منتدي جمال عزوز

أهلا بكم في المنتدى
منتدي جمال عزوز

منتدي الادب والفنون والكتابات النثرية والقصة القصيرة

المواضيع الأخيرة

» من كتاب الشخصية6
الإثنين ديسمبر 09, 2013 5:48 pm من طرف Admin

» من كتاب الشخصية5
الإثنين ديسمبر 09, 2013 5:46 pm من طرف Admin

» من كتاب الشخصية4
الإثنين ديسمبر 09, 2013 5:45 pm من طرف Admin

» من كتاب الشخصية3
الإثنين ديسمبر 09, 2013 5:44 pm من طرف Admin

» من كتاب الشخصية2
الإثنين ديسمبر 09, 2013 5:42 pm من طرف Admin

» من كتاب الشخصية
الإثنين ديسمبر 09, 2013 5:41 pm من طرف Admin

» نموذج من بناء الشخصية
الإثنين ديسمبر 09, 2013 5:39 pm من طرف Admin

» كيف تنشأ الرواية أو المسرحية؟
الإثنين ديسمبر 09, 2013 5:38 pm من طرف Admin

» رواية جديدة
الإثنين ديسمبر 09, 2013 5:26 pm من طرف Admin

التبادل الاعلاني

احداث منتدى مجاني

مارس 2017

الإثنينالثلاثاءالأربعاءالخميسالجمعةالسبتالأحد
  12345
6789101112
13141516171819
20212223242526
2728293031  

اليومية اليومية

تصويت

تدفق ال RSS


Yahoo! 
MSN 
AOL 
Netvibes 
Bloglines 

احصائيات

أعضاؤنا قدموا 254 مساهمة في هذا المنتدى في 142 موضوع

هذا المنتدى يتوفر على 35 عُضو.

آخر عُضو مُسجل هو sansharw فمرحباً به.


    الاغاني للاصفهاني57

    شاطر

    Admin
    Admin

    عدد المساهمات : 150
    نقاط : 444
    السٌّمعَة : 0
    تاريخ التسجيل : 30/10/2009
    العمر : 43

    الاغاني للاصفهاني57

    مُساهمة  Admin في الإثنين يناير 04, 2010 3:39 pm

    بينا المهلب ذات يوم أو ليلة بفارس وهو يقاتل الأزارقة إذ سمع في عسكره جلبة وصياحا، فقال: ما هذا? قالوا: جماعة من العرب تحاكموا إليك في شيء. فأذن لهم فقالوا: إنا اختلفنا في جرير والفرزدق، فكل فريق منا يزعم أن أحدهما أشعر من الآخر، وقد رضينا بحكم الأمير. فقال: كأنكم أردتم أن تعرضوني لهذين الكلبين فيمزقا جلدتي لا أحكم بينهما، ولكني أدلكم على من يهون عليه سبال جرير وسبال الفرزدق، عليكم بالأزارقة، فإنهم قوم عرب يبصرون بالشعر. ويقولون فيه بالحق. فلما كان الغد خرج عبيدة بن هلال اليشكري ودعا إلى المبارزة، فخرج إليه رجل من عسكر المهلب كان لقطري صديقا، فقال له: يا عبيدة، سألتك الله إلا أخبرتني عن شيء أسألك عنه. قال: سل. قال: أو تخبرني? قال: نعم إن كنت أعلمه. قال: أجرير أشعر أم الفرزدق? قال: قبحك الله أتركت القرآن والفقه وسألتني عن الشعر إنا تشاجرنا في ذلك ورضينا بك. فقال من الذي يقول:
    وطوى الطراد مع القياد بطونها طي التجار بحضرموت برودا فقال: جرير. قال: هذا أشعر الرجلين.
    لم ينزع في شعره إلى الغزل ولا إلى الرجز: أخبرني هاشم بن محمد قال حدثنا الرياشي عن العتبي قال: قال جرير: ما عشقت قط، ولو عشقت لنسبت نسيبا تسمعه العجوز فتبكي على ما فاتها من شبابها، وإني لأرى من الرجز أمثال آثار الخيل في الثرى، ولولا أني أخاف أن يستفرغني لأكثرت منه.
    جرير في ضيافة عبد العزيز بن الوليد: أخبرني حبيب بن نصر المهلبي وعمي قالا حدثنا ابن الأعرابي قال حدثنا عبد الرحمن بن سعيد بن بيهس بن صهيب الجرمي عن عامر بن شبل الجرمي قال: قدم جرير على عبد العزيز بن الوليد بن عبد الملك وهو نازل بدير مران، فكنا نغدو إليه بكرا، فيخرج إلينا ويجلس في برنس خز له لا يكلمنا كلمة حتى يجيء طباخ عبد العزيز إليه بقدح من طلاء مسخن يفور، وبكتلة من سمن كأنها هامة رجل فيخوضها فيه، ثم يدفعه إليه فيأتي عليه، ويقبل علينا ويحدثنا في كل فن، وينشدنا لنفسه ولغيره، حتى يحضر غداء عبد العزيز فنقوم إليه جميعا. وكان يختم مجلسه بالتسبيح فيطيل. فقال له رجل: ما يغني عنك هذا التسبيح مع قذفك للمحصنات فتبسم وقال: يا بن أخي خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا عسى الله أن يتوب عليهم، إنهم والله يا بن أخي يبدءوني ثم لا أحلم.
    وفد رجل من قبيلة الفرزدق على امرأة من بني حنيفة فأسمعته هجو جرير لهم وقصة عشقها لابن عم محمد: أخبرني عمي قال حدثنا ابن أبي سعد قال حدثني إبراهيم بن عبد الرحمن بن سعيد بن جعفر بن يوسف بن محمد بن موسى قال حدثني الأخفش عن أبي محذورة الوراق عن أبي مالك الراوية قال سمعت الفرزدق يقول: وأخبرني بهذا الخبر محمد بن خلف بن المرزبان قال حدثني إبراهيم بن محمد الطائفي قال حدثني محمد بن مسعدة الأخفش عن أبي محذورة الوراق عن أبي مالك الراوية قال: سمعت الفرزدق يقول: أبق غلامان لرجل منا يقال له الخضر، فحدثني قال: خرجت في طلبهما وأنا على ناقة لي عيساء كوماء أريد اليمامة، فلما صرت في ماء لبني حنيفة يقال له الصرصران ارتفعت سحابة فرعدت ويرقت وأرخت عزاليها، فعدلت إلى بعض ديارهم وسألت القرى فأجابوا فدخلت دارا لهم وأنخت الناقة وجلست تحت ظلة لهم من جريد النخل، وفي الدار جويرية لهم سوداء، إذ دخلت جارية كأنها سبيكة فضة وكأن عينيها كوكبان دريان، فسألت الجارية: لمن هذه العيساء? تعني ناقتي فقالت: لضيفكم هذا. فعدلت إلي فقالت: السلام عليك، فرددت عليها السلام. فقالت لي: ممن الرجل? فقلت: من بني حنظلة. فقالت: من أيهم? فقلت: من بني نهشل. فتبسمت وقالت: أنت إذا ممن عناه الفرزدق بقوله:
    إن الذي سمك السماء بنى لنـا بيتا دعائمـه أعـز وأطـول
    بيتا بناه لنا المليك وما بـنـى ملك السماء فإنه لا ينـقـل
    بيتا زرارة محتب بـفـنـائه ومجاشع وأبو الفوارس نهشل قال: فقلت: نعم جعلت فداك وأعجبني ما سمعت منها. فضحكت وقالت: فإن ابن الخطفى قد هدم عليكم بيتكم هذا الذي فخرتم به حيث يقول:
    أخزى الذي رفع السماء مجاشعا وبنى بناءك بالحضيض الأسفل

