منتدي جمال عزوز

أهلا بكم في المنتدى
منتدي جمال عزوز

منتدي الادب والفنون والكتابات النثرية والقصة القصيرة

المواضيع الأخيرة

» من كتاب الشخصية6
الإثنين ديسمبر 09, 2013 5:48 pm من طرف Admin

» من كتاب الشخصية5
الإثنين ديسمبر 09, 2013 5:46 pm من طرف Admin

» من كتاب الشخصية4
الإثنين ديسمبر 09, 2013 5:45 pm من طرف Admin

» من كتاب الشخصية3
الإثنين ديسمبر 09, 2013 5:44 pm من طرف Admin

» من كتاب الشخصية2
الإثنين ديسمبر 09, 2013 5:42 pm من طرف Admin

» من كتاب الشخصية
الإثنين ديسمبر 09, 2013 5:41 pm من طرف Admin

» نموذج من بناء الشخصية
الإثنين ديسمبر 09, 2013 5:39 pm من طرف Admin

» كيف تنشأ الرواية أو المسرحية؟
الإثنين ديسمبر 09, 2013 5:38 pm من طرف Admin

» رواية جديدة
الإثنين ديسمبر 09, 2013 5:26 pm من طرف Admin

التبادل الاعلاني

احداث منتدى مجاني

أكتوبر 2017

الإثنينالثلاثاءالأربعاءالخميسالجمعةالسبتالأحد
      1
2345678
9101112131415
16171819202122
23242526272829
3031     

اليومية اليومية

تصويت

تدفق ال RSS


Yahoo! 
MSN 
AOL 
Netvibes 
Bloglines 

احصائيات

أعضاؤنا قدموا 254 مساهمة في هذا المنتدى في 142 موضوع

هذا المنتدى يتوفر على 35 عُضو.

آخر عُضو مُسجل هو sansharw فمرحباً به.

سحابة الكلمات الدلالية


    الضفة المظلمة

    شاطر

    Admin
    Admin

    عدد المساهمات : 150
    نقاط : 444
    السٌّمعَة : 0
    تاريخ التسجيل : 30/10/2009
    العمر : 43

    الضفة المظلمة

    مُساهمة  Admin في الإثنين ديسمبر 14, 2009 3:27 pm

    خوسيه ماريا ميرينو






    الضفة المظلمة





    ترجمة صالح علماني















    العنوان الأصلي للكتاب
    José María Mereno
    La orilla oscura




































    إلى سابينو أورديس،
    معلماً وصديقاً






































    الفهرس

    I. فـي المتحف ...................................................... 9
    II. الصورة ........................................................... 39
    III. الضفة المظلمة .................................................. 67
    IV. رواية الربان ..................................................... 91
    V. وتتواصل رواية الربان ........................................ 119
    VI. عند نهاية المساء ............................................... 143
    VII. قصة نونيا ....................................................... 171
    VIII. الإله الضب ..................................................... 201
    IX. العودة ............................................................ 221
















































