منتدي جمال عزوز

أهلا بكم في المنتدى
منتدي جمال عزوز

منتدي الادب والفنون والكتابات النثرية والقصة القصيرة

المواضيع الأخيرة

» من كتاب الشخصية6
الإثنين ديسمبر 09, 2013 5:48 pm من طرف Admin

» من كتاب الشخصية5
الإثنين ديسمبر 09, 2013 5:46 pm من طرف Admin

» من كتاب الشخصية4
الإثنين ديسمبر 09, 2013 5:45 pm من طرف Admin

» من كتاب الشخصية3
الإثنين ديسمبر 09, 2013 5:44 pm من طرف Admin

» من كتاب الشخصية2
الإثنين ديسمبر 09, 2013 5:42 pm من طرف Admin

» من كتاب الشخصية
الإثنين ديسمبر 09, 2013 5:41 pm من طرف Admin

» نموذج من بناء الشخصية
الإثنين ديسمبر 09, 2013 5:39 pm من طرف Admin

» كيف تنشأ الرواية أو المسرحية؟
الإثنين ديسمبر 09, 2013 5:38 pm من طرف Admin

» رواية جديدة
الإثنين ديسمبر 09, 2013 5:26 pm من طرف Admin

التبادل الاعلاني

احداث منتدى مجاني

أكتوبر 2017

الإثنينالثلاثاءالأربعاءالخميسالجمعةالسبتالأحد
      1
2345678
9101112131415
16171819202122
23242526272829
3031     

اليومية اليومية

تصويت

تدفق ال RSS


Yahoo! 
MSN 
AOL 
Netvibes 
Bloglines 

احصائيات

أعضاؤنا قدموا 254 مساهمة في هذا المنتدى في 142 موضوع

هذا المنتدى يتوفر على 35 عُضو.

آخر عُضو مُسجل هو sansharw فمرحباً به.

سحابة الكلمات الدلالية


    الاغاني للاصفهاني47

    شاطر

    Admin
    Admin

    عدد المساهمات : 150
    نقاط : 444
    السٌّمعَة : 0
    تاريخ التسجيل : 30/10/2009
    العمر : 43

    الاغاني للاصفهاني47

    مُساهمة  Admin في الأحد يناير 03, 2010 3:50 pm

    كانت عاتكة بنت شهدة أحسن خلق الله غناء وأرواهم، وماتت بالبصرة. وأمها شهدة نائحة من أهل مكة. وكان ابن جامع يلوذ منها بكثرة الترجيع.
    فكان إذا أخذ يتزايد في غنائه قالت له: إلى أين يا أبا القاسم ما هذا الترجيع الذي لا معنى له عد بنا إلى معظم الغناء ودع من جنونك. فأضجرته يوما بين يدي الرشيد فقال لها: إني أشتهي، علم الله، أن تحتك شعرتي بشعرتك. فقالت: اخسأ، قطع الله ظهرك ولم تعد لأذاه بعدها.
    أخبرني حبيب بن نصر المهلبي قال حدثنا الزبير بن بكار قال: قال لي علي بن جعفر بن محمد: دخلت على جواري المرواني المغنيات بمكة، وعاتكة بنت شهدة تطارحهن لحنها:
    يا صاحبي دعا الملامة واعلما أن الهوى يدع الكرام عبـيدا فجعلت واحدة منهن تقول: يدع الرجال عبيدا. فصاحت بها عاتكة بنت شهدة: ويلك بندار الزيات العاض بظر أمه رجل أفمن الكرام هو. قال: فكنت إذا مر بي بندار أو رأيته غلبني الضحك فأستحيى منه وآخذ بيده وأجعل ذلك بشاشة؛ حتى أورث هذا بيني وبينه مقاربة؛ فكان يقول: أبو الحسن علي بن جعفر صديق لي.
    وكان مخارق مملوكا لعاتكة، وهي علمته الغناء ووضعت يده على العود، ثم باعته؛ فانتقل من ملك رجل إلى ملك آخر حتى صار إلى الرشيد. وقد ذكر ذلك في أخباره.

    ولو أن ما عند ابن بجرة عندها من الخمر لم تبلل لهاتي بناطل
    لعمري لأنت البيت أكرم أهله وأقعد في أفيائه بـالأصـائل عروضه من الطويل. الشعر لأبي ذؤيب الهذلي. والغناء لحكم الوادي، ولحنه المختار من الثقيل الأول بالبنصر في مجراها.
    ابن بجرة هذا، فيما ذكره الأصمعي، رجل كان يبيع الخمر بالطائف، وزعم أن الناطل كوز تكال به الخمر. وقال ابن الأعرابي: ليس هذا بشيء، وزعم أن الناطل: الشيء؛ يقال: ما في الإناء ناطل، أي شيء. وقال أبو عمرو الشيباني: سمعت الأعراب يقولون: الناطل: الجرعة من الماء واللبن والنبيذ. انتهى.

    ذكر أبي ذؤيب وخبره ونسبه
    هو خويلد بن خالد بن محرث بن زبيد بن مخزوم بن صاهلة بن كاهل بن الحارث بن تميم بن سعد بن هذيل بن مدركة بن الياس بن مضر بن نزار. وهو أحد المخضرمين ممن أدرك الجاهلية والإسلام، وأسلم فحسن إسلامه. ومات في غزاة إفريقية.
    أخبرني أبو خليفة قال حدثنا محمد بن سلام قال: كان أبو ذؤيب شاعرا فحلا لا غميزة فيه ولا وهن.
    وقال ابن سلام: قال أبو عمرو بن العلاء: سئل حسان بن ثابت: من أشعر الناس? قال: أحيا أم رجلا? قالوا: حيا؛ قال: أشعر الناس حيا هذيل، وأشعر هذيل غير مدافع أبو ذؤيب.
    قال ابن سلام: ليس هذا من قول أبي عمرو ونحن نقوله.
    أخبرني أبو خليفة قال حدثنا محمد بن سلام قال أخبرني محمد بن معاذ العمري قال: في التوراة: أبو ذؤيب مؤلف زورا، وكان اسم الشاعر بالسريانية مؤلف زورا. فأخبرت بذلك بعض أصحاب العربية، وهو كثير بن إسحاق، فعجب منه وقال: قد بلغني ذاك. وكان فصيحا كثير الغريب متمكنا في الشعر.
    قال أبو زيد عمر بن شبة: تقدم أبو ذؤيب جميع شعراء هذيل بقصيدته العينية التي يرثي فيها بنيه. يعني قوله:
    أمن المنون وريبه تـتـوجـع والدهر ليس بمعتب من يخزع وهذه يقولها في بنين له خمسة أصيبوا في عام واحد بالطاعون ورثاهم فيها.
    وسنذكر جميع ما يغنى فيه منها على أثر أخباره هذه.
    أخبرني الحسين بن يحيى عن حماد بن إسحاق عن أبيه عن مصعب الزبيري، وأخبرني حرمي بن أبي العلاء قال حدثنا الزبير بن بكار قال حدثني عمي قال: كان أبو ذؤيب الهذلي خرج في جند عبد الله بن سعد بن أبي سرح أحد بني عامر بن لؤي إلى إفريقية سنة ست وعشرين غازيا إفرنجة في زمن عثمان.
    فلما فتح عبد الله بن سعد إفريقية وما والاها بعث عبد الله بن الزبير - وكان في جنده- بشيرا إلى عثمان بن عفان، وبعث معه نفرا فيهم أبو ذؤيب.
    ففي عبد الله يقول أبو ذؤيب:
    فصاحب صدق كسيد الـضـرا ء ينهض في الغزو نهضا نجيحا في قصيدة له.