    صفحة : 824


    بيتا يحمم قينكم بـفـنـائه دنسا مقاعده خبيث المدخل قال: فوجمت. فلما رأت ذلك في وجهي قالت: لا عليك، فإن الناس يقال فيهم ويقولون: ثم قالت: أين تؤم? قلت: اليمامة. فتنفست الصعداء ثم قالت: ها هي تلك أمامك، ثم أنشأت تقول:
    تذكرني بلادا خير أهـلـي بها أهل المروءة والكرامة
    ألا فسقى الإله أجش صوبا يسح بدره بلـد الـيمـامة
    وحيا بالسلام أبـا نـجـيد فأهل للتحية والـسـلامة قال: فأنست بها وقلت لها: أذات خدن أم ذات بعل? فأنشأت تقول:
    إذا رقد النيام فـإن عـمـرا تؤرقه الهموم إلى الصبـاح
    تقطع قلبه الذكرى وقلـبـي فلا هو بالخلي ولا بصـاح
    سقى الله اليمـامة دار قـوم بها عمرو ويحن إلى الرواح فقلت لها: من عمرو هذا? فأنشأت تقول:
    سألت ولو علمت كففت عنـه ومن لك بالجواب سوى الخبير
    فإن تك ذا قبـول إن عـمـرا هو القمر المضيء المستنـير
    وما لي بالتبعل مـسـتـراح ولو رد التبعل لـي أسـيري قال: ثم سكتت سكتة كأنها تتسمع إلى كلام، ثم تهافتت وأنشأت تقول:
    يخيل لي هيا عمرو بن كعب كأنك قد حملت على سرير
    يسير بك الهوينى القوم لمـا رماك الحب بالعلق العسير
    فإن تك هكذا يا عمرو إنـي مبكرة عليك إلى القـبـور ثم شهقت شهقة فخرت ميتة. فقلت لهم: من هذه? فقالوا: هذه عقيلة بنت الضحاك بن عمرو بن محرق بن النعمان بن المنذر بن ماء السماء. فقلت لهم: فمن عمرو هذا? قالوا: ابن عمها عمرو بن كعب بن محرق بن النعمان بن المنذر، فارتحلت من عندهم. فلما دخلت اليمامة سألت عن عمرو هذا فإذا هو قد دفن في ذلك الوقت الذي قلت فيه ما قالت.
    قصته مع عمر بن عبد العزيز حين وفد عليه: أخبرني محمد بن العباس اليزيدي قال حدثنا سليمان بن أبي شيخ قال حدثنا محمد بن الحكم، وأخبرنا أحمد بن عبد العزيز الجوهري، قال حدثنا عمر بن شبة قال حدثنا أبو الهيثم بدر بن سعيد العطار قال حدثنا عبد العزيز بن عمر بن عبد العزيز قال: لما استخلف عمر بن عبد العزيز جاءه الشعراء فجعلوا لا يصلون إليه، فجاء عون بن عبد الله بن عتبة بن مسعود وعليه عمامة قد أرخى طرفيها فدخل، فصاح به جرير:
    يأيها القارىء المرخى عمامـتـه هذا زمانك إني قد مضى زمنـي
    أبلغ خليفتـنـا إن كـنـت لاقـيه أني لدى الباب كالمصفود في قرن قال: فدخل على عمر فاستأذن له، فأدخله عليه. وقد كان هيأ له شعرا، فلما دخل عليه غيره وقال:
    إنا لنرجو إذا ما الغيث أخـلـفـنـا من الخليفة ما نرجو من المـطـر
    نال الخلافة إذ كـانـت لـه قـدرا كما أتى ربه موسى عـلـى قـدر
    أأذكر الجهد والبلوى التـي نـزلـت أم تكتفي بالذي بلغت من خـبـري
    ما زلت بعدك في دار تعـرفـنـي قد طال بعدك إصعادي ومنحـدري
    لا ينفع الحاضر المجـهـود بـادينـا ولا يجود لنا باد عـلـى حـضـر
    كم بالمواسم من شـعـثـاء أرمـلة ومن يتيم ضعيف الصوت والبصـر
    يدعوك دعوة ملـهـوف كـأن بـه خبلا من الجن أو مسا من النـشـر
    ممن يعدك تـكـفـي فـقـد والـده كالفرخ في العش لم ينهض ولم يطر

    صفحة : 825

    قال: فبكى عمر ثم قال: يا بن الخطفى، أمن أبناء المهاجرين أنت فنعرف لك حقهم، أم من أبناء الأنصار فيجب لك ما يجب لهم، أم من فقراء المسلمين فنأمر صاحب صدقات قومك فيصلك بمثل ما يصل به قومك? فقال: يا أمير المؤمنين، ما أنا بواحد من هؤلاء، وإني لمن أكثر قومي مالا، وأحسنهم حالا، ولكني أسألك ما عودتنيه الخلفاء: أربعة آلاف درهم وما يتبعها من كسوة وحملان. فقال له عمر: كل امرىء يلقى فعله، وأما أنا فما أرى لك في مال الله حقا، ولكن انتظر، يخرج عطائي، فأنظر ما يكفي عيالي سنة منه فأدخره لهم، ثم إن فضل فضل صرفنها إليك. فقال جرير: لا، بل يوفر أمير المؤمنين ويحمد وأخرج راضيا، قال: فذلك أحب إلي، فخرج. فلما ولى قال عمر: إن شر هذا ليتقى، ردوه إلي، فردوه فقال: إن عندي أربعين دينارا وخلعتين إذا غسلت إحداهما لبست الأخرى، وأنا مقاسمك ذلك، على أن الله جل وعز يعلم أن عمر أحوج إلى ذلك منك. فقال له: قد وفرك الله يا أمير المؤمنين وأنا والله راض. قال: أما وقد حفلت فإن ما وفرته علي ولم تضيق به معيشتنا آثر في نفسي من المدح، فامض مصاحبا، فخرج. فقال له أصحابه وفيهم الفرزدق: ما صنع بك أمير المؤمنين يا أبا حزرة? قال: خرجت من عند رجل يقرب الفقراء ويباعد الشعراء وأنا مع ذلك عنه راض ثم وضع رجله في غرز راحلته وأتى قومه. فقالوا له: ما صنع بك يا أمير المؤمنين أبا حزرة? فقال:
    تركت لكم بالشأم حبل جـمـاعة أمين القوى مستحصد العقد باقيا
    وجدت رقى الشيطان لا تستفزه وقد كان شيطاني من الجن راقيا هذه رواية عمر بن شبة. وأما اليزيدي فإنه قال في خبره: فقال له جرير يا أمير المؤمنين، فإني ابن سبيل. قال: لك ما لأنباء السبيل، زادك ونفقة تبلغك وتبدل راحلتك إن لم تحملك. فألح عليه، فقالت له بنو أمية: يا أبا حزرة، مهلا عن أمير المؤمنين، ونحن نرضيك من أموالنا عنه، فخرج. وجمعت له بنو أمية مالا عظيما، فما خرج من عند خليفة بأكثر مما خرج من عند عمر.
    رؤيا أمه وهي حامل به: أخبرني محمد بن مزيد بن أبي الأزهر قال حدثنا حماد بن إسحاق عن أبيه عن أبي عبيدة قال: رأت أم جرير وهي حامل به كأنها ولدت حبلا من شعر أسود، فلما سقط منها جعل ينزو فيقع في عنق هذا فيخنقه حتى فعل ذلك برجال كثير، فانتبهت فزعة فأولت الرؤيا فقيل لها: تلدين غلاما شاعرا ذا شر وشدة شكيمة وبلاء على الناس. فلما ولدته جريرا باسم الحبل الذي رأت أنه خرج منها. قال: والجرير: الحبل.
    قال إنه أشعر الناس لأنه فاخر بأبيه وهو دنيء: قال إسحاق وقال الأصمعي حدثني بلال بن جرير - أو حدثت عنه - أن رجلا قال لجرير: من أشعر الناس? قال له: قم حتى أعرفك الجواب، فأخذ بيده وجاء به إلى أبيه عطية وقد أخذ عنزا له فاعتقلها وجعل يمص ضرعها، فصاح به: اخرج يا أبت، فخرج شيخ دميم رث الهيئة وقد سال لبن العنز على لحيته، فقال: ألا ترى هذا? قال نعم. قال: أو تعرفه? قال لا. هذا أبي، أفتدري لم كان يشرب من ضرع العنز? قلت لا. قال: مخافة أن يسمع صوت الحلب فيطلب منه لبن. ثم قال: أشعر الناس من فاخر بمثل هذا الأب ثمانين شاعرا وقارعهم به فغلبهم جميعا.
    إخوته: حدثني عمي قال حدثنا عبد الله بن أبي سعد قال حدثني عبد الله بن محمد بن موسى مولى بني هاشم قال حدثني عمارة بن عقيل عن المغيرة بن حجناء عن أبيه قال: ولد جرير لسبعة أشهر، فكان الفرزدق يعيره ذلك، وفيه يقول:
    وأنت ابن صغرى لم تتم شهورها قال وولد عطية جريرا - وأمه أم قيس بنت معيد من بني كليب - وعمرا وأبا الورد. فأما أبو الورد فكان يحسد جريرا، فذهبت لجرير إبل فشمت به أبو الورد فقال له جرير:
    أبا الورد أبقى الله منها بقية كفت كل لوام خذول وحاسد وأما عمرو فكان أكبر من جرير، وكان يقارضه الشعر. فقال له جرير:
    وعمرو قد كرهت عتاب عمرو وقد كثر المعاتب والـذنـوب
    وقد صدعت صخرة من رماكم وقد يرمى بي الحجر الصليب
    وقد قطع الحديد فلا تـمـاروا فرنـد لا يفـــل ولا يذوب شعر قاله ليزيد ابن معاوية يعاتب به أباه: قال: وأول شعر قاله جرير في زمن معاوية، قال لابنه:

    صفحة : 826


    فردي جمال البين ثم تحـمـلـي فما لك فيهم من مـقـام ولا لـيا
    لقد قادني الجيران يوما وقدتـهـم وفارقت حتى ما تصب جمـالـيا
    وإني لمغرور أعلل بـالـمـنـى ليالي أرجو أن مـالـك مـالـيا
    بأي سنان تطعن القرم بـعـدمـا نزعت سنانا من قناتك مـاضـيا
    بأي نجاد تحمل السيف بـعـدمـا قطعت القوى من محمل كان باقيا قال: وكان يزيد بن معاوية عاتب أباه بهذه الأبيات ونسبها إلى نفسه، لأن جريرا لم يكن شعره شهر حيئنذ. فقدم جرير على يزيد في خلافته فاستؤذن له مع الشعراء، فأمر يزيد ألا يدخل عليه شاعر إلا من عرف شعره، فقال جرير: قولوا له: أنا القائل:
    فرديي جمال الحي ثم تحملي فما لك فيهم من مقام ولا ليا فأمر بإدخاله. فلما أنشده قال يزيد: لقد فارق أبي الدنيا وما يحسب إلا أني قائلها، وأمر له بجائزة وكسوة.
    استعار من أبيه فحلا ولما استرده منه عرض به: أخبرني أبو الحسن الأسدي قال حدثنا محمد بن صالح بن النطاح قال قال أبو عبيدة قال أبو عمرو: استعار جرير من أبيه فحلا يطرقه في إبله، فلما استغنى عنه جاءه أبوه في بت خلق يسترده، فدفعه إليه وقال: يا أبت، هذا ترد إلى عطية تعتل. يعرض بقول الفرزدق فيه:
    ليس الكرام بناحليك أباهم حتى ترد عطية تعتـل اتعاظه بجنازة مرت عليه: أخبرني هاشم بن محمد الخزاعي قال حدثنا الرياشي وعمر بن شبة قالا حدثنا الأصمعي قال أخبرنا أبو عمرو بن العلاء قال: جلس جرير يملي على رجل قوله:
    ودع أمامة حان منك رحيل إن الوداع لمن تحب قليل فمروا عليه بجنازة، فقطع الأنشاد وجعل يبكي، ثم قال: شيبتني هذه الجنازة. قال أبو عمرو: فقلت له: فعلام تقذف المحصنات منذ كذا وكذا فقال: إنهم يبدءونني ثم لا أعفو.
    قيل إنه فضل لمقاومته الفرزدق: أخبرني عمي قال حدثنا يزيد بن محمد المهلبي قال حدثنا عبد الله بن المعذل قال: كان أبي وجماعة من علمائنا يقولون: إنما فضل جرير لمقاومته الفرزدق، وأفضل شعر قاله جرير:
    حي الهدملة من ذات المواعيس هجا بني الهجيم لأنهم منعوه الإنشاد في مسجدهم: أخبرني أبو خليفة قال حدثنا محمد بن سلام قال حدثنا أبو الغراف قال: أتى الفرزدق مجلس بني الهجيم في مسجدهم فأنشدهم، وبلغ ذلك جريرا فأتاهم من الغد لينشدهم كما أنشدهم الفرزدق. فقال له شيخ منهم: يا هذا اتق الله فإن هذا المسجد إنما بني لذكر الله والصلاة. فقال جرير: أقررتم للفرزدق ومنعتموني وخرج مغضبا وهو يقول:
    إن الهجيم قبـيلة مـعـلـونة حص اللحى متشابهو الألوان
    هم يتركون بنيهم وبنـاتـهـم صعر الأنوف لريح كل دخان
    لو يسمعون بأكـلة أو شـربة بعمان أصبح جمعهم بعمـان قال: وخفة اللحى في بني هجيم ظاهرة. وقيل لرجل منهم: ما بالكم يا بني الهجيم حص اللحى? قال: إن الفحل واحد.
    حديثه مع عبد الملك أو الوليد ابنه عن الشعراء وعن نفسه: أخبرني محمد بن عمران الصيرفي قال حدثنا الحسن بن عليل العنزي قال حدثني محمد بن عبد الله بن آدم قال سمعت عمارة بن عقيل يحدث عن أبيه عن جده قال: قال عبد الملك أو الوليد انبه لجرير: من أشعر الناس? قال فقال: ابن العشرين. قال: فما رأيك في ابني أبي سلمى? قال: كان شعرهما نيرا يا أمير المؤمنين. قال: فما تقول في امرىء القيس? قال: اتخذ الخبيث الشعر نعلين، وأقسم بالله لو أدركته لرفعت ذلاذله. قال: فما تقول في ذي الرمة? قال: قدر من ظريف الشعر وغريبه وحسنه على ما لم يقدر عليه أحد. قال: فما تقول في الأخطل? قال: ما أخرج لسان ابن النصرانية ما في صدره من الشعر حتى مات. قال: فما تقول في الفرزدق? قال: في يده والله يا أمير المؤمنين نبعة من الشعر قد قبض عليها. قال: فما أراك أبقيت لنفسك شيئا قال: بلى والله يا أمير المؤمنين إني لمدينة الشعر التي منها يخرج وإليها يعود، نسبت فأطربت، وهجوت فأرديت، ومدحت فسنيت ، وأرملت فأغزرت، ورجزت فأبحرت، فأنا قلت ضروب الشعر كلها، وكل واحد منهم قال نوعا منها. قال: صدقت.
    طلبت جاريه له أن يبيعها فعيره الفرزدق ذلك:

    صفحة : 827

    أخبرني حبيب بن نصر المهلبي قال حدثنا عبد الله بن أبي سعد قال حدثنا علي بن الصباح عن ابن الكلبي قال: كانت لجرير أمة وكان بها معجبا، فاستخفت المطعم والملبس والغشيان واستقلت ما عنده، وكانت قبله عند قوم يقال لهم بنو زيد، أهل خصب ونعمة، فسامته أن يبيعها وألحت في ذلك، فقال فيها:
    تكلفـنـي مـعـيشة آل زيد ومن لي بالمرفق والصنـاب
    تقول ألا تضـم كـضـم زيد وما ضمي وليس معي شبابي فقال الفرزدق يعير ذلك:
    فإن تفقرك علـجة آل زيد ويعجزك المرقق والصناب
    فقدما كان عيش أبيك مـرا يعيش بما تعيش به الكلاب قصته مع ذي الرمة عند المهاجر بن عبد الله: أخبرني هاشم بن محمد الخزاعي قال حدثنا العباس بن ميمون قال حدثنا التوزي عن أبي عبيدة عن أيوب بن كسيب قال: دخل جرير على المهاجر بن عبد الله وهو والي اليمامة وعنده ذو الرمة ينشده. فقال المهاجر بن عبد الله لجرير: كيف ترى? قال: لقد قال وما أنعم. فغضب ذو الرمة ونهض وهو يقول:
    أنا أبو الحارث واسمي غيلان فنهض جرير وقال:
    إني امرأ خلقت شكسا أشوسـا إن تضرساني تضرسا مضرسا
    قد لبس الدهر وأبقى ملبـسـا من شاء من نار الجحيم اقتبسا قال: فجلس ذو الرمة وحاد عنه فلم يجبه.
    أخبرني أبو الحسن الأسدي قال حدثنا ابن النطاح عن أبي عبيدة قال: كان ذو الرمة ممن أعان على جرير ولم يصحر له، فقال جرير فيه:
    أقول نصاحة لبني عدي ثيابكم ونضح دم القتيل وهي قصيدة. قال: وكانوا يتعاونون عليه ولا يصحرون له.
    حديثه مع ذي الرمة وهشام المرئي: أخبرنا أبو خليفة الفضل بن الحباب قال حدثنا محمد بن سلام قال حدثني أبو الغراف قال: قال الفرزدق لذي الرمة: ألهاك البكاء في الديار وهذا العبد يرجز بك يعني هشاما المرئي بمقبرة بني حصن. قال: وكان السبب في الهجاء بين ذي الرمة وهشام أن ذا الرمة نزل بقرية لبني امرىء القيس يقال لها: مرأةنأ، فلم يقروه ولم يعلفوا له، فارتحل وهو يقول:
    نزلنا وقد طال النـهـار وأوقـدت علينا حصى المعزاء شمس تنالهـا
    أنخنا فظلـلـنـا بـأبـراد يمـنة رقاق وأسياف قديم صـقـالـهـا
    فلما رآنا أهل مـرأة أغـلـقـوا مخادع لم ترفع لخير ظـلالـهـا
    وقد سميت باسم امرىء القيس قرية كرام صواديها لـئام رجـالـهـا
    يظل الكرام المرملون بـجـوهـا سواء عليهم حملهـا وحـيالـهـا
    ولو وضعت أكوارها عند بـيهـس على ذات غسل لم تشمس رحالها فقال جرير لهشام، وكان يتهم ذا الرمة بهجائه التيم وهم إخوة عدي: عليك العبد يعني ذا الرمة. قال: فما أصنع يا أبا حزرة وهو يقول القصيد وأنا أقول الرجز، والرجز لا يقوم للقصيد? فلو رفدتني قال: قل له:
    عجبت لرجل من عدي مشمـس وفي أي يوم لم تشمس رحالهـا
    وفيم عدي عند تيم مـن الـعـلا وأيامنا اللاتي يعد فـعـالـهـا
    مددت بكف من عدي قـصـيرة لتدرك من زيد يدا لا تنـالـهـا
    وضبة عمي يا بن جل فلا تـرم مساعي قوم ليس منك سجالهـا
    يماشي عديا لؤمها ما تـجـنـه من الناس ما ماشت عديا ظلالها
    فقل لعدي تستعن بـنـسـائهـا علي فقد أعيا عديا رجـالـهـا
    أذا الرم قد قلدت قـومـك رمة بطيئا بأيدي المطلقين انحلالهـا
    ترى اللؤم ما عاشت عدي مخلدا سرابيلها منه ومنه نعـالـهـا قال: فلج الهجاء بين ذي الرمة وهشام. فلما أنشد المرئي هذه الأبيات وسمعها ذو الرمة قال: كذب العبد السوء ليس هذا الكلام له، هذا كلام نجدي حنظلي، هذا كلام ابن الأتان. قال: ولم يزل ذو الرمة مستعليا على هشام حتى لقيه جرير فرفده هذه الأبيات.
    أخبرني محمد بن مزيد قال حدثنا حماد بن إسحاق عن أبيه عن أبي عدنان قال حدثني أبو صخر من ولد حجناء بن نوح بن جرير قال: سمعت أبي يحدث عن أبيه قال:

    صفحة : 828

    أتى هشام بن قيس المرئي أبي يعني جريرا فاسترفده على ذي الرمة، وقد كانا تهاجيا دهرا، وكان سبب ذلك أن ذا الرمة نزل على أهل قرية لبني امرىء القيس فلم يدخلوا رحله، فذمهم في القرى، ومدح بيهسا صاحب ذات غسل - وهو مرئي. وذات غسل: قرية له - فقال ذو الرمة:
    ولما وردنا مرأة اللوم أغـلـقـت دساكر لم تفتح لخير ظـلالـهـا
    ولو عريت أصلابها عند بـهـيس على ذات غسل لم تشمس رحالها
    إذا ما امرؤ القيس ابن لؤم تطعمت بكأس الندامى خبثتها سبـالـهـا فقال جرير للمرئي: قل له.

