منتدي جمال عزوز

أهلا بكم في المنتدى
منتدي جمال عزوز

منتدي الادب والفنون والكتابات النثرية والقصة القصيرة

المواضيع الأخيرة

» من كتاب الشخصية6
الإثنين ديسمبر 09, 2013 5:48 pm من طرف Admin

» من كتاب الشخصية5
الإثنين ديسمبر 09, 2013 5:46 pm من طرف Admin

» من كتاب الشخصية4
الإثنين ديسمبر 09, 2013 5:45 pm من طرف Admin

» من كتاب الشخصية3
الإثنين ديسمبر 09, 2013 5:44 pm من طرف Admin

» من كتاب الشخصية2
الإثنين ديسمبر 09, 2013 5:42 pm من طرف Admin

» من كتاب الشخصية
الإثنين ديسمبر 09, 2013 5:41 pm من طرف Admin

» نموذج من بناء الشخصية
الإثنين ديسمبر 09, 2013 5:39 pm من طرف Admin

» كيف تنشأ الرواية أو المسرحية؟
الإثنين ديسمبر 09, 2013 5:38 pm من طرف Admin

» رواية جديدة
الإثنين ديسمبر 09, 2013 5:26 pm من طرف Admin

التبادل الاعلاني

احداث منتدى مجاني

ديسمبر 2017

الإثنينالثلاثاءالأربعاءالخميسالجمعةالسبتالأحد
    123
45678910
11121314151617
18192021222324
25262728293031

اليومية اليومية

تصويت

تدفق ال RSS


Yahoo! 
MSN 
AOL 
Netvibes 
Bloglines 

احصائيات

أعضاؤنا قدموا 254 مساهمة في هذا المنتدى في 142 موضوع

هذا المنتدى يتوفر على 35 عُضو.

آخر عُضو مُسجل هو sansharw فمرحباً به.

سحابة الكلمات الدلالية


    الاغاني للاصفهاني56

    شاطر

    Admin
    Admin

    عدد المساهمات : 150
    نقاط : 444
    السٌّمعَة : 0
    تاريخ التسجيل : 30/10/2009
    العمر : 44

    الاغاني للاصفهاني56

    مُساهمة  Admin في الإثنين يناير 04, 2010 3:38 pm

    قال أبو عبيدة ومحمد بن سلام ووافقهما الأصمعي فيما أخبرنا به أحمد بن عبد العزيز عن عمر بن شبة عنه: اتفقت العرب على أن أشعر أهل الإسلام ثلاثة: جرير والفرزدق والأخطل، واختلفوا في تقديم بعضهم على بعض. قال محمد بن سلام: والراعي معهم في طبقتهم ولكنه آخرهم، والمخالف في ذلك قليل. وقد سمعت يونس يقول: ما شهدت مشهدا قط ذكر فيه جرير والفرزدق فاجتمع أهل المجلس على أحدهما. وكان يونس فرزدقيا.
    قال ابن سلام: وقال ابن دأب: الفرزدق أشعر عامة وجرير أشعر خاصة. وقال أبو عبيدة: كان أبو عمرو يشبه جريرا بالأعشى، والفرزدق بزهير، والأخطل بالنابغة، قال أبو عبيدة: يحتج من قدم جريرا بأنه كان أكثرهم فنون شعر، وأسهلهم ألفاظا، وأقلهم تكلفا، وأرقهم نسيبا، وكان دينا عفيفا. وقال عامر بن عبد الملك: جرير كان أشبههما وأنسبهما.
    ونسخت من كتاب عمرو بن أبي عمرو الشيباني: قال خالد بن كلثوم: ما رأيت أشعر من جرير والفرزدق، قال الفرزدق بيتا مدح فيه قبيلتين وهجا قبيلتين، قال:
    عجبت لعجل إذ تهاجي عبيدها كما آل يربوع هجوا آل دارم يعني بعبيدها بني حنيفة. وقال جرير بيتا هجا فيه أربعة:
    إن الفرزدق والبعيث وأمه وأبا البعيث لشر ما إستار قال: وقال جرير: لقد هجوت التيم في ثلاث كلمات ما هجا فيهن شاعر شاعرا قبلي، قلت:
    من الأصلاب ينزل لؤم تيم وفي الأرحام يخلق والمشيم جرير وطبقته من الشعراء: وقال محمد بن سلام: قال العلاء بن جرير العنبري وكان شيخا قد جالس الناس: إذا لم يجيء الأخطل سابقا فهو سكيت، والفرزدق لا يجيء سابقا ولا سكيتا، وجرير يجيى سابقا ومصليا وسكيتا. قال محمد بن سلام: ورأيت أعرابيا من بني أسد أعجبني ظرفه وروايته، فقلت له: أيهما عندكم أشعر? قال: بيوت الشعر أربعة: فخر ومديح وهجاء ونسيب، وفي كلها غلب جرير، قال في الفخر:
    إذا غضبت عليك بنو تميم حسبت الناس كلهم غضابا والمديح:
    ألستم خير من ركب المطايا وأندى العالمين بطون راح والهجاء:
    فغض الطرف إنك من نمير فلا كعبا بلغت ولا كلابـا والنسب:
    إن العيون التي في طرفها حور قتلننا ثم لم يحـيين قـتـلانـا قال أبو عبد الله محمد بن سلام: وبيت النسيب عندي:
    فلما التقى الحيان ألقيت العصـا ومات الهوى لما أصيبت مقاتله قال كيسان: أما والله لقد أوجعكم يعني في الهجاء. فقال: يا أحمق أو ذاك يمنعه أن يكون شاعرا تفضيله عبيدة بن هلال على الفرزدق: أخبرني أحمد بن عبد العزيز قال حدثني عمر بن شبة قال قال أبو عبيدة، وأخبرنا أبو خليفة قال حدثني محمد بن سلام الجمحي قال حدثني أبان بن عثمان البلخي قال: تنازع في جرير والفرزدق رجلان في عسكر المهلب، فارتفعا إليه وسألاه، فقال: لا أقول بينهما شيئا ولكني أدلكما على من يهون عليه سخطهما: عبيدة بن هلال اليشكري وكان بإزائه مع قطري وبينهما نهر. وقال عمر بن شبة: في هؤلاء الخوارج من تهون عليه سبال كل واحد منهما فأما أنا فما كنت لأعرض نفسي لهما. فخرج أحد الرجلين وقد تراضيا بحكم الخوارج، فبدر من الصف ثم دع بعبيدة بن هلال للمبارزة فخرج إليه.
    فقال: إني أسألك عن شيء تحاكمنا إليك فيه، فقال: وما هو? عليكما لعنة الله. قال: فأي الرجلين عندك أشعر: أجرير أم الفرزدق? فقال: لعنكما الله ولعن جريرا والفرزدق أمثلى يسأل عن هذين الكلبين قالا: لا بد من حكمك. قال: فإني سائلكم قبل ذلك عن ثلاث. قالوا: سل. قال: ما تقولون في إمامكم إذا فجر? قالوا: نطيعه وإن عصى الله عز وجل. قال: قبحكم الله فما تقولون في كتاب الله وأحكامه قالوا: ننبذه وراء ظهورنا ونعطل أحكامه. قال: لعنكم الله إذا فما تقولون في اليتيم? قالوا: نأكل ماله وننيك أمه. قال: أخزاكم الله إذا والله لقد زدتموني فيكم بصيرة. ثم ذهب لينصرف، فقالوا له: إن الوفاء يلزمك، وقد سألتنا فأخبرناك ولم تخبرنا، فرجع فقال: من الذي يقول:
    إنا لنذعر يا قفـير عـدونـا بالخيل لاحقة الأياطل قـودا
    وتحوط حوزتنا وتحمي سرحنا جرد ترى لمغارها أخـدودا