    صفحة : 681

    فلما قدموا مصر مات أبو ذؤب بها. وقدم ابن الزبير على عثمان، وهو يومئذ، في قول ابن الزبير، ابن ست وعشرين سنة؛ وفي قول الواقدي ابن أربع وعشرين سنة. وبشر عبد الله عند مقدمه بخبيب بن عبد الله بن الزبير وبأخيه عروة. بن الزبير، وكانا ولدا في ذلك العام، وخبيب أكبرهما. قال مصعب: فسمعت أبي والزبير بن خبيب بن ثابت بن عبد الله بن الزبير يقولان: قال عبد الله بن الزبير: أحاط بنا جرجير صاحب إفريقية وهو ملك إفرنجة في عشرين ألفا ومائة ألف ونحن في عشرين ألفا؛ فضاق بالمسلمين أمرهم واختلفوا في الرأي، فدخل عبد الله بن سعد فسطاطه يخلو يفكر. قال عبد الله بن الزبير: فرأيت عورة من جرجير والناس على مصافهم، رأيته على برذون أشهب خفف أصحابه منقطعا منهم، معه جاريتان له تظلانه من الشمس بريش الطواويس. فجئت فسطاط عبد الله فطلبت الإذن عليه من حاجبه؛ فقال: إنه في شأنكم وإنه قد أمرني أن امسك الناس عنه. قال: فدرت فأتيت مؤخر فسطاطه فرفعته ودخلت عليه، فإذا هو مستلق على فراشه؛ ففزع وقال: ما الذي أدخلك علي يا بن الزبير? فقلت: إيه وإيه كل أزب نفور إني رأيت عورة من عدونا فرجوت الفرصة فيه وخشيث فواتها، فاخرج فاندب الناس إلي. قال: وما هي? فأخبرته؛ فقال: عور لعمري ثم خرج فرأى ما رأيت؛ فقال: أيها الناس، انتدبوا مع ابن الزبير إلى عدوكم. فاخترت ثلاثين فارسا، وقلت: إني حامل اضربوا عن ظهري فإني سأكفيكم من ألقى إن شاء الله تعالى.
    فحملت في الوجه الذي هو فيه وحملوا فذبوا عني حتى خرقتهم إلى أرض خالية، وتبينته فصمدت صمده؛ فوالله ما حسب إلا أني رسول ولا ظن أكثر أصحابه إلا ذاك، حتى رأى ما بي من أثر السلاح، فثنى بزذونه هاربا، فأدركته فطعنته فسقط، ورميت بنفسي عليه، واتقت جاريتاه عنه السيف فقطعت يد إحداهما. وأجهزت عليه ثم رفعت رأسه في رمحي، وجال أصحابه وحمل المسلمون في ناحيتي وكبروا فقتلوهم كيف شاءوا، وكانت الهزيمة.
    فقال لي عبد الله بن سعد: ما أحد أحق بالبشارة منك، فبعثني إلى عثمان. وقدم مروان بعدي على عثمان حين اطمأنوا وباعوا المغنم وقسموه.
    وكان مروان قد صفق على الخمس بخمسمائة ألف، فوضعها عنه عثمان، فكان ذلك مما تكلم فيه بسببه.
    فقال عبد الرحمن بن حنبل بن مليل - وكان هو وأخوه كلدة أخوي صفوان بن أمية بن خلف لأمه، وهي صفية بنت معمر بن حبيب بن وهب بن حذافة بن جمح، وكان أبوهما ممن سقط من اليمن إلى مكة-:
    أحلف بالله جهـد الـيمـي ن ما ترك الله أمرا سـدى
    ولكن خلقت لـنـا فـتـنة لكي نبتلى فيك أو تبتـلـى
    دعوت الطريد فـأدنـيتـه خلافا لسنة من قد مضـى
    وأعطيت مروان خمس العبا د ظلما لهم وحميت الحمى
    وما لا أتاك به الأشـعـري من الفيء أعطيته من دنـا
    وأن الأمينـين قـد بـينـا منار الطريق عليه الهـدى
    فما أخذا درهـمـا غـيلة ول اقسما درهما في هوى قال: والمال الذي ذكر أن الأشعري جاء به ما كان أبو موسى قدم به على عثمان من العراق، فأعطى عبد الله بن أسيد بن أبي العيص منه مائة ألف درهم، وقيل: ثلثمائة ألف درهم؛ فأنكر الناس ذلك.
    أخبرني أحمد بن عبيد الله قال حدثنا عمر بن شبة عن محمد بن يحيى عن عبد العزيز- أظنه ابن الدراوردي - قال: ابن بجرة الذي ذكره أبو ذؤيب رجل من بني عبيد بن عويج بن عدي بن كعب من قريش، ولم يسكنوا مكة ولا المدينة قط، وبالمدينة منهم وامرأة، ولهم موال أشهر منهم، يقال لهم بنو سجفان.
    وكان ابن بجرة هذا خمارا. وهذا الصوت الذي ذكرناه من لحن حكم الوادي المختار من قصيدة لأبي ذؤيب طويلة. فمما يغنى فيه: منها:
    أساءلت رسم الدار أم لم تسـائل عن الحي أم عن عهده بالأوائل
    عفا غير رسم الدار ما إن تبينـه وعفر ظباء قد ثوت في المنازل
    فلو أن ما عند ابن بجرة عندهـا من الخمر لم تبلل لهاتي بناطل
    فتلك التي لا يذهب الدهر حبهـا ولا ذكرها ما أرزمت أم حائل غناه الغريض ثقيلا أول بالوسطى. ويقال: إن لمعبد فيه أيضا لحنا.


