة من صور الطفولة التي لا علاقة لها بالرجل الذي صرتُ إليه: صور أمسيات البحث عن الأعشاش، والاستماع إلى الكبار يتحدثون فـي المطبخ، واللعب مع الأطفال الآخرين فـي الشارع. تذكرتُ بحيوية نونيا الطفلة، أمام الكاتدرائية، مرتدية ثوب منشدة فـي الكورال، وراقصة مع الأخريات تلك الرقصة الغبية. لكنه كان يكلمني بذلك الوقار الذي يتوجب على الأنبياء والعرّافات أن يضفوه على كلامهم.
    ــ قد تكون ذكرياتك هي الأخرى تخييلاً تتصوّره أنت نفسك الآن ــ قال مخمناً مرة أخرى ما كنت أفكر فـيه.
    كان ضوء المصباح يضفـي بريقاً على جبهته.
    ــ لقد راجعتُ حياتينا، يا فتى. أو تحولات حياتينا بكلمة أدق. الحقيقة أن لها طابعاً روائياً. إنها لا تبدو حقيقية.
    وكان أن أدركتُ عندئذ أن مارثان مجنون تماماً.
    * * *
    واصل الكلام بينما الارتعاش يهز يديه أكثر فأكثر. وإلى هيئته كعرًاف مذعور، أضيف مظهر الراوي الذي يتصنع المواقف، بتكشيرات وإيماءات ملائمة، فـي قصّة مخيفة. وكنت أستمع إليه دون أن أنبس ببنت شفة.
    ــ مجرد تحولات، حصيلة هذيان لعوب، وربما هي محكومة بمصادفة نهاية متقلبة أيضاً.
    دخلت أخته الحجرة، اقتربت منه وهمست: «إنه هنا مرة أخرى». وأجاب هو ببضع عبارات لم أسمعها جيداً أيضاً، لكنه كان يحاول، دون ريب، نزع الأهمية عن شيء ما. « لا تأبهي به». لكنها عادت تستعجله بكلمات وإيماءات. « لا تسمحي له بالدخول.» وخرجت هي مجدداً بكثير من جلبة الثياب، وظلّ مارثان دون حراك لبعض الوقت، مشتّت الأفكار، قبل أن يواصل ذلك المونولوج. كانت يداه ترتجفان بصورة متعاظمة، كما لو أنه تعرض لصدمة، لكن صوته كان ثابتاً ولم يُلمح أدنى قدر من عدم التماسك فـي سياق القصة.
    ــ بدأ تحولي المفاجئ منذ ثلاثة أعوام، في اليوم الذي أتصوره مزحة أدبية: التلميح من خلال إحالات قصيرة عامة إلى السيرة الزائفة لإسباني تائه، نسيه المتخصصون. كان ذلك هنا بالذات، عشية أحد الأعياد. وكانت تُسمع من بعيد فرقعة الألعاب النارية. كان الوقت ليلاً. وهذه الذكرى محفورة بدقة فـي دماغي. كان الهرّ ينظر إليّ كما لو أنه يدرك مشروعي. وفـي تلك الليلة بالذات أخبرت ذلك كله بالهاتف لصديق صحفـي، وقد تلقّى الفكرة بابتهاج. كانت البداية ببعض الأخبار المقتضبة المتفرقة، تشير إلى جوائز مزعومة، وحضوره مؤتمرات مهمة، وتصريحات له حول أحداث ثقافـية. ورحت أتحمس بعد ذلك للفكرة. صرت أضع نفسي مكان الشخصية التي اختلقتها، وصارت تخطر لي أفكار ما كانت لتخطر لبالي من قبل. وهكذا بدأت المقالات تخرج، واحداً بعد آخر، وأسبوعاً بعد أسبوع. ولم أكن أنا مؤلفها، وإنما تلك الشخصية المتخيلة التي حلّت فـيَّ فجأة. ينتقد، يتغطرس، يفـيض بالتسلط والحكمة. وبطريقة المقالات نفسها، كتبتُ الرواية فـي كنف نوع من أدب الأحلام، متذكّراً حكاية سمعتها وأنا طفل عن مهاجر أخفق فـي مشاريع الإثراء، ولم يجرؤ على العودة إلى قريته.
    كان فمه جافاً، وتلمظ عدة مرات مفرقعاً بلسانه قبل أن ينادي أخته ويطلب منها أن تأتي بزجاجة نبيذ.
    ــ وبعد ذلك ظهرتَ أنت. وأنت تعرف ما تبقى كله. تسألني عن بالاث، لكني أخدعك. إلى أن قلت لي فـي أحد الأيام إن شخصاً تتفق ملامحه كلها مع ملامح بالاثي الذي اختلقته بنفسي، قد ظهر ككائن حيّ يسمي نفسه بالاث.
    مما لا شك فـيه أن جنونه يستند إلى قناعات راسخة، لأنه كان يتكلم بثقة كاملة.
    ــ أقسم لك إنه لا وجود له. أقسم لك. عندما سألتني عنه قلت لك الحقيقة. ولم أستسلم لإغراء منح الأسطورة مزيداً من القوة. إضافة إلى أنني كنتُ أشعر بفتور الهمة.