    I. فـي المتحف
    ومضات خافتة فـي الظلمة، رؤاه كلها تلاشت: فراغ الباب فـي أحد جوانب بسطة الدرج المؤدي إلى فسحة خاوية فـي الغابة، والممر الممتد إلى ما بعد الخزانة ذات الأدراج، تحت لوحتين قاتمتين، يختلط بدرب تحفّ بجانبيه آجام ضخمة وجذوع عملاقة؛ بريق ضوء فـي العمق ينسكب بين طيات ستارة رمادية، ويتوافق مع الضياء المبعثر فـي حيز خالٍ من النبات، حيث يحافظ ورق الشجر الكثيف، مع ذلك، على تسلط ظله. وفـي الهواء ارتجاج تكتكة ساعة هو فـي الوقت نفسه ــ بتضاؤل إيقاعه الرتيب بفعل الصدى ــ حفـيف أجنحة، ودوي نعيب طويل، وخرير ينبوع مبهم.
    «ربما كنتَ تحلم مع أنك ترى أنك مستيقظ»، فكر. فتح عندئذ عينيه، واكتشف النهار. قبل لحظة، حين كان جفناه مطبقين، كان الليل الذي ذوّب تلك الصور يمتد فـي الجانب الآخر. ولكن، يبدو أن مجرد حركة جفنيه البسيطة قد أفادت، أيضاً، فـي فتح أهوسة النور موفرة الفرصة لمجيئه المفاجئ: غمر النور كل شيء، ولطخ السطوح، وانفجر فـي زخارف الأثاث، وزوبع حول منضدة الكوميدينو إلى أن حوّلها إلى جزيرة صغيرة مُصمتة. وهكذا، تحددت الأشياء كلُّها، فجأة، بحضورٍ بالغ الحسم، صار من غير المعقول معه التفكير فـي ماض كانت الظلمة فـيه تخفـيها، أو فـي مستقبل ينطفئ فـيه الضياء مرة أخرى، فتختفـي من جديد.
    إنه الصباح، وكما فـي كل يوم فـي تلك الأنحاء، حل النهار فجأة، دون فجر، بحيث يمكن الظن أن أحداً قد أضاء النور بمجرد تشغيل مفتاح؛ وجعله الشرط اللبنيّ لذلك الضوء البكر، المحاط بحلقة شهباء تخفف من انعكاسه، والوساخة الخفـيفة التي تطمسه، يُصرُّ على تلك الفكرة، ويتصوّر بتصميم أنه قد لا يكون ضوء الشمس السيارة فـي الفضاء السماوي لتغمر الشارع وتبلغ النافذة وتنسكب فـي الحجرة، وإنما هو بريق مصباح بعيد بدأ يضيء ردهات بناء فُتحت لتوها. إنه نور اصطناعي إذاً، يشع داخل حجرة. وفكر بعد ذلك، لو كانت تلك الساحة الممتدة تحت النافذة ليست إلا جزءاً من محل مغطى، فلا بد أن تكون لذلك المحل مساحة هائلة، وأبعاد شاسعة: ربما أبعد من ذلك بكثير، وخارج جدران بعيدة، وهائلة أيضاً، مازال الوقت ليلاً؛ وربما لا يزال يتواصل هناك مرور ليلة أطول بكثير وأشد كثافة من معارفه المعهودة، ليلة بمعايير تلك المناطق هائلة الاتساع.
    تصور أن النور الذي أضيء فجأة هو إشارة تسبق الأعمال الخاصة بنشاط يومي ما، وداخله الريب فـي أن ذلك المكان الشاسع هو مخزن غامض بالفعل، متحف غريب تُحفظ فـيه كائنات وأشياء متنوعة المنشأ. وفكر فـي أنه قد يكون هو نفسه جزءاً من تلك البضاعة، وأن حجرته ليست سوى الوعاء الذي يحفظه.
    أخيراً، أوحى إليه ذلك التخيل للمخزن الفسيح الهادئ ليلاً، والذي أضاءه مصباحٌ، فجأة، بنور ضارب إلى البياض، بفكرة جديدة عن حجمه هو نفسه، وأيقن بذعر أن حجمه، إذا ما قارنه بمقاييس تلك الأجواء الخارجية، سيبدو صغيراً جداً. وأدرك عندئذ أن الفندق كلّه يكاد يكون صندوقاً متوسط الحجم مركوناً على أحد الرفوف؛ وأن كائنات أخرى مثله، ضئيلة وضعيفة، حبيسة علب صغيرة تشبه تلك الحجرة، مكرّسة لتجارة مجهولة، تظل محفوظة مثله على رفوف الردهات الهائلة نفسها.
    إنه مكدّس فـي مخزن هائل. أو مصنّف وفق ترتيبات غير معروفة فـي متحف غامض. فكرة المتحف التي بدا له، من جهة، أنها أوضحت قليلاً بعض مظاهر حدسه، أعادته مع ذلك إلى الصحوة التي بدأت للتو: أنزل الغطاء عن أسفل وجهه بشد ساقيه، وبذل جهداً ليعتقد أن قشعريرته كانت تخيلاً، وأن الأمر مجرد تصورات لا تزال تتدلى من وعورة الحلم، وأنها غير مؤذية فـي نهاية المطاف، وأكد لنفسه اليقين بأن تهديدها ليس ممكناً. كان قد أسلم لها قياده فـي منطق التذبذب بين النوم واليقظة، ولكنه لم يكن كائناً ضئيلاً: لاشك فـي أن حجمه يتناسب مع طول قامة غيره من السكان ومظهرهم، ومع مجمل الفضاء المحيط بهم.
    أدرك أن زياراته المهووسة لمتحف المدينة، ومن خلال ذكريات غامضة كامنة فـي الوعي الذي مازال غافـياً، هي السبب فـي ذلك الإيحاء بالتحوّل الفظيع. «لن أعود أبداً إلى ذلك المتحف»، قرر.. «لن أعود إليه أبداً، أبداً»، دمدم محركاً شفتيه بقوة، ليؤكد بتفخيم على أهداف تفكيره.
    ظل دون حراك، بعينين مصوبتين بثبات إلى الخارج. لكنه، وهو لا يزال يتأرجح فـي ذهول النعاس الفريد، فكر فـي أن ذلك الضوء قد لا يكون ضوءاً، وإنما هو مجرد لون مادة جامدة؛ لأن للضياء المتراكم خلف الزجاج كثافة خاصة، ليست مكونة من ضوء وفضاء وكتل غيوم، بقدر ما هي شيء صلب وقريب، محشور فـي لوحة قماشية ضاربة إلى الرمادي، حزمة هائلة سقطت من السماء، وعلقت بين أوراق الشجر الخضراء الداكنة، وأزهار الفلامبويان الحمراء المنتصبة فـي وسط الساحة التي تظهر ذراها قليلاً من الحافة السفلية لزجاج النافذة، وقد فقدت هيئتها الكاملة، فتبدو عند النظر إليها من الفراش كأنها أوراق نبتة صغيرة، وليست نهايات امتداد الجذوع الطويلة، بل تنبثق مباشرة من الأرض على بُعد سنتيمترات قليلة إلى أسفل.
    وهكذا، راحت شكوكه بأن الضوء اصطناعي، وأن الساحة مكان فسيح مسقوف، وأنه هو نفسه كائن ضئيل، تتداخل مع التأمل المطمئن لتلك الرزمة الكبيرة الساقطة على النافذة، حتى انتهى إلى وهم أنه موجود فـي مكان تحت أرضي: يمكن لذرى أشجار الفلامبويان أن تكون مجرد أجمة طالعة من سطح الأرض، عند مستوى إطار النافذة، وهذا الطابق الثاني قد تحول إلى أعلى جزء من قبو. لكنه صار الآن خارج أي نوع من الأحلام، ولم تكن تلك الرؤى الخادعة سوى حصيلة كسل استسلامٍ للأوهام: فالنور مازال يتراكم، وينسكب من الخارج مثل كتلة لطيفة، والأصوات تقدم شهادة حاسمة على الواقع الذي ينتصر فـي نهاية المطاف على كل وهم، بعيداً عن كل زخارف كابوسه. وتكتكة الساعة الخافتة، فـي صور الحلم الأخيرة، تحولت إلى صدى بندول كان هو أيضاً رجع نقيق وهمهمات وتيارات فـي أيكة برية، يأتي الآن ليستقر على الكوميدينو، تحدده أصوات الصباح: المصعد الذي يهتز فـي مساره بعد نحنحة انطلاقه الخفـيفة، الهمهمة المعلنة عن شخير المكانس الكهربائية التي تقترب أكثر فأكثر، وقع الخطى المبتعدة، بعد طقطقة مفتاح الباب. لا شك فـي أن الفندق يبدأ يوماً آخر، بينما هو باقٍ فـي سريره، متأهباً للرد على الهاتف الذي سيرن بين لحظة وأخرى ليخبره بحلول موعد استيقاظه.