    صفحة : 682

    قوله: أساءلت يخاطب نفسه. ويروى: عن السكن أو عن أهله. والسكن. الذي كانوا فيه. وقال الأصمعي: السكن: سكن الدار. والسكن: المنزل أيضا. ويروى: عفا غير نؤى الدار. والنؤى: حاجز يجعل حول بيوت الأعراب لئلا يصل المطر إليها. ويروى - وهو الصحيح-:
    وأقطاع طفي قد عفت في المعاقل والطفي: خوص المقل. والمعاقل: حيث نزلوا فامتنعوا، واحدها معقل. وواحد الطفي: طفية. وأرزمت: حنت. والحائل: الأنثى. والسقب: الذكر.
    ومنها:
    وإن حديثا منك لو تـبـذلـينـه جنى النحل في ألبان عوذ مطافل
    مطافل أبكار حديث نتـاجـهـا تشاب بماء مثل ماء المفاصـل غناه ابن سريج رملا بالوسطى. جنى النحل: العسل. والعوذ: جمع عائذ، الناقة حين تضع فهي عائذ، فإذا تبعها ولدها قيل لها مطفل.
    والمفاصل: منفصل السهل من الجبل حيث يكون الرضراض ، والماء الذي يستنقع فيها أطيب المياه. وتشاب: تخلط.
    وأخبرني محمد بن العباس اليزيدي قال حدثنا الرياشي قال حدثنا الأصمعي: أن أبا ذؤيب إنما عنى بقوله: مطافل أبكار أن لبن الأبكار أطيب الألبان، وهو لبنها لأول بطن وضعت. قال: وكذلك العسل فإن أطيبه ما كاد من بكر النحل. قال: وحدثني كردين قال: كتب الحجاج إلى عامله على فارس: ابعث إلي بعسل من عسل خلار ، من النحل الأبكار، من الدستفشار، الذي لم تمسه النار.
    فأما قصيدته العينية التي فضل بها، فمما يغنى به منها:
    أمن المنون وريبها تتـوجـع والدهر ليس بمعتب من يجزع
    قالت أمامة ما لجسمك شاحبـا منذ ابتذلت ومثل مالك ينفـع
    أم ما لجنبك لا يلائم مضجعـا إلا أقض عليك ذاك المضجع
    فأجبتها أن ما لجسـمـي أنـه أودى بني من البلاد فودعـوا عروضه من الكامل. غناه ابن محرز ولحنه من القدر الأوسط من الثقيل الأول بالبنصر في مجراها.
    قال الأصمعي: سميت المنون منونا لأنها تذهب بمنة كل شيء وهي قوته.
    وروى الأصمعي: وريبه فذكر المنون. والشاحب: المغير المهزول. يقال: شحب يشحب. ابتذلت: امتهنت نفسك وكرهت الدعة والزينة ولزمت العمل والسفر ومثل مالك يغنيك عن هذا، فاشتر لنفسك من يكفيك ذلك ويقوم لك به. ويلائم: يوافق. أقض عليك أي خشن فلم تستطع أن تضطجع عليه. والقضض: الرمل والحصى. قال الراجز:
    إن أحيحا مات من غير مـرض ووجد في مرمضه حيث ارتمض
    عساقل وجبأ فيهـا قـضـض وودعوا: ذهبوا. استعمل ذلك في الذهاب لأن من عادة المفارق أن يودع.
    أخبرني أحمد بن عبيد الله بن عمار قال حدثني أحمد بن عمر النحوي قال حدثني أبي عن الهيثم بن عدي عن ابن عياش قال: لما مات جعفر بن المنصور الأكبر مشى المنصور في جنازته من المدينة إلى مقابر قريش، ومشى الناس أجمعون معه حتى دفنه، ثم انصرف إلى قصره. ثم أقبل على الربيع فقال: يا ربيع، انظر من في أهلي ينشدني:
    أمن المنون وريبها تتوجع حتى أتسلى بها عن مصيبتي. قال الربيع: فخرجت إلى بني هاشم وهم بأجمعهم حضور، فسألتهم عنها، فلم يكن فيهم أحد يحفظها، فرجعت فأخبرته؛ فقال: والله لمصيبتي بأهل بيتي ألا يكون فيهم أحد يحفظ هذا لقلة رغبتهم في الأدب أعظم وأشد علي من مصيبتي بابني.
    ثم قال: انظر هل في القواد والعوام من الجند من يعرفها، فإني أحب أن أسمعها من إنسان ينشدها. فخرجت فاعترضت الناس فلم أجد أحدا ينشدها إلا شيخا كبيرا مؤدبا قد انصرف من موضع تأديبه، فسألته: هل تحفظ شيئا من الشعر? فقال: نعم، شعر أبي ذؤيب. فقلت: أنشدني. فابتدأ هذه القصيدة العينية. فقلت له: أنت بغيتي. ثم أوصلته إلى المنصور فاستنشده إياها.
    فلما قال:
    والدهر ليس بمعتب من يجزع قال: صدق والله، فأنشدني هذا البيت مائة مرة ليتردد هذا المصراع علي؛ فأنشده، ثم مر فيها. فلما انتهى إلى قوله:
    والدهر لا يبقى على حدثانه جون السراة له جدائد أربع قال: سلا أبو ذؤيب عند هذا القول. ثم أمر الشيخ بالانصراف. فاتبعته فقلت له: أأمر لك أمير المؤمنين بشيء? فأراني صرة في يده فيها مائة درهم.
    حدثنا محمد بن العباس اليزيدي قال حدثنا الرياشي قال حدثنا الأصمعي قال:

    صفحة : 683

    كان أبو ذؤيب الهذلي يهوى امرأة يقال لها أم عمرو، وكان يرسل إليها خالد بن زهير فخانه فيها، وكذلك كان أبو ذؤيب فعل برجل يقال له عويم بن مالك بن عويمر وكان رسوله إليها. فلما علم أبو ذؤيب بما فعل خالد صرمها. فأرسلت تترضاه، فلم يفعل، وقال فيها:
    تريدين كيما تجمعـينـي وخـالـدا وهل يجمع السيفان ويحك في غمد
    أخالد ما راعـيت مـنـي قـرابة فتحفظني بالغيب أو بعض ما تبدي
    دعاك إليها مقلتـاهـا وجـيدهـا فملت كما مال المحب على عمـد
    وكنت كرقراق السـراب إذا بـدا لقوم وقد بات المطي بهم يخـدي
    فآليت لا أنفـك أحـدو قـصـيدة تكون وإياها بها مـثـلا بـعـدي غناه ابن سريج خفيف رمل بالبنصر. الغيب: السر.
    والرقراق: الجاري. ويروى: أحذو قصيدة. فمن قال: أحذو بالذال المعجمة أراد أصنع، ومن قال: أحدوا أراد أغني.
    وقال أبو ذؤيب في ذلك :
    وما حمل البختي عـام غـياره عليه الوسوق برها وشعيرهـا
    أتى قرية كانت كثيرا طعامهـا كرفغ التراب كل شيء يميرها الرفغ من التراب: الكثير اللين-.

    فقيل تحمل فوق طوقك إنـهـا مطبعة من يأتها لا يضـيرهـا
    بأعظم مما كنت حملت خـالـدا وبعض أمانات الرجال غرورها
    ولو أنني حملته البزل ما مشـت به البزل حتى تتلئب صدورهـا تتلئب: تستقيم وتنتصب وتمتد وتتتابع -:
    خليلي الذي دلى لغي خليلـتـي جهارا فكل قد أصاب عرورها يقال: عره بكذا أي أصابه به-:
    فشأنكها، إني أمـين وإنـنـي إذا ما تحالى مثلها لا أطورها تحالى: من الحلاوة. أطورها: أقربها-:
    أحاذر يوما أن تبين قرينتـي ويسلمها أحرازها ونصيرها الأحراز: الحصون. قرينتي: نفسي-:
    وما أنفس الـفـتـيان إلا قـرائن تبين ويبقى هـامـهـا وقـبـور
    فنفسك فاحفظها ولا تفش للـعـدا من السر ما يطوى عليه ضميرها
    وما يحفظ المكتوم من سر أهلـه إذا عقد الأسرار ضاع كبـيرهـا
    من القوم إلا ذو عفـاف يعـينـه على ذاك منه صدق نفس وخيرها
    رعى خالد سري ليالي نـفـسـه توالى على قصد السبيل أمورهـا
    فلما ترامـاه الـشـبـاب وغـيه وفي النفس منه فتنة وفجورهـا
    لوى رأسه عـنـي ومـال بـوده أغانيج خود كان فينـا يزورهـا
    تعلقـه مـنـهـا دلال ومـقـلة تظل لأصحاب الشقاء تـديرهـا
    فإن حـرامـا أن أخـون أمـانة وآمن نفسا ليس عندي ضميرهـا فأجابه خالد بن زهير:
    لا يبعدن الله لبـك إذ غـزا وسافر والأحلام جم عثورها غزا وسافر لبك: ذهب عنك. والعثور: من العثار وهو الخطأ-:
    وكنت إماما للعشيرة تنتـهـي إليك إذا ضاقت بأمر صدورها
    لعلك إما أم عمرو تـبـدلـت سواك خليلا شاتمي تستخيرها الاستخارة: الاستعطاف-:
    فإن التي فينا زعمت ومثلها لفيك ولكني أراك تجورها تجورها. تعرض عنها-:
    ألم تنتقذها من عويم بن مالـك وأنت صفي نفسه وسجيرهـا
    فلا تجزعن من سنة أنت سرتها فأول راض سنة من يسيرهـا ويروى قد أسرتها، أي جعلتها سائرة. ومن رواه هكذا روى يسيرها لأن مستقبل أفعل أسارها يسيرها. ويسيرها مستقبل سار السيرة يسيرها-.

    فإن كنت تشكو من خليل مخانة فتلك الجوازي عقبها ونصورها عقبها: يريد عاقبتها. ونصورها أي تنصر عليك، الواحد نصر -.