    وكما فـي تلك المرات السابقة، كان الليل قد خيم بصمت على المدينة، وكان بالإمكان الإحساس بأنفاس بطنه غير المتناهي. وكان مارثان جامداً تماماً لا يحرك سوى شفتيه، مما كان يوشي حديثه بتخمينات وقورة.
    ــ عندئذ بلغت عقدة قصتي ذروتها: ظهور الشخصية التي اختلقتُها.
    دخلت المرأة حاملة زجاجة وكأسين، ووضعت كل ذلك أمامنا على الأرض. وقدمت إلى مارثان فتّاحة زجاجات، فقدمها إلي.
    ــ هيا، افتحها ــ قال.
    عندما سحبت سدادة الزجاجة، فاح النبيذ، وهو نبيذ فاخر دون ريب، برائحة منعشة صارت أشد زخماً وإلحاحاً عند ملء الكأسين. شربنا ونحن نتبادل النظر دون أن نرمش. لقد كان فـي ذلك المجنون شيئان على الأقل يستحقان التقدير: براعة فـي حبك خدعه، ومستودع نبيذ جيد التنوع. لقد خمّن أفكاري مرة أخرى بذلك الحدس الخاص لدى بعض المرضى العصبيين.
    ــ أقول لك إني لست مجنوناً، يا فتى. لقد جئتَ أنت بهذين الكتابين. ويبدو أن بالاث الذي اختلقته قد اكتسب حياة خاصة. لا يمكنني فهم ذلك.
    أخذ ينحني ببطء حتى ترك الكأس على السجادة، ثم استقام بالطريقة نفسها.
    ــ أدرس الكتابين وأتحقق من شذوذهما ــ لأني لا أجرؤ على وصفهما بالخداع ــ. لكن اسمينا موجودان هنا.
    لمس جبهته بإصبعين، كما لو أنه يوصل مقبساً كهربائياً فريداً.
    ــ وأفكر. أستغرق فـي التفكير. وبعد ذلك أخبرك متى بدأت أشعر بالخوف. فـي البدء كنتُ قلقاً. يهزني خوف غامض فـي بعض اللحظات، لكني أنكر الخوف، وانتظر أن يكون هناك تفسير ما لكل شيء. أقارب المسألة من خلال تحليل منطقي خالص، وأبدأ بتقدير السوابق التي تعززها الأحداث. حتى أدركت أنني أمام لغز شروطه متناقضة: إما أنني أنا، آنستاسيو مارثان لوباتو، من أبدع شخصيّة تُسمى بيدرو بالاث، وصورته، وسيرته، وأعماله، بل إنني وضعت فـي المطبعة مجموعة مقالات منسوبة إليه ورواية، وإما أن بيدرو بالاث موجود حقاً وله أعمال لا أعرفها، بعض نماذجها تتبدى فـي هذين الكتابين. فإذا كانت الفرضية الأولى هي الحقيقية، فإن الثانية لا يمكن مجرد طرحها. وإذا كانت الفرضية الحقيقية هي الثانية، ألا يكون الأكثر ملاءمة لي هو وضع الكاتب المختلق؟ ولا يمكن للفرضيتين، منطقياً، أن تكونا حقيقيتين. حيال مثل هذا الخيار ليس هناك متسع إلا بالإجابة بأنه إما أن هناك تزويراً، أو أن هناك خطأ.
    المرأة التي ظلّت واقفة قرب النافذة، مستغرقة فـي مشهد من الشارع، سألت إن كنا نريد أن تأتي بشيء للأكل. وافق مارثان بهمة.
    ــ نعم، يا امرأة، هاتي، هاتي شيئاً. فالطعام، على الأقل، لا ينقصنا.
    رطب فمه برشفتي نبيذ، وتابع التكلم ببطء متزايد، حتى بلغ حداً بدا معه أنه ينطق الكلمات مقطعاً مقطعاً.
    ــ إلا إذا كان ذلك كله ينتمي إلى واقع مختلف، إلى واقع وهمي من نسج الخيال فقط، حيث للمنطق أبعاد أخرى وقوانين مختلفة. لكن هذه الفكرة جعلت الخوف الذي كنت أحاول إبعاده ينقض عليّ بارداً. فإذا كان الأمر كذلك، إذا كان تفكيري صائباً، فلا بد لنهاية كل قصة من قصصنا أن تفترض نهاية شخصياتها، مع عواطفنا وتقلباتنا ومغامراتنا. فنهاية الحدث هي نهاية كل شيء.
    ــ من المعروف أننا جميعاً سنموت ــ قلتُ.
    ــ هذا يصح على الأحياء ــ أجاب ــ وهي ليست حالتنا. فنحن لسنا أحياء. نحن لا وجود لنا.
    لم أشأ معارضته. لا شك أنه بلغ نقطة عدم توازن خطيرة جداً. أفلت الكأس وأحاطني بأحد ذراعيه من الخلف.