    بدأ يسمع فـي تلك اللحظة أنّة مكتومة، فـي الجانب الآخر من حاجز ألواح خشبية متتالية، مصقولة وضاربة إلى الحمرة. الصوت الذي مازال من غير الممكن تحديد كنهه، كان غريب النوع، كما لو أنه حرّ من المواقيت والبرامج، وجعله يتذكر أن الهاتف لن يرنّ، لأن اليوم سبت وليس هناك من ينتظره فـي الجامعة. توافق وعيه بالعطلة والراحة مع أصوات الحجرة المجاورة التي بدت فـي البدء أشبه بأنين طفل يبكي نائماً، ولكنها راحت تتعاظم وتتحدد ببطء، إلى أن شكلت نقيضاً للبكاء، وصارت أشبه بضحكة مخنوقة، تزداد حدّة أكثر فأكثر، حتى لم تعد تبدو له ضحكاً كذلك، ولتتحول إلى علامة مشاعر أخرى، مختلفة عن الضحك بقدر بعدها عن طيب المزاج. صار الأنين جامحاً وتحول إلى كلمات غير مفهومة، وصرخات لها نبرة الاسترضاء، أو الرجاء، أو الالتماس، بكلمات مفاجئة، متقطعة، انتهت أخيراً إلى الصمت.
    عندئذ، حين لم يعد يسمعها، ارتاب فـي أنها لم تكن تأوهات غرامية، وإنما هي أنّات أُطلقت فـي لحظة حرج أخرى: كما لو أنه ضائع بالفعل وسط أدغال خانقة، أدغال حلمه الغريب تلك، على مقربة من وكر حيوان ضارٍ انتهى للتو من التهام طريدته. لكنه سيطر على القلق واستوى فـي الفراش. تناول ساعته، وتحقق من الوقت واليوم فـي مستطيل التكبير الصغير.
    كان يوم سبت. حاول استعادة هذه الفكرة بحذر واستبعاد أية أوهام أخرى. وبينما نظره موجه إلى السقف، استعرض الزمن الذي خلّفه وراءه، وفوجئ حين تأكد من أن أكثر من خمسة عشر يوماً قد انقضت ولم يكد يبقى له سوى خمسة عشر يوماً لإنهاء الحلقة الدراسية: وتنتهي معها تماماً مهام عامه الدراسي، وتنتهي كذلك سنة أخرى من حياته على ذلك الشاطئ من المحيط، وسيتوجه أخيراً إلى بلد مولده على الضفة الأخرى، ليبدأ إجازته السنوية.
    «لن أعود إلى المتحف»، ردد مرة أخرى متلذذاً بقراره. «أبداً، لن أعود أبداً».
    استيقظ، ولكنه مازال ملتفاً بالنعاس اللذيذ وهو يعيد الساعة إلى المنضدة الصغيرة ويقدر كم هي الساعة فـي تلك اللحظة هناك بعيداً، فـي مدينة أزمنة فتوته. تمثّل فـي أحلام يقظته صورة الكوكب، مع العلامات الجغرافـية لكرة أرضية مدرسية، وكان من خلال خطوط العرض والطول يحاول أن يتتبع الطريق الدقيق الذي يقوده إلى المكان الذي أتى منه هذا الفجر، فـي رحلة رجوع من خلال أجزاء ساعة والمواضع المحتملة للشمس، فأثار فـيه ذلك ارتباكاً دوارياً بسبب اختلاط الحسابات الذي لا مفر منه، وعجزه عن طرح الوقت اللازم كي يجد فـيه الذيل النهاري والساطع لهذا الفجر نفسه، البعيد جداً، وشديد التزامن مع ذلك، حيث مازالت، دون شك، أشياء البيت الأبوي وأركانه ملتفة الآن بحديث المائدة الخافت.
    ولدى استذكار البيت الأبوي أدرك أن رؤيته نفسه، فـي حلم اليقظة ذاك المتلاشي تدريجياً مع الاستيقاظ، وقد تحول إلى كائن صغير جداً، ونبض ساعته الخافت، وضجة الفندق الأولية التي أوحت إليه بأصداء مكان هائل، غطت مع ذلك على إحالة أكثر تحديداً بكثير: عرف أن ذلك الكائن الصغير الذي ظن أنه قد تحول إليه إنما هو إحدى دمى الجنود الصغيرة المصنوعة من الرصاص أو الباكليت، القابعة ضمن علب أو ملفوفة بقطع من الورق فـي قاع أدراج الخزانة فـي غرفة طفولته، وراء علبة ألوان الرسم. كان واعياً تماماً أنه فـي أحد تلك الأجسام الصغيرة، بسلبيتها ومخبئها، تكمن الإشارة الحقيقية إلى التحول الذي حَدَسه. ربما كانت الإشارة تحديداً فـي هيئة أحد أولئك الجنود الإسبان القدامى، ذوي البناطيل القصيرة، والخوذات ذات القنازع العالية، ودروع الصدر اللامعة، يسندون إلى أكتافهم بنادق طويلة، ويحملون باليد الأخرى رماحاً متعددة الحراب. وأدرك كذلك أن الكرة الأرضية فـي حساباته المستحيلة ليست الكرة الحجرية الضخمة فـي ذلك المتحف الذي أقسم إنه لن يعود إليه أبداً، وإنما هي كرة الجبس الصغيرة التي كُسرت عدة مرات وأعيد ترميمها بمادة لاصقة، والتي ثُبتت عليها البلدان بألوان صارخة، تشير إلى أواخر تألق استعماري اختفى الآن من الخرائط كلها.
    ابتسم: فعلى الرغم من مرور السنين، مازالت أمه تحفظ فـي الخزانة، بترتيب دقيق، الأشياء التي كانت له وهو طالب، والكثير من ألعابه حين كان طفلاً. حافظات أقلام، عربات قطار من الصفـيح، خداريف ومناظير، بوصلات وفرجارات صغيرة. وانتقل بخياله مجدداً إلى هناك، يتعرف على أمكنة عادات الصبا؛ أولاً باب الدخول، وفـيه تلك الكوة التي هي نافذة صغيرة بيضوية من الزجاج، وبعد ذلك الممر ذو الثلاثة منعطفات، حتى الوصول الصالة فـي العمق، حيث يطفو على الدوام بريق، هو بريق الشمس حين يكون الوقت ظهراً أو بريق المصباح المنتصب، عند الغروب.
    إذا ما رجع إلى هناك، ربما ستخامره الشكوك فـي أنه لم يرجع من بلدان بعيدة، بعد سنوات غياب طويلة تخللتها زيارات صيفـية قصيرة وحسب، وإنما سيشعر بأنه مازال فتى تلك الأزمنة البعيدة، وقد خرج من البيت هذا الصباح، فـي طريقه إلى المدرسة، وسيعود بعد انجاز روتين مماثل فـي كل شيء لروتين مئات الأيام المنظومة فـي سلاسل الماضي المدرسي. وأبقته ذاكرته ــ وقد ظل فـيها فجأة ذلك الصبي الكامل وغير المتغير الذي كانه ــ مثبتاً للحظة فـي ذلك الإيحاء. لكنه نفض عنه ميله الآلي، وتعرّف أخيراً على ذلك المكان البعيد وسط صحو يقظة يقدم كل شيء بصورة مغايرة. وهكذا، بعد أن تقوضت نهائياً حساباته التوقيتية، عصف القلق للحظات فـي رأسه الفارغ حيال استحالة توافق زمنين، هذا الفجر هنا، والزمن الحاضر؛ وحديث المائدة هناك، والزمن الماضي، كرصد لشيء يتوارى مفعماً بالخطر وراء الجغرافـية المحضة.
    غادر الفراش واقترب عندئذ من النافذة. كان الشارع فـي الخارج. وليس أجواء متحف وهمي ضخمة، ولا سطح الأرض، وإنما الشارع، وهو ممتلئ بالناس. وعن تلك المسافة، كانت كل الملامح تتوحد، وتقدم الحشود مظهراً متشابهاً، دون أن يتمكن اختلاف ألوان الملابس من تمييز الهيئة الفردية للمتسكعين البطيئين.