    وإن كنت تبغي للظلامة مركـبـا ذلولا فإني ليس عندي بعـيرهـا
    نشأت عسيرا لا تلين عـريكـتـي ولم يغل يوما فوق ظهري كورها
    متى ما تشأ أحملك والرأس مـائل على صعبة حرف وشيك طمورها
    فلا تك كالثور الذي دفـنـت لـه حديدة حتف ثم أمسـى يثـيرهـا
    يطيل ثواء عـنـدهـا لـيردهـا وهيهات منه دارها وقصـورهـا

    صفحة : 684


    وقاسمها بالله جهـدا لأنـتـم ألذ من السلوى إذا ما نشورها نشورها: نجتنيها. السلوى هاهنا: العسل-.

    فلم يغن عنه خدعه يوم أزمعت صريمتها والنفس مر ضميرها
    ولم يلف جلدا حازما ذا عزيمة وذا قوة ينفي بها من يزورها
    فأقصر ولم تأخذك مني سحابة ينفر شاء المقلعين خـريرهـا المقلعين: الذين أصابهم القلع وهو السحاب-.

    ولا تسبقن الناس مني بخمـطة من السم مذرور عليها ذرورها أخبرني محمد بن الحسن بن دريد قال حدثنا السكن بن سعيد قال حدثنا العباس بن هشام قال حدثني أبو عمرو عبد الله بن الحارث الهذلي من أهل المدينة قال: خرج أبو ذؤيب مع ابنه وابن أخ له يقال له أبو عبيد، حتى قدموا على عمر بن الخطاب رضي الله عنه. فقال له: أفي العمل أفضل يا أمير المؤمنين? قال: الإيمان بالله ورسوله. قال: قد فعلت، فأنه أفضل بعده? قال: الجهاد في سبيل الله. قال: ذلك كان علي وإنى لا أرجو جنة ولا أخاف نارا. ثم خرج فغزا أرض الروم مع المسلمين. فلما قفلوا أخذه الموت؛ فأراد ابنه وابن أخيه أن يتخلفا عليه جميعا فمنعهما صاحب الساقة وقال: ليتخلف عليه أحدكما وليعلم أنه مقتول. فقال لهما أبو ذؤيب. اقترعا، فطارت القرعة لأبي عبيد، فتخلف عليه ومضى ابنه مع الناس. فكان أبو عبيد يحدث قال قال لي أبو ذؤيب: يا أبا عبيد، احفر ذلك الجرف برمحك ثم اعضد من الشجر بسيفك ثم اجررني إلى هذا النهر فإنك لا تفرغ حتى أفرغ، فاغسلني وكفني ثم اجعلني في حفيري وانثل علي الجرف برمحك، وألق علي الغصون والشجر، ثم اتبع الناس فإن لهم رهجة تراها في الأفق إذا مشيت كأنها جهامة.
    قال: فما أخطأ مما قال شيئا، ولولا نعته لم أهتد لأثر الجيش. وقال وهو يجود بنفسه:
    أبا عبيد رفع الـكـتـاب واقترب الموعد والحساب
    وعند رحلي جمل نجـاب أحمر في حاركه انصباب ثم مضيت حتى لحقت الناس. فكان يقال: إن أهل الإسلام أبعدوا الأثر في بلد الروم، فما كان وراء قبر أبي ذؤيب قبر يعرف لأحد من المسلمين.

    ذكر حكم الوادي وخبره ونسبه
    هو الحكم بن ميمون مولى الوليد بن عبد الملك. وكان أبوه حلاقا يحلق رأس الوليد، فاشتراه فأعتقه. وكان حكم طويلا أحول، يكرى الجمال ينقل عليها الزيت من الشام إلى المدينة.
    ويكنى أبا يحيى. وقال مصعب بن عبد الله بن الزبير: هو حكم بن يحيى بن ميمون، وكان أصله من الفرس، وكان جمالا ينقل الزيت من وادي القرى إلى المدينة.
    وذكر حماد بن إسحاق عن أبيه أنه كان شيخا طويلا أحول أجنأ يخضب بالحناء، وكان جمالا يحمل الزيت من جدة إلى المدينة، وكان واحد دهره في الحذق، وكان ينقر بالدف ويغني مرتجلا، وعمر عمرا طويلا، غنى الوليد بن عبد الملك، وغنى الرشيد ومات في الشطر من خلافته، وذكر أنه أخذ الغناء من عمر الوادي.
    قال: وكان بوادي القرى جماعة من المغنين فيهم عمر بن زاذان- وقيل: ابن داود بن زاذان، وهو الذي كان يسميه الوليد جامع لذتي وحكم بن يحيى، وسليمان، وخليد بن عتيك - وقيل: ابن عبيد - ويعقوب الوادي. وكل هؤلاء كان يصنع فيحسن.
    أخبرني يحيى بن علي قال حدثني حماد قال قال لي أبي: أحذق من رأيت من المغنين أربعة: جدك وحكم وفليح بن العوراء وسياط. قلت: وما بلغ من حذقهم? قال، كانوا يصنعون فيحسنون، ويؤدون غناء غيرهم فيحسنون.
    قال إسحاق: وقال لي أبي: ما في هؤلاء الذين تراهم من لمغنين أطبع من حكم وابن جامع، وفليح أدرى منهما بما يخرج من رأسه.
    وذكر هارون بن محمد بن عبد الملك الزيات أن أحمد بن المكي حدثه عن أبيه قال حدثني حكم الوادي، وأخبرني به محمد بن يحيى الصولي قال حدثنا الغلابي عن حماد بن إسحاق عن أحمد بن المكي عن أبيه عن حكم الوادي قال: أدخلني عمر الوادي على الوليد بن يزيد، وهو على حمار، وعليه جبة وشي ورداء وشي وخف وشي، وفي يده عقد جوهر، وفي كمه شيء لا أدري ما هو. فقال: من غناني ما أشتهي فله ما في كفي وما علي وما تحتي: فغنوه كلهم فلم يطرب؛ فقال لي: غن يا غلام، فغنيت:
    إكليلها ألـوان ووجهها فتان
    وخالها فـريد ليس له جيران