    صفحة : 812


    أجرى قلائدها وقدد لحـمـهـا ألا يذقن مع الشـكـائم عـودا
    وطوى القياد مع الطراد متونها طي التجار بحضر موت برودا قالا: جرير، فهو ذاك، فانصرفا.
    حديث الأصمعي وغيره عنه: أخبرني عم أبي عبد العزيز بن أحمد قال حدثنا الرياشي قال قال الأصمعي وذكر جريرا فقال: كان ينهشه ثلاثة أوربعون شاعرا فينبذهم وراء ظهره ويرمي بهم واحدا واحدا، ومنهم من كان ينفحه فيرمي به، وثبت له الفرزدق والأخطل. وقال جرير: والله ما يهجوني الأخطل وحده وإنه ليهجوني معه خمسون شاعرا كلهم عزيز ليس بدون الأخطل، وذلك أنه كان إذا أراد هجائي جمعهم على شراب، فيقول هذا بيتا وهذا بيتا، وينتحل هو القصيدة بعد أن يتمموها.
    قال ابن سلام: وحدثني أبو البيداء الرياحي قال قال الفرزدق: إني وإياه لنغترف من بحر واحد وتضطرب دلاؤه عند طول النهر.
    أخبرني الحسين بن يحيى عن حماد عن أبيه قال حدثني زيرك بن هبيرة المناني قال: كان جرير ميدان الشعر، من لم يجر فيه لم يرو شيئا، وكان من هاجى جريرا فغلبه جرير أرجح عندهم ممن هاجى شاعرا آخر غير جرير فغلب.
    أخبرنا أبو خليفة عن محمد بن سلام قال: تذاكروا جريرا والفرزدق في حلقة يونس بن معاوية بن أبي عمر بن العلاء وخلف الأحمر ومسمع وعامر ابنا عبد الملك المسمعيان، فسمعت عامرا وهو شيخ بكر بن وائل يقول: كان جرير والله أنسبهما وأسبهما وأشبههما.
    سمع الراعي شعره فأقر بأنه جدير بالسبق: قال ابن سلام: وحدثني أبو البيداء قال: مر راكب بالراعي وهو يغني بيتين لجرير، وهما:
    وعاو عوى من غير شيء رميته بقارعة أنفاذها تقطر الـدمـا
    خروج بأفواه الرواة كـأنـهـا قرا هندواني إذ هز صمـمـا فأتبعه الراعي رسولا يسأله لمن البيتان? قال: لجرير. قال: لو اجتمع على هذا جميع الجن والإنس ما أغنوا فيه شيئا. ثم قال لمن حضر: ويحكم أألام على أن يغلبني مثل هذا.
    رأي بشار فيه وفي صاحبيه ورثاؤه ابنه: قال ابن سلام: وسألت بشارا المرعث: إي الثلاثة أشعر? فقال: لم يكن الأخطل مثلهما ولكن ربيعة تعصبت له وأفرطت فيه. قلت: فهذان? قال: كانت لجرير ضروب من الشعر لا يحسنها الفرزدق، ولقد ماتت النوار فقاموا ينوحون عليها بشعر جرير. فقلت لبشار: وأي شيء لجرير من المراثي إلا التي رثى بها امرأته فأنشدني لجرير يرثي ابنه سوادة ومات بالشأم:
    قالوا نصيبـك مـن أجـر لـهـم كيف العزاء وقد فارقت أشبـالـي
    فارقتني حين كف الدهر من بصري وحين صرت كعظم الرمة البالـي
    أمس سوادة يجلو مقلـتـي لـحـم باز يصرصر فوق المربأ العالـي
    قد كنت أعرفه مني إذا غـلـقـت رهن الجياد ومد الغاية الـغـالـي
    إن الثوي بذي الزيتون فاحتسـبـي قد أسرع اليوم في عقلي وفي حالي
    إلا تكن لـك بـالـديرين مـعـولة فرب باكية بـالـرمـل مـعـوال
    كأم بو عجـول عـنـد مـعـهـده حنت إلى جلـد مـنـه وأوصـال
    حتى إذا عرفـت أن لا حـياة بـه ردت هماهم حرى الجوف مثكـال
    زادت على وجدها وجدا وإن رجعت في الصدر منها خطوب ذات بلبال أخبرني عبد الواحد بن عبيد عن قعنب بن المحرز الباهلي عن المغيرة بن حجناء وعمارة بن عقيل قالا: خرج جرير إلى دمشق يؤم الوليد، فمرض ابن له يقال له سوادة، وكان به معجبا، فمات بالشأم، فجزع عليه ورثاه جرير فقال:
    أودى سوادة يجلو مقلتي لـحـم باز يصرصر فوق المربأ العالي حديث الفرزدق عنه: أخبرني أحمد بن عبد العزيز الجوهري قال حدثنا عمر بن شبة قال حدثني أحمد بن معاوية قال حدثني رجل من أصحاب الحديث يقال له الحسن قال حدثني أبو نصر اليشكري عن مولى لبني هاشم قال: إمترى أهل المجلس في جرير والفرزدق أيهما أشعر، فدخلت على الفرزدق فما سألني عن شيء حتى قال:

    صفحة : 813

    يا نوار، أدركت برنيتك? قالت: قد فعلت أو كادت. قال: فابثعي بدرهم فاشتري لحما، ففعلت وجعلت تشرحه وتلقيه على النار ويأكل. ثم قال: هاتي برنيتك، فشرب قدحا ثم ناولني، وشرب آخر ثم ناولني. ثم قال: هات حاجتك يا بن أخي، فأخبرته، قال: أعن ابن الخطفى تسألني ثم تنفس حتى قلت: انشقت حيازيمه، ثم قال: قاتله الله فما أخشن ناحيته وأشرد قافيته والله لو تركوه لأبكى العجوز على شبابها، والشابة على أحبابها، ولكنهم هروه فوجدوه عند الهراش نابجا وعند الجراء قارحا، وقد قال بيتا لأن أكون قلته أحب إلى مما طلعت عليه الشمس:
    إذا غضبت عليك بنو تميم حسبت الناس كلهم غضابا أثنى عليه الفرزدق أمام الأحوص: أخبرني أحمد بن عبد العزيز قال حدثنا عمر بن شبة، وأخبرني الحسين بن يحيى عن حماد عن أبيه عن أبي عبيدة، قالا: نزل الفرزدق على الأحوص حين قدم المدينة. فقال الأحوص: ما تشتهي? قال: شواء وطلاء وغناء. قال: ذلك لك، ومضى به إلى قينة بالمدينة، فغنته: صوت
    ألا حي الديار بسـعـد إنـي أحب لحب فاطـمة الـديارا
    إذا ما حل أهلك يا سلـيمـى بدارة صلصل شحطوا مزارا
    أراد الظاعنون ليحزنـونـي فهاجوا صدع قلبي فاستطار غناه أبو محرز خفيف ثقيل أول بالبنصر فقال الفرزدق: ما أرق أشعاركم يأهل الحجاز وأملحها قال: أو ما تدري لمن هذا الشعر? قال: لا والله. قال: فهو والله لجرير يهجوك به. فقال: ويل ابن المراغة ما كان أحوجه مع عفافه إلى صلابة شعري، وأحوجني مع شهواتي إلى رقة شعره.
    قدم المدينة وتحدث مع الأحوص حتى أخزاه وأقبل على أشعب وأجازه: أخبرني أحمد قال حدثنا عمر بن شبة عن إسحاق الموصلي، وأخبرني محمد بن مزيد عن حماد عن أبيه قال قال إسحاق بن يحيى بن طلحة: قدم علينا جرير المدينة فحشدنا له، فبينا نحن عنده ذات يوم إذ قام لحاجته، وجاء الأحوص فقال: أين هذا? فقلنا: قام آنفا، ما تريد منه? قال: أخزيه، والله إن الفرزدق لأشعر منه وأشرف. فأقبل جرير علينا وقال: من الرجل? قلنا: الأحوص بن محمد بن عاصم بن ثابت بن أبي الأقلح. قال: هذا الخبيث بن الطيب. ثم أقبل عليه فقال: قد قلت:
    يقر بعيني ما يقر بـعـينـهـا وأحسن شيء ما به العين قرت فإنه يقر بعينها أن يدخل فيها مثل ذراع البكر، أفيقر ذلك بعينك? قال: وكان الأحوص يرمى بالأبنة فانصرف وأرسل إليه بتمر وفاكهة. وأقبلنا نسأل جريرا وهو في مؤخر البيت وأشعب عند الباب، فأقبل أشعب يسأله، فقال له جرير: والله إنك لأقبحهم وجها ولكني أراك أطولهم حسبا، وقد أبرمتني. فقال: أنا والله أنفعهم لك. فانتبه جرير فقال: كيف? قال: إني لأملح شعرك، واندفع يغنيه قوله: صوت
    يا أخت ناجية السلام عليكـم قبل الفراق وقيل لوم العذل
    لو كنت أعلم أن آخر عهدكم يوم الفراق فعلت ما لم أفعل قال: فأدناه جرير منه حتى ألصق ركبته بركبته وجعله قريبا منه، ثم قال: أجل والله إنك لأنفعهم لي وأحسنهم تزيينا لشعري، أعد، فأعاده عليه وجرير يبكي حتى اخضلت لحيته، ثم وهب لأشعب دراهم كانت معه وكساه حلة من حلل الملوك. وكان يرسل إليه طول مقامه بالمدينة فيغنيه أشعب ويعطيه جرير شعره فيغني فيه قال: وكان أشعب من أحسن الناس صوتا. قال حماد: والغناء الذي غناه فيه أشعب لابن سريج.
    أخبرني علي بن سليمان قال حدثنا أبو سعيد السكري عن الرياشي عن الأصمعي قال وذكر المغيرة بن حجناء قال حدثني أبي عن أبيه عن جده يحيى بن أعين، وذكر ذلك هشام بن الكلبي قال حدثني النهشلي من بني مسعود بن خالد بن مالك بن ربعي بن سلمى بن جندل قال حدثني مسحل بن كسيب بن عمران بن عطاء بن الخطفى، وأمه الربداء بنت جرير - وهذا الخبر وإن كان فيه طول محتو على سائر أخبار من ناقض جريرا أو اعتن بينه وبين الفرزدق وغيره فذكرته هنا لاشتماله على ذلك في بلاغ واختصار - : أن جريرا قدم على الحكم بن أيوب بن يحيى بن الحكم بن أبي عقيل، وهو خليفة للحجاج يومئذ، فمدحه جرير فقال:
    أقبلت من ثهلان أو جنبي خيم على قلاص مثل خيطان السلم

    صفحة : 814

    ثهلان: جبل كان لباهلة ثم غلبت عليه نمير. وخيم: جبل يناوحه من طرفه الأقصى فيما بين ركنه الأقصى وبين مطلع الشمس، به ماء ونخل:
    قد طويت بطونها طـي الأدم يبحثن بحثا كمضلات الخـدم
    إذا قطعن علمـا بـدا عـلـم حتى تناهين إلى باب الحكـم
    خليفة الحجاج غير المتـهـم في معقد العز وبؤبؤء الكرم
    بعد انفضاج البدن واللحم زيم فلما قدم عليه استنطقه فأعجبه ظرفه وشعره، فكتب إلى الحجاج: إنه قدم علي أعرابي شيطان من الشياطين. فكتب إليه أن ابعث به إلي، ففعل، فقدم عليه فأكرمه الحجاج وكساه جبة صبرية وأنزله فمكث أياما. ثم أرسل إليه بعد نومه فقالوا: أجب الأمير، فقال: ألبس ثيابي، فقالوا: لا والله لقد أمرنا أن نأتيه بك على الحال التي نجدك عليها، ففزع جرير وعليه قمبص غليظ وملاءة صفراء. فلما رأى ما به رجل من الرسل دنا منه وقال: لا بأس عليك، إنما دعاك للحديث. قال جرير: فلما دخلت عليه قال: إيه يا عدو الله علام تشتم الناس وتظلمهم? فقلت: جعلني الله فداء الأمير، والله إني ما أظلمهم ولكنهم يظلمونني فأنتصر. ما لي ولابن أم غسان وما لي وللبعيث وما لي وللفرزدق وما لي وللأخطل وما لي وللتيمي حتى عددهم واحدا واحدا. فقال الحجاج: ما أدري ما لك ولهم قال: أخبر الأمير أعزه الله: أما غسان بن ذهبل فإنه رجل من قومي هجاني وهجا عشيرتي وكان شاعرا. قال: فقال: لك ماذا? قال قال لي:
    لعمري لئن كانت بجيلة زانـهـا جرير لقد أخزي كليبا جريرهـا
    رميت نضالا عن كليب فقصرت مراميك حتى عاد صفرا جفيرها
    ولا يذبحون الشاة إلا بـمـيسـر طويل تناجيها صغار قـدورهـا قال: فما قلت له? قال قلت:
    ألا ليت شعري عن سليط ألم تـجـد سليط سوى غسان جارا يجـيرهـا
    فقد ضمنوا الأحساب صاحب سـوءة يناجي بها نفسا خبيثا ضـمـيرهـا
    كأن سليطا في جواشنها الخـصـى إذا حل بين الأملـحـين وقـيرهـا
    أضجوا الروايا بالمـزاد فـإنـكـم ستكفون ركض الخيل تدمى نحورها
    كأن السليطيات مـجـنـاة كـمـأة لأول جان بالعصا يسـتـثـيرهـا
    عضاريط يشوون الفراسن بالضحـى إذا ما السرايا حث ركضا مغيرهـا
    فما في سليط فـارس ذو حـفـيظة ومعقلها يوم الهـياج جـعـورهـا
    عجبت من الداعي جحيشـا وصـائدا وعيساء يسعى بالعلاب نـفـيرهـا قال: ثم من? قال: البعيث. قال: ما لك وله? قال: اعترض دونه ابن أم غسان يفضله علي ويعينه. قال: فما قال لك? قال قال لي:
    كليب لئام الناس قد تعلمونـه وأنت إذا عدت كليب لئيمها
    أترجو كليب أن يجيء حديثها بخير وقد أعيا كليبا قديمهـا قال: فما قلت له? قال قلت:
    ألم ترأني قد رميت ابن فرتنى بصماء لا يرجو الحياة أميمها
    له أم سوء بئس ما قدمت لـه إذا فرط الأحساب عد قديمها قال: ثم من? قلت: الفرزدق. قال: وما لك وله? قلت: أعان البعيث علي.
    قال: فما قلت له? قال قلت:
    تمنى رجال من تميم لي الـردى وما ذاد عن أحسابهم ذائد مثلـي
    كأنهم لا يعلمـون مـواطـنـي وقد جربوا أني أنا السابق المبلى
    فلو شاء قومي كان حلمي فيهـم وكان على جهال أعدائهم جهلي
    قد زعموا أن الفـرزدق حـية وما قتل الحيات من أحد قبلـي قال: ثم من? قلت: الأخطل. قال: ما لك وله? قلت: رشاه محمد بن عمير ابن عطارد زقا من خمر وكساه حلة على أن يفضل علي الفرزدق ويهجوني. قال: فما قال لك? قال قال:
    إخسأ إليك كليب إن مجاشـعـا وأبا الفوارس نهشـلا أخـوان
    وإذا وردت الماء كـان لـدارم جماته وسهـولة الأعـطـان
    وإذا قذفت أباك في ميزانـهـم رجحوا وشال أبوك في الميزان قال: فما قلت له? قال قلت:
    ياذا العباءة إن بشرا قد قضى ألا تجوز حكومة النشـوان