    غضبت لرحل من عدي مشمس وفي أي يوم لم تشمس رحالها وذكر الأبيات الماضية المذكورة في رواية أبي خليفة. قال: فلقى ذو الرمة جريرا فقال له: تعصب للمرئي وأنا خالك قال: حين قلت ماذا? قال: حين قلت له أن يقول لي:
    عجبت لرحل من عدي مشمس فقال له جرير: لا بل ألهاك البكاء في دارمية حتى أبيحت محارمك. قال: وكان بلغ جريرا ميل ذو الرمة عليه، فجعل يعتذر إليه ويحلف له. فقال له جرير: اذهب الآن فقل للمرئي:
    يعد الناسبون إلـى تـمـيم بيوت المجد أربعة كبـارا
    يعدون الرباب وآل سـعـد وعمرا ثم حنظلة الخـيارا
    ويهلك بينها المرئي لـغـوا كما ألغيت في الدية الحوارا فقال ذو الرمة قصيدته التي أولها:
    نبت عيناك عن طلل بجزوى عفته الريح وامتنح القطارا وألحق فيها هذه الأبيات. فلما أنشدها وسمعها المرئي جعل يلطم رأسه ووجهه ويدعو بويله وحربه ويقول: ما لي ولجرير فقيل له: وأين جرير منك هذا رجل يهاجيك وتهاجيه فقال: هيهات لا والله ما يحسن ذو الرمة أن يقول:
    ويذهب بينها المرئي لغـوا كما ألغيت في الدية الحوارا هذا والله كلام جرير ما تعداه قط. قال: ومر الفرزدق بذي الرمة وهو ينشده هذه القصيدة، فلما أنشد الأبيات الثلاثة فيها قال له الفرزدق: أعد يا غيلان، فأعاد، فقال له: أأنت تقول هذا? نعم يا أبى فراس. قال: كذب فوك والله لقد نحلكها أشد لحيين منك، هذا شعر ابن الأتان. قال وجاء المرئيون إلى جرير فقالوا: يا أبا حزره، قد استعلى علينا ذو الرمة، فأعنا على عادتك الجميلة. فقال: هيهات قد والله ظلمت خالي لكم مرة وجاءني فاعتذر وحلف، وما كنت لأعينكم عليه بعدها. قال: ومات ذو الرمة في تلك الأيام.
    أقر له نصيب بالسبق عليه وعلى جميل: أخبرني عمي قال حدثني الكراني قال حدثني العمري عن لقيط قال حدثني أبو بكر بن نوفل قال حدثني من سأل النصيب قال: قلت له: يا أبا محجن، بيت قلته نازعك فيه جرير وجميل، فأحب أن تخبرني أيكم فيه أشعر? قال: وما هو? قلت قولك:
    أضر بها التهجير حتى كأنها أكب عليها جازر معتـرق وقال جميل:
    أضر بها التهجير حتى كأنها بقايا سلال لم يدعها سلالها وقال جرير:
    إذا بلغوا المنازل لم تـقـيد وفي طول الكلال لها قيود فقال: نصيب: قاتل الله ابن الخطفى ما أشعره. قال: فقال له الرجل: أما أنت فقد فضلته؛ فقال: هو ما أقول لك.
    قال عنه ابن مناذر هو أشعر الناس: أخبرني ابن نصر المهلبي قال حدثنا عبد الله بن أبي سعد قال حدثني عبد الرحمن بن القاسم العجلي قال حدثني الحسن بن علي المنقري قال قال مسعود بن بشر: قلت لابن مناذر بمكة: من أشعر الناس? قال: من إذا شئت لعب، وإذا شئت جد، فإذا لعب أطعمك لعبه فيه، وإذا رمته بعد عليك، وإذا جد فيما قصد له أيأسك من نفسه. قلت: مثل من? قال: مثل جرير حين يقول إذا لعب:
    إن الذين غدوا بلبك غادروا وشلا بعينك ما يزال معينا ثم قال حين جد:
    إن الذي حرم المكارم تغلـبـا جعل الخلافة والنبـوة فـينـا
    مضر أبي وأبو الملوك فهل لكم يا آل تغلب من أب كـأبـينـا
    هذا ابن عمي في دمشق خليفة لو شئت ساقكم إلي قـطـينـا اعترض عليه عبد الملك بن مروان في هذا الشعر: أخبرني هاشم بن محمد قال حدثني الرياشي قال حدثنا الأصمعي عن أبي عمرو قال: لما بلغ عبد الملك قول جرير:

    صفحة : 829


    هذا ابن عمي في دمشق خليفة لو شئت ساقكم إلي قطـينـا قال: ما زاد ابن المراغة على أن جعلني شرطيا أما إنه لو قال:
    لو شاء ساقكم إلي قطينا لسقتهم إليه كما قال.
    فضله بشار على الأخطل وعلى الفرزدق: أخبرني أبو خليفة قال حدثنا محمد بن سلام قال: سألت بشارا العقيلي عن الثلاثة فقال: لم يكن الأخطل مثلهما، ولكن ربيعة تعصبت له وأفرطت فيه. قلت: فجرير والفرزدق? قال: كان جرير يحسن ضروبا من الشعر لا يحسنها الفرزدق، وفضل جريرا عليه.
    مقارنة بينه وبين الأخطل والفرزدق: وقال ابن سلام : قال العلاء بن جرير - وكان قد أدرك الناس وسمع -: كان يقال: الأخطل إذا لم يجيء سابقا فهو سكيت، والفرزدق لا يجيء سابقا ولا سكيتا فهو بمنزله المصلى أبدا، وجرير يجيء سابقا ومصليا وسكيتا. قال ابن سلام: وتأويل قوله: إن الأخطل خمسا أو ستا أو سبعا طوالا روائع غررا جيادا هو بهن سابق، وسائر شعره دون أشعارهما، فهو فيما بقي بمنزلة السكيت - والسكيت: آخر الخيل في الرهان - والفرزدق دونه في هذه الروائع وفوقه في بقية شعره، فهو كالمصلى أبدا - وهو الذي يجيء بعد السباق وقبل السكيت - وجرير له روائع هو بهن سابق، وأوساط هو بهن مصل، وسفسافات هو بهن سكيت.
    مناقضة بينه وبين الفرزدق: أخبرني أبو خليفة قال حدثني محمد بن سلام قال حدثني حاجب بن زيد بن شيبان بن علقمة بن زرارة قال: قال جرير بالكوفة
    لقد قادني من حب ماوية الـهـوى وما كنت تلقاني الجـنـيبة أقـودا
    أحب ثرى نجد وبالـغـور حـاجة فغار الهوى يا عبد قيس وأنـجـدا
    أقول له يا عـبـد قـيس صـبـابة بأي ترى مستوقـد الـنـار أوقـدا
    فقال أرى نـارا يشـب وقـودهـا بحيث استفاض الجزع شيحا وغرقدا فأعجب الناس وتناشدوها. قال: فحدثني جابر بن جندل قال: فقال لنا جرير: أعجبتكم هذه الأبيات? قالوا: نعم. قال: كأنكم بابن القين وقد قال:
    أعد نظرا يا عبد قيس لعلـمـا أضاءت لك النار الحمار المقيدا قال: فلم يلبثوا أن جاءهم قول الفرزدق هذا البيت وبعده:
    حمار بمروت السحامة قاربـت وظيفيه حول البيت حتى تـزددا
    كلبية لم يجعل اللـه وجـهـهـا كريما ولم يسنح بها الطير أسعدا قال: فتناشدها الناس. فقال الفرزدق: كأنكم بابن المراغة قد قال:
    وما عبت من نار أضاء وقودها فراسا وبسطام بن قيس مقـيدا قال فإذا بالبيت قد جاء لجرير ومعه:
    وأوقدت بالـسـيدان نـارا ذلـيلة وأشهدت من سوءات جعثن مشهدا جرير والأخطل في حضرة عبد الملك بن مروان: أخبرني محمد بن عمران الصيرفي قال حدثنا الحسن بن عليل العنزي قال حدثني محمد بن عبد الله بن آدم بن جشم عن عمارة بن عقيل عن أبيه قال: وقف جرير على باب عبد الملك بن مروان والأخطل داخل عنده، وقد كانا تهاجيا ولم ير أحد منهما صاحبه، فلما استأذنوا عليه لجرير أذن له فدخل فسلم ثم جلس وقد عرفه الأخطل، فطمح طرف جرير إلى الأخطل وقد رآه ينظر إليه نظرا شديدا فقال له: من أنت? فقال: أنا الذي منعت نومك وتهضمت قومك. فقال له جرير: ذلك أشقى لك كائنا من كنت. ثم أقبل على عبد الملك بن مروان فقال: من هذا يا أمير المؤمنين? جعلني الله فداك فضحك ثم قال: هذا الأخطل يا أبا حزرة. فرد عليه بصره ثم قال: فلا حياك الله يا بن النصرانية أما منعك نومي فلو نمت عندك لكان خيرا لك. وأما تهضمك قومي فكيف تهضمهم وأنت ممن ضربت عليه الذلة وباء بغضب من الله وأدى الجزية عن يد وهو صاغر. وكيف تتهضم لا أم لك فيهم النبوة والخلافة وأنت لهم عبد مأمور ومحكوم عليه لا حاكم. ثم أقبل على عبد الملك فقال: ائذن لي يا أمير المؤمنين في ابن النصرانية، فقال لا يجوز أن يكون ذلك بحضرتي.
    تحاكم هو وبنو حمان إلى إبراهيم بن عدي في بئر فحكم له: أخبرني أبو خليفة قال حدثنا محمد بن سلام قال حدثني أبو يحيى الضبي قال: نازع جرير بني حمان في ركية لهم، فصاروا إلى إبراهيم بن عدي باليمامة يتحاكمون إليه؛ فقال جرير:
    أعوذ بالأمير غير الجـبـار من ظلم حمان وتحويل الدار