    ــ ألا تعرف تلك الوحدات فـي المسرح الكلاسيكي؟
    جاءت أخت مارثان بصينية مترعة، واكتشفتُ عندئذ أنه لا شهية لدي تقريباً. فقد كانت اهتمامات ذلك الرجل المرضية تسمّم مخيلتي. كانت المكتبة تبدو، بوضوح متزايد، كشبح ديكور قديم مُخَزّن فـي قبو مظلم بالمظهر الذي ربما ستكون عليه ذات يوم، بعد أن يكون الزمن والموت قد مرّا علينا جميعاً، وبعد أن تكون تلك الكتب قد عرفت تحولات حركة بيع متعاقبة تنتهي بها إلى التراكم، مهملة، فـي الحجرة الخلفـية لمكتبي يتاجر بنصوص قديمة.
    ــ إنها عرضٌ وعقدةٌ وحل ــ قال مارثان ــ وإذا كنتُ على صواب، فإن حلّ قصتينا صار وشيكاً.
    بذلت جهداً لأتمرد، لأنهي ذلك المونولوج الجنوني الطويل. نظرت إليه متحدياً.
    ــ ما هي قصة بالاث إذن؟ أين الوحدات الثلاث فـيها؟
    كان شعره منتصباً، لكنه يلمع من العرق مع ذلك. بدا لي أني أرى فـي عينيه شرارة سخرية. ولا ريب فـي أنه كان قد طرح على نفسه ذلك السؤال بالذات. وكان لديه جواب عن كل شيء.
    ــ بالاث هو deus ex machina(1) لكل التشابك، وإن كان لا يظهر ليهيئ حلولاً سعيدة ــ إذا ما كنتُ على صواب، فإن الحل يعني الفناء، الاضمحلال، النهاية ــ وإنما ليركّب مختلف الأحداث، مختلف العقد المتنوعة. وقصة بالاث، إذا كان كائناً حياً حقاً، فإنها ستكون بطريقة ما أقل القصص روائية: يعود لعدة أيام إلى بلده الأصلي، يتعرّف إلى أناس، وفـي النهاية يرحل مرة أخرى ليواصل محاضراته وفصوله الدراسية فـي مدن بعيدة وراء البحار.
    نهضتُ واقفاً. وحين تحركت، بدا لي الجزء الأقصى من المكتبة التي فـي مواجهتي قد استبدل بطبقة جدار دائري من الآجر، لكني لم أشأ النظر إليه بإمعان. كنت أحاول التكلم بأقصى ما يمكن من الهدوء، كي أتجنب استثارته.
    ــ انظر، سأذهب إلى الفراش. وغداً، فـي الصباح الباكر، سأعود إلى بيتي. وأنت يجب أن تذهب للنوم أيضاً. وجهك يبدو فـي حال سيئة.
    غاصت التكشيرة المتشنجة فـي تجاعيد عينيه، وانبسط فـي شفتيه ذلك التقطيب الذي حافظ عليه لساعات. وأخيراً تنهد بتقبل غريب.
    ــ اذهب للنوم، يا فتى. لم يعد بإمكاني إخبارك بالمزيد. أما أنا فما زال عليّ أن أضبط بعض الخيوط المفلتة.
    وفجأة، خارت قواه. أحنى رأسه، وغطى وجهه بيديه وانخرط فـي البكاء.
    ــ كيف يمكن لي أن أكون موجوداً؟ ــ راح يقول ــ. أنا لا وجود لي حتى فـي هذه الساعة، لستُ سوى ظل يتجرجر وسط هذيان الظلال.
    قادتني أخت مارثان إلى غرفة نومي، وتأخرت فـي تهيئة السرير. ومن خلال تلك الغشاوة التي تتملكني، بدا لي أنني أرى فـيها حركات داعرة، كما لو أنها راغبة فـي أن توجه إلي رسالة جسدية. لكني بعد سفر الليلة السابقة، وتأخر القطار الكبير، وساعات السهر الطويلة بعد ذلك، لم أكن قادراً على أي شيء سوى النوم. وعندما انصرفت المرأة، خلعت ملابسي، واندسست فـي الفراش وغرقت فوراً فـي النوم كأنني أغرق فـي سائل كثيف، لا يسمح لي تعبي بالخروج منه. ومن تلك الأعماق، بدا لي أنني ألمح أحداثاً غير متوقعة تجري على السطح، وأن هناك من يرفع الصوت منادياً مارثان، وأن خطوات تصعد إلى الطابق العلوي وتتجه نحو المكتبة. كان قاع حلمي ممتلئاً بشرائط كبيرة ذات لون بنفسجي تمتد عمودياً، وتتلوى كطحالب فـي دوامات الموج؛ وكنت أرقد بين تلك التفرعات كما فـي مرج بعيد ذي طوبوغرافـيا غامضة؛ لكني كنت أسمع هناك فـي الأعلى، بعيداً جداً، الخطوات التي تدخل إلى المكتبة، وصوت مارثان يطلق صيحة، يئن بجملة طويلة تحمل معنى الرفض، عدم التصديق. لا أدري إن كانت أصوات عنف، أصوات تكسر خزف أو بعثرة أغراض. كانت الشرائط الطويلة تتلوى والمرج البنفسجي كله يحيط بي كأنه فراش وثير. أكان هناك بعد ذلك صوت جرجرة، وضربات على السلّم؟ أم إنها حركة النسيم تهز أغصاناً غير مرئية ويصطدم بعضها ببعض؟ ظللت نائماً لساعات عديدة بين ذراعي الليل البارد. أيقظني الإحساس بهزة قوية، كما لو أن الأرض قد اهتزت. وإلى الظلمة الكثيفة كانت تصل ضجة ضربات، وهمهمة عميقة تتردد أصداؤها. وفجأة، دوت صرخة مهولة من امرأة، صرخة طويلة كأنها ولولة. نهضتُ قافزاً وتوجهت إلى حجرة المكتبة. كانت خزائن الكتب الكبيرة مقلوبة، وفوضى غريبة تسود أرض الحجرة المضاءة، على نحو غريب، بتأرجح مصباح السقف الذي أصابه، دون شك، سقوط خزانة الكتب، وبضوء الفجر الضارب إلى البياض. لا بد أن من تسبب بذلك التخريب هو مارثان، ولكنه لم يكن هناك. وكان صوت أخته يأتي من السلّم. اندفعتُ راكضاً نحو بسطة السلّم المظلمة. كانت المرأة تشير إلى أعلى. وبعينين محتقنتين، ووجه شاحب إلى حدّ صار معه داكناً، كان مارثان معلقاً من عنقه بحبل مربوط إلى الدرابزين، فـي الأعلى، حيث ينتهي السلم عند باب البرج. كان يخبط برجليه، ويطلق غرغرة غامضة، ويرفع يديه إلى حلقه وكأنه يريد التخلص من الأنشوطة المحكمة.