    رؤية المارة حثته على الحركة: لا بد له، دون ريب، من استغلال أيام العطلة، وأن يقوم أخيراً بواحدة من تلك الرحلات التي أجلتها زيارته المتكررة إلى المتحف يومي السبت الفائتين. «لن أعود إلى ذلك المتحف أبداً»، قال مترنماً، وألقى بنفسه مجدداً على السرير شاعراً كما لو أن ذلك الاستيقاظ قد منح له أول مرة، كما لو أنه خروج أولي من حلم غير متناه كان غارقاً فـيه منذ بداية الزمان، ولأسباب يعرف أنه عاجز عن سبر غورها، يعرف أنه تخلص منه فـي ذلك الفجر بعد تصوره المشوش لممر منزلي هو فـي الوقت نفسه درب فـي كثافة غابة.
    رتب نفسه بهدوء، وبتمهل يومٍ لا تعجل فـيه، كما لو أنه يستعد لطقس احتفالي لا يتطلب اختيار ملابس مناسبة وحسب، وإنما يتطلب كذلك إيقاعاً محدّداً فـي طريقة ارتدائها بالذات. وحين انتهى من ارتداء تلك الثياب الصيفـية المريحة، وبعد أن خبأ الوثائق والنقود، جمع النشرات الدعائية المتعلقة بالبراكين الكبرى، وشواطئ الرمل الأبيض، والمراكز الاستيطانية، والوديان الصغيرة الهادئة التي تتهيج حولها كتل نباتية كبيرة. لأنه سيغادر المدينة أخيراً فـي ذلك السبت وسيلتقي بأحد المناظر التي لا يعرفها. كان الوقت باكراً، وكانت كل وكالات السفر ومراكز الانطلاق قريبة من الفندق. تناول الفطور بشهية افتقدها فـي الأسبوعين السابقين، وخرج إلى الشارع بالطمأنينة التي تلي القرارات الحاسمة.
    * * *
    كان اكتشافه المتحف فـي نهاية الأسبوع الأول من عمله.
    فقد انشغل فـي الأيام الأولى باجتماعات متنوعة مع الأساتذة الآخرين، وهو يخطط للمهام المستقبلية، فلم يجد الوقت ولا الحماسة للتجوال فـي شوارع أخرى غير تلك التي تقوده إلى الجامعة، ولا ليتأمل بتمعن أماكن أخرى غير قاعة الدرس القديمة حيث يستخدمون، كمنضدة للعمل الجماعي، مقعداً كبيراً مخلعاً تتوزع حوله عدة كراس قابلة للطيّ.
    كان يقضي الصباح فـي القاعة، ويتوقف عن العمل لأكثر من ساعة بقليل كي يأكل فـي أحد المطاعم الصغيرة القريبة، ثم يواصل عمله بعد الظهر، إلى أن يملأ غسق المساء، المفاجئ كما الفجر، حرم الجامعة بالظلمة.
    وفـي إحدى تلك الأمسيات، بعد مغادرته الجامعة، دخل داراً للسينما، وغلبه النوم فـي المقعد. لكنه كان يعود فـي الأيام الأخرى مباشرة إلى الفندق، فـيستحم، وبعد جولة قصيرة فـي الشوارع المحيطة، يستغرق خلالها، بضجر خالص، فـي تأمل الواجهات ولوحات الإعلانات، يتناول عشاءه بهدوء ويعود لينام بعد أن يتناول كأساً فـي البار الذي يقوم على الخدمة فـيه بارمان زنجي، نحيل، ذو يد صائبة.
    وفـي يوم الجمعة الأول ذاك لوجوده هناك، انتبه كيف أن زملاءه، وقد تخلصوا من الوقار المعهود، راحوا يتفرقون بسرعة نحو بطالة نهاية الأسبوع.
    ــ حاول أن تستريح، يا دكتور. ــ قالوا له.
    كان لطفاً مبالغاً فـيه كأنه موجه إلى مريض ناقه. ربما بدت لهم جهوده خلال الأسبوع كبيرة جداً.
    ــ انسنا، اذهب بعيداً وتمتع.
    وقد تأخر أحدهم بضع لحظات وهو يتحدث إليه، وكأنه يشعر بالأسى لتركه وحيداً.
    ــ سأقربك من الفندق.
    ــ لا، أرجوك أن تذهب. لا تقلق بشأني.
    ــ ليس فـي هذا أي إزعاج. إنه فـي طريقي.
    ــ أشكرك. ولكنني أريد التجول قليلاً.
    وأخيراً ظل وحيداً، يحاول أن يتذكر إذا ما كانت لا تزال هناك مهمة عليه إنجازها قبل العطلة. لم يكن معتاداً على تولي أعمال بعيداً عن قاعات دروسه اليومية، وكان يشعر بأنه خاضع لإحساس بواجب هو مزيج من النشوة والإكراه فـي الوقت نفسه، له أثر طَعم تبشيري. غير أنه لم يعد لديه أي عمل معلق، ويمكنه أن يراجع فـي الفندق مسائل عمل يوم الاثنين التالي كلها. أمامه إذاً وقت إجازة كاملة ليقترب، دون أية التزامات أخرى، من العالم الذي كان يوقظ فـي نفسه الكثير من الأصداء الصوفـية، والذي بدا له إشراقياً جداً حين لمحه، بدءاً من الطهر الشمالي، فـي الصور التوضيحية الجغرافـية التي قدمتها إليه المكتبة.
    كان منتصف النهار، وكان حرم الجامعة يتلألأ تحت الشمس. وفـي وسط الفناء نافورة قديمة جافة، من أحجار قاتمة، تحول ضخامتها دون انعكاس كل ذلك الضوء. اجتاز الفناء سعياً إلى ظل القناطر. كان وقع خطواته يتردد فـي صمت الممر، وكان يستسلم للوحدة بمتعة، متأملاً بتمعن الجدران البيضاء التي تنفتح فـيها تلك الكوى المتتالية، ذات الأشكال مختلفة الخطوط. وكانت البوابات الضخمة، وقد أُغلقت، قد بدّلت مظهرها المعهود وبدا أن القاعات التي يمكن دخولها عادة قد شُيِّدت الآن فـي أماكن مسورة أخرى.
    فـي ذلك المحيط الذي يبدو، فجأة، شديد الخواء، والمشيد بيد بشرية، حيث تبدو السطوح الأفقية والبروزات الزخرفـية المستقيمة، والمنكسرة، ونصف الدائرية كأنها مجرد تمجيد لبهاء التناسق الهندسي، يظهر، مع ذلك، القفا المطابق لما لا يُرى: الظل المضيء الراكد تحت القناطر، حيث تطفو رائحة خفـيفة لربيع دائم مذكرة بسلسلة الجبال الهائلة، والأنهار الجارفة، والغابة غير المتناهية. قبالة الشمس المشتعلة فوق الكتل المعمارية، استنشق ببطء، كما لو أنه مع الهواء الذي يدخل رئتيه، يتغلغل هو أيضاً فـي فوضى الأمكنة المتقابلة تلك. فـي ذلك الصباح داهمه أول مرّة الشك الذي تلاشى سريعاً، فـي أن للأشياء المحيطة به طبيعة مختلفة عن مظهرها وتبدو خاضعة للمكان وللساعة بمحض تماسك ظاهري.
    عاد إلى الفندق ماشياً. ولكنه بعد تناول الطعام، ظل فـي غرفته، أسير فقدان الإرادة فـي ذلك اليوم الذي بلا واجبات، منبطحاً على السرير وتفكيره متشابك فـي تكاسل ضارب إلى الصفرة حيث تختلط، إلى جانب نواياه بسياحة ومغامرة سلمية، المشاريع فـي استغلال هذين اليومين لتنظيم بطاقاته وملاحظاته حول خواص الواقعية الأدبية القشتالية، وهو التزام ينتظره فـي محفظته مع الوثائق الأخرى. غير أنه تنازل عن كل خططه، واستسلم للنوم. وعند بدء انطفاء النهار فقط، على ذلك النحو المفاجئ دون غسق، تمشى فـي الشوارع القريبة قبل أن يدخل إلى السينما. وفـي الليل، حين عاد إلى غرفته، فوجئ من ملاحظته الطريقة غير العقلانية التي بدّد بها ذلك اليوم من العطلة، وقرر أن يستيقظ باكراً فـي اليوم التالي ليتعرف على أكثر ما يميز المدينة.
    وهذا ما حدث: الاستيقاظ بإحساس مماثل بظلمة ونور مفاجئين، متتاليين، فـي عينيه؛ ربما بالصورة نفسها لممر فـي مسكن مديني هو فـي الوقت نفسه قلب غابة متشابكة، وربما بالشكوك نفسها فـي كونه دمية صغيرة مخبأة فـي مكان غامض، وبالذكرى الغائمة نفسها لمنزل بعيد. بعد ذلك،أعادت إليه أصوات الفندق حقيقة الواقع التي انتصرت فـي النهاية على أحلام اليقظة القاتمة.