    صفحة : 830


    ما كان قبل حفرنا من محـفـار وضربي المنقار بعد المنـقـار
    في جبـل أصـم غـير خـوار يصيح بالجب صياح الـصـرار
    له صهيل كصـهـيل الأمـهـار فاسأل بني صحب ورهط الجرار
    والسلميين العـظـام الأخـطـار والجار قد يخبر عن دار الجـار فقال الحماني:
    ما لكليب من حمـى ولا دار غير مـقـام أتـن وأعـيار
    قعس الظهور داميات الأثفار قال فقال جرير: فعن مقامهن، جعلت فداك، أجادل. فقال ابن عدي للحماني: لقد أقررت لخصمك، وحكم بها لجرير.
    نزل ببني مازن وبني هلال فمدحهم بعد أن هجاهم: قال ابن سلام وأخبرني أبو يحيى الضبي قال: بينا جرير يسير على راحته إذ هجم على أبيات من مازن وهلال - وهما بطنان من ضبة - فخافهم، لسوء أثره في ضبة، فقال:
    فلا خوف عليك ولن تراعي بعقوة مازن وبني هـلال
    هما الحيان إن فزعا يطيرا إلى جرد كأمثال السعالـي
    أمازن يا بن كعب إن قلبي لكم طول الحياة لغير قالي
    غطاريف يبيت الجار فيهـم قرير العين في أهل ومال قال: أجل يا أبا حزرة فلا خوف عليك.
    وفد على عبد الملك في دمشق فالتف الناس حوله في المسجد دون الفرزدق: أخبرني أحمد بن عبد العزيز الجوهري قال حدثنا عمر بن شبة قال قال شعيب بن صخر حدثني هارون بن إبراهيم قال: رأيت جريرا والفرزدق في مسجد دمشق وقد قدماها على الوليد بن عبد الملك والناس عنق واحد على جرير: قيس وموالي بني أمية يسلمون عليه ويسألونه كيف كنت يا أبا حزرة في مسيرك، وكيف أهلك وأسبابك. وما يطيف بالفرزدق إلا نفر من خندف جلوس معه. قال شعيب: فقلت لهارون: ولم ذلك? قال: لمدحه قيسا وقوله في العجم:
    فيجمعنا والغر أولاد سـارة أب لا نبالي بعده من تعذرا قال شعيب: بلغني أنه أهديت له يومئذ مائة حلة، أهداها إليه الموالي سوى غيرهم، وأخبرني بهذا الخبر أبو خليفة عن محمد بن سلام عن شعيب بن صخر، فذكر نحوا من حكاية أبي زيد، إلا أنها أتم من حكاية ابن سلام. وقال أبو خليفة في خبره: سمعت عمارة بن عقيل بن بلال يقول: وافته في يومه ذلك مائة حلة من بني الأحرار.
    رأي الأحوص في قباء فعرض به لئلا يعين عليه: أخبرني جعفر بن قدامة قال حدثني أحمد بن الهيثم الفراسي قال: بينا جرير بقباء إذ طلع الأحوص وجرير ينشد قوله:
    لولا الحياء لعادني استعبـار ولزرت قبرك والحبيب يزار فلما نظر إلى الأحوص قطع الشعر ورفع صوته يقول:
    عوى الشعراء بعضهم لبعض علي فقد أصابهم انـتـقـام
    إذا أرسلت قـافـية شـرودا رأوا أخرى تحرق فاستداموا
    فمصطلم المسامع أو خصي وآخر عظم هامته حـطـام ثم عاد من حيث قطع. فلما فرغ قيل له: ولم قلت هذا? قال: قد نهيت الأحوص أن يعين علي الفرزدق، فأنا والله يا بني عمرو بن عوف ما تعوذت من شاعر قط، ولولا حقكم ما تعوذت منه.
    أوفده الحجاج على عبد الملك مع ابنه محمد وأوصاه به: أخبرنا علي بن سليمان الأخفش قال حدثنا الحسن بن الحسين السكري قال: قال عمارة بن عقيل حدثني أبي عن أبيه: أن الحجاج أوفد ابنه محمد بن الحجاج إلى عبد الملك وأوفد إليه جريرا معه ووصاه به وأمره بمسألة عبد الملك في الاستماع منه ومعاونته عليه. فلما وردا استأذن له محمد على عبد الملك، فلم يأذن له، وكان لا يسمع من شعراء مضر ولا يأذن لهم، لأنهم كانوا زبيرية. فلما استأذن له محمد على عبد الملك ولم يأذن له أعلمه أن أباه الحجاج يسأله في أمره ويقول: إنه لم يكن ممن والى ابن الزبير ولا نصره بيده ولا لسانه، وقال له محمد: يا أمير المؤمنين: إن العرب لتحدث أن عبدك وسيفك الحجاج شفع في شاعر قد لاذ به وجعله وسيلته ثم رددته، فأذن له فدخل فاستأذن في الإنشاد، فقال له: وما عساك أن تقول فينا بعد قولك في الحجاج ألست القائل:
    من سد مطلع النفاق علـيكـم أم من يصول كصولة الحجاج إن الله لم ينصرني بالحجاج وإنما نصر دينه وخليفته. أو لست القائل:
    أم من يغار على النساء حفيظة إذ لا يثقن بـغـيرة الأزواج

    صفحة : 831

    يا عاض كذا وكذا من أمه والله لهممت أن أطير بك طيرة بطيئا سقوطها، أخرج عني، فأخرج بشر. فلما كان بعد ثلاث شفع إلي محمد لجرير وقال له: يا أمير المؤمنين، إني أديت رسالة عبدك الحجاج وشفاعته في جرير، فلما أذنت له خاطبته بما أطار لبه منه وأشمت به عدوه، ولو لم تأذن له لكان خيرا له مما سمع. فإن رأيت أن تهب كل ذنب له لعبدك الحجاج ولي فافعل، فإذن له. فاستأذنه في الإنشاد، فقال: لا تنشدني إلا في الحجاج فإنما أنت للحجاج خاصة. فسأله أن ينشده مديحه فيه، فأبى وأقسم ألا ينشده إلا من قوله في الحجاج، فأنشده وخرج بغير جائزة. فلما أزف الرحيل قال جرير لمحمد: إن رحلت عن أمير المؤمنين ولم يسمع مني ولم آخذ له جائزة سقطت آخر الدهر، ولست بارحا بابه أو يأذن لي في الإنشاد. وأمسك عبد الملك عن الإذن له. فقال جرير: إرحل أنت وأقيم أنا. فدخل محمد على عبد الملك فأخبره بقول جرير واستأذنه له وسأله أن يسمع منه وقبل يده ورجله، فإذن له. فدخل فاستأذن في الإنشاد، فأمسك عبد الملك. فقال له محمد: أنشد ويحك فأنشده قصيدته التي يقول فيها:
    ألستم خير من ركب المطايا وأندى العالمين بطون راح فتبسم عبد الملك وقال: كذلك نحن وما زلنا كذلك. ثم اعتمد على ابن الزبير فقال:
    دعوت الملحدين أبـا خـبـيب جماحا هل شفيت من الجماح
    وقد وجدوا الخليفة هـبـرزيا ألف العيص ليس من النواحي
    وما شجرات عيصك في قريش بعشات الفروع ولا ضواحـي قال: ثم أنشده إياها حتى أتى على ذكر زوجته فيها فقال:
    تعزت أم حزرة ثم قالـت رأيت الموردين ذوي لقاح
    تعلل وهي ساغبة بنـيهـا بأنفاس من الشبم القـراح فقال عبد الملك: هل ترويها مائة لقحة? فقال: إن لم يروها ذلك فلا أرواها الله فهل إليها - جعلني الله فداك يا أمير المؤمنين - من سبيل? فأمر له بمائة لقحة وثمانية من الرعاء. وكانت بين يديه جامات من ذهب، فقال له جرير: يا أمير المؤمنين، تأمر لي بواحدة منهن تكون محلبا? فضحك وندس إليه واحدة منهن بالقضيب وقال: خذها لا نفعتك فأخذها وقال: بلى والله يا أمير المؤمنين لينفعني كل ما منحتنيه، وخرج من عنده. قال: وقد ذكر ذلك جرير في شعره فقال يمدح يزيد بن عبد الملك.