    ــ سكين ــ صرختُ أحث المرأة ــ أحضري سكيناً أو شيئاً يقطع.
    لم تتأخر سيارة الإسعاف فـي المجيء. كانت عربة رمادية كبيرة، تحتل عرض الشارع كله تقريباً. وضع شابان قويان جسد مارثان على محفة قماشية وأدخلاه إلى السيارة. وصعدت المرأة أيضاً إلى العربة، وظللتُ وحيداً فـي منتصف الشارع، وسط ذلك الفجر الجليدي. بدأ الجيران الذين استيقظوا على الضجة إغلاق نوافذهم، وبعد لحظات قليلة كان الفجر قد هيمن على كل شيء من جديد، وراح الحيز ما بين الجدران وأعمدة النور يستعيد هدوءه، وكأن الواقعة التي جرت للتو لم تحدث قط. عُدتُ إلى المكتبة. وفـي وسطها، فـي منطقة خالية من الكتب الممزقة والكؤوس المحطمة، وجدت عدة أوراق فـيها ملاحظات بخط كبير، غير متناسق وغير مفهوم. وقرب الورقة، كانت المفاجأة بوجود وعاء لسوسانا كان يوقظ فـي الاهتمام دائماً: نوع من قِدرٍ صغيرة من فخار سميك وثقيل جداً، لها شكل يذكر على نحو غامض برأس قرد شبيه بالإنسان. وبينما أنا أتأمله، لاحظت أنه لزج الملمس فأَفلتُّه بقرف. ورأيت على يدي لطخات دم.
    كانت الأشياء المبعثرة، وقد خلّفت الفوضى فـي الغرفة صدى مديداً كأنه ذبذبة خفـيفة. جلستُ على صوفا المكتبة، وسط فوضى فتات، وشظايا كؤوس، وكتب ممزقة، وقطع خبز، وشرائح سجق، وفكّرت فـي ذلك الركام من الحوادث ونوبة الهياج التي توّجت عدم توازن مارثان. ومع ذلك، كانت تزحف تحت تأملاتي العقلانية شكوك عديدة لم أستطع تهدئتها إلا بجهود يتضاءل تماسكها أكثر فأكثر. ففـي الصمت الصباحي الذي لم يكن يكسره سوى وقع خطوات أحد المبكرين، أو مواء القطط المتفرق، أو تشغيل سيارات بعيدة، كنت أشعر على نحو متزايد بعدائية ذلك، وأحن إلى عالمي المعهود. وهكذا تأهبت للذهاب إلى المحطة لأستقل أول قطار. وبينما كنت أجتاز الممر، اكتشفت أن أنوار غرف أخرى كانت مضاءة. ومن خلال شق أحد الأبواب، بدا لي أنني ألمح حزمة معروفة. فتحت الباب تماماً، وبمحاذاة الجدار رأيت حقيبة موضوعة بعناية، لونها ضارب إلى الحمرة، وكيس نوم، مطابقين تماماً لأمتعة بيدرو بالاث التي ساعدتُه فـي ذلك اليوم الصيفـي فـي حملها إلى ستوديو سوسانا. كانت الحجرة تعبق بعطر أخت مارثان الكثيف. وفـي العمق، على السرير غير المرتب، كان لا يزال هناك قميص نوم نسائي، وكانت أبواب الخزانة المواربة تسمح برؤية ثياب نسائية أخرى. وعلى صفحة المرآة، انعكست صورة أفزعتني رؤيتها لأول وهلة. ولكنها كانت صورتي بالذات. اقتربت بخوف: كان لنظرتي البريق الزائغ والمخيف نفسه الذي لنظرة المجنون مارثان، وكان شعري مجعداً فوق رأسي. ومظهري كله مضطرب، وبدا التشنج الواضح الذي سيطر عليّ وقد أحاطني بهالة برودة. خرجت من الحجرة. وعلى ضوء الفجر الشاحب، رأيت كتلة صغيرة قائمة ملقاة فـي أقصى الممر، عند بسطة السلّم بالضبط، على حافة الدرج الخشبي المؤدي إلى دهليز المدخل والفناء. ظننت أنه حيوان، لكن شكله الغريب شدّ انتباهي، وعندما صرت بجانبه، استطعت