    صفحة : 685


    إذا مشت تثنت كأنها ثعبـان الشعر لمطيع بن إياس. والغناء لحكم الوادي هزج بالوسطى. وفيه لإبراهيم رمل خفيف بالوسطى - فطرب وأخرج ما كان في كمه، وإذا كيس فيه ألف دينار، فرمى به إلي مع عقد الجوهر؛ فلما دخل بعث إلي بالحمار وجميع ما كان عليه. وهذا الخبر يذكر من عدة وجوه في أخبار مطيع بن إياس.
    وفي حكم الوادي يقول رجل من قريش:
    أبو يحيى أخو الغزل المغني بصير بالثقال وبالخـفـاف
    على العيدان يحسن مايغنـي ويحسن ما يقول على الدفاف غناه حكم الوادي هزجا بالبنصر.
    قال هارون بن عبد الملك قال أبو يحيى العبادي قال حدثني أحمد البارد قال: دخلت على حكم يوما فقال لي: يا قصافي، إن رجلا من قريش قال في هذا الشعر:
    أبو يحيى أخو الغزل المغني وقد غنيت فيه، فخذ العود حتى تسمعه مني؛ فأخذت العود فضربت عليه وغنانيه، فكنت أول من أخذ من حكم الوادي هذا الصوت.
    قال أبو يحيى وقال إسحاق: سمعت حكما الوادي يغني صوتا فأعجبني، فسألته لمن هو? فقال: ولمن يكون هذا إلا لي وقال مصعب: حدثني شيخ أنه سمع حكما الوادي يغني، فقال له: أحسنت فألقى الدف وقال للرجل: قبحك الله تراني مع المغنين منذ ستين رمح سنة وتقول لي أحسنت.
    وقال لي هارون حدثني مدرك بن يزيد قال قال لي فليح: بعث إلي يحيى بن خالد وإلى حكم الوادي، وابن جامع معنا، فأتيناه. فقلت لحكم الوادي - أو قال لي - إن ابن جامع معنا، فعاوني عليه لنكسره. فلما صرنا إلى الغناء غنى حكم، فصحت وقلت: هكذا والله يكون الغناء ثم غنيت ففعل بي حكم مثل ذلك، وغنى ابن جامع فما كنا معه في شيء. فلما كان العشي أرسل إلى جاريته دنانير: إن أصحابك عندنا، فهل لك أن تخرجي إلينا? فخرجت وخرج معها وصائف لها، فأقبل عليها يقول لها من حيث يظن أنا لا نسمع: ليس في القوم أنزه نفسا من فليح، ثم أشار إلى غلام له: أن ائت كل إنسان بألفي درهم، فجاء بها. فدفع إلى ابن جامع ألفين فأخذها فطرحها في كمه، ولحكم مثل ذلك فطرحها في كمه، ودفع إلي ألفين. فقلت: لدنانير: قد بلغ مني النبيذ فاحتبسيها لي عندك، فأخذت الدراهم مني وبعثت بها إلي من الغد، وقد زادت عليها مثلها، وأرسلت إلي: قد بعثت إليك بوديعتك وبشيء أحببت أن تفرقه على أخواتي تعني جواري.
    قال هارون بن محمد قال حماد بن إسحاق قال أبي: أربعة بلغوا في أربعة أجناس من الغناء مبلغا قصر عنه غيرهم: معبد في الثقيل، وابن سريج في الرمل، وحكم في الهزج، وإبراهيم في الماخوري.
    قال هارون وحدثني أبي قال حدثني هبة الله بن إبراهيم بن المهدي عن أبيه قال: زار حكم الوادي الرشيد، فبره ووصله بثلثمائة ألف درهم، وسأله عمن يختار أن يكتب له بها إليه؛ فقال: اكتب لي بها إلى إبراهيم بن المهدي - وكان عاملا له بالشام- قال إبراهيم: فقدم علي حكم بكتاب الرشيد، فدفعت إليه ما كتب به ووصلته بمثل ما وصله، إلا أني نقصته ألفا من الثلثمائة وقلت له: لا أصلك بمثل صلة أمير المؤمنين.
    فأقام عندي ثلاثين يوما أخذت منه فيها ثلثمائة صوت، كل صوت منها أحب إلي من الثلثمائة الألف التي وهبتها له.
    وأخبرني علي بن عبد العزيز عن عبيد الله بن خرداذبه قال قال مصعب بن عبد الله: بينا حكم الوادي بالمدينة إذ سمع قوما يقولون: لو ذهبنا إلى جارية ابن شقران فإنها حسنة الغناء فمضوا إليها، وتبعهم حكم وعليه فروة، فدخلوا ودخل معهم، وصاحب المنزل يظن أنه معهم وهم يظنون أنه من قبل صاحب المنزل ولا يعرفونه. فغنت الجارية أصواتا ثم غنت صوتا ثم صوتا. فقال حكم الوادي: أحسنت والله وصاح. فقال له رب البيت: يا ماص كذا وكذا من أمه وما يدريك ما الغناء فوثب عليه يتعتعه وأراد ضربه. فقال له حكم: يا عبد الله، دخلت بسلام وأخرج كما دخلت، وقام ليخرج. فقال له رب البيت: لا أو أضربك. فقال حكم: على رسلك، أنا أعلم بالغناء منك ومنها، وقال: شدي موضع كذا وأصلحي موضع كذا، واندفع يغني. فقالت الجارية: إنه والله أبو يحيى فقال رب المنزل: جعلت فداك المعذرة إلى الله وإليك لم أعرفك فقام حكم ليخرج فأبى الرجل؛ فقال: والله لأخرجن، فسأعود إليها لكرامتها لا لكرامتك.


    صفحة : 686

    ذكر أحمد بن المكي عن أبيه: أن حكما لم يشهر بالغناء ويذهب له الصوت به حتى صار الأمر إلى بني العباس؛ فانقطع إلى محمد بن أبي العباس أمير المؤمنين وذلك في خلافة المنصور؛ فأعجب به واختاره على المغنين وأعجبته أهزاجه. وكان يقال: إنه من أهرج الناس. ويقال: إنه غنى الأهزاج في آخر عمره، وإن ابنه لامه على ذلك، وقال له: أبعد الكبر تغني غناء المخنثين فقال له: اسكت فإنك جاهل، غنيت الثقيل ستين سنة فلم أنل إلا القوت، وغنيت الأهزاج منذ سنيات فأكسبتك ما لم تر مثله قط.
    قال هارون بن محمد وقال يحيى بن خالد: ما رأينا فيمن يأتينا من المغنين أحدا أجود أداء من حكم. وليس أحد يسمع غناء ثم يغنيه بعد ذلك إلا وهو يغيره ويزيد فيه وينقص إلا حكما. فقيل لحكم ذلك فقال: إني لست أشرب، وغيري يشرب، فإذا شرب تغير غناؤه.
    أخبرني إسماعيل بن يونس قال حدثنا عمر بن شبة قال: كان خبر حكم الوادي يتناهى إلى المنصور ويبلغه ما يصله به بنو سليمان بن علي، فيعجب لذلك ويستسرفه ويقول: هل هو إلا أن حسن شعرا بصوته وطرب مستمعيه، فماذا يكون وعلام يعطونه هذه العطايا المسرفة إلى أن جلس يوما في مستشرف له، وقد كان حكم دخل إلى رجل من قواده - أراه قال: علي بن يقطين أو أبوه - وهو يراه؛ ثم خرج عشيا وقد حمله على بغلة له يعرفها المنصور، وخلع عليه ثيابا يعرفها له. فلما رآه المنصور قال: من هذا? فقيل: حكم الوادي.
    فحرك رأسه مليا ثم قال: لأن علمت أن هذا يستحق ما يعطاه. قيل: وكيف ذلك يا أمير المؤمنين وأنت تنكر ما يبلغك منه? قال: لأن فلانا لا يعطي شيئا من ماله باطلا ولا يضعه إلا في حقه.
    أخبرني الحسن بن علي قال حدثنا ابن أبي سعد قال حدثنا قعنب بن المحرز الباهلي عن الأصمعي قال: رأيت حكما الوادي حين مضى المهدي إلى بيت المقدس، وقد عارضه في الطريق وأخرج دفه ونقر فيه وله شعيرات على رأسه وقال: أنا والله يا أمير المؤمنين القائل:
    ومتى تخرج العرو س فقد طال حبسها فتسرع إليه الحرس؛ فقال: دعوه، وسأل عنه فاخبر أنه حكم الوادي؛ فوصله وأحسن إليه.
    لحن حكم في هذا الشعر المذكور هزج بالبنصر. وفيه ألحان لغيره، وقد ذكرت في أخبار الوليد بن يزيد.
    أخبرني الحسن قال حدثنا ابن مهرويه قال حدثنا علي بن محمد النوفلي عن صالح الأضجم عن حكم الوادي قال: كان الهادي يشتهي من الغناء ما توسط وقل ترجيعه ولم يبلغ أن يستخف جدا؛ فأخرج ليلة ثلاث بدر وقال: من أطربني فهي له. فغناه ابن جامع وإبراهيم الموصلي والزبير بن دحمان فلم يصنعوا شيئا، وعرفت ما أراد فغنيته لابن سريج:
    غراء كالليلة المبـاركة ال قمراء تهدى أوائل الظلـم
    أكني بغير اسمها وقد عـل م الله خفيات كل مكتـتـم
    كأن فاها إذا تنـسـم عـن طيب مشم وحسن مبتسـم
    يسن بالضرو من براقش أو هيلان أو يانع من العتـم الشعر في هذا الغناء للنابغة الجعدي؛ والصنعة لابن سريج رمل بالبنصر فوثب عن فراشه طربا وقال: أحسنت أحسنت والله اسقوني فسقي. ووثقت بأن البدر لي، فقمت فجلست عليها. فأحسن ابن جامع المحضر وقال: أحسن والله كما قال أمير المؤمنين، وإنه لمحسن مجمل. فلما سكن أمر الفراشين بحملها معي. فقلت لابن جامع: مثلك يفعل ما فعلت في شرفك ونسبك فإن رأيت أن تشرفني بقبول إحداها فعلت. فقال: لا والله لا فعلت، والله لوددت أن الله زادك، وأسأل الله أن يهنيك ما رزقك.
    ولحقني الموصلي فقال: آخذ يا حكم من هذا? فقلت: لا والله ولا درهما واحدا لأنك لم تحسن المحضر.
    ومات حكم الوادي من قرحة أصابته في صدره. فقال الدارمي فيه قبل وفاته:
    إن أبا يحيى اشتكى عـلة أصبح منها بـين عـواد
    فقلت والقلب به مـوجـع يا رب عاف الحكم الوادي
    فرب بـيض قـادة سـادة كأنصل سلت من اغمـاد
    نادمهم في مجلـس لاهـيا فأصمت المنشد والشـادي غنى فيه حكم الوادي هزجا بالبنصر.