    صفحة : 815


    فدعوا الحكومة لستم من أهلها إن لحكومة في بني شيبـان
    قتلوا كليبكم بلقحة جـارهـم يا خزر تغلب لستم بهجـان قال: ثم من? قلت: عمر بن لجأ التيمي. قال: ما لك وله? قال: قلت بيتا من شعر فقبحه وقاله على غير ما قلته? قلت:
    لقومي أحمى للحقيقة منـكـم وأضرب للجبار والنقع ساطع
    وأوثق عند المردفات عشـية لحاقا إذا ما جرد السيف لامع فزعم أني قلت:
    وأوثق عند المرهفات عشـية لحاقا إذا ما جرد السيف لامع فقال: لحقتهن عند العشي وقد أخذن غدوة، والله ما يمسين حتى يفضحن.
    قال: فما قلت له? قال قلت:
    يا تـيم تـيم عـدي لا أبـا لـكـم لا يوقعنكم فـي سـوءة عـمـر
    خل الطريق لمن يبني المنـار بـه وابرز ببرزة حيث اضطرك القدر حتى أتى على الشعر. قال: ثم من? قلت: سراقة بن مرداس البارقي. قال: ما لك وله? قال قلت: لا شيء، حمله بشر بن مروان وأكرهه على هجائي، ثم بعث إلي رسولا وأمرني أن أجيبه. قال: فما قال لك? قال قال:
    إن الفرزدق برزت أعراقـه عفوا وغودر في الغبار جرير
    ما كنت أول محمر قعدت بـه مسعاته إن الـلـئيم عـثـور
    هذا قضاء البـارقـي وإنـه بالميل في ميزانكم لبـصـير قال: فما قلت له? قال قلت:
    يا بشر حق لوجهك التبشـير هلا غضبت لنا وأنت أمـير
    بشر أبو مروان إن عاسرتـه عسر وعند يساره ميسـور
    إن الكريمة ينصر الكرم ابنها وابن اللئيمة للئام نـصـور
    قد كان حقك أن تقول لبارق يا آل بارق فيم سب جـرير
    وكسحت باستك للفخار وبارق شيخان أعمى مقعد وكسـير قال: ثم من? قلت: البلتع وهو المستنير بن سبرة العنبري. قال: ما لك وله? قلت: أعان علي ابن لجأ. قال: فما قال لك? قلت قال:
    إن التي ربتك لـمـا طـلـقـت قعدت على جحش المراغة تمرغ
    أتعيب من رضيت قريش صهره وأبوك عبد بالخـورنـق أذلـغ قال: فما قلت له? قال قلت:
    فما مستنير الخبـث إلا فـراشة هوت بين مؤتج الحريقين ساطع
    نهيت بنات المستنير عن الرقـى وعن مشيهن الليل بين المزارع ويروى:
    بين مؤتج من النار ساطع قال: ثم من? قلت: راعي الإبل. قال: ما لك وله? قلت: قدمت البصرة وكان بلغني أنه قال لي:
    يا صاحبي دنا الـرواح فـسـيرا غلب الفرزدق في الهجاء جريرا وقال أيضا:
    رأيت الجحش جحش بني كليب تيمم حوض دجلة ثم هـابـا فقلت: يا أبا جندل، إنك شيخ مضر وشاعرها، وقد بلغني أنك تفضل علي الفرزدق، وأنت تسمع قولك، وهو ابن عمي دونك، فإن كان لا بد من تفضيل فأنا أحق به لمدحي قومك وذكري إياهم. قال: وابنه جندل على فرس له، فأقبل يسير بفرسه حتى ضرب عجز دابتي وأنا قائم فكاد يقطع أصبع رجلي وقال: لا أراك واقفا على هذا الكلب من بني كليب، فمضى، وناديته: أنا ابن يربوع إن أهلك بعثوك مائرا من هبود وبئس المائر، وإنما بعثني أهلي لأقعد على قارعة هذا المربد فلا يسبهم أحد إلا سببته، وإن علي نذرا إن جعلت في عيني غمضا حتى أخزيك. قال: فما أصبحت حتى هجوته فقلت:
    فغض الطرف إنك من نمير فلا كعبا بلغت ولا كلابـا قال فغدوت عليه من الغد فأخذته بعنانه، فما فارقته حتى أنشدته إياها. فلما مررت على قولي:
    أجندل ما تقول بـنـو نـمـير إذا ما الأير في است أبيك غابا قال: فأرسل يدي وقال: يقولون والله شرا.
    قال: ثم من? قلت: العباس بن يزيد الكندي قال: ما لك وله? قال لما قلت:
    إذا غضبت عليك بنو تميم حسبت الناس كلهم غضابا قال:
    ألا رغمت أنوف بني تمـيم فساة التمر إن كانوا غضابا
    لقد غضبت عليك بنو تمـيم فما نكأت بغضبتها ذبـابـا
    لو اطلع الغراب على تميم وما فيها من السوءات شابا