التأكد من أنه صندل. كان رباطاه الطويلان المتدليان من الدرج، وأثلام نعله تشبه قرني استشعار ودرع حيوان قشري. ذلك الصندل استدعى إلى ذهني بحيوية صورة بيدرو بالاث. جاءت رؤية متاعه والصندل الملقى ليزيدا من تشوشي ويضيفا معطيات تنبؤية. نزلت على الدرج الخشبي الذي تطقطق مفاصله ووصلت إلى بداية الدهليز. كان بياض ضوء الشارع قد بدأ يغزو البوابة. وإلى اليسار، قبالة الدرج، كان الدّهليز يفضي إلى فناء كبير محاط بأصص. وكانت عصافـير الدوري تصخب فـي الأعلى، بين القرميد، مكللة الضوء الخفـيف الضارب إلى الزرقة بزقزقتها القوية. وإلى جانب أحد الأصص، كانت ملقاة فردة الصندل الأخرى. ووراء الأصص، على امتداد جدار الفناء، كان هناك جسد بشري ممدد على الأرض. اقتربت منه دون تردد، وسط عطالة ذهولي. بنطال المخمل السميك والسترة التي فـيها شبه بعيد بالزي العسكري، ذكّراني بثياب معروفة لدي. وهناك كان يرقد بيدرو بالاث، بجرح كبير فـي رأسه يصبغ بالأحمر شعره الأشهب. وخلال لحظات قصيرة، خرج الفناء من العتمة، وأضاءت الشمس الإفريز، فـي أعلى أحد الجدران. خرجتُ إلى الشارع وتوجهت دون تردد نحو المحطة. كانت جهودي المضطربة فـي اليوم الأخير قد أدخلتني فـي خدرٍ ذهنيّ ملأ بالظلمة ذاكرتي. وهكذا لم أكن أذكر أي يوم من الأسبوع هو ذلك اليوم. لكن إقفار الشوارع والساحات الغريب ذاك، حيث الحضور البشري يكاد لا يلمح إلا بالمرور المثقل لأحد المشاة، جعلني أعرف أننا فـي يوم أحد. كان الضياء آخذاً بالانتشار فوق المدينة ببطء. وكانت المحطة مقفرة أيضاً والأرض متسخة جداً بأوراق وأعقاب سجائر وقشور فاكهة. ظللت هناك، كمن ينتظر بعجزٍ وقوع كارثة. كان انعكاس ضوء الشمس آخذ فـي المرور على زجاج مظلة المدخل الضخمة، وراحت الأضواء والظلال تتبادل أماكنها. ظلت أرصفة المحطة مقفرة، وكان وصول القطارات المتفرق، أو حركة مناوراتها، أو مرور مسافر يلبس ثياباً غريبة، تزيد من الإحساس بأن ذلك كله ليس سوى منصة مسرح معدة من أجل مشهد سري. وأخيراً اتخذ قطاري مكانه على خطه الحديدي. وفـي الضوء، كانت ضخامته الرمادية تقدم مظهر واقع صلب. اتجهتُ نحوه راكضاً، كما لو أنه وسيلة نجاة من غرقٍ أشعر أنني محكوم به مع مرور كل لحظة. لكن الإحساس المُقلِق تجدد بقوة حين دخلته: الوحدة نفسها، لكنها مضخمة هنا بصمت فريد يخيم على المقصورات. ولو لم تكن القاطرة، فـي الطرف البعيد، تلهث مطلقة دفقات من الدخان، لغلب الظن بأن القطار سيبقى جامداً هناك إلى الأبد. وكان للعامل الذي يذرع قافلة العربات متفحصاً محاورها بطرقات مفتاح إنكليزي تشبه النقر الإيقاعي للحن بطيء، بعزف غريب، مظهر شبحي أضاف حضوره يقيناً إلى مخاوفـي بدل طمأنتي. جلست بجانب نافذة صغيرة، ورحت أنظر إلى الرصيف. كنت المسافر الوحيد فـي العربة التي كانت تحتفظ بتلك الرائحة الحادة، خلاصة نشاطات لا حصر لها، وكنت أرى فـي الساعة الكبيرة، ثانية فثانية، انقضاء الزمن المتبقي للانطلاق.