    كان قد تناول فطوره بشهية وخرج إلى الشارع مستعداً للعثور على ما لا يزال، دون شك، ضمن معلوماته عن هذا العالم. كل ما يتغذى على روايات سُمعت فـي الطفولة، وقصص عن «إنديانوس»(1)، ولوحات التقاويم، وبطاقات بريد محفوظة بين المناديل، ومناظر ووجوه رآها فـي السينما. مجموع صور تختلط فـيها أشجار جوز الهند والبراكين، الغابة البهية والفتيات ذوات الضفائر الثخينة.
    كان قد خرج إلى الشارع، واكتشف صباحاً مضيئاً، دون دلالة على أي سقف أيضاً. صباح مفتوح على سماء حقيقية. وغاص فـي الصخب الذي تأمله من النافذة. أكشاك كثيرة تعرض بضاعتها على الأرصفة: فواكه ذات مظهر أزرق سماوي، كأنها مطلية بورنيش، وأكوام أناناس مقطع إلى شرائح شذية، وكتل عجينية ذات لون أمغر، ربما هي حلوى، إلى جانب قضبان كراميلا رمادية مفتولة. أحد الباعة يعرض ثمار بوميلو كبيرة، بعد أن يقشرها بحذر على آلة بتثبيتها من قطبيها المتقابلين، وتشغيل ذراع تدوير متصلة بسكين صغيرة تنزع القشرة الصفراء فـي شريط حلزوني طويل. أصداف بلح البحر مغطاة بطحالب ناعمة، سوداء، متموجة مثل زغب عانة، ومثلجات وعصائر، وبذور متنوعة الأشكال والألوان. عروض الأطعمة تتكرر فـي كل مكان يتسع لوضع البسطات المزعزعة. وقبالة الكنائس هناك أكشاك تعرض أجنحة ورقية، وصوراً دينية، وأدعية، إلى جانب صناديق ماسحي الأحذية، وقدور كبيرة يطفو فـيها، مثل بيوض غريبة فـي سائل مشيمي، نوع من بسكويت منتفخ وضارب إلى الحمرة. حضور الفواكه والأصداف والحلويات والأشياء الأخرى، كان قريباً جداً ومتلألئاً إلى حدّ تبدو معه كأنها كائنات حية، تراقبه نابضة من مكانها على الحصر وفـي الأواني. وحيال كمالها وبريقها، كان البائعون والمارة يبدون كأنهم كومبارس جاد، يتحرك بنوابض آلية خالصة.
    خلال الساعات الأولى، تقبل بنهم بطيء ذلك الانطباع بوجود حياة فـي تلك الأشياء المبرقشة. وفـي أثناء سيره، تظهر أحياناً صروح محاطة بأشجار ضخمة، كأنها إشارات تُحيل بوضوح إلى نماذج وأشكال أبنية دينية ونبيلة فـي ما وراء البحار. لكنه بدل أن يتأمل الكنائس والدور بإحساس بالتماثل، كان يجدها، فجأة، غريبة جداً عن البيوت ذات سقوف التوتياء والأبواب الملونة، كما لو أن حساسيته آخذة بالتحول، وقد اندمجت تماماً بغموض وفوضى كائنات جامدة وأشياء حية، تحت النور النقي.
    ولا بد أن الوقت كان ظهراً أيضاً بينما هو يجتاز سوقاً مظلمة، حيث الفواكه التي رآها فـي الشارع، مضاعفة بصورة لا حصر لها، ومستبدلة حجومها المصمتة بأكوام كبيرة متتالية من الخضار متعددة الألوان، وذات الحضور الأزرق السماوي والحاسم نفسه الذي للعيون الكبيرة فـي بعض الرسوم التوضيحية، كأنها نظرات متأججة فـي كهوف أو ظلمات. وكانت تتكدس فـي أكشاك البيع فراريج منتوفة شحوبها مقزز، أو تُعرض أسماك طويلة الأجسام، ورخويات ضاربة إلى الخضرة، وقشريات قاتمة. وكانت محلات اللحوم تقدم بضاعة مقطعة من الأحشاء واللحم الدامي، يعلقونها كرايات مزهوة، أو تقبع برخاوة على المناضد. لكن القطع كلها تبدو كما لو أنها تتكور وتنتظر.
    كانت دكاكين الأطعمة تتداخل مع دكاكين أخرى تعرض جلوداً، وأحذية، وأدوات منزلية وزراعية. وكثيراً ما كان يجد بين تنوع الدكاكين بارات صغيرة، أو حانات ركنية، كأنها ملاذات هدوء مفاجئة، تُقدم فـيها للزبائن وجبات أرز وفاصولياء، ولفافات لا يُعرف كنهها، مستطيلة وذات أوراق مسودة تحيط بعجينة زيتية؛ وسلطات تختلط فـيها حمرة البندورة بشحوب الملفوف. وفـي أحد تلك المطاعم الصغيرة، كانت تُخبز ببطء أقراص رقيقة وبيضاء تشبه قطع خبز قربان كبيرة، وتبدو كأنها تتعمد لملمة قوامها الضعيف، وتلهث على قطع صفـيح وحجارة مقعرة فـي حرارة أفران بائسة ونيران بدائية. إنها أرغفة تُعد لتُلف بها صلصات متعددة الألوان، وخلائط كثيفة كأنها دماء مبهمة.
    «كل هذا ينظر إليّ. كل هذا يراقبني، يراني أمرّ» فكر. كانت لعبة، وهماً آخر، لكنه وجد نفسه يراقب القلوبَ والموز بتفخيم، ويرد بغمزات من عينه على رسائل ــ وهي صامتة أيضاً ــ الأشياء المبعثرة على مناضد البيع.
    رائحة متعددة، حلوة وحريفة وخفـيفة، تقوم هناك بالدور نفسه الذي يقوم به الضوء والصخب فـي الشوارع. إنها رائحة لم يشمَّها قط من قبل، خليط من زنخ ونتانات غير محددة، وأنفاس حريفة، تكتسب خاصية فريدة. ومع ذلك، كان يتعرف عليها كما لو أنها تنتمي إلى مكان عميق الغور، موازٍ لأحلامه أو ذكرياته أو هواجسه، كأنها أشباح روائح أخرى عائدة إلى الحياة ولا تزال تغمر أسواق وشوارع ذاكرة نائية جداً، بل سابقة لوجوده، أمام نظرات أسماك أخرى كامدة، وجثث فراريج أخرى مترصدة، وهي منتوفة أيضاً وضاربة إلى الزرقة، رؤوسها المتدلية تنتهي، فوق الزغب الدامي، بلسان صغير خارج من المنقار، وعند أكشاك فواكه وخضار وخردوات أخرى. روائح أخطبوطات تغلي فـي مرجل السوق، وزلابية وزهور المقلاة فـي زيت مسود. جلبة مهرجان شعبي وأرجوحة أحصنة خشبية. كل الروائح الماضية والمستقبلية كانت تتوالد فـي تلك الرائحة كأنها المادة الحيوية لشيء لن يكف أبداً عن الإحاطة به، متجلية بقوة أكبر بالقرب من تلك الانبعاثات الفواحة. وأخيراً، حين خرج إلى الضوء العنيف، مغادراً الظل العابق بالروائح، راوده إحساس واضح بأنه اجتاز الردهة المؤدية إلى أرض غير مرئية لعينيه، حيث يوجد منزلُ ساكنٍ غير معروف.
    تأمل الشارع الطويل بهدوء. كانت السماء شديدة الزرقة. وعند نهاية المرتفع تقريباً، فـي أعلاه، كان صفّ البيوت مقطوعاً بكتلة ضخمة ذات لون أمغر. وعلى الرغم من بُعد المسافة، كان من الممكن لمح منظر جانبي لسور كبير ينتهي بكتلتي برجين إسطوانيين. بدأ المسير إلى هناك بعيداً، متحملاً بتوجس الضوء العنيف والحر، كما لو أنه يمكن لسطوة الشمس أن تصعقه فـي أي لحظة بين روائح ذلك الصباح وأضوائه المعاكسة.
    * * *
    كان المكان حصناً على شكل قلعة. وكانت الأبراج والأسوار تنتهي بشُرفات رماية ناتئة ومتتالية. بدا البناء فـي حالة جيدة، وبالرغم من أنه لا يمكن تجاهل أصله ــ فالشعار القديم ظاهر فوق البوابة ــ، إلا أن مظهره المُجدّد يمنحه هيئة حالمة مضى زمنها، كما لو انه لم يُشيد فـي سنوات الغزو الإسباني البعيدة، وإنما فـي الأزمنة المعاصرة للأرصفة والبيوت الصغيرة.