    أمعارف الدمن القفار توهـم ولقد مضى حول لهن مجرم
    ولقد وقفت على الديار لعلها بجواب رجع تحية تتكـلـم

    صفحة : 687


    عن علم ما فعل الخليط، فما درت أنى توجه بالخلـيط الـمـوسـم
    ولقد عهدت بها سعـاد وإنـهـا بالله جاهدة اليمـين لـتـقـسـم
    إني لأوجه من تكلـم عـنـدهـا بألية ومخـالـف مـن يزعـم
    فلها لدينا بالـذي بـذلـت لـنـا ود يطول له العنـاء ويعـظـم عروضه من الكامل. الشعر لنصيب من قصيدة يمدح بها عبد الملك بن مروان.
    والغناء لابن جامع. له فيه لحنان ذكرهما إسحاق، أحدهما ثاني ثقيل بإطلاق الوتر في مجرى الوسطى. ولإبراهيم في البيتين الأولين ثقيل أول مطلق في مجرى الوسطى.
    ولإسحاق وسياط فيهما ثقيل بالبنصر عن عمرو.

    ذكر ابن جامع وخبره ونسبه
    هو إسماعيل بن جامع بن إسماعيل بن عبد الله بن المطلب بن أبي وداعة بن ضبيرة بن سعيد، سعد بن سهم بن عمرو، بن هصيص بن كعب بن لؤي بن غالب.
    أخبرني الطوسي عن الزبير بن بكار عن عمه مصعب، وأخبرنا محمد بن جرير الطبري قال حدثنا محمد بن حميد عن سلمة عن ابن إسحاق قالا جميعا: مات ضبيرة السهمي وله مائة سنة ولم يظهر في رأسه ولا لحيته شيب. فقال بعض شعراء قريش يرثيه:
    حجاج بيت الله إن ض بيرة السهمي مـاتـا
    سبقت منيته المشـي ب وكان ميتته افتلاتا
    فتزودوا لا تهلـكـوا من دون أهلكم خفاتا قال: وأسر أبو وداعة كافرا يوم بدر ففداه ابنه المطلب، وكان المطلب رجل صدق.
    وقد روى عن النبي صلى الله عليه وسلم الحديث.
    ويكنى ابن جامع أبا القاسم. وأمه امرأة من بني سهم وتزوجت بعد أبيه رجلا من أهل اليمن.
    فذكر هارون بن محمد بن عبد الملك الزيات عن حماد عن أبيه عن بعض أصحابه عن عون حاجب معن بن زائدة قال: رأيت أم ابن جامع وابن جامع معها عند معن بن زائدة وهو ضعيف يتبعها ويطأ ذيلها وكانت من قريش، ومعن يومئذ على اليمن.
    فقالت: أصلح الأمير، إن عمي زوجني زوجا ليس بكفء ففرق بيني وبينه.
    قال: من هو? قالت: ابن ذي مناجب. قال: علي به. قال: فدخل أقبح من خلق الله وأشوهه خلقا. قال: من هذه منك? قال: امرأتي. قال: خل سبيلها، ففعل. فأطرق مغن ساعة ثم رفع رأسه فقال:
    لعمري لقد أصبحت غير محبـب ولا حسن في عينها ذا منـاجـب
    فما لمتها لما تبـينـت وجـهـه وعينا له حوصاء من تحت حاجب
    وأنفا كأنف البكر يقـطـر دائبـا على لحية عصلاء شابت وشارب
    أتيت بها مثل المهاة تسـوقـهـا فيا حسن مجلوب ويا قبح جالـب وأمر لها بمائتي دينار وقال لها: تجهزي بها إلى بلادك.
    أخبرني يحيى بن علي بن يحيى قال أخبرني حماد عن أبيه: أن الرشيد سأل ابن جامع يوما عن نسبه وقال له: أي بني الإنس ولدك يا إسماعيل? قال: لا أدري، ولكن سل ابن أخي يعني إسحاق - وكان يماظ إبراهيم الموصلي ويميل إلى ابنه إسحاق قال إسحاق: ثم التفت إلي ابن جامع فقال: أخبره يا بن أخي بنسب عمك. فقال له الرشيد: قبحك الله شيخا من قريش تجهل نسبك حتى يخبرك به غيرك وهو رجل من العجم.
    قال هارون حدثني عبد الله بن عمرو قال حدثني أبو هشام محمد بن عبد الملك المخزومي قال أخبرني محمد بن عبد الله بن أبي فروة بن أبي قراد المخزومي قال: كان ابن جامع من أحفظ خلق الله لكتاب الله وأعلمه بما يحتاج إليه، كان يخرج من منزله مع الفجر يوم الجمعة فيصلي الصبح ثم يصف قدميه حتى تطلع الشمس، ولا يصلي الناس الجمعة حتى يختم القران ثم ينصرف إلى منزله.
    قال هارون وحدثني علي بن محمد النوفلي قال حدثني صالح بن علي بن عطية وغيره من رجال أهل العسكر قالوا: قدم ابن جامع قدمة له من مكة على الرشيد، وكان ابن جامع حسن السمت كثير الصلاة قد أخذ السجود جبهته، وكان يعتم بعمامة سوداء على قلنسوة طويلة، ويلبس لباس الفقهاء، ويركب حمارا مريسيا في زي أهل الحجاز.