    * * *
    عدت إلى البيت مرغماً نفسي على نسيان تلك القصص غير المعقولة، بجهد له طبيعة مماثلة لجهد من يُرغَم على فعل كل ما هو معاكس. وتقبّلتُ بالطريقة نفسها ابتعاد نونيا، وأضفت إرادةُ النسيان الحازمة بهجةً على الدراسة وعلى انكبابي على تعلًم التصوير الضوئي. ابتعدتُ عن الأدب، وبدأت التعاون على امتداد تلك السنة مع صحيفة فـي المدينة متولياً إعداد ريبورتاجات مصورة عن مباريات كرة القدم. أنهيتُ العام الدراسي دون مصاعب، وحيث أن ميلي إلى التصوير الفوتوغرافـي صار حاسماً، فقد أوصى بي عمي لدى صديق كان صحفـياً فـي المدينة ويشغل وظيفة مهمة فـي وكالة أنباء فـي مدريد، حيث بدأت العمل. وهكذا أُزيحت جانباً بالكامل هواجس فتوتي فـي ممارسة الأدب، ووجدت أصدقاء جدداً وحياة مختلفة جداً عن حياتي فـي مقاطعتي الهادئة. ومع مرور الزمن، امحت من ذاكرتي شخصيات تلك الأحداث كلها، واستعدتُ الثقة بالواقع بقوة، حين أدركت أن الحماقات غير المعقولة التي كانت أحاطت بي لم تكن، على الرغم من كل شيء، سوى نماذج من إرثه المتنوع. لقد كنت أنتمي إلى الواقع دون أدنى ريب، بل إن أحلامي نفسها كانت خاضعة لسطوته. وهكذا نسيتُ المجنون مارثان، وبالاث الطريف، وسوسانا الغامضة. وكانت صورة نونيا وحدها التي تتحرك أحياناً فـي قلبي، فكانت تصيبني، فـي الفترة الأولى، بقشعريرة مرارة. لكن صورة نونيا انطفأت أيضاً مع مرور السنوات. ولا بد لك إذاً من أن تتفهم دهشتي حيال وجهي ذينك الرجلين. وبينما أنا أجلس على الصوفا مباعداً بين ساقي، ودون أن أخلع السترة أو أرفع عن كتفـي آلة التصوير والحقيبة، كنت أتأمل الأسماك الصغيرة التي تتحرك وسط بريق الحوض العنبري، حول عمود الفقاعات الصغير، كأنها انعكاس لأفكاري وهي تدور مرة بعد أخرى، بخفقات ضئيلة، حول النقطة نفسها. كان تصاعد الفقاعات الصغيرة التي تنتظم فـي سبحةٍ متواصلة راقصة، وتوالي نقر تلك الآلة الكاتبة المتعالي فـي الفناء، كما هي العادة كل مساء، يشكلان لحناً دقيقاً، يقترن بمرافقة ضجة الشارع البعيدة ليجاري تأملاتي. وكانت عطالة جسدي تشجع أكثر فأكثر الهجمات المخاتلة لأفكار متمردة. من جديد، ذلك المسار الذي أبقاني على وعي بالواقع، يهدد بفقدان ثباته وبالتلاشي متلوياً بين ظلال عبثية. تذكرت على نحو حيٍّ أحجيات مارثان، وكانت تكشيرات وجهه فـي الأيام الأخيرة تنبعث فـي ذهني كأقنعة كرنفال سرّي. ويعود إليّ شبح الكتابين المستحيلين المكتوبين بأكوام لا على التعيين من مفاهيم تُجمع إلى بعضها دون أي نظام. وبدا لي مرة أخرى أنني أسمعه بينما هو يعرض، بصوت أجش، مخطوطتيّ ذلك المؤلف الذي هو من اختلاقه والذي جاءني ذات يوم، مع ذلك، بلحمه وعظمه. أو بينما هو يهمس بأنه ربما لا وجود للقطار الذي سيعيدني إلى مكاني، ولا للمدينة، ولا للشارع نفسه الذي يمتد أمام البيت. كنت أرى جسد كليهما، الأول معلقاً على حدائد درابزين السلّم التي يعلوها مسند للأيدي قاتم ولامع، والآخر مطروحاً بين أزهار الجيرانيوم، وكاشفاً عن قدميه المغطاتين بجوربين سميكين لهما ألوان زاهية، كأنهما يدحضان حالة الموت المشؤومة تلك. عدت إلى البيت مباشرة، حتى دون المرور بالوكالة، وتهاويت كيفما اتفق، ورحت أنتظر مجيء نونيا بلهفة مخيفة. كان الوقت ينمو أيضاً مثل فقاعة أخرى ضخمة آخذة بالانتفاخ فـي الغرفة وسحقي فـي تضخمها البطيء إلى حدّ منع الهواء عني. وتوصل رنين جرس الباب أخيراً إلى إخراجي من ذلك الضنك الثقيل. لقد جاءت نونيا. كان الوقت قد تجاوز العاشرة كثيراً. تصور امرأة ممشوقة القوام، معطرة. ترتدي ثوباً قاتماً يناسبها تماماً. وهي تدخن الآن، وقد وافقت بتلقائية على تناول كأس خمر، لكني اكتشفتُ على الفور أن فـي حركاتها ملامح تيبس، وشيئاً من العصبية فـي يديها، ومن القلق فـي نظرتها. محوت كل ذلك من إدراكي، لأنني أردتُ استعادة زمن متماسك كانت فـيه الأشياء أكثر صراحة، وأحادية معنى، ونزاهة. فهي من كانت بوابة فتوتي، وكانت تتيح لي فـي الوقت نفسه أن أطل على طفولتي. وبدا لي واضحاً أنها الوجهة الوحيدة التي يمكن لها أن تقودني إلى ما هو أبعد من بار كاستريّو، ومن ذلك المساء الذي قُدمت لي فـيه مقالات بالاث، ومن صباح اليوم الذي رأيت فـيه امرأة تلبس بطريقة غريبة وتدفع بغلة لتُخرج عربة رمادية من الوحل. وأنها هي الدليل الوحيد للعثور على الدروب والممرات الالتفافـية وسط أكوام غير متناسقة تتراكم أمام مداخل أنفاق ذاكرتي وخرائبها المهجورة. أطلقت هي زفرة. كانت تتأملني ببساطة لقائنا ذاتها، وكأنه لم يمض زمن طويل لم نلتق فـيه، وكما لو أنها ستخبرني، دون أية مقدمات، بحدث مدرسي جرى فـي اليوم السابق.