    قبالة القلعة، فـي ظل اتساع فـي الشارع يشكل ساحة صغيرة، كانت هناك جماعة فضوليين تحيط بلاعب أكروبات يمسك بكل يد من يديه عصا خشبية متينة، ويصعد وقدماه إلى أعلى درجات سلّم نقال موضوع فوق مصطبة عالية. وقف يتأمله دون أن يدرك بوضوح الهدف من تلك الجهود. كان الرجل قوي الذراعين، ضخم الجذع، كثيف شعر الرأس واللحية، له مظهر إثني غريب عن المشاهدين المحيطين به. وصل أخيراً إلى نهاية درجات السلّم وجلس على بسطته العليا. ثم انقلب بعد ذلك ببطء، فصار معلقاً من عرقوبية، رأسه إلى أسفل وذراعاه ممدودان. أفلت العصوين الخشبيتين. وناوله صبي يعمل مساعداً غير ماهر أكورديوناً، ودون أن يبدل لاعب التوازن وضعه المعقد، بدأ بعزف لحن طويل.
    كان للرجل وجه صارم، بعينين لامعتين وشفتين مضغوطتين. تذكر عندئذ تقاطيع وجه مألوف، تتوارى تحت الشعر الكثيف والمتشابك وتلك اللحية الكثة. كان من الصعب، مع ذلك، تحديد ذلك الوجه بدقة وهو متجه إلى أسفل. وكان حدسه قوياً إلى حدّ تقدم معه بضع خطوات، منفصلاً عن الناس. ومن وضعه الغريب، كان الأكروباتي الذي أغمض عينيه يعزف مستغرقاً فـي لحنه. فكلمه بخجل الصبي الذي يطلب النقود:
    ــ ماذا تريد، يا سيدي.
    عندئذ أدرك أنه تصرّف تحت تأثير دافع وهم خادع. كان المتفرجون يتأملونه بفضول. وبعد تردد قصير، أدار ظهره وابتعد متعجلاً. اجتاز الشارع وبحث، كملجأ، عن سقيفة البوابة الضخمة، حيث يقبع الظل راكداً، ناعماً مثل بخار، مشيراً إلى برودة صامتة.
    وفـي ما وراء الباب، كان فناء القلعة يسترد الفضاء المكشوف، مظهراً تحت الشمس خضرة وافرة مزهرة حول تحدب مضيء فـي مسطح فسيح يغطيه العشب. وتحت ظل البوابة الضخمة، كان يجلس على كرسي صغير، ويتأمله، رجلٌ ذو مظهر واهن هزيل، ووجه أسمر ذي زوايا، وشارب أشيب، وشعر كثيف وسبط، يرتدي ثياباً فاتحة وذاوية. وعلى الرغم من خراقة هيئته، كان الحذاء يميزه. جزمة كبيرة عسكرية، تبدو غير مناسبة ــ سواء بلمعانها أو متانة مظهرها ــ للرجل الضئيل الذي ينتعلها.
    قرأ اللوحة. ولم يكن هناك أحد فـي شباك التذاكر، وكان المظهر العام موحشاً.
    ــ أليس مفتوحاً؟ ــ سأل.
    ــ كيف لا ــ أجاب الرجل.
    كان على صدره حزام أسود مدعم بشارة معدنية كبيرة. أشار إلى كوة التذاكر ثم هز يده فـي إيماءة تهدئة.
    ــ لا تقلق، سيأتون الآن ــ وأضاف ــ الآن.
    قدم سيجارة للرجل، وبدأا التحدث. وأخيراً، راح الرجل يخبره، مثرثراً، عن القلعة: عن أحداثها الماضية وأحوالها الراهنة. كانت رنة كلامه المغنى الذي يخالطه نقيق راءات خفـيف، تضفـي على الحكاية وقعاً تكميلياً يتوصل، لكونه عفوياً، إلى تلوينها ببريق أسطوري. وغالباً ما كان يغمغم أواخر الجمل فـيجعلها غير مفهومة على نحو جميل، كما لو أن كلمات اللغة المشتركة تتحول فجأة لتشبه لغة أخرى، وليس صحيحاً أن تلك اللغة هي لغة الرجل الطبيعية، وإنما هي تصنع، وقناع مبالغ فـيه للهجة رتيبة يخدعه بها.
    تحول عنه بنظره، لكنه واصل الاستماع إلى الشرح البطيء. فـي ذلك الحصن الذي كان فـي أيامه مركزاً لأعمال الاستيطان والشرطة المحلية، وأداة حاسمة فـي تسوية المشاجرات والنزاعات بين المستوطنين أنفسهم، أقيم الآن المتحف الوطني. كان الرجل يروي التقلبات التي شهدتها المنشأة بتفخيم خاص، متوقفاً عند حكايات صغيرة، وآتياً على ذكر المؤسسين البارزين بنبرة احترام.
    ــ أعمال البناء وحدها كلفت ثمانية ملايين. والنجارة أكثر من ثلاثة.
    كان يعدد بدقة أهم النفقات، وأكثر التبرعات جدارة بالذكر.
    ــ والد السيد الرئيس قدّم أثاث منزله الذي يعود إلى أزمنة الاستقلال. وقدمت السيدة زوجته تمثال القديسة روسا ذات الشعر الطبيعي، وبيانو قديماً جداً، جيء به فـي عربة من ساحل الأطلسي قبل مدّ السكة الحديد.
    كانت مقتنيات المتحف موزعة فـي ثلاث مناطق: الأولى، ويبدو أنها الأوسع، مخصصة للفن الديني الكولونيالي. والأخريان تضمان بدورهما أشياء ومرجعيات من العالم ما قبل الكولومبي من جهة؛ ومن جهة أخرى، معطيات تاريخية عن الأمة منذ استقلالها، فـي الربع الأول من القرن الماضي.
    عند انتهاء السيجارة، رمى الحارس العقب على الأرض، وداسه مع دعك بطيء وجلس من جديد مستعيداً وضعه الساكن.
    ــ أنا هنا تحت أمرك ــ قال بعد صمت قصيرة.
    كانت آنسة قد اتخذت مكانها فـي شباك التذاكر. اقترب منها، دفع رسم الدخول، وبعد أن اجتاز الجانب الآخر من الردهة الفسيحة المظلمة، توقف أمام النور المنعكس على الفناء الممتد باتساع إلى اليمين، والمغلق من جهاته الثلاث الأخرى برواق مسقوف، يسند سقفه الضيق على أعمدة خشبية متينة. وهناك فـي العمق مجموعة أشجار تخفـي البرج ذا الزاوية القائمة. كان العشب ينتشر فـي الفناء. وفـي ناحية من المرج، أمام الأشجار، فاجأته منحوتة كرة حجرية بضخامة حجمها وجمودها ــ فهي تبدو، من خلال شكلها، أنها تحذير بتدحرج وشيك ــ وفاجأه تناقض سطحها الخشن، الرمادي القاتم فـي نصفه العلوي، والضارب إلى الصفرة فـي نصفه السفلي، مع ورق الشجر اللامع والأزهار الوردية التي تتسلق بعض الأعمدة. كان فـي ذلك الاتساع ضوء مألوف، تعرّف فـيه فجأة على تلون وبريق إضاءة بيتية، ربما هي إضاءة رواق البيت فـي ساعات الضحى، أيام الآحاد، عندما كانت تبقى على المنضدة النقالة بقايا الفطور المستهلك بشيء من الوقار الاحتفالي. ذلك التشابه الغريب جعله يغمض عينيه فـي حركة مفاجئة. وبعد ذلك اجتاز الفناء.
    منطقة المتحف التي يحتفظ فـيها بالفن الديني تتوزع فـي قاعات القبو. ويتم الوصول إلى هناك بنزول طيتين من درج ضيق تفصل بينهما بسطة مربعة. كانت القاعات مضاءة بكوات سمتية كبيرة تصفـي ضوء النهار، وبروجكتورات إنارة تسلّط، من الأرض أو الزوايا، ضوءاً أبيض صارخاً ومباشراً على المعروضات والتماثيل. وفـي بعض الأماكن، هناك فـي الجدران الفاصلة بين الحجرات فجواتٌ مختلفة الأشكال. وهذه الفجوات مفتوحة على ارتفاعات مختلفة وتتيح رؤية التماثيل من زوايا غير مألوفة، كأنها نوافذ مستحيلة تكسر، دون هدف منطقي، المظهر الطبيعي الكامد لبقية الجدار. وهكذا، تتوصل الرؤية إلى زوايا غريبة، يبدو أنها وُجدت لمفاجأة أوضاع التماثيل فـي منظور أكثر تجرداً، وأن تسمح بذلك للزائر ضبط إحساسه بأنه مُراقب وهو يجوب القاعات المتوحدة التي ترنّ فـيها الأصداء.