    صفحة : 816

    قال: فتركته خمس سنين لا أهجوه، ثم قدمت الكوفة فأتيت مجلس كندة، فطلبت إليهم أن يكفوه عني، فقالوا: ما نكفه وإنه لشاعر وأوعدوني، فقلت:
    ألا أبلغ بني حجر بن وهب بأن التمر حلو في الشتاء
    فعودوا للنخيل فأبـروهـا وعيثوا بالمشقر فالصفـاء قال: فمكثت قليلا، ثم بعثوا إلي راكبا فأخبروني بمثالبه وجواره في طيء حيث جاور عتابا، وحبل أخته هضيبة حيث حبلت. قال: فقلت ماذا? قال قلت:
    إذا جهل الشقي ولـم يقـدر لبعض الأمر أوشك أن يصابا
    أعبدا حل في شعبى غـريبـا ألؤما لا أبا لك واغـتـرابـا
    فما خفيت هضيبة حين جرت ولا إطعام سخلتها الكـلابـا
    تخرق بالمشاقص حالبـيهـا وقد بلت مشيمتها التـرابـا
    فقد حملت ثمـانـية وأوفـت بتاسعها وتحسبها كـعـابـا قال: ثم من? قلت: جفنة الهزاني بن جعفر بن عباية بن شكس من عنزة. قال: وما لك وله? قال: أقبل سائلا حتى أتاني وأنا أمدر حوضا لي، فقال: يا جرير، قم إلي ها هنا، قلت نعم. ثم أتيته فقلت: ما حاجتك? قال: مدحتك فاستمع مني. قلت: أنشدني فأنشد، فقلت: قد والله أحسنت وأجملت، فما حاجتك? قال: تكسوني الحلة التي كساكها الوليد بن عبد الملك العام. فقلت: أني لم أقف فيها بالموسم، ولا بد من أن أقف فيها العام، ولكني أكسوك حلة خيرا منها كان كسانيها الوليد عاما أول. فقال: ما أقبل غيرها بعينها. فقلت: بلى، فاقبل وأزيدك معها دنانير نفقة. فقال: ما أفعل، ومضى فأتى المرار بن منقذ أحد بني العدوية، فحمله على ناقة له يقال لها القصواء. فقال جفنة:
    لعمرك للـمـرار يوم لـقـيتـه على الشحط خير من جرير وأكرم قال: فما قلت له? قال قلت:
    لقد بعثت هزان جـفـنة مـائرا فآب وأحذى قومه شر مغـنـم
    فيا راكب القصواء ما أنت قـائل لهزان إذ أسلمتها شر مـسـلـم
    أظن عجان التيس هزان طالـبـا علالة سباق الأضاميم مـرجـم
    كأن بني هزان حـين رديتـهـم وبار تضاغت تحت غار مهـدم
    بني عبد عمرو قد فرغت إليكـم وقد طال زجري لو نهاكم تقدمي
    ورصعاء هزانية قد تحفـشـت على مثل حرباء الفلاة المعمـم قال: ثم من? قلت: المرار بن منقذ. قال: ما لك وله? قلت: أعان علي الفرزدق. قال: فما قلت له? قال قلت:
    بني منقذ لا صلح حتى تضمكـم من الحرب صماء القناة زبون
    وحتى تذوقوا كأس من كان قبلكم ويسلح منكم في الحبال قـرين
    فإن كنتم كلبى فعندي شفـاؤكـم وللجن إن كان اعتراك جنـون قال: ثم من? قلت: حكيم بن معية من بني ربيعة بن مالك بن زيد مناة بن تميم. قال: وما لك وله? قلت: بلغني أنه أعان علي غسان السليطي. قال: فما قلت له? قال قلت:
    إذا طلع الركبان نجدا وغـوروا بها فارجزا يا بني معية أو دعا
    أتسمن أستاه المجـر وقـد رأوا مجرا بو عساوي رماح مصرعا
    ألا إنما كانت غضوب محـامـيا غداة اللوى لم تدفع الضيم مدفعا قال: ثم من? قلت: ثور بن الأشهب بن رميلة النهشلي. قال: وما لك وله? قلت: أعان علي الفرزدق. قال: فما قلت له? قال قلت:
    سيخزى إذا ضنت حلائب مالك ثوير ويخزى عاصم وجمـيع
    وقبلك ما أعيا الرماة إذا رموا صفا ليس في قاراتهن صدوع قال: ثم من? قلت: الدلهمس أحد بني ربيعة بن مالك بن زيد مناة. قال: ما لك وله? قلت: أعان علي الفرزدق. قال: فما قلت له? قال قلت:
    لقد نفخت منك الوريدين علـجة خبيثة ريح المنكبـين قـبـوع
    ولو أنجبت أم الدلهمس لم يعـب فوارسنا لا عاش وهو جـمـيع
    أليس ابن حمراء العجان كأنمـا ثلاثة غربـان عـلـيه وقـوع
    فلا تدنيا رحل الدلهـمـس إنـه بصير بما يأتي اللـئام سـمـيع
    هو النخبة الخوار ما دون قلبـه حجاب ولا حول الحجاب ضلوع

    صفحة : 817

    قال: ثم مررت على مجلس لهم فاعتذرت إليهم فلم يقبلوا عذري، وأنشدوني شعرا لم يخبروني من قاله:
    غضبت علينا أن علاك ابن غالب فهلا على جديك في ذاك تغضب
    هما إذ علا بالمرء مسعاة قومـه أناخا فشداك العقال الـمـؤرب قال: فعلمت أنه شعر قبضة الكلب. قال: فجمعتهم في شعري فقلت:
    و أكثر ما كانت ربيعة أنهـا خباءان شتى لا أنيس ولا قفر
    محالفهم فـقـر شـديد وذلة وبئس الحليفان المذلة والفقر
    فصبرا على ذل ربيع بن مالك وكل ذليل خير عادته الصبر قال: ثم من? قلت: هبيرة بن الصلت الربعي من ربيعة بن مالك أيضا، كان يروي شعر الفرزدق. قال: فما قلت له? قال قلت:
    يمشي هبيرة بعد مقتل شيخـه مشي المراسل أوذنت بطـلاق
    ماذا أردت إلي حين تحـرقـت ناري وشمر مئزري عن ساقي
    إن القراف بمنخـريك لـبـين وسواد وجهك يا بن أم عفـاق
    سيروا فرب مسبحـين وقـائل هذا شقا لبني ربـيعة بـاقـي
    أبني ربيعة قد أخس بحظـكـم لؤم الـجـدود ودقة الأخـلاق قال: ثم من? قلت: علقة والسرندى من بني الرباب كانا يعينان ابن لجأ. قال: فما قلت لهما? قال قلت:
    عض السرندي على تثليم نـاجـذه من أم علقه بظرا غمه الشـعـر
    وعض علقة لا يألو بـعـرعـرة من بظر أم السرندى وهو منتصر قال: ثم من? قلت: الطهوي، كان يروي شعر الفرزدق. قال: ما قلت له? قال قلت:
    أتنسون وهبا يا بني زبد استهـا وقد كنتم جيران وهب بن أبجرا
    فما تتقون الشر حتى يصيبـكـم ولا تعرفون الأمر إلا تـدبـرا
    ألا رب أعشى ظالم متخـمـط جعلت لعينيه جلاء فأبـصـرا قال: ثم من? قلت: عقبة بن السنيع الطهوي وكان نذر دمي. قال: فما قلت له: قال قلت:
    يا عقب يا بن سنيع ليس عنـدكـم مأوى الرفاق ولا ذو الراية الغادي
    يا عقب يا بن سنيع بعض قولكـم إن الوثاب لكم عندي بمـرصـاد
    ما ظنكم بيني ميثـاء إن فـزعـوا ليلا وشد عليهـم حـية الـوادي
    يغدو علي أبو ليلى ليقـتـلـنـي جهلا علي ولـم يثـأر بـشـداد
    إرووا علي وأرضوا بي صديقكـم واستسمعوا يا بني ميثاء إنشـادي ميثاء هي بنت زهير بن شداد الطهوي وهي أم عوف بن أبي سود بن مالك ابن حنظلة.
    وقال أيضا لبني ميثاء:
    نبئت عقبة خصافا تـوعـدنـي يا رب آدر من ميثاء مـأفـون
    لو في طهية أحلام لما اعترضوا دون الذي كنت أرميه ويرميني قال: ثم من? قلت: سمحة الأعور النبهاني، كانت له امرأة من طيىء ولدت في بني سليط فأعطوه وحملوه علي. فسألني فاشتط، ولم يكن عندي فحرمته، فقال:
    أقول لأصحابي النـجـاء فـإنـه كفى الذم أن يأتي الضيوف جرير
    جرير ابن ذات البظر هل أنت زائل لقدرك دون النـازلـين سـتـور
    وهل يكرم الأضياف كلب لكـلـبة لها عند أطناب الـبـيوت هـرير
    فلو عند غسان السليطي عـرسـت رغا قرن منها وكـاس عـقـير
    فتى هو خير منك نفـسـا ووالـدا عليك إذا كـان الـجـوار يجـير فقال جرير:
    وجدنا بني نبهان أذناب طـيء وللناس أذناب ترى وصـدور
    تغنى ابن نبهانية طال بظرهـا وباع ابنها عند الهياج قصـير
    وأعور من نبهان أما نـهـاره فأعمى وأما ليله فـبـصـير
    ستأتي بني نبهان مني قصـائد تطلع من سلمى وهن وعـور
    ترى قزم المعزى مهور نسائهم وفي قزم المعزى لهن مهور قال: وطلع الصبح فنهض ونهضت. قال: فأخبرني من كان قاعدا معه أنه قال: قاتله الله أعرابيا إنه لجروهراش.
    قصته مع الراعي وابنه جندل:

    صفحة : 818

    أخبرني علي بن سليمان قال حدثنا أبو سعيد السكري عن الرياشي عن الأصمعي قال وذكر المغيرة بن حجناء قال حدثني أبي عن أبيه قال: كان راعي الإبل يقضي للفرزدق على جرير ويفضله، وكان راعي الإبل قد ضخم أمره وكان من شعراء الناس. فلما أكثر من ذلك خرج جرير إلى رجال من قومه فقال: هلا تعجبون لهذا الرجل الذي يقضي للفرزدق علي وهو يهجو قومه وأنا أمدحهم قال جرير: فضربت رأيي فيه. ثم خرج جرير ذات يوم يمشي ولم يركب دابته، وقال: والله ما يسرني أن يعلم أحد. وكان لراعي الإبل والفرزدق وجلسائهما حلقة بأعلى المربد بالبصرة يجلسون فيها. قال: فخرجت أتعرض له لألقاء من حيال حيث كنت أراه يمر إذا انصرف من مجلسه، وما يسرني أن يعلم أحد، حتى إذا هو قد مر على بغلة له وابنه جندل يسير وراءه على مهر له أحوى محذوف الذنب وإنسان يمشي معه يسأله عن بعض السبب، فلما استقبلته قلت: مرحبا بك يا أبا جندل وضربت بشمالي على معرفة بغلته، ثم قلت: يا أبا جندل إن قولك يستمع وإنك تفضل الفرزدق علي تفضيلا قبيحا وأنا أمدح قومك وهو يهجوهم وهو ابن عمي، ويكفيك في ذاك هين: إذا ذكرنا أن تقول كلاهما شاعر كريم، ولا تحتمل مني ولا منه لائمة. قلا: فبينا أنا وهو كذاك واقفا علي. وما رد علي بذلك شيئا حتى لحق ابنه جندل، فرفع كرمانية معه فضرب بها عجز بغلته ثم قال: لا أراك واقفا على كلب من بني كليب كأنك تخشى منه شرا أو ترجو منه خيرا وضرب البغلة ضربة، فرمحتني رمحة وقعت منها قلنسوتي، فو الله لو يعرج علي الراعي لقلت سفيه غوى - يعني جندلا ابنه - ولكن لا والله ما عاج علي، فأخذت قلنسوتي فمسحتها ثم أعدتها على رأسي ثم قلت:
    أجندل ما تقول بـنـو نـمـير إذا ما الأير في است أبيك غابا فسمعت الراعي قال لابنه: أما والله لقد طرحت قلنسوته طرحة مشؤومة. قال جرير: ولا والله ما القلنسوة بأغيظ أمره إلي لو كان عاج علي، فانصرف جرير غضبان حتى إذا صلى العشاء بمنزله في علية له قال: ارفعوا إلي باطية من نبيذ وأسرجوا لي، فأسرجوا له وأتوه بباطية من نبيذ. قال: فجعل يهمهم، فسمعت صوته عجوز في الجار فاطلعت في الدرجة حتى نظرت إليه، فإذا هو يحبو على الفراش عريانا لما هو فيه، فانحدرت فقالت: ضيفكم مجنون رأيت منه كذا وكذا فقالوا لها: اذهبي لطيتك، نحن أعلم به وبما يمارس. فما زال كذلك حتى كان السحر، ثم إذا هو يكبر قد قالها ثمانين بيتا في بني نمير. فلما ختمها بقوله:
    فغض الطرف إنك من نمير فلا كعبا بلغت ولا كلابـا كبر ثم قال: أخزيته ورب الكعبة. ثم أصبح، حتى إذا عرف أن الناس قد جلسوا في مجالسهم بالمربد، وكان يعرف مجلسه ومجلس الفرزدق، دعا بدهن فادهن وكف رأسه، وكان حسن الشعر، ثم قال: يا غلام، أسرج لي، فأسرج له حصانا، ثم قصد مجلسهم، حتى إذا كان بموضع السلام قال: يا غلام - ولم يسلم - قل لعبيد: أبعثك نسوتك تكسبهن المال بالعراق أما والذي نفس جرير بيده لترجعن إليهن بمير يسوءهن ولا يسرهن ثم اندفع فيها فأنشدها. قال: فنكسر الفرزدق وراعى الإبل وأرم القوم، حتى إذا فرغ منها سار، وثبت راعي الإبل ساعة ثم ركب بغلته بشر وعر وخلى المجلس حتى ترقى إلى منزله الذي ينزله ثم قال لأصحابه: ركابكم ركابكم، فليس لكم ها هنا مقام، فضحكم والله جرير فقال له بعض القوم: ذاك شؤمك وشؤم ابنك. قال: فما كان إلا ترحلهم. قال فسرنا إلى أهلنا سيرا ما ساره أحد، وهم بالشريف وهو أعلى دار بني نمير. فيحلف بالله راعى الإبل إنا وجدنا في أهلنا:
    فغض الطرف إنك من نمير وأقسم بالله ما بلغه إنسي قط، وإن لجرير لأشياعا من الجن. فتشاءمت به بنو نمير وسبوه وابنه، فهم يتشاءمون به إلى الآن.
    قال قصيدته في هجو الراعي عند رجل من أنصاره: أخبرني أحمد بن عبيد الله بن عمار قال حدثني علي بن محمد النوفلي عن أبيه قال حدثني مولى لبني كليب بن يربوع كان يبيع الرطب بالبصرة أنسيت اسمه قال:

    صفحة : 819

    كنت أجمع شعر جرير وأشتهي أن أحفظه وأرويه. فجاءني ليلة فقال: إن راعى الإبل النميري قد هجاني، وإني آتيك الليلة فأعد لي شواء رشراشا ونبيذا مخفسا، فأعددت له ذلك. فلما أعتم جاءني فقال: هلم عشاءك، فأتيته به، فأكل ثم قال: هلم نبيذك، فأتيته به، فشرب أقداحا ثم قال: هات دواة وكتفا، فأتيته بهما، فجعل يملي علي قوله:
    أقلي اللوم عاذل والعتـابـا وقولي إن أصبت لقد أصابا حتى بلغ إلى قوله:
    فغض الطرف إنك من نمير فجعل يردده ولا يزيد عليه حتى حملتني عيني، فضربت بذقني صدري نائما، فإذا به قد وثب حتى أصاب السقف رأسه وكبر ثم صاح: أخزيته والله أكتب:
    فلا كعبا بلغت ولا كلابا غضضته وقدمت إخوته عليه والله لا يفلح بعدها أبدا. فكان والله كما قال ما أفلح هو ولا نميري بعدها.
    أنشد الفرزدق أشطار شعر له فأخبر بتواليها: أخبرني هاشم بن محمد الخزاعي قال حدثنا أبو غسان دماذ عن أبي عبيدة قال: أقبل راكب من اليمامة، فمر بالفرزدق وهو جالس في المربد، فقال له: من أين أقبلت? قال: من اليمامة. فقال: هل رأيت ابن المراغة? قال نعم? قال: فأي شيء أحدث بعدي? فأنشده:
    هاج الهوى لفؤادك المهتاج فقال الفرزدق:
    فانظر بتوضح باكر الأحداج فأنشده الرجل:
    هذا هوى شغف الفؤاد مبرح فقال الفرزدق:
    ونوى تقاذف غير ذات خلاج فأنشده الرجل:
    إن الغراب بما كرهت لمولع فقال الفرزدق:
    بنوى الأحبة دائم التشحاج فقال الرجل: هكذا والله، قال أفسمعتها من غيري? قال: لا ولكن هكذا ينبغي أن يقال، أو ما علمت أن شيطاننا واحد ثم قال: أمدح بها الحجاج? قال نعم: قال. إياه أراد.
    أجاب الفرزدق في الحج جوابا حسنا: أخبرني محمد بن خلف وكيع قال حدثنا محمد بن إسحاق بن عبد الرحمن قال حدثني إسحاق بن إبراهيم الموصلي قال حدثني أبو عبيدة قال: إلتقى جرير والفرزدق بمنى وهما حاجان، فقال الفرزدق لجرير:
    فإنك لاق بالمنازل من منـى فخارا فخبرني بمن أنت فاخر فقال له جرير: بلبيك اللهم لبيك. قال إسحاق: فكان أصحابنا يستحسنون هذا الجواب من جرير ويعجبون منه.
    هجا التيم فلم يؤثر فيهم من لؤم أصلهم: أخبرني أبو خليفة عن محمد بن سلام، وأخبرني وكيع عن محمد بن إسماعيل عن ابن سلام قال حدثنا أبو الخطاب عن أبيه عن حجباء بن جرير قال: قلت لأبي: يا أبت، ما هجوت قوما إلا أفسدتهم سوى التيم. فقال: إني لم أجد حسبا أضعه، ولا بناء أهدمه.
    حديثه مع ابنه عن درجات الشعراء: قال ابن سلام أخبرني أبو قيس عن عكرمة بن جرير قال: قلت لأبي: يا أبت، من أشعر الناس? فقال: ألجاهلية تريد أم الإسلام? قلت: أخبرني عن الجاهلية. قال: شاعر الجاهلية زهير. قلت: فالإسلام? قال: نبعة الشعر الفرزدق. قلت: فالأخطل? قال: يجيد صفة الملوك ويصيب نعت الخمر. قلت: فما تركت لنفسك? قال: دعني فإني نحرت الشعر نحرا.
    سمعه الفرزدق ينشد بائيته فتوقع فيها نصف بيت فيه هجو له فكان كما ظن: أخبرني هاشم بن محمد قال حدثني الحسن بن عليل قال حدثني محمد بن عبد الله العبدي عن عمارة بن عقيل عن جده قال: وقف الفرزدق على أبي بمربد البصرة وهو ينشد قصيدته التي هجا بها الراعي، فلما بلغ إلى قوله:
    فغض الطرف إنك من نمير فلا كعبا بلغت ولا كلابـا أقبل الفرزدق على روايته فقال: غضه والله فلا يجيبه أبدا ولا يفلح بعدها. فلما بلغ إلى قوله:
    بها برص بجانب إسكتيها وضع الفرزدق يده على فيه وغطى عنفقته، فقال أبي:
    كعنفقة الفرزدق حين شابا فانصرف الفرزدق وهو يقول: اللهم أخزه والله لقد علمت حين بدأ بالبيت أنه لا يقول غير هذا، ولكن طمعت ألا يأبه فغطيت وجهي، فما أغناني ذلك شيئا. قال العنزي حدثني مسعود بن بشر عن أبي عبيدة قال قال يونس: ما أرى جريرا قال هذا المصراع إلا حين غطى الفرزدق عنفقته، فإنه نبهه عليه بتغطيته إياها.
    سئل الفرزدق عمن يجاريه في الشعر فلم يعترف إلا به: أخبرني حبيب بن نصر المهلبي قال حدثنا عمر بن شبة قال حدثنا المدائني عن أبي بكر الهذلي قال:

    صفحة : 820

    قال رجل من بني دارم للفرزدق وهو بالبصرة: يا أبا فراس، هل تعلم اليوم أحدا يرمي معك? فقال: لا والله ما أعرف نابحا إلا وقد استكان ولا ناهشا إلا وقد انجحر إلا القائل:
    فإن لم أجد في القرب والبعد حاجتي تشأمت أو حولت وجهي يمـانـيا
    فردي جمال الحي ثم تحمـلـنـي فما لك فيهم من مـقـام ولا لـيا
    فإني لمغرور أعلـل بـالـمـنـى ليالي أرجـو أن مـالـك مـالـيا
    وقائلة والدمع يحـدر كـحـلـهـا أبعد جرير تكرمـون الـمـوالـيا
    بأي نجاد تحمل السيف بـعـد مـا قطعت القوى من محمل كان باقيا
    بأي سنان تطعن القـرم بـعـدمـا نزعت سنانا من قناتـك مـاضـيا
    لساني وسيفي صارمان كلاهـمـا وللسيف أشوى وقعة من لسـانـيا قال: وهذا الشعر لجرير.
    وفد على يزيد بن معاوية وأخذ جائزته: أخبرني علي بن سليمان الأخفش قال حدثني محمد بن يزيد بن عمارة بن عقيل عن أبيه قال: قال جرير: وفدت إلى يزيد بن معاوية وأنا شاب يومئذ، فاستؤذن لي عليه في جملة الشعراء، فخرج الحاجب إلي وقال: يقول لك أمير المؤمنين: إنه لا يصل إلينا شاعر لا نعرفه ولا نسمع بشيء من شعره، وما سمعنا لك بشيء فنأذن لك على بصيرة. فقلت له: تقول لأمير المؤمنين: أنا القائل:
    وإني لعف الفقر مشترك الغنـى سريع إذا لم أرض داري انتقاليا
    جريء الجنان لا أهاب من الردى إذا ما جعلت السيف قبض بنانيا
    وليس لسيفي في العظام بـقـية وللسيف أشوى وقعة من لسانـيا فدخل الحاجب عليه فأنشده الأبيات، ثم خرج إلي وأذن لي، فدخلت وأنشدته وأخذت الجائزة مع الشعراء، فكانت أول جائزة أخذتها من الخليفة، وقال لي: لقد فارق أبي الدنيا وما يظن أبياتك التي توسلت بها إلي إلا لي.
    موازنة حماد الراوية بينه وبين الفرزدق: أخبرني عمي قال حدثني الكراني قال حدثنا العمري عن الهيثم بن عدي عن حماد الراوية قال: أتيت الفرزدق فأنشدني، ثم قال لي: هل أتيت الكلب جريرا? قلت نعم. قال: فأنا أشعر أو هو? فقلت: أنت في بعض الأمر وهو في بعض. فقال: لم تناصحني. فقلت: هو أشعر إذا أرخى من خناقه، وأنت أشعر منه إذا خفت أو رجوت. فقال: وهل الشعر إلا في الخوف والرجاء وعند الخير والشر.
    حكم له بشر بن مروان وقد تفاخر هو والفرزدق بحضرته: أخبرني عمي قال حدثني أحمد بن الحارث قال حدثنا المدائني عن يحيى بن عنبسة القرشي وعوانة بن الحكم: أن جريرا والفرزدق اجتمعا عند بشر بن مروان، فقال لهما بشر: إنكما قد تقارضتما الأشعار وتطالبتما الآثار وتقاولتما الفخر وتهاجيتما. فأما الهجاء فليست بي إليه حاجة، فجددا بين يدي فخرا ودعاني مما مضى. فقال الفرزدق:
    نحن السنام والمناسـم غـيرنـا فمن ذا يساوي بالسنام المناسما فقال جرير:
    على موضع الأستاه أنتم زعمتم وكل سنام تابع للـغـلاصـم فقال الفرزدق:
    على محرث للفرث أنتم زعمتـم ألا إن فوق الغلصمات الجماجما فقال جرير:
    وأنبأتمونا أنكم هام قومكم ولا هام إلا تابع للخراطم فقال الفرزدق:
    فنحن الزمام القائد المقتدى بـه من الناس ما زلنا ولسنا لهازما فقال جرير:
    فنحن بني زيد قطعنا زمامـهـا فتاهت كسار طائش الرأس عارم فقال بشر: غلبته يا جرير بقطعك الزمام وذهابك بالناقة. وأحسن الجائزة لهما وفضل جريرا.
    جرير وسكينة بنت الحسين: قال المدائني وحدثني عوانة بن الحكم قال: جاء جرير إلى باب سكينة بنت الحسين عليه السلام يستأذن عليها فلم تأذن له، وخرجت إليه جارية لها فقالت: تقول لك سيدتي: أنت القائل:
    طرقتك صائدة القلوب وليس ذا حين الزيارة فارجعي بسـلام قال نعم. قالت: فألا أخذت بيدها فرحبت به وأدنيت مجلسها وقلت لها ما يقال لمثلها أنت عفيف وفيك ضعف، فخذ هذين الألفي الدرهم فالحق بأهلك.
    تفضيل سكينة بنت الحسين له على الفرزدق:

    صفحة : 821

    قال المدائني في خبره هذا وحدثني أبو يعقوب الثقفي عن الشعبي: أن الفرزدق خرج حاجا، فلما قصى حجه عدل إلى المدينة فدخل إلى سكينة بنت الحسين عليهما السلام فسلم. فقالت له: يا فرزدق، من أشعر الناس? قال: أنا. قلت: كذبت أشعر منك الذي قال:
    بنفسي من تجنبـه عـزيز علي ومن زيارته لمـام
    ومن أمسي وأصبح لا أراه ويطرقني إذا هجع النيام فقال: والله لو أذنت لي لأسمعتك أحسن منه. قالت: أقيموه فأخرج ثم عاد إليها من الغد فدخل عليها، فقالت: يا فرزدق، من أشعر الناس. قال: أنا. قالت: كذبت صاحبك جرير أشعر منك حيث يقول:
    لولا الحياء لعادني استعـبـار ولزرت قبرك والحبيب يزار
    كانت إذا هجر الضجيع فراشها كتم الحديث وعفت الأسـرار
    لا يلبث القرناء أن يتفـرقـوا ليل يكر علـيهـم ونـهـار فقال: والله لئن أذنت لي لأسمعنك أحسن منه، فأمرت به فأخرج. ثم عاد إليها في اليوم الثالث وحولها مولدات لها كأنهن التماثيل، فنظر الفرزدق إلى واحدة منهن فأعجب بها وبهت ينظر إليها. فقالت له سكينة: يا فرزدق، من أشعر الناس? قال: أنا. قالت: كذبت صاحبك أشعر منك حيث يقول:
    إن العيون التي في طرفها مرض قتلننا ثم لـم يحـيين قـتـلانـا
    يصرعن ذا اللب حتى لا حراك به وهن أضعف خلق الله أركـانـا
    أتبعتهم مقلة إنسـانـهـا غـرق هل ما ترى تارك للعين إنسانـا فقال: والله لئن تركتني لأسمعنك أحسن منه، فأمرت بإخراجه. فالتفت إليها وقال: يا بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم إن لي عليك حقا عظيما. قالت: وما هو? قال: ضربت إليك اباط الإبل من مكة إرادة التسليم عليك، فكان جزائي من ذلك تكذيبي وطردي وتفضيل جرير علي ومنعك إياي أن أنشدك شيئا من شعري، وبي ما قد عيل منه صبري، وهذه المنايا تغدو وتروح، ولعلي لا أفارق المدينة حتى أموت، فإذا أنا مت فمري بي أن أدرج في كفني وأدفن في حر هذه يغني الجارية التي أعجبته. فضحكت سكينة وأمرت له بالجارية، فخرج بها آخذا بريطتها، وأمرت الجواري فدفعن في أقفيتهما، ونادته. يا فرزدق احتفظ بها وأحسن صحبتها فإني آثرتك بها على نفسي.
    حضر أعرابي مائدة عبد الملك بن مروان ووصف له طعاما أشهى من طعامه ثم سأله عن أحسن الشعر فأجاب من شعر جرير.
    قال المدائني في خبره هذا وحدثني أبو عمران بن عبد الملك بن عمير عن أبيه، وحدثنيه عوانة أيضا قالا:

    صفحة : 822

    صنع عبد الملك بن مروان طعاما فأكثر وأطاب ودعا إليه الناس فأكلوا. فقال بعضهم: ما أطيب هذا الطعام ما نرى أن أحدا رأى أكثر منه ولا أكل أطيب منه. فقال أعرابي من ناحية القوم: أما أكثر فلا، وأما أطيب فقد والله أكلت أطيب منه، فطفقوا يضحكون من قوله. فأشار إليه عبد الملك فأدني منه، فقال: ما أنت بمحق فيما تقول إلا أن تخبرني بما يبين به صدقك. فقال: نعم يا أمير المؤمنين، بينا أنا بهجر في برث أحمر في أقصى حجر، إذ توفي أبي وترك كلا وعيالا، وكان له نخل، فكانت فيه نحلة لم ينظر الناظرون إلى مثلها، كأن تمرها أخفاف الرباع لم ير تمر قد أغلظ ولا أصلب ولا أصغر نوى ولا أحلى حلاوة منه. وكانت تطرقها أتان وحشية قد ألفتها تأوي الليل تحتها، فكانت تثبت رجليها في أصلها وترفع يديها وتعطو بفيها فلا تترك فيها إلا النبيذ والمتفرق، فأعظمني ذلك ووقع مني كل موقع، فانطلقت بقوسي وأسهمي وأنا أظن أني أرجع من ساعتي، فمكثت يوما وليلة لا أراها، حتى إذا كان السحر أقبلت، فتهيأت لها فرشقتها فأصبتها وأجهزت عليها، ثم عمدت إلى سرتها فاقتددتها، ثم عمدت إلى حطب جزل فجمعته إلى رضف وعمدت إلى زندي فقدحت وأضرمت النار في ذلك الحطب، وألقيت سرتها فيها، وأدركني نوم الشباب فلم يوقظني إلا حر الشمس في ظهري، فانطلقت إليها فكشفتها وألقيت ما عليها من قذى وسواد ورماد، ثم قلبت منها مثل الملاءة البيضاء، فألقيت عليها من رطب تلك النخلة المجزعة والمنصفة، فسمعت لها أطيطا كتداعي عامر وغطفان، ثم أقبلت أتناول الشحمة واللحمة فأضعها بين التمرتين وأهوي إلى فمي، فيما أحلف إني ما أكلت طعاما مثله قط. فقال له عبد الملك : لقد أكلت طعاما طيبا، فمن أنت? قال: أنا رجل جانبتني عنعنة تميم وأسد وكشكشة ربيعة وحوشي أهل اليمن وإن كنت منهم. فقال: من أيهم أنت? قال: من أخوالك من عذرة. قال: أولئك فصحاء الناس، فهل لك علم بالشعر? قال: سلني عما بدا لك يا أمير المؤمنين. قال: أي بيت قالته العرب أمدح? قال: قول جرير:
    ألستم خير من ركب المطايا وأندى العالمين بطون راح قال: وكان جرير في القوم، فرفع رأسه وتطاول لها. ثم قال: فأي بيت قالته العرب أفخر? قال: قول جرير:
    إذا غضبت عليك بنو تميم حسبت الناس كلهم غضابا قال: فتحرك لها جرير. ثم قال له: فأي بيت أهجى? قال: قول جري:
    فغض الطرف إنك من نمير فلا كعبا بلغت ولا كلابـا قال: فا

      الوقت/التاريخ الآن هو الجمعة ديسمبر 15, 2017 11:15 am