    ــ الطقس بارد ــ قالت.
    أغلقتُ نافذة الفناء، فأصاب البكم فجأة التكتكة الثابتة والمتواصلة لطابع الآلة الكاتبة المجهول.
    ــ ما أخباركِ ــ قلت بعد ذلك ــ ماذا تفعلين؟
    ــ مازلت هناك ــ أجابت.
    وبدا لي أنه من ظرف المكان ذاك، ينبثق استحضار كامل للمدينة: وقد رأيتها كلها، بدءاً من الأسوار حتى أشجار حور النهر، ومن حجارة الكاتدرائية البيضاء حتى سقوف محطة القطار المسودة. ورأيتها مرة أخرى بين النهرين، ثابتة فـي مواجهة الجبال التي تحدد الأفق الشرقي، ورأيتها فـي الوقت نفسه من الزوايا الأخرى، وسط ديكور جبال زرقاء وسهول متموّجة حمراء التربة، مثل حيوان هرّيّ هائل يربض ساكناً. تنهّدت وحركت أصابع يديها بعذوبة.
    ــ فـي المعهد الموسيقي.
    ورأيت نفسي مرة أخرى تحت أشجار كستناء بلاد الهند، فـي حديقة سان فرانسيسكو، بينما الظلام آخذ بإرخاء سدوله؛ وتحولت فقاعات حوض السمك إلى غرغرة النافورة، حيث يظل العجوز نبتون، سنة بعد سنة، ممسكاً رمحه ثلاثي الحراب. كنت أنتظر نونيا تمر تلك الأمسيات كلها، آنية ودقيقة، فـي ذاكرتي، منذ الدقائق السابقة لوصولها، حيث كنت أدخن سيجارة، حتى اللحظات الأخيرة من موعدنا. وقد استقر فـي تلك الذكريات، بفعل تبلور غامض، ترسب دقيق ولامع، ذو ملمس ناعم: فـيه كان جوهرنا نحن الاثنين مختلطاً بجوهر المدينة نفسها، مشكلين عنصراً وحيداً مع الشوارع الممتلئة بآثار أناس مثلنا، عبروا منذ مئات السنين تلك الأمكنة وتحركوا فـيها. وكانت عيناها أيضاً تبدوان أكثر قتامة. أدارت بصرها، نهضت واقتربت من حوض الأسماك. ربما كانت حركة الأسماك الصغيرة، وسلسلة فقاعات الهواء فـي انعكاس الماء البلوري، قد استثار فـيها الصورة الرمزية للأفكار المشوشة. وفجأة، نظرت إليّ بملامح غريبة الجدية، كأنها ستخبرني بشيء بالغ الأهمية، ولكنها لم تقل فـي النهاية سوى:
    ــ جئت فـي طلب كتاب.
    كان ضوء المصباح يحدد بوضوح نضج وجهها، وعلمت أنني لن أسترد أبداً الزمن المتماسك الذي كنا فـيه فتيين، يمسك أحدنا بيدي الآخر فـي عتمة سينما «ماري»، والعالم يحيط بنا مثل بناء مجهول وغير مرئي، لكنه مؤكد وفريد. ولن نغرق أبداً مرة أخرى فـي الخفقات نفسها وخدانا متلاصقان، بينما تتوالى أمامنا أشباح الفـيلم بالأسود والأبيض مثل منظر يُلمح فـي طيران دواري. وعلمت أن عصبيتها تنتمي إلى لهفة لا مكان ولا دور لي فـيها.
    ــ إنني قلقة جداً.
    كنت على وشك أن أروي لها القصة القديمة التي تنتهي بظهور تلك الأشباح الحديثة جداً، وكأنه يمكن لاعترافـي، وأنا أعرف أنها سمعتها من قبل، أن يحررني. لكني كبحت نفسي حين سمعتها. ابتعدت نونيا عن الحوض، واقتربت مرة أخرى من الصوفا، وبينما هي تجلس بجانبي، تكلمت بشيء من الحدّة:
    ــ لم أجد ما أبحث عنه. أحسست هذا المساء بقلق كبير، وكنت أتمشى. وقد مررت عرضاً من هنا.
    كنتُ أنظر إلى انحناءة خديها الناعمة، إلى فكها العريض قليلاً، والذي يُدوّر وجهها، ويحافظ بصورة غامضة، فـي تلك الملامح الناضجة بحسم، على إشارات طفولية.