    صفحة : 688

    فبينا هو واقف على باب يحيى بن خالد يلتمس الإذن عليه، فوقف على ما كان يقف الناس عليه في القديم حتى يأذن لهم أو يصرفهم، أقبل أبو يوسف القاضي بأصحابه أهل القلانس؛ فلما هجم على الباب نظر إلى رجل يقف إلى جانبه ويحادثه، فوقعت عينه على ابن جامع فرأى سمته وحلاوة هيئته، فجاء فوقف إلى جانبه ثم قال له: أمتع الله بك، توسمت فيك الحجازية القرشية؛ قال: أصبت. قال: فمن أي قريش أنت? قال: من بني سهم. قال: فأي الحرمين منزلك? قال: مكة. قال: ومن لقيت من فقهائهم? قال: سل عمن شئت.
    ففاتحه الفقه والحديث فوجد عنده ما أحب فاعجب به. ونظر الناس إليهما فقالوا: هذا القاضي قد أقبل على المغني، وأبو يوسف لا يعلم أنه ابن جامع. فقال أصحابه: لو أخبرناه عنه ثم قالوا: لا، لعله لا يعود إلى مواقفته بعد اليوم، فلم نغمه. فلما كان الإذن الثاني ليحيى غدا عليه الناس وغدا عليه أبو يوسف، فنظر يطلب ابن جامع فرآه، فذهب فوقف إلى جانبه فحادثه طويلا كما فعل في المرة الأولى. فلما انصرف قال له بعض أصحابه: أيها القاضي، أتعرف هذا الذي تواقف وتحادث? قال: نعم، رجل من قريش من أهل مكة من الفقهاء. قالوا: هذا ابن جامع المغني؛ قال: إنا لله. قالوا: إن الناس قد شهروك بمواقفته وأنكروا ذلك من فعلك. فلما كان الإذن الثالث جاء أبو يوسف ونظر إليه فتنكبه، وعرف ابن جامع أنه قد أنذر به، فجاء فوقف فسلم عليه، فرد السلام عليه أبو يوسف بغير ذلك الوجه الذي كان يلقاه به ثم انحرف عنه. فدنا منه ابن جامع، وعرف الناس القصة، وكان ابن جامع جهيرا فرفع صوته ثم قال: يا أبا يوسف، ما لك تنحرف عني? أي شيء أنكرت? قالوا لك: إني ابن جامع المغني فكرهت مواقفتي لك أسألك عن مسألة ثم اصنع ما شئت؛ ومال الناس فأقبلوا نحوهما يستمعون.
    فقال: يا أبا يوسف، لو أن أعرابيا جلفا وقف بين يديك فأنشدك بجفاء وغلظة من لسانه وقال:
    يا دار مية بالعلياء فالـسـنـد أقوت وطال عليها سالف الأبد أكنت ترى بذلك بأسا? قال: لا، قد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم في الشعر قول، وروى في الحديث. فال ابن جامع: فإن قلت أنا هكذا، ثم اندفع يتغنى فيه حتى أتى عليه؛ ثم قال: يا أبا يوسف، رأيتني زدت فيه أو نقصت منه? قال: عافاك الله، أعفنا من ذلك. قال: يا أبا يوسف، أنت صاحب فتيا، ما زدته على أن حسنته بألفاظي فحسن في السماع ووصل إلى القلب.
    ثم تنحى عنه ابن جامع.
    قال: وحدثني عبد الله بن شبيب قال حدثني إبراهيم بن المنذر عن سفيان بن عيينة، ومر به ابن جامع يسحب الخز، فقال لبعض أصحابه: بلغني أن هذا القرشي أصاب مالا من بعض الخلفاء، فبأي شيء أصابه? قالوا: بالغناء. قال: فمن منكم يذكر بعض ذلك? فأنشد بعض أصحابه ما يغني فيه:
    وأصحب بالليل أهل الطواف وأرفع من مئزري المسبل قال: أحسن، هيه قال:
    وأسجد بالليل حتى الصباح وأتلو من المحكم المنزل قال: أحسن، هيه قال:
    عسى فارج الكرب عن يوسف يسخر لي ربة المـحـمـل قال: أما هذا فدعه.
    وحدثني محمد بن الحسن العتابي قال حدثني جعفر بن محمد الكاتب قال حدثني طيب بن عبد الرحمن قال: كان ابن جامع يعد صيحة الصوت قبل أن يصنع عمود اللحن.
    وحدث محمد بن الحسن قال حدثني أبو حارثة بن عبد الرحمن بن سعيد بن سلم عن أخيه أبي معاوية بن عبد الرحمن قال: قال لي ابن جامع: لولا أن القمار وحب الكلاب قد شغلاني لتركت المغنين لا يأكلون الخبز.
    أخبرني علي بن عبد العزيز عن ابن خرداذبه قال: أهدى رجل إلى ابن جامع كلبا فقال: ما اسمه? فقال: لا أدري، فدعا بدفتر فيه أسماء الكلاب فجعل يدعوه بكل اسم فيه حتى أجابه الكلب.
    قال هارون بن محمد حدثني علي بن محمد النوفلي قال حدثني محمد بن أحمد المكي قال حدثتني حولاء مولاة ابن جامع قالت: انتبه مولاي يوما من قائلته فقال: علي بهشام يعني ابنه ادعوه لي عجلوه، فجاء مسرعا. فقال: أي بني، خذ العود، فإن رجلا من الجن ألقى علي في قائلتي صوتا فأخاف أن أنساه.
    فأخذ هشام العود وتغنى ابن جامع عليه رملا لم أسمع له رملا أحسن منه، وهو:
    أمست رسوم الديار غـيرهـا هوج الرياح الزعازع العصف

    صفحة : 689


    وكل حنانة لـهـا زجـل مثل حنين الروائم الشغف فأخذه عنه هشام، فكان بعد ذلك يتغناه وينسبه إلى الجن. وفي هذا الصوت للهذلي لحن من الثقيل الثاني بالخنصر في مجرى الوسطى. وفيه للغريض ثاني ثقيل بالوسطى على مذهب إسحاق من رواية عمرو، وقيل: إن هذا اللحن لعبادل. وفيه لابن جامع الرمل المذكور.
    هارون وحدثني أحمد بن بشر بن عبد الوهاب قال حدثني محمد بن موسى بن فليح الخزاعي قال حدثنا أبو محمد عبد الله بن محمد المكي قال: قال لي ابن جامع: أخذت من هارون ببيتين غنيته بهما عشرة آلاف دينار:
    لا بد للعاشق مـن وقـفة تكون بين الوصل والصرم
    يعتب أحيانا وفي عـتـبـه إظهار ما يخفي من السقم
    إشفاقه داع إلـى ظـنـه وظنه داع إلى الـظـلـم
    حتى إذا ما مضه هجـره راجع من يهوى على رغم هكذا رويته الشعر للعباس بن الأحنف. والغناء لابن جامع ثاني ثقيل بالوسطى.
    وذكر ابن بانة أن هذا اللحن لسليم. وفيه لإبراهيم ثقيل أول بالوسطى- قال: ثم قال لي ابن جامع: فمتى تصيب أنت بالمروءة شيئا وقال هارون حدثني أحمد بن زهير قال حدثني مصعب بن عبد الله قال: خرج ابن أبي عمرو الغفاري وعبد الرحمن بن أبي قباحة وغيرهما من القرشيين عمارا يريدون مكة؛ فلما كانوا بفخ نزلوا على البئر التي هناك ليغتسلوا فيها. قال : فبينا نحن نغتسل إذ سمعنا صوت غناء، فقلنا: لو ذهبنا إلى هؤلاء فسمعنا غناءهم فأتيناهم، فإذا ابن جامع وأصحاب له يغنون وعندهم فضيخ لهم يشربون منه؛ فقالوا: تقدموا يا فتيان، فتقدم ابن أبي عمرو فجلس مع القوم وكان رأسهم، فجلسنا نشرب؛ وطرب ابن أبي قباحة فغنى. فقال ابن جامع: وابأبي وأمي ابن أبي قباحة وإلا فهو ابن الفاعلة.
    فقام ابن أبي عمرو فأخرج من وسطه هميانا فيه ثلثمائة درهم فنثرها على ابن أبي قباحة. فقال ابن جامع: امضوا بنا إلى المنزل، فمضينا فأقمنا عنده شهرا ما نبرح ونحن على إحرامنا ذلك.
    قال هارون بن محمد بن عبد الملك حدثني علي بن سليمان عن محمد بن أحمد النوفلي عن جارية ابن جامع الحولاء قال: - وكانت تتبناني - فتغنت يوما وطربت وقالت: يا بني، ألا أغنيك هزجا لسيدي في عشيقة له سوداء? قلت: بلى. فتغنت هزجا ما سمعت أحسن منه، وهو:
    أشبهك المسك وأشبهته قائمة في لونه قاعده
    لا شك إذ لونكما واحد أنكما من طينة واحده وقد روي هذا الشعر لأبي حفص الشطرنجي يقوله في دنانير مولاة البرامكه.
    ونسب هذا الهزج إلى إبراهيم وابن جامع وغيرهما.
    قال عبد الله بن عمرو حدثنا أحمد بن عمر بن إسماعيل الزهري قال حدثني محمد بن جعفر بن عمر بن علي بن أبي طالب عليه السلام - وكان يلفب الأبله - قال: قال برصوما الزامر، وذكر إبراهيم الموصلي وابن جامع، فقال: الموصلي بستان تجد فيه الحلو والحامض وطريا لم ينضج، فتأكل منه من ذا وذا. وابن جامع زق عسل، إن فتحت فمه خرج عسل حلو، وإن خرقت جنبه خرج عسل حلو، وإن فتحت يده خرج عسل حلو، كله جيد.
    أخبرنا يحيى بن على عن أبيه وحماد عن إبراهيم بن المهدي - وكان إبراهيم يفضل ابن جامع ولا يقدم عليه أحدا، وابن جامع يميل إليه - قال: كنا في مجلس الرشيد وقد غلب على ابن جامع النبيذ، فغنى صوتا فأخطأ في أقسامه؛ فالتفت إلي إبراهيم الموصلي فقال: قد خري فيه؛ وفهمت صدقه قال: فقلت لابن جامع: يا أبا القاسم، أعد الصوت وتحفظ فيه؛ فانتبه وأعاده فأصاب. فقال إبراهيم:
    أعلمه الرماية كـل يوم فلما اشتد ساعده رماني وتنكر لي لميلي مع ابن جامع عليه. فقلت للرشيد بعد أيام: إن لي حاجة إليك. قال: وما هي? قلت: تسأل إبراهيم الموصلي أن يرضى عني ويعود إلى ما كان عليه. فقال: إنما هو عبدك، وقال له: قم إليه فقبل رأسه. فقلت : لا ينفعني رضاه في الظاهر دون الباطن، فسله أن يصحح الرضا. فقام إلي ليقبل رأسي كما أمر، فقال لي وقد أكب علي ليقبل رأسي: أتعود? قلت لا. قال: قد رضيت عنك رضا صحيحا. وعاد إلى ما كان عليه.
    وقال حماد عن أبي يحيى العبادي قال: قدم حوراء غلام حماد الشعراني وكان أحد المغنين المجيدين قال حدثني بعض أصحابنا قال:

    صفحة : 690

    كنا في دار أمير المؤمنين الرشيد فصاح بالمغنين: من فيكم يعرف.

    وكعبة نجران حتم علي ك حتى تناخي بأبوابها? - الشعر للأعشى - فبدرهم إبراهيم الموصلي فقال: أنا أغنيه، وغناه فجاء بشيء عجيب. فغضب ابن جامع وقال لزلزل: دع العود، أنا من جحاش وجرة لا أحتاج إلى بيطار؛ ثم غنى الصوت؛ فصاح إليه مسرور: أحسنت يا أبا القاسم ثلاث مرات.

    وكعبة نجران حتم علي ك حتى تناخي بأبوابها
    نزور يزيد وعبد المسيح وقيسا هم خير أربابها
    وشاهدنا الجل والياسمي ن والمسمعات بقصابها
    وبربطنا دائم معـمـل فأي الثلاثة أزرى بها
    تنازعني إذ خلت بردها معطرة غير جلبابهـا
    فلما التقينا عـلـى آلة ومدت إلي بأسبابـهـا الشعر للأعشى أعشى بني قيس بن ثعلبة. وهؤلاء الذين ذكرهم أساقفة نجران، وكان يزورهم ويمدحهم، ويمدح العاقب والسيد، وهما ملكا نجران، ويقيم عندهما ما شاء، يسقونه الخمر ويسمعونه الغناء الرومي، فإذا انصرف أجزلوا صلته.
    أخبرنا بذلك محمد بن العباس اليزيدي عن عمه عبيد الله عن محمد بن حبيب عن ابن الأعرابي، وله أخبار كثيرة معهم تذكر في مواضعها إن شاء الله.
    والغناء لحنين الحيري خفيف ثقيل بالوسطى في مجراها عن إسحاق في الأربعة الأول. وذكر عمرو أنه لابن محرز. وذكر يونس أن فيها لحنا لمالك ولم يجنسه. وذكر الهشامي أن في الخامس والسادس ثم الأول والثاني خفيف رمل بالوسطى ليحيى المكي.
    وقال حماد عن مصعب بن عبد الله قال حدثني الطراز وكان بريد الفضل بن الربيع قال: لما مات المهدي وملك موسى الهادي أعطاني الفضل دنانير وقال: الحق بمكة فأتني بابن جامع واحمله في قبة ولا تعلمن بذا أحدا: ففعلت فأنزلته عندي واشتريت له جارية، وكان ابن جامع صاحب نساء. فذكره موسى ذات ليلة - وكان هو والحراني منقطعين إلى موسى أيام المهدي فضربهما المهدي وطردهما - فقال لجلسائه: أما فيكم أحد يرسل إلى ابن جامع وقد علمتم موقعه مني فقال له الفضل بن الربيع: هو والله عندي يا أمير المؤمنين وقد فعلت الذي أردت. وبعث إليه فأتي به في الليل. فوصل الفضل تلك الليلة بعشرة آلاف دينار وولاه حجابته.
    قال إسحاق عن بعض أصحابه: كنا عند أمير المؤمنين الرشيد يوما فقال الغلام الذي على الستارة: يا بن جامع، تغن ببيت السعدي :
    فلو سألت سراة الحي سلمى على أن قد تلون بي زماني
    لخبرها ذو والأحساب عني وأعدائي فكل قد بـلانـي
    بذبي الذم عن حسبي بمالي وزبونات أشوس تـيحـان
    وأني لا أزال أخا حـروب إذا لم أجن كنت مجن جاني قال: فحرك ابن جامع رأسه - وكان إذا اقترح عليه الخليفة شيئا قد أحسنه وكمله طار فرحا - فغنى به؛ فاربد وجه إبراهيم لما سمعه منه، وكذا كان ابن جامع أيضا يفعل؛ فقال له صاحب الستارة: أحسنت والله يا أميري أعد فأعاد؛ فقال: أنت في حلبة لا يلحقك أحد فيها أبدا. ثم قال صاحب الستارة لإبراهيم: تغن بهذا الشعر فتغنى؛ فلما فرغ قال: مرعى ولا كالسعدان أخطأت في موضع كذا وفي موضع كذا. فقال: نفي إبراهيم من أبيه إن كان يا أمير المؤمنين أخطأ حرفا، وقد علمت أني أغفلت في هذين الموضعين.
    قال إبراهيم: فلما انصرفنا قلت لابن جامع: والله ما أعلم أن أحدا بقي في الأرض يعرف هذا الغناء معرفة أمير المؤمنين. قال: حق والله، لهو إنسان يسمع الغناء منذ عشرين سنة مع هذا الذكاء الذي فيه.
    قال إسحاق: كان ابن جامع إذا تغنى في هذا الشعر:
    من كان يبكي لما بي من طول سقم رسيس
    فالآن من قبل موتـي لا عطر بعد عروس
    بنيتـم فـي فـؤادي أوكار طير النحوس
    قلبي فريس المـنـايا يا ويحه من فـريس

      الوقت/التاريخ الآن هو الثلاثاء أكتوبر 17, 2017 10:33 pm