    تماثيل متنوعة الأحجام والمظاهر، تصطف، أو تتجمع، أو تتقابل، أو تدير ظهرها. بعضها يحمل الطفل بين ذراعيه، وبعضها يزيغ عيوناًٍ زجاجية كبيرة، ويفغر أفواهاً ذات تجاويف لا يسبر غورها وراء الأسنان الخشبية. وهناك قديسون، بحملهم أغراضاً فـي أيديهم، يتوصلون إلى مظهر حي مبهم، كما لو أن تماثيل المصلوبين، وذلك الريش المفضض، وتلك العكاكيز، ترتجف فـي اختلاج نبض. وهناك تماثيل لها نظرات منتشية، أو شعور تصلبت فوق الجباه كأنها هالة مجدها الطبيعية، أو مقدمات أحذية معكوسة، فـي إشارة غريبة إلى انكفاء باطني وغبطة روحية. وهناك عدة تماثيل سوداء البشرة وناحلة الأجساد، إلى جانب ركبتي كل منها جمجمة، تركع فـي وضعية تكفـير وتعذيب للجسد. وهناك قديسات كبيرات بوجوه بيضاء لامعة، يحملن فـي جفنات واسعة رموز فضيلتهن واستشهادهن: كرات عيون جامدة، وأثداء مستأصلة بالكامل.
    فـي البدء، لم تُتح له رؤية المجموع أن يتوصل إلى وعي دقيق لكل واحد من تلك التماثيل. ولكن، بعد لحظات قليلة، أعاده إليه المظهر المؤكد للقديس مارثيلو بثيابه الفضفاضة وسيفه فـي يده، صورة تمثال فـي وضع مماثل، وبالحجم وتعدد الألوان نفسه، كان يترأس صلوات طفولته فـي تلك المدينة على الجانب الآخر من البحر. تأمل التماثيل الأخرى بتمعن أكبر، وصارت مفاجأته ساحقة: تماثيل مماثلة فـي الكنائس الأسرية، أو فوق مذبح بيتي صغير، أو فـي كتاب صلوات أمه الذي كانت تحفظ بعناية بين صفحاته صوراً تذكارية كثيرة لطقوس مناولات أولى ووفـيات، وهي تتكرر، جميعها هنا، تحيط به بتأكيد راسخ على وجود حقيقي: تمثال القديس دييغو الزنجي وطفل الاسم العذب بوجهه الممتلئ وملابسه البيضاء، على جانبي مريم النائمة، مريم الميتة فـي تابوتها البلوري، ملفوفة بأقمشة شفافة ومحاطة بأزهار من ورق وقماش، مع مسبحة بين يديها الشاحبتين، الدقيقتين، النحيلتين، وبريق غامض تحت جفنيها المطبقين. وفـي ما حوله، هناك علب زجاجية صغيرة فـيها تماثيل بطول ثلاثة أشبار، ومجسم كبيرة يمثل بيت لحم ميلاد المسيح، فـيه تماثيل مربوعة أمام مشهد خلفـي كان يُدهشه كثيراً وهو طفل، لأنه يمثل منظراً نهرياً.
    وأحياناً، كانت البطاقات الصغيرة التي تحدد هوية التماثيل، تشير أيضاً إلى مناطق شفاعتها، ووجد نفسه يتعرف على كل أولئك الشفعاء الذين كانت جدته تعرفهم جيداً: القديس شفيع النفساوات، والقديس شفـيع الموسيقيين، وقديس الحذَّائين، وقديس البكم. استدار فجأة دون أن ينتبه إلى أن هناك صندوقاً زجاجياً آخر يعترض طريقه، وكان على وشك السقوط على تمثال كبير للقديس بولس الرسول. كان التمثال فـي وضع الرقود أيضاً، وبزي مطران، يكشف فـي يديه المتقاطعتين على صدره عن قروح كبيرة متيبسة. كانت هناك صورة فوتوغرافـية مثيرة للفضول لذلك التمثال نفسه، معلقة وسط صور أخرى مطبوعة حجرياً، تزين أحد جدران كنيسة المدرسة. كان لزلة قدمه دوي فرقعة فـي القاعات الأخرى. فكر فـي أن وجه القديس بولس، مثل وجوه تماثيل القديسين الآخرين، فضلاً عن احتفاظه بملامح تلك الصور التي عرفها من قبل، يمثل الذكرى الغامضة لإيمائية أخرى، لوجوه حية ضائعة فـي الماضي.
    وكان أن ارتاب عندئذ بوضوح فـي أن وراء المظهر الحقيقي لكل ما يحيط به، فـي الزمان والجغرافـية، يمكن لتشابكات حلم متينة أن تكون آخذة بمحاصرته. تراجع خطوة إلى الوراء وتأمل التماثيل والأشياء الأخرى بتأثر حقيقي، شاعراً بالدم فـي صدغيه يضغط ضغطاً خفـيفاً متوالياً.
    كان يتأمل تبعثرها تحت الإضاءة المزدوجة والمتعاكسة، محاطة بعينات أخرى من الورع والطقوس: تماثيل للمسيح مصلوبة، راقدة، مجلودة، تبدو الجراح على أجسادها كأنها تكتب رموزاً مجهولة؛ تماثيل متألمة بدموع متدفقة وجامدة فـي الوقت نفسه، وتماثيل قديسين وكهنة تجمدت فـي تكشيرات كبيرة. وفـي ما بينها، أردية مطارنة قاتمة من مخمل قديم، وحرائر تفتا لمست الكفن المقدس، وأحجار مذبح، وصناديق خشبية للعباءات البيضاء الموشاة بزينة قرمزية، وملابس قداس، وشالات، وأقمشة يضعها الكاهن على ذراعه فـي القداس، وعباءات مطرية، وبراقع تقديس تبدو رثة وحائلة الألوان، فـي تناقض حي مع متانة أجران العماد، والمباخر، والجرار، وصواني كؤوس القربان، وأطباق خبز القربان المقدس.
    الإحساس بالتعرف على الأوضاع، والأشكال، والملامح، والأشياء، كان يترافق مع وقع خطواته الرنانة. وفكر: «كأنني هناك من جديد»: كانت الإشارة تحدد مكاناً وحيداً تجتمع فـيه تماثيل القديسين المألوفـين، صور المدرسة، ومذابح كنيسة الأبرشية. وتقبل، بمصادفة نادرة لا مواربة فـيها، أن تكون كل الإيقونات القديمة موضوعة حوله، هاجرة مخابئها المعهودة، ومكومة دون الترتيب أو المراتب التي تحكمها وترفع مكانتها على الرفوف، أو على المذابح، أو فـي الصور المطبوعة فـي ذاكرته.
    وليُبعد شك أنه غارق فـي حلم غريب، اضطر إلى التفكير فـي أنها مجرد دمى كبيرة صُنعت بمعايير العمالقة وضخام الرؤوس، واجتمعت مصادفة فـي اختلاط مشؤوم. رغب فـي الاعتقاد بأن وراء كل ذلك الجمود هناك كاريكاتيرية سرية. وبالطريقة نفسها أيضاً، كثيراً ما كان يرتاب فـي طفولته فـي أن التماثيل التي يركع الناس أمامها بوجوه بالغة الجد، ليست سوى هيئات لإثارة ضحكة، ومن يدري لأي سبب هي ضحكة مستبعدة، ومنقلبة إلى وقار صارم. وخطر له عندئذ، فـي أفكار تربكه حتى الخوف، أن فكرة السماء نفسها هي، بالضبط، فكرة مرافقة الشخوص المقدسين الذين ليست التماثيل إلا نسخة منهم، فـي ذلك الجمود الصامت، وطوال الأبدية كلها. وربما كانت السماء أيضاً لوحة معفرة بالغبار. هذه الأفكار التي كان يستبعدها بإحساس مفاجئ بالرعب فـي تلك الأزمنة الطفولية، فـي أيام الممارسة الروحية، عادت إليه كما لو أنه يعيش مجدداً تلك السنوات، باحثاً وسط هذيانات أرق محموم غير معقولة.