    أعطوا هنيدة يحدوها ثمانـية ما في عطائهم من ولا سرف هجا سراقة البارقي بأمر بشر بن مروان لأنه فضل الفرزدق عليه: أخبرني هاشم بن محمد الخزاعي قال حدثني دماذ أبو غسان عن أبي عبيدة قال: بذل محمد بن عمير بن عطارد بن حاجب بن زرارة أربعة آلاف درهم وفرسا لمن فضل من الشعراء الفرزدق على جرير، فلم يقدم عليه أحد منهم إلا سراقة البارقي فإنه قال يفضل الفرزدق:
    أبلغ تميما غثها وسـمـينـهـا والحكم يقصد مـرة ويجـور
    أن الفرزدق برزت أعـراقـه سبقا وخلف في الغبار جرير
    ذهب الفرزدق بالفضائل والعلا وابن المراغة مخلف محسور
    هذا قضاء البارقـي وإنـنـي بالميل في ميزانهم لبـصـير قال أبو عبيدة فحدثني أيوب بن كسيب قال حدثني أبي قال: كنت مع جرير، فأتاه رسول بشر بن مروان فدفع إليه كتابه، وقال له: إنه قد أمرني أن أوصله إليك ولا أبرح حتى تجيب عن الشعر في يومك إن لقيتك نهارا أو ليلتك إن لقيتك ليلا، وأخرج إليه كتاب بشر وقد نسخ له القصيدة وأمره بأن يجيب عنها. فأخذها ومكث ليلته يجتهد أن يقول شيئا فلا يمكنه، فهتف به صاحبه من الجن من زلوية البيت فقال له: أزعمت أنك تقول الشعر ما هو إلا أن غبت عنك ليلة حتى لم تحسن أن تقول شيئا فهلا قلت:
    يا بشر حق لوجهك التبشير هلا قضيت لنا وأنت أمير فقال له جرير: حسبك كفيتك. قال: وسمع قائلا يقول لآخر: قد أنار الصبح، فقال جرير:
    يا صاحبي هل الصباح منير أم هل للوم عواذلي تفتـير إلى أن فرغ منها. وفيها يقول:
    قد كان حقك أن تقول لبـارق يا آل بارق فيم سب جـرير
    يعطى النساء مهورهن كرامة ونساء بارق ما لهن مهـور

    صفحة : 832

    فأخذها الرسول ومضى بها إلى بشر، فقرئت بالعراق وأفحم سراقة فلم ينطق بعدها بشيء من مناقضته.
    مناقضته عمر بن لجأ وسبب ذلك: أخبرني أبو خليفة قال حدثني محمد بن سلام حدثني أبو يحيى الضبي قال: كان الذي هاج الهجاء بين جرير وعمر بن لجأ أن عمر كان ينشد أرجوزة له يصف فيها إبله وجرير حاضر، فقال فيها:
    قد وردت قبل إنا ضحـائهـا تفرس الحيات في خرشائهـا
    جر العجوز الثني من ردائها فقال له جرير: أخفقت. فقال: كيف أقول? قال تقول:
    جر العروس الثني من ردائها فقال له التيمي أنت أسو قولا مني حيث تقول:
    وأوثق عند المردفات عـيشة لحاقا إذا ما جرد السيف لامع فجعلتهن مردفات غدوة ثم تداركتهن عشية. فقال: كيف أقول? قال تقول:
    وأوثق عند المرهفات عشية فقال جرير: والله لهذا البيت أحب إلي من بكري حزرة، ولكنك مجلب للفرزدق. وقال فيه جرير:
    هلا سوانا ادرأتم يا بـنـي لـجـأ شيئا يقارب أو وحشا لهـا غـرر
    أحين كنت سماما يا بـنـي لـجـأ وخاطرت بي عن أحسابها مضر
    خل الطريق لمن يبني المنـار بـه وابرز ببرزة حيث اضطرك القدر
    أنت ابن برزة منسوبا إلـى لـجـأ عند العصارة والعيدان تعتـصـر ويروي:
    ألست نزرة خوار علـى أمة عند العصارة والعيدان تعتصر فقال ابن لجأ يرد عليه:
    لقد كذبت وشر الـقـول أكـذبـه ما خاطرت بك عن أحسابها مضر
    بل أنت نزرة خـوار عـلـى أمة لا يسبق الحلبات اللؤم والـخـور
    ما قلت من هذه إلا سأنقـضـهـا يا بن الأتان بمثلى تنقض المـرر وقال عمر بن لجأ:
    عجبت لما لاقت رياح من الأذى وما اقتبسوا من ي وللشر قابس
    غضابا لكلب من كليب فرستـه هوى ولشدات الأشود فـرائس
    إذا ما ابن يربوع أتاك لمـأكـل على مجلس إن الأكيل مجالس
    فقل لابن يربوع ألست براحض سبالك عنا إنـهـن نـجـائس
    تمسح يربـوع سـبـالا لـئيمة بها من مني العبد رطب ويابس قال: ثم اجتمع جرير وابن لجأ بالمدينة وقد وردها الوليد بن عبد الملك، وكان يتأله في نفسه، فقال: أتقذفان المحصنات وتغضبانهن ثم أمر أبا بكر محمد بن حزم الأنصاري - وكان واليا له بالمدينة - بضربهما، فضربهما وأقامهما على البلس مقرونين، والتيمي يومئذ أشب من جرير، فجعل يشول بجرير وجرير يقول وهو المشول به:
    فلست مفارقا قرني حـتـى يطول تصعدي بك وانحداري فقال ابن لجأ:
    ولما أن قرنت إلى جرير أبى ذو بطنه إلا انحدارا فقال له قدامه بن إبراهيم الجمحي: وبئسما قلت جعلت نفسك المقرون إليه قال: فكيف أقول? قال تقول:
    ولما لز في قرني جرير فقال: جزيت خيرا، لا أقوله والله أبدا إلا هكذا.
    هو والأخطل في حضرة عبد الملك ابن مروان: حدثني محمد بن عمران الصيرفي قال حدثنا العنزي قال حدثني محمد بن عبد الله العبدي قال حدثني عمارة بن عقيل عن أبيه قال:

    صفحة : 833

    وقف جرير على باب عبد الملك بن مروان والأخطل داخل عنده، وقد كانا تهاجيا ولم يلق أحدهما صاحبه. فلما استأذنوا لجرير أذن له فسلم وجلس، وقد عرفه الأخطل، فطمح بصر جرير إليه فقال له: من أنت? فقال: أنا الذي منعت نومك وهضمت قومك. فقال له جرير: ذاك أشقى لك كائنا من كنت. ثم أقبل على عبد الملك فقال: من هذا يا أمير المؤمنين? فضحك وقال: هذا الأخطل يا أبا حزرة. فرد بصره إليه وقال: فلا حياك الله يا بن النصرانية أما منعك نومي فلو نمت عنك لكان خيرا لك. وأما تهضمك قومي فكيف تهضمهم وأنت ممن ضربت عليهم الذلة والمسكنة وباءوا بغضب من الله إيذن لي يا أمير المؤمنين في ابن النصرانية. فقال: لا يكون لك بين يدي. فوثب جرير مغضبا. فقال عبد الملك: قم يا أخطل واتبع صاحبك، فإنما قام غضبا علينا فيك، فنهض الأخطل. فقال عبد الملك لخادم له: انظر ما يصنعان إذ برز له الأخطل. فخرج جرير فدعا بغلام له فقدم إليه حصانا له أدهم فركبه وهدر والفرس يهتز من تحته، وخرج الأخطل فلاذ بالباب وتوارى خلفه، ولم يزل واقفا حتى مضى جرير. فدخل الخادم إلى عبد الملك فأخبره، فضحك وقال: قاتل الله جريرا ما أفحله أما والله لو كان النصراني برز إليه لأكله.
    سئل عن نفسه وعن الفرزدق والأخطل فأجاب: أخبرني هاشم بن محمد قال حدثنا الرياشي قال حدثنا الأصمعي عن أبي عمرو قال: سئل جرير أي الثلاثة أشعر? فقال: أما الفرزدق فيتكلف مني ما لا يطيقه، وأما الأخطل فأشدنا اجتراء وأرمانا للغرض، وأما أنا فمدينة الشعر. وقد حدثني بهذا الخبر حبيب بن نصر عن عمر بن شبة عن الأصمعي فذكر نحو ما ذكره الرياشي، وقال في خبره: وأما الأخطل فأنعتنا للخمر وأمدحنا للملوك.
    فضله أبو مهدي على جميع الشعراء: أخبرنا عمي قال حدثنا الكراني قال حدثنا العمري عن عطاء بن مصعب قال: قلت لأبي مهدي الباهلي وكان من علماء العرب: إيما أشعر أجرير أم الفرزدق? فغضب ثم قال: جرير أشعر العرب كلها، ثم قال: لا يزال الشعراء موقوفين يوم القيامة حتى يجيء جرير فيحكم بينهم: لم يحفل بنو طهية بهجائه حتى هجاهم في قصيدة الراعي فجزعوا: أخبرني هاشم بن محمد قال حدثني العباس بن ميمون قال سمعت أبا عثمان المازني يقول: قال جرير: هجوت بني طهية أنواع الهجاء، فلم يحفلوا بقولي حتى قلت في قصيدة الراعي:
    كأن بني طهية رهط سلمى حجارة خارىء يرمي كلابا فجزعوا حينئذ ولاذوا بي.
    كان عاقا لأبيه وابنه عاق له: أخبرني الحسن بن علي الخفاف قال حدثنا أحمد بن الحارث الخراز قال حدثنا المدائني قال: كان جرير من أعق الناس بأبيه، وكان بلال ابنه أعق الناس به. فراجع جرير بلالا الكلام يوما، فقال له بلال: الكاذب مني ومنك ناك أمه. فأقبلت أمه عليه وقالت له: يا عدو الله أتقول هذا لأبيك فقال جرير: دعيه، فو الله لكأنه سمعها مني وأنا أقولها لأبي.
    هجا عمر بن يزيد لتعصبه للفرزدق عليه: أخبرني محمد بن خلف بن المرزبان قال حدثنا أحمد بن الهيثم قال حدثنا العمري عن لقيط قال: كان عمر بن يزيد بن عمير الأسدي يتعصب للفرزدق على جرير. فتزوج امرأة من بني عدس بن زيد بن عبد الله بن دارم، فقال جرير:
    نكحت إلى بني عدس بن زيد فقد هجنت خيلهم العرابـا
    أتنسى يوم مسكن إذ تنـادي وقد أخطأت بالقدم الركابـا وهي قصيدة، فاجتمعوا على عمر بن يزيد. ولم يزالوا به حتى خلعوا المرأة منه.
    استشفع عنبسة بن سعيد إلى الحجاج ثم أنشده فأجازه: أخبرني محمد بن خلف قال حدثني محمد بن الهيثم قال حدثني عمي أبو فراس قال حدثني ودقة بن معروف قال:

    صفحة : 834

    نزل جرير على عنبسة بن سعيد بواسط، ولم يكن أحد يدخلها إلا بإذن الحجاج. فلما دخل على عنبسة، قال له: ويحك لقد غررت بنفسك فما حملك على ما فعلت? قال: شعر قلته اعتلج في صدري وجاشت به نفسي وأحببت أن يسمعه الأمير. قال: فعنفه وأدخله بيتا في جانب داره وقال: لا تطلعن رأسك حتى ننظر كيف تكون الحيلة لك. قال: فأتاه رسول الحجاج من ساعته يدعوه في يوم قائظ، وهو قاعد في الخضراء وقد صب فيها ماء استنقع في أسفلها وهو قاعد على سرير وكرسي موضوع ناحية. قال عنبسة: فقعدت على الكرسي، وأقبل علي الحجاج يحدثني. فلما رأيت تطلقه وطيب نفسه قلت: أصلح الله أمير رجل من شعراء العرب قال فيك شعرا أجاد فيه، فاستخفه عجبه به حتى دعاه إلى أن رحل إليك ودخل مدينتك من غير أن يستأذن له. قال: ومن هو? قلت: ابن الخطفى. قال: وأين هو? قلت: في المنزل. قال: يا غلام فأقبل الغلمان يتسارعون. قال: صف لهم موضعه من دارك، فوصفت لهم البيت الذي هو فيه، فانطلقوا حتى جاءوا به، فأدخل عليه وهو مأخوذ بضبعيه حتى رمي به في الخضراء، فوقع على وجهه في الماء ثم قام يتنفش كما يتنفش الفرخ. فقال له: هيه ما أقدمك علينا بغير إذننا لا أم لك? قال: اصلح الله الأمير قلت في الأمير شعرا لم يقل مثله أحد، فجاش به صدري وأحيبت أن يسمعه مني الأمير، فأقبلت به إليه. قال: فتطلق الحجاج وسكن، واستنشده فأنشده. ثم قال: يا غلام فجاءوا يسعون. فقال: علي بالجارية التي بعث بها إلينا عامل اليمامة، فأتي بجارية بيضاء مديدة القامة. فقال: إن أصبت صفتها فهي لك. فقال: ما اسمها? قال: أمامة، فأنشأ يقول:
    ودع أمامة حان منك رحيل إن الوداع لمن تحب قلـيل
    مثل الكئيب تهليت أعطافـه فالريح تجبر متنه وتهـيل
    تلك القلوب صواديا تيمتهـا وأرى الشفاء وما إليه سبيل فقال: خذ بيدها. فبكت الجارية وانتحبت. فقال: ادفعوها إليه بمتاعها وبغلها ورحالها.
    أمره الحجاج وأمر الفرزدق بأن يدخلا عل

      الوقت/التاريخ الآن هو الثلاثاء مارس 28, 2017 12:23 am