    ــ اسمعيني، يا نونيا ــ قلت عندئذ، وأمسكتُ بإحدى يديها ــ. ذاك الذي حدث كان غريباً جداً، كأنه أضغاث أحلام. لقد كنتُ أحبّك. أحبك أنت، ولكنها كانت فتاة أكبر سناً، وكانت تأخذني إلى بيتها، وما أدراني أنا. بدا ذلك كما لو أني دخلت المستقبل متجاوزاً الزمن والسنّ.
    هي لم تُبدِ أية حركة، وأبقت يدها تحت يدي، ولكن بجمود لا يمكن معه، بأي حالٍ، التفكير فـي أنها تشاطرني تقربي.
    ــ أولم تعد لرؤيتها؟ ــ سألتني.
    ــ لا، أبداً ــ أجبت ــ لم أعد لرؤيتها قط.
    آوه، أجل، الحديث عن تلك القصة الماضية كان يوقظ فـي نفسي الأمل بخلاص ما.
    ــ لقد حدث لي شيء غريب جداً معها. وبعد ذلك، عندما رحلت، ظللتُ ألتقيها فـي الأحلام طوال هذه السنوات كلها. أحسب أنني أراها فـي الواقع، لكنه يكون حلماً وحسب.
    كانت تتكلم بصوت خافت، كأنها تتجنب أن يتمكن أحد آخر من سماع كلماتها.
    ــ ألتقي بها كما فـي مصادفة. هذا هو الحلم. تتغير الأمكنة، ولكن ليس الحبكة. مرات كثيرة، مئات المرات حلمت بها على ما أظن.
    عندئذ أُجهضت نهائياً كل محاولة لاستحضار الذكرى. ولم أدرك فقط أن نونيا تلك تنتمي إلى محيط لا مكان لي فـيه، بل إنه عليّ أيضاً ألا أستحضر أبداً ذلك الماضي المزعوم الذي كنت أحسب أنني شاطرتها إياه؛ إذ ربما لا يكون ذلك الماضي قد حدث فعلاً وأن نزهاتنا وأحاديثنا فـي حديقة سان فرنثيسكو، وأن ذلك الحدس المتوافق والمألوف بأننا تنفسنا معاً أنفاس المدينة، كان مجرد أحلام مستحيلة اخترعتها أنا نفسي. تذكرتُ تأكيد مارثان بأن بالاث لم يكن سوى الرابطة لتشابكاتنا المعقدة كلها. وبدا لي أنني اكتشفت أن ذلك هو دوري بالضبط. لقد أخطأ مارثان. فأنا كنت الرابطة الحقيقية، أدنى الشخوص أهمية، من لا يفـيد إلا فـي الربط بينهم: بين بالاث وسوسانا، موفراً لقاء وهرباً لن أفهم مغزاه أبداً؛ وبين مارثان مختلق شخصية تخيليية، وبين اليقين بأن شخصيته موجودة حقاً، دون أن يتاح لي معرفة نتيجة ذلك الاكتشاف؛ وأخيراً لأربط بين نونيا وبين من يدري أي نوع من الأحداث الغامضة.
    ــ حلمت بها على الدوام فـي أمكنة مختلفة جداً. وبلغ بي الأمر الشك بأن هناك أماكن وبلداناً زرتها كي أحلم فـي ما بعد بأني التقيتُ بها فـيها. أما اليوم بالذات، فبدا لي أنني أراها هنا، بين الناس، وحقيقية.
    تمكنتُ من السيطرة على تشوشي، مدركاً أنه لا ينبغي لي أن أنتظر إيضاحات ولا رسائل خاصة، وتكلمتُ دون تردد. أؤكد لكَ أن إدراكي بأن مصيري هو فـي ذلك النشاط الثانوي، الاتصالي المحض، وتقبله غمراني بموجة من الطمأنينة.
    ــ إنها تعيش هنا ــ قلت ــ لقد رأيتُها بعد بضعة شوارع نزولاً، بينما كنت أتأهب لاجتياز المعبر. إنها مثلما كانت آنذاك.
    سحبت يدها مفلتة نفسها مني، وبحثت عن سيجارة وأشعلتها بحركات متعثرة وبطيئة. سحبت الدخان بشراهة ثم أطلقته فـي نفثة قوية. كانت تتكلم وفمها مازال ممتلئاً بالدخان، ناظرة إليّ بعينين مفتوحتين على اتساعهما.
    ــ ورأيته هو أيضاً، بوضوح تام. كما لو أنني كنت أحلم به، ولكن تصور. بعد ذلك، لم أجدهما قط. أشعر بأني قلقة جداً.
    ظللنا صامتين. لا شك فـي أن الماضي قد اختفى دون رجعة، هذا إن كان قد وُجد ذات مرة. وكانت تلك نوني

    rema

    عدد المساهمات : 14
    نقاط : 14
    السٌّمعَة : 5
    تاريخ التسجيل : 14/12/2009

    رد: الضفة المظلمة 7

    مُساهمة  rema في الأحد يناير 03, 2010 3:34 pm

    ششششششششششششششششششششششششششششششششششششششششششششششششششششششششششششششششششششششششششششششششششششششششكرا

      الوقت/التاريخ الآن هو الثلاثاء مارس 28, 2017 12:24 am