    بدأت تبرز بعد ذلك أفكار أخرى أشد غرابة: صار بإمكانه الآن تأمل صور طفولته فـي ملامح ظلت خفـية. ومن خلال النوافذ وكوى السقف، كانت الهيئة الخلفـية للرؤوس والمرافق والجذوع خالية من أي مظهر ديني، وتبدو أقرب شبهاً بأجزاء من مشهد، إذا لم تُرَ إلا من تلك الزوايا الصعبة، وذلك المنظور الضيق، فإنها توحي باجتماعات سرية ــ لا يمكن رؤيتها إلا فـي نقطة من ذلك القذال، من تلك الآذان الخشبية الكبيرة، من ذلك الخصر الذي يزنره حزام كبير ــ، حيث تضيء الأنوار الخافتة مؤثرات مشؤومة، طقوساً غامضة، ربما تنتمي إلى استهزاء بانتهاك لا يمكن وصفه للمقدسات.
    وكانت تلك الانطباعات كلها تتعزز بقوة من خلال قطع الأثاث القاتمة الضخمة التي تصطف فوقها، دون ترتيب، أوعية الذبيحة الإلهية والكتب وآنية الخمر، والشمعدانات، ومرشات الماء المقدس. وكانت تلك الأدوات المقدسة، بانتزاعها من محيطها المألوف، تكتسب مظهراً مبهماً يتجاوز حدود الطقوس الدينية، كتجاوزه كذلك مظهر الأدوات الجراحية والمطبخية. وعلى منسوجات البروكار السميكة تمتد الخيوط مشكلة خربشات تبدو، فـي تناقض لما هو مقدس، زينات مشغولة خصيصاً لبهاء كرنفالات ليلية وفقيرة.
    إضاءة الكوى والمصابيح المتعاكسة، التي تقطعها كتل التماثيل، تُولّد حول هذه الأخيرة هالات باهتة مختلفة السماكة. توقف بين أسقف وجلاد، وتقصى ذلك الصمت الذي تأتي لتغرق فـيه آخر أصداء الشارع. كانت تطفو فـي القاعة رائحة كلس الجدران الحديث، والتضوعات العالقة بمسوح الكهنة ومعاطفهم، وبالخشب القديم.
    وفجأة، حرك الجلاد عينيه، وفتح فمه فـي ابتسامة مسترخية. انتابه خوف عظيم، وأدرك أنه كان يراقبه دون شك منذ بعض الوقت. فتمتم بكلمة اعتذار مبدياً تأهبه للانصراف، وأعطى الرجل إكرامية لقاء تسامحه الكبير.
    حين خرج إلى الشارع، وجد نفسه جائعاً ومتعباً، وراوده حدس خاطف، تحول فجأة إلى رعب، ثم انتهى إلى قهقهة قصيرة فـي آخر الأمر. فكر فـي أن تلك التماثيل ظلت ساكنة عند دخوله، واستمرت على تلك الحال خلال وقت زيارته، ولكنها الآن، بعد أن صارت وحيدة من جديد، ربما تكون قد استعادت حريتها وحركاتها. والحارس نفسه ليس سوى واحد منها، إنه ذلك الجلاد نفسه ذو الشارب الكث الذي يحافظ بوفاء على مظهره الحي. كانت افتراضات غير معقولة، ولكنها تتفق بتماسك مع ذلك الجيش من الصور التي تأتي من ماضيه. تناول طعامه فـي مكان قريب، وتأخر فـي تناول القهوة على المنضدة نفسها بانتظار افتتاح الفترة المسائية.
    وعندما حان الوقت، رجع إلى القلعة، ونزل مجدداً إلى القبو، وعاد للتجوال فـي القاعات بين التماثيل الراقدة، المصلية، المتشنجة التي تحافظ، إلى جانب ذروة جمود الألم والنشوة الروحية الذي ترمز إليه، على الذكرى الواضحة للمكان الذي جاءت منه، وقد تحوّل إلى ركن محدد وثابت فـي ذاكرته.
    تآلف معها، مع وضعها ومع المكان الذي تشغله، وسيبقى هو أيضاً ساكناً، بلا تنفس تقريباً، آملاً تضليل نظرات الزائرين الآخرين، الفضوليين القليلين الذين يذرعون القاعات بدوي خطوات وتجوال بطيء ربما يخفون فـيه بعضاً من الشكوك المبهمة التي أثارتها فـيه تلك التكشيرات المتجمدة.
    انتهى الدوام أخيراً. خرج من الحصن مضطرباً ومعانياً الدوار. لم يكن الحارس موجوداً، وكان كرسيه الصغير قد اختفى أيضاً. مضى ماشياً ببطء نحو الفندق. ومن الأشجار غير المرئية كانت تهبط رائحة زكية، لكنه كان يشعر بالحزن، كما لو أن كل ما كان كئيباً فـي طفولته، وكل ما كان فـيها من فجوات وظلال ومخاوف قد انبعث من جديد.
    أحس أنه أسير إثارة غريبة. ومع أن عادة الوحدة قد عودته أيضاً على الصمت، فقد شعر بالحاجة إلى أن يعرف أن الواقع ــ بغض النظر عن تلك الصور التي يبدو أنها تؤكد بصورة بالغة الصخب على انتصار بعض أحلام اليقظة ــ يظل سليماً، يظل مرفأً آمناً فـي مواجهة المياه القاتمة والهائجة. ومع ذلك، لم يكن لديه من يتكلم إليه. أما الجانب الآخر من المحيط، وبيت الأبوين الذي يستعيد تذكره على ضوء الطفولة، فـينتمي أيضاً إلى ميدان الأحلام.
    كان قد جلس على السرير، وراح يتصفح إحدى نسخ الكتاب المقدس التي توفرها بعض الجمعيات فـي الفنادق سعياً منها لتقديم مساعدة رحيمة للزبائن فـي لحظات ضجرهم. وتذكر عندئذ البلد الذي أتى منه ذلك الكتاب المجلد بغلاف أسود متين، البلد الذي كان يؤدي فـي إحدى جامعاته وظيفته المهنية بانتظام، وفـي اللحظة نفسها، فكر فـي سوس. وباندفاع لم يأخذ معه فـي الاعتبار الزمن الذي انقضى منذ انفصالهما، اتصل بها هاتفـياً متذكراً الرقم بدقّة كاملة، كما لو كان مسجلاً داخل عينيه.
    ترددت الذبذبات صغيرة فـي الجهاز. أصداء خفـيفة متتالية فـي الاتصال الخارجي بعيد المدى. وأخيراً، حل الصوت محل الفرقعة الخفـيفة: إنه دون شك صوت ذلك الأرجنتيني، الخبير فـي حرشفـيات الأجنحة، والذي كان يواسي سوس فـي الأشهر الأخيرة من علاقته بها، ثم تزوجها بعد ذلك. كانت تُسمع فـي الخلفـية موسيقى بيانو. عندئذ أدرك أن ذلك الصوت وسوس، بالرغم من أنهما يشكلان جزءاً من الواقع، إلا أنهما يعنيان أيضاً ماضياً لا يمكن استرداده. سأل عنها.
    ــ من يطلبها؟
    كانت نبرة صوت الرجل عدائية. لقد تعرّف عليه بعد التلعثم الأولي المضطرب. عرّف بنفسه. واحتفظ الآخر بالصمت هنيهة.
    ــ ليست موجودة. ــ قال الصوت بجفاء.
    ــ ليست موجودة؟ ــ أجاب رافعاً صوته ــ لا أسمعك جيداً. فـي أي ساعة تأتي؟
    كانت الموسيقى قد توقفت.
    ــ إنها مسافرة. ولن تعود قبل خمسة عشر يوماً. أيمكنني أن أعرف ما الذي تريده؟
    لم يدرِ بم يجيب.
    ــ لا شيء محدداً فـي الواقع. أريد التكلم معها وحسب.
    ــ اسمع، إنها فـي حالة جيدة. أنت ذهبت منذ ثلاث سنوات بالضبط، وهي فـي حال جيدة، وفـي كل يوم تتحسن. دعها بسلام.
    أحس بالخجل، وشعر فـي الوقت نفسه بالغضب. وعندما أراد الردّ، قطع الآخر الاتصال. لكن تشابكاً فـي الاتصال أتاح له سماع مقطع من محادثة غامضة، بلغة غير معروفة. وبعد ذلك تلاشت تلك المحادثة أيضاً، ولم يبق منها سوى الرنين القصير الحاد الذي يشير إلى انقطاع الاتصال. انبطح على السرير، دون أن يخلع ملابسه، وظل يتأمل كرة المصباح البيضاء ا

    كامل

    عدد المساهمات : 3
    نقاط : 3
    السٌّمعَة : 0
    تاريخ التسجيل : 12/12/2009

    رد: الضفة المظلمة

    مُساهمة  كامل في الأحد يناير 03, 2010 12:06 am

    جميييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييل

      الوقت/التاريخ الآن هو الثلاثاء أكتوبر 17, 2017 10